Category Archives: معمر القذافي ، ليبيا ، الليبين ، الفساد

- مذكرات نوري المسماري – الحلقة ( 5 )

الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي يرحب بالقذافي في تونس وفي الاطار المسماري (رويترز)

المسماري: رأى المعتصم الثورة في مصر فقال: هذه نهاية الديكتاتوريات (5)

عمان – غسان شربل

الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٢

كاد نوري المسماري يقع في الفخ الذي نُصب له. لم يُطق معمّر القذافي فكرة وجوده بعيداً في باريس ومعه سنوات من الأسرار والمشاهدات. تدخّل لدى العائلة لإقناعه بالعودة. أرسل فريقاً لاغتياله. ثم أرسل نجله المعتصم لاصطحابه وإعادته. صدّقت العائلة، أو بعض أفرادها، تطمينات القائد وسلك المسماري طريق المطار لارتكاب رحلة العودة. أنقذَتْهُ نصيحة جاءت في اللحظة الأخيرة وعاد إلى باريس.

لا يغفر القذافي لمن يقفز من السفينة ويبتعد. لهذا كان المسماري مرشحاً لمواجهة مصير مشابه لما حلّ بعمر المحيشي يوم نجح العقيد في استعادته من المغرب وقتله. كان إسكات المسماري مهماً للقائد، ذلك أن أمين المراسم القريب من باب الخيمة ومن باب العزيزية سمع الكثير وشاهد الكثير، فضلاً عن انه كان يرافق القذافي كظله في الأسفار والمؤتمرات.

لم يكن في ليبيا دستور ولم يكن فيها قانون. كانت البلاد تعيش على ساعة مزاج القائد. وحين يعتكر مزاجه يعاقب التقصير البسيط بالسجن في المخالفات التي لا يرى انها تستحق الشطب الكامل والإلغاء. كان المسماري في السجن حين انعقد مؤتمرٌ في ليبيا. لاحظ الوفد القطري التحضيري غيابه فسأل وعرف. بعدها تدخّل رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني لدى العقيد فعاد المسماري الى عمله. خلال تنفيذه مهمة في مالي التي شهدت احتفالات حضرها الزعيم الليبي، شعر المسماري ان شيئاً يُدَبَّر له ونصحه ضابط ليبي بالفرار، وهذا ما حصل. وهنا نص الحلقة الخامسة:

> متى غادرت ليبيا ولماذا؟

- كانت لدي مشاكل خلال عملي مع القذافي وسجنتُ مرات عدة. كنت أحاول أن ألفته الى بعض المسائل لكن ذلك كان صعباً لأن المحيطين به كانوا من أقربائه، وكنا نسميهم «زبانية الخيمة». كان أعضاء جوقة المدّاحين هذه يهللون ويكبّرون اذا أطل عليهم بملابسه الأفريقية مثلاً وهو كان يحب المديح والمدّاحين.

> أعطنا مثلاً عن عملية سجنك.

- سُجنتُ مرات عدة بعضها لأسبوع ومرات لشهر. في المرة الأخيرة كان هناك مؤتمر في طرابلس. وكالعادة هناك وفود تحضيرية تصل باكراً. لاحظ أعضاء من الوفد القطري غيابي. استفسروا فأبلغهم أعضاء في المراسم أنني في السجن. السجن كان عبارة عن اماكن محددة للإقامة لكنه سجن.

كان ذلك في العام 2010 في فندق «ريكسوس» في الغابة في طرابلس. اتصل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بالقذافي وطلب منه أن يعفو عني. ليلاً اتصل بي مدير السجن العقيد ع.س، وهو يعتبر من أكبر المجرمين في عهد القذافي وقام بتصفيات خارجية وكانت بأمرته مجموعة يُطلق عليها كتيبة الإرهاب. كان هذا الرجل يُطارد من أسموهم آنذاك «الكلاب الضالة». أبلغني بقرار إخراجي من السجن. طبعاً الدخول الى السجن والخروج منه مسألة عشوائية في عهد القذافي. أثناء وجودي في المعتقل التحق بي البغدادي المحمودي أمين اللجنة الشعبية العامة ورئيس الوزراء وكذلك وكيل وزارة المالية ومحافظ مصرف ليبيا المركزي وعلى ما أعتقد مدير مصرف الأمان لموضوع مالي يتعلق بابن القذافي المعتصم بالله. م اطلق سراحي وفي اليوم الثاني التحقوا بي لأن المؤتمر على الأبواب.

ذهبت الى المؤتمر وأشرفتُ عليه وحضر حمد بن جاسم وسلمت عليه. قال لي القذافي عليك ان تشكر هذا الرجل الذي اطلق سراحك فلولاه ما كنت لتخرج من السجن. طبعاً حمد بن جاسم تحدث الى القذافي وقال له: نوري رجل مخلص ومحترم وطيب ولا يستأهل السجن. انتهى المؤتمر وعند مغادرة القذافي قلت له هل أعود الى السجن ام أذهب الى البيت، قال الى البيت. وكان بعدها العيد 41 لما يسمى ثورة سبتمبر، وللأمانة هي في البداية كانت ثورة لأن من قام بها هم ضباط احرار ومخلصون لكن القذافي سرقها لغرض في نفسه والدليل انه انشق عليه الكثير من الضباط الأحرار وأعضاء مجلس قيادة الثورة.

كُلِّفتُ بمهمة في مالي وكنا في شهر رمضان وقمتُ بالمهمة بنجاح. وبعدها كانت الاحتفالات الكبرى التي حضرها القذافي، وأثناء الاحتفالات بأعياد الاستقلال والحرية لمالي تعرضتُ لحادثة وأحسست بأن القذافي يبيّت لي شيئاً لأنه كان مشمئزاً مني.

> هل عبّر عن ذلك؟

- أذكر ان رئيس مالي امادو توماني توري الذي أطاحه لاحقاً انقلاب عسكري قال ان كل هذه الاحتفالات والاستعراض العسكري والقوات والإنزال المظلي الفضل فيها يرجع الى السيد نوري لما قام به، واستسمحكم بمنحه وساماً. رد عليه القذافي مستهزئاً وقال: «لو لم يفعل هذا لكنا قتلناه». أحسستُ بشيء من القلق. كان هناك ضابط اسمه العميد عبدالسلام الحاسين حضر إلى مالي على رأس مجموعة من القوات الخاصة الليبية لتأمين زيارة المقبور العقيد. جلستُ معه وسألني عن أسباب انزعاجي فأخبرته. والظاهر انه كانت لديه معلومة عما يدور. رده كان قطعياً اذ سألني هل بإمكاني ان اغادر ليبيا وأترك؟ الآن هو عميد يمسك العمليات للقوات الليبية. قلت له نعم. فقال هذه نصيحة أخ لك ان تغادر. ودعنا القذافي الذي طلب مني ان ارافقه كما يفعل دائماً. قلت لله انني مضطر للبقاء لأضمن ترحيل الجنود والآليات والطائرات. بعد مغادرة الطائرة قال لي الضابط الليبي: انا اهتم بالترحيل، وانت عليك المغادرة. سلمت عليه، وأخذت الطائرة الى تونس. مرضت ودخلت الى المستشفى. بقيت 3 أيام في تونس ثم توجهت بالباخرة الى مرسيليا في فرنسا، ونزلت في الفندق وكنت مريضا بالقلب وقال لي الطبيب انني احتاج الى علاج وقد يتطلب الامر اجراء قسطرة لتركيب دعامة. اخافني هذا الامر فسافرت الى ايطاليا وكان الكلام نفسه. اتيت الى الاردن واستُقبلت من جانب التشريفات الملكية وكانت المعاملة خاصة جداً. بقيت هناك، وبعد عشرة أيام تعبت وأخذوني الى المستشفى واضطروا الى إجراء قسطرة وركبوا دعامة، وتوقف قلبي لمدة عشر ثوانٍ عن النبض وتمت توعيتي بالصدمات الكهربائية وخرجتُ من المستشفى وتوجهتُ إلى فرنسا. آنذاك للأمانة لا أريد ان اتهم جميع الضباط وقيادات الأمن الخارجي بالعدوانية، لكن هناك من كان يوحي لهم من أقارب مجموعة القذافي لأن القذاذفة كانوا يخططون لإبعادي بأي شكل من الأشكال. فكانوا يحاولون الإساءة الى سمعتي دائماً. ذات مرة تمت تنحيتي وبعد أسبوع إعادتي من جديد بعد فشل مؤامرتهم. وكان سيف الاسلام القذافي يخطط لوضع شخص (في مكاني) من مجموعة تابعة له. أرسل مجموعة الى الأردن لدراسة شؤون البروتوكول ومراسمه، وكان بينهم واحد من القحصة (هم أقارب مباشرون للقذافي) واشترك في هذه المؤامرة لتنحيتي البغدادي المحمودي، وكان هناك صراع دائم بيني وبينه لأنه كان من مجموعة سيف الإسلام. لم تنجح المؤامرة وكان الصدام بيني وبينهم وقدمتُ استقالتي فرُفضت. وكان الصدام بيني وبين البغدادي المحمودي دائماً.

ما حدث أنني عدت الى فرنسا. هناك اتصلوا بالقذافي وأبلغوه بأنني هربت. القذافي خاف. وهو كان دائماً يخاف إذا سافرت حتى للعلاج. كان يتخوف ان أنشق خصوصاً انني تركت العمل معه في 1982 لمّا غادرت ليبيا. نُشرت مقالة ضدي في جريدة إيطالية وأعتقد أنها كُتبت بتعليمات لصحيفة إيطالية مأجورة، وفيها اتهام لي بالتخطيط للانقلاب على القذافي او للثورة في ليبيا.

> لكن الثورة لم تكن بدأت بعد؟

- صحيح. اتصل بي المعتصم نجل القذافي فقلت له إنني مريض وأخضع للعلاج وسأعود بعده. قال لي يا عمي نوري (كانوا دائماً يخاطبونني عمي نوري) استمر في علاجك وحين ترجع نستقبلك. بعدها حدّثني سيف الإسلام، وعلاقتي به محدودة الى أبعد حد. كنت ألتقي به صدفة في بيت والده أو في الخيمة. سألني عن أحوالي وقال: هؤلاء كلاب ومخابرات. وصدرت بعض المقابلات الصحافية نقلاً عن مصدر موثوق به مقرب من سيف الإسلام تقول ان هذه مؤامرة من الأجهزة الأمنية ضد السيد نوري المسماري.

> ماذا قال لك ايضاً؟

- سلّم عليّ. قلت له إنني متعب ومريض. فقال نأمل ان ترجع بالسلامة. وصدر هذا المقال. كانت المؤامرة تحاك بأن نوري سيهرب وينشقّ، فدبروا لي مؤامرة دنيئة مع النائب العام- تعرفون ان النائب العام يتبع وزير العدل لأن القضاء ليس مستقلاً- النيابات كلها تتبع وزير العدل وكان المستشار مصطفى عبدالجليل. وحاول عبدالله السنوسي وعبدالله منصور التنقيب في أوراق جهاز المراسم العام لتلفيق اي أي تهمة يمكن تلفيقها لكنهما لم يعثرا على شيء.

> من هو عبد الله منصور؟

- كان عميداً في الجيش ومديراً للإذاعة الليبية ومن بعده أتى علي الكيلاني. وهو قريب لعبدالسلام الزادمة الذي كان من الأمن الخارجي ومات. كان أكبر مجرم ومشترك في التصفيات. كان مجرماً وشارك في تصفيات عدة لليبيين في الخارج. فمنصور والسنوسي حاولا تلفيق أي تهمة لي ولم ينجحا فطلبا من النائب العام في الاجتماع تلفيق تهمة لنوري المسماري بأي شكل من الأشكال، وكان هذا للأسف في ذاك الوقت بإشراف وزير العدل وبتعليمات من القذافي، ولُفّقت لي مؤامرة واتُّهمتُ بالمس بالمال العام. وكانت مؤامرة غبية لأن ميزانية جهاز المراسم كانت اسميّة للمراسم العامة وكانت تُدار من اللجنة الشعبية العامة التي هي رئاسة مجلس الوزراء.

> لُفِّقت لك تهمة فاعتُقلتَ في فرنسا؟

- القذافي طلب من الفرنسيين ترحيلي الى ليبيا. رفض الفرنسيون. تم تدبير اتفاقية مالية (بين ليبيا وفرنسا) لشراء طائرات يشرف عليها محمد الحويج وزير الاقتصاد آنذاك، وتُقدَّر الاتفاقية بنحو مليار ونصف المليار يورو.

> لشراء الأسلحة؟

- طائرات وتكنولوجيا وأمور متطورة. وهذه وضعت كوسيلة ضغط لترحيلي، لكن للأمانة (الرئيس الفرنسي السابق نيكولا) ساركوزي رفض، وقال ان الموضوع بيد القضاء. هدد القذافي بإلغاء الاتفاقية. أجابوه افعلوا ما تشاؤون ونحن لا نستطيع ان نرحل إلا بأمر من القضاء. أرسل القذافي مجموعة تحت إشراف ضابط من جهاز الأمن الخارجي، وهنا لا أريد ان أجزم ان جميع ضباط الأمن الخارجي من أعوان القذافي، هناك طبعاً أقرباء عبدالله السنوسي وعبدالله منصور وأقرباء القذافي وهم بالطبع مخلصون له، لكنْ هناك في جهاز الأمن الخارجي عدد من الوطنيين والثوريين والشرفاء قاموا بمساعدة ثورة 17 فبراير بكل ما لديهم. وهذا الضابط اسمه الأول سعد كان يعرفني جيداً، فطلب (القذافي) منهم الذهاب على رأس مجموعة لاغتيالي. الضابط المكلف كان قنصلاً في فرنسا ويعرفها. لم يحاول جدياً الإيقاع بي لأنه كان يعرفني جيداً ويعرف وطنيتي.

> أُرسل الفريق الى فرنسا؟

- نعم. معظم القناصل كانوا ضباطاً في جهاز الأمن الخارجي وكانوا يمسكون مناصب قناصل عامة لهذه الغاية. السلطات الفرنسية عرفت ان هناك مجموعة وصلت لتصفيتي فتم اعتقالي وأُدخلتُ السجن وكانت المعاملة جيدة. هناك أمور أمنية وسياسية. كان المطلوب ان أبقى متحفّظاً عليها قدر الإمكان لأنه كان هناك تخطيط لقتلي بأي شكل من الأشكال. بدأت الاتصالات بي (من ليبيين) محاولين إقناعي بالعودة ورفضت. وتم تكليف محامٍ لي وبعدها اطمأنّ الفرنسيون حين اضطرت مجموعة الاغتيال الى المغادرة.

اتبع القذافي اسلوباً رخيصاً آخر بعدما أفرجَت المحكمة عني من دون كفالة مع حفظ حرية التنقل الى حين صدور الحكم، فأرسل إلي عبدالله منصور، وأذكر انني اجتمعت به في فندق «فوكيت» وصافحني وكان اللقاء جيداً وأبلغني تحيات «أخوك»- لا يقولون القائد بل يقولون اخوك. مثلاً طلب منك أخوك. اذا كان الحديث عن تعليمات او سواها. لهذه الكلمة معنى مختلف عن ذاك الذي يظنّه الناس انه يُستخدم للتقرُّب، بل هي بالعكس، تُستخدم كي لا تعود الكنية معروفة- قلتُ له انتم لفّقتم لي تهمة رهيبة هي المس بالمال العام، فقال انت تعرف ونحن لفّقناها تلفيقاً. فأجبته وتعترف بذلك. وكان هذا الحوار بشهادة ابنتي امال وثريا وشخص اسمه مالك بعيّو. قال انت تعرف أخاك. فقلت من اين هذه التعليمات؟ فأجاب: من أخيك، لكن ما ان تعود سنلغيها. فأجبته بأنني لن اتحرك من هنا إلا بعد ان تتنازلوا وتسحبوا هذا الاتهام شئتم أم أبيتم. ولم تنجح المحاولات. فقال: انت الآن علاجك على حساب الدولة الليبية وتعال اسكن في هذا الفندق «فوكيت» وإقامتك ستكون على حسابنا. المهم قَبِلت. لأنني كنت أريد ان أرى الى أين سنصل. مُنِعت عائلتي من مغادرة ليبيا. وأقاربي وأبنائي وأحفادي مُنعت عليهم المغادرة. وكانت هناك دائماً اتصالات بالهاتف من السنوسي وقال إنه يعطيني الأمان. لكن أنا كنت أقول: الثقة في محمد ومحمد مات. وحاولتُ ان أجد مبرراً وقلت إنني لا استطيع مغادرة فرنسا إلا بأمر من المحكمة، لكن هذا غير صحيح. حضر السفير الليبي آنذاك الدكتور صلاح الزارم وهو صديقي لكنه من مجموعة موسى كوسا، وحاول ايضاً إقناعي. ومن ضمنها كانت جلسة محكمة حضرها الزالم ومعه عضو من السفارة وأبلغنا القاضي بأن السفير ومجموعة موجودون، فأمر بتأجيل القضية. ورجعنا وحضر عبدالله منصور من جديد واجتمعت به وسألتُه كيف تقول لي «اخوك يطلبك ومنعتم أسرتي من السفر. حضرت ابنتي ثريا وآمال محاولتين إقناعي. وأثناء القضية حضرت ابنتاي ست الكل ومنال الى فرنسا للوقوف الى جانبي، وست الكل كانت مقيمة في الأردن لأن زوجها سكرتير أول في السفارة وامال وثريا كانتا في طرابلس ومنال حضرت من اميركا حيث تقيم ووقفن الى جانبي لأنني كنت مريضاً ايضاً. وأثناء ذلك اتصل ابني ايهاب المسماري الذي كان مستشاراً في سفارتنا في كندا وانشق. واتصل بابنتي آمال أكبر بناتي وقال لها ان كل مصاريف المحامي على حسابي ولا تقبضوا شيئاً من الحكومة الليبية وتحمّل كل التكاليف.

> وكرر القذافي محاولاته؟

- حضر عبدالله منصور وحاول إقناعي ولم أقتنع وكنت متخوفاً. ابنتي ثريا طلبها معمر القذافي للحضور وذهبَتْ لمقابلته وقال لها نوري مثل ابني وأخي وأحبه وليقل أي منصب يريده. بالطبع بناتي لا يعرفن خفايا هذا الرجل. فأتين مبتسمات. كانت ثريا في جهاز المراسم وفي الوقت نفسه انتدبت سكرتيراً اولاً في سفارتنا في السيشيل وابنتي غادة ايضاً في السيشيل وهي أيضاً انشقّت. لم أقتنع. ثم حضر ابنه المعتصم بالله وطلب مقابلتي، هنا بدأت أشعر بالخطورة.

> جاء المعتصم الى باريس؟

- نعم. وأقام في فندق «بريستول». وطلب مقابلتي وكان هناك تخوف من عملية خطف. فأبلغتُ السلطات الفرنسية، فطلبوا مني الذهاب وبصحبتي عناصر من الأمن الفرنسي.

> اين اجتمعت به؟

- اجتمعت به ليلاً في فندق «بريستول» وكانت معي آمال وثريا. اجتمعنا به وكان لقاء جيداً، ولا أنكر ذلك. قال المعتصم: أهلاً عمّي نوري كيف حالك وماذا حصل؟ أخبرتُه. وكيف تسجن. كانت في تلك الفترة احداث ثورة يناير(كانون الثاني) بدأت في مصر. وكانوا ينقلونها عبر شاشات التلفزيون. التفتُّ الى المعتصم وقلتُ له: انظر ما الذي يحصل. عندها رد المعتصم للأمانة رداً غريباً، وقال: «هذه نهاية كل الديكتاتوريات».

التفتُّ صوبَ ابنتي ثريا وآمال، وكان المعتصم ذاهباً لإحضار شيء من غرفته لاحظت وجود نحو 15 زوج حذاء اعتقد انها لجماعته الذين كانوا معه. قالت ابنتي: ما هذا الرد؟ كان الرد عدائياً على والده. عاد. لم نستمر في الموضوع. كان معترضاً على كل ما يقوم به والده من تدخلات في شؤون الدولة والأمن. وقال لي بالحرف الواحد: أنا مستشار الأمن القومي صورة فقط، لا حول لي ولا قوة.

> المعتصم الذي قتل لاحقاً؟

- نعم. قتله الثوار. قال لي المعتصم: طائرتي معي وغداً سأغادر فرنسا وأريدك ان تعود معي. قلت ان شاء الله سنرى وعدت الى البيت.

بناتي كن مهتمّات ورجونني ان أعود، وحاولن لكنني رفضت. اتصل بي مدير مكتبه وقالوا: نحن أجّلنا السفر وسنسافر غداً، فعمّي نوري جهز نفسك ومستشار المعتصم يُسلّم عليك ويطلب منك ان تجهز نفسك لأننا سنغادر. فقلت انه لا يمكنني المغادرة لأن لدي موعداً لكشف طبي. حصل صدام بيني وبين بناتي لأنهن كن مقتنعات بالكلام الذي سمعنه. سواء ما سمعته ثريا من القذافي في طرابلس وسواء ما قاله المعتصم او ما قاله عبدالله منصور ان عملية الاتهام تلفيق وبأمر من القذافي ستتم ازاحتها. لكنني أصريت. غادر المعتصم وأتى السفير ومعه محام ليبي مقيم في فرنسا محاولين اقناعي لكنني رفضت. طلبوا مني ان اقول للقضاء الفرنسي يوم المحاكمة انني قررت العودة الى ليبيا فيسمحون لي بذلك. مغادرتي فرنسا من عدمها قرار لي لأن المحكمة لم تضعه شرطاً ولا حتى كفالة. بالنهاية إرضاءً لآمال وثريا قررتُ المغادرة والعودة الى ليبيا، وخلال وجودي في المطار حضر احد أعضاء مكتب المحامي الفرنسي. قال إنه يفضّل ألا أعود الى ليبيا. وأضاف: العودة ليست في مصلحتك وقد تكون هناك أخطار. عندها ألغيتُ السفر واسترجعتُ التذكرة وعدتُّ الى الفندق وبدأت بوادر الثورة. وظهرتْ دعوات لجعل يوم 17 فبراير يوم غضب وبدأتْ التحركات على فايسبوك وكنت أُتابعها وكان يتصل بي بعض الأصدقاء. وكان يوم 17 يوم الغضب. حصلت الانتفاضة يوم 14 في البيضا حيث قبيلتي قبيلة المسامير والبراعصة وقبائل أخرى. منطقة الجبل الأخضر كلها قبائل قوية منها العبيدات… المهم بدأت الاحداث وحصل ضرب. يوم 17 مصادمات، 18 مصائب، 19 بدأ الضرب. انا انزعجت. يوم 20 كان القتل ساحقاً. في اليوم التالي ظهرتُ على «الجزيرة» وأعلنتُ انشقاقي.

> كنتَ أول المنشقين؟

- نعم أنا الأول. وبعدي مباشرة احد اعضاء المراسم كان منتدباً في الصين حسين المصراتي وبعدها انشق السفير في االهند… ثم السيد مصطفى عبد الجليل وبدأت الثورة.

> عملتَ مع القذافي مديراً أميناً لجهاز المراسم العامة من العام 1997 حتى العام 2010، هذا يعني أنك كنت الرجل القريب من القذافي؟

- وقبلها أيضاً عملت معه من العام 1977 حتى العام 1982، ثم غادرت.

> إذا أردنا ان نصف شخصية القذافي، كيف نصفها؟

- القذافي شخص مغرور يعتقد انه الوحيد الذي يعرف والوحيد الذي يفهم، وأنه شخص ضليع في القانون والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والسياسية. الكلمة الأولى والأخيرة له ولا يقبل ان يعارضه احد. يحب التباهي ويميل إلى من يشيد به ويقول عنه انه كبير وأنه أعظم شخص. ثم ان أي شخص ينصاع له يحصل منه علىا مكاسب وهذا ينطبق ايضاً على رؤساء الدول.

> على سبيل المثال، من هم رؤساء الدول الذين عنيتهم بكلامك؟

- بعض الرؤساء الأفارقة.

> لم تعد ثمة حاجة للتكتُّم؟

- لا أريد أن أتعرّض لتلك الأسماء. انا سأكتب كتاباً محاولاً عدم التجريح بأولئك الرؤساء.

> لكن تلك الحقبة ستتكشّف في النهاية؟

- إن شاء الله في فترات مستقبلية سأتحدث عنهم. كان هناك رؤساء أفارقة يؤثر عليهم القذافي، مثل رئيس الكونغو برازافيل ساسو نغيسو، ورئيس مالي امادو توماني توري، وكان رئيس نيجيريا اباسانجو متقلباً، مرة كان مع القذافي ومرة أخرى ضده. وكان من ضمن الرؤساء المؤثَّر عليهم من جانب القذافي ويمتصهم بأمواله رئيس ليبيريا الديكتاتور السابق المسجون تشارلز تايلور. وكان القذافي على علاقة وطيدة برئيس بوركينا فاسو بلايز كامباوري، لكن هذه الصداقة حصل فيها انشطار نتيجة زيارة كامباوري اسرائيل. وكان أيضاً مؤثراً على الرئيس الغاني جيري رولينغز، وكان له تأثير كبير على رئيس سيراليون كما كان للقذافي تأثير نسبي على رئيس ساحل العاج، وتأثير على رئيس افريقيا الوسطى بوزيزي، وهذا ايضاً كان مدعوماً من رئيس تشاد ادريس ديبي ووصل الى السلطة في ظله وانضم الى جناح القذافي. لكن بين القذافي وبين ادريس ديبي كان يحصل تقارب في بعض الأحيان وابتعاد في أحيان اخرى، وفي الفترة الأخيرة كان هناك تقارب بينهما.

> هؤلاء الرؤساء كانوا يتقاضون اموالاً من القذافي؟

- من دون شك، مساعدات واستثمارات في بلادهم. والاستثمارات والهدايا كانت من مسؤولية مدير مكتب القذافي السيد بشير صالح الذي كان يتصرف بتعليمات وأوامر، وكان يمسك المحفظة الافريقية.

> وعلى أيّ من الرؤساء العرب كان القذافي مؤثراً في السنوات العشر الاخيرة؟

- كان تأثير القذافي على الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مؤكداً. وبين القذافي والرئيس عبد العزيز بوتفليقه كان هناك نوع من البرود، لكن في بعض الأحيان كان يتم التقارب بينهما. في بداية الأمور كان هناك انشقاق بين بن علي والقذافي لكن عاد التقارب من طريق أنسباء زوجة بن علي وعائلة صهر بن علي، وخلال زيارات القذافي لتونس كانت تقام له حفلات كبيرة. كان القذافي في السنوات الأخيرة يدعم صاحبي القرار في تونس ومصر.

- مذكرات نوري المسماري – الحلقة ( 4 )

القذافي وأنان (اف ب)

المسماري: دخل أنان الخيمة مرعوباً وأشرف القائد شخصياً على خطة إذلاله…لبس القفازات البيض كي لا يصافح مبارك وفوجئتُ ببيرلوسكوني يقترب ويقبّل يده (4)

عمّان – غسان شربل

الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٢

ماذا يريد معمر القذافي أكثر من ذلك؟ جاء رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني الى مؤتمر الشعب العام. ألقى خطاباً ثم تقدّم من قائد الثورة وقبّل يده. كان أمين المراسم نوري المسماري واقفاً قرب القائد وأثار المشهد استغرابه. لاحقاً سُئل المسماري في التلفزيون الإيطالي إن كان يشعر بالخجل لأنه عمل مع القذافي، فأجاب: «كنتُ أعمل مع ليبيا وليس مع القذافي، وكنتُ أعمل من اجل ليبيا. أنا لستُ خادماً عند القذافي لكن من يجب أن يخجل هو مَن مدَّ أمامه البساط الأحمر وطابور الشرف وعزف له الأناشيد وقبّل يده. أنا لم أفعلها».

كان القذافي يشعر في قرارة نفسه أن الغرب يبحث عن وسيلة لاسترضائه وعينه على «الذهب الأسود» الذي تنام عليه ليبيا. غفر الغرب للقذافي تاريخه الدموي في الداخل وابتهج بإعادة تأهيله وتحسين صورته. جاءت المفاجأة هذه المرة من «الربيع العربي».

كان القذافي يستمتع بإذلال الرؤساء، يتأخر عن المواعيد أو يُعدّل برنامجه فجأة ويُربك مستقبليه والقواعد المتعارف عليها. وكان يتعمّد إزعاج من يستقبلهم. يضرب لهم موعداً في الصحراء. ذات يوم وضع خطة لإذلال زائر اسمه كوفي أنان جاء للبحث في قضية لوكربي. استقبله ليلاً في الصحراء في مخيم موحش، فخاف الزائر وتوهّم وجود أُسود في الصحراء، التي غرقت في ليل دامس باستثناء خيمة العقيد.

ثمة رحلة أرضت غرورَ قائد الثورة. استقبله الزعيم الكوري الشمالي كيم إيل سونغ بأمواج بشرية ولوحات فنية مذهلة. اعتبر المشهد نوعاً من الاعتراف بفرادة زعامته. ربما لهذا السبب كان يصرّ لاحقاً على استخدام تعبير «يا ابني» في مخاطبة عدد من القادة العرب الشبّان، وصولاً الى رجل اسمه باراك أوباما. وكان يتعمّد ذلك للتقليل من شأن من يخاطبه. وهنا نص الحلقة الرابعة:

> هل زار القذافي ضريح لينين في موسكو؟

- نعم، وكان تعليقه أن الرجل مات، فلماذا ينفقون الأموال لصيانة تحنيط جثمانه.

> بأي زعيم عالمي كان معجباً؟

- بمعمر القذافي!

> ماذا كان يقرأ؟

- كان يقرأ كثيراً التاريخ العسكري والسياسي والمدني. قبل زيارته ايَّ دولة كان يأخذ تاريخها بالكامل وينشغل به طوال الرحلة، وحين يقابل رؤساء تلك الدول كان يختار شيئاً من تاريخهم يفاجئهم به، ومرات يكون الرئيس نفسه لا يعرفه.

> مثل مَنْ؟

- مثلاً جنوب افريقيا. وهنا ذكّرتني بحادثة. أحرجني مرة مع نيلسون مانديلا. في منتصف الليل اتصل بي على خط القيادة الأحمر، وسألني اذا كنت مستيقظاً، فأجبته بنعم، فقال البس ثيابك وهات مانديلا، الذي كان يزور ليبيا بعد تركه الرئاسة. تحدثت الى مستشار مانديلا فقال: هل جننت؟ الرجل نائم ومريض وركبتاه تؤلمانه. قلت: هذه التعليمات. فقال: أي تعليمات هذه؟ وهل مانديلا موظف عندكم؟ لا يمكن ان أسمح بدخول أحد لإيقاظه. سكرتيرة مانديلا عرفت ورفضت رفضاً قاطعاً. اتصلت بالقذافي وأبلغته، فقال: أبلغهم أنه موضوع مهم وأقنعهم، أعرف أنك بارع. أقفلت الخط وأخبرتهم الذي حصل، لكنهم أصروا على الرفض.

> هل صحيح أنه تعمَّد إهانة بان كي مون حين أتوا به إلى طرابلس وكان القذافي في الصحراء؟

- كان يأتي بهم كلهم الى الصحراء، مرةً أهان حسني مبارك، لكن الحادث الأبرز حصل مع كوفي انان حين أتى الى ليبيا ليتكلم في موضوع لوكربي. هذه كانت اهانة فعلاً، وصل انان في النهار الى ليبيا لكن القذافي قال لا تأتوا به إليَّ إلا في الليل. كانت خيمة القذافي منصوبة في اول الصحراء على بعد مئتي متر من الطريق الساحلي. لكن التعليمات كانت القيام بعملية التفاف طويلة قبل الوصول الى المخيم، الذي امر القذافي بإطفاء كل الأضواء فيه باستثناء خيمته. شعر أنان بالخوف، خصوصاً حين سمع صوت الجِمال، فسألني ان كان هذا صوتَ أُسُود، فطمأنته، ولاحظت ان وجهه صار أبيض من شدة القلق. قضت التعليمات ايضاً بإعادة انان عبر الطريق ذاتها.

حسني مبارك أخذوه الى الصحراء فانزعج، وقال إذا كانت هناك صحراء في المرة المقبلة فلن أذهب (إلى ليبيا). لهذا صار القذافي يأتي إليه في قاعة واغادوغو أو يستقبله في بيت الضيافة المجاور لها. مبارك قال صراحة: حكاية الصحراء لا تفكروا فيها، مرة ثانية لن أذهب. في أي حال، مبارك كان يستوعب القذافي ويحرص على زيارته في رمضان وتناول الإفطار معه.

> وعلاقة القذافي مع الرئيس السوداني جعفر النميري؟

- في البداية كانت جيدة، لكنها ساءت لاحقاً. في آخر أيام النميري ذهب القذافي الى السودان في زيارة رسمية وحرص على رؤيته وهو كان مشلولاً. تظاهر القذافي بالتأثر وراح يسأله عما يريد، وطبعاً كان القصد إذلاله. لكنه إعلامياً يبرمجها في شكل آخر.

> هل كان يحب الصادق المهدي؟

- كلا، لكنه سانده بقوة.

> وعلاقته مع الرئيس عمر حسن البشير؟

- في الفترة الأخيرة كانت سيئة، بسبب دعم القذافي جنوب السودان.

> وعلاقته مع الزعيم الجنوبي جون قرنق؟

- زاره قرنق كثيراً، وبعد وفاته كانت زوجته تأتي للحصول على مساعدات للجنوب، والتقاها في كمبالا.

> هل كنت معه عندما التقى عيدي أمين؟

- حين تنحى عيدي أمين وأتى إلى ليبيا أنا كنت مرافقَه. شخصيته مرحة لكنه كان غبياً.

> ما قصة ملك ملوك أفريقيا؟

- ملوك أفريقيا هم الملوك التقليديون. إنهم نوع من السلاطين المحليين وشيوخ القبائل. أحبَّ (القذافي) أن يتقرّب منهم. هناك من أوحوا له بإمكان تشكيل مجلس لهؤلاء. أدخلوا في دماغه ان هؤلاء «الملوك» يؤثرون في قبائلهم وشعوبهم، فدخلت الفكرة دماغه وراح يلتقي بهم. ولاحقاً كلّف بشير صالح رئيس ديوانه ان يتكلم مع الدكتور رافع المدني الذي كان يرأس مكتباً لشيوخ افريقيا وسلاطينها. خلال اجتماع قال له: نريد من اجتماعكم ان تعلنوا ان معمر القذافي ملك ملوك افريقيا. طبعاً الدكتور رافع أُحرج، وقال له نحن لا دخل لنا، نحن لسنا دولة. الملوك تجتمع والدول تجتمع ليعيِّنوا إمبراطوراً عليهم، فهذه توجب اتفاقات ومعاهدات. قال بشير صالح: طُلب مني ذلك، طبعاً رفضوا وأُحرجوا، وبقي المسكين يحاول، وطلب بشير صالح تاجاً فتبين ان احد الملوك لديه تاج من الذهب، أخذوا التاج وأعلنوه ملك ملوك افريقيا وألبسوه إياه. مسرحية طلبها القذافي وكان مصرّاً عليها. في القمة العربية في قطر أورد أميرُها بشيء من الاستهزاء لقب ملك ملوك افريقيا، وفي القمة عدّد القذافي ألقابه، وقال: أنا عميد الحكّام العرب وملك ملوك افريقيا… الى آخر المعزوفة. كان لا يريد ان يسمع لقب رئيس او ما شابه. كان يطالب رسمياً بمناداته بالقائد معمر القذافي ملك ملوك افريقيا. أرسلنا مذكرات للاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وفيها ان التسمية الرسمية للقذافي هي قائد الثورة معمر القذافي، ملك ملوك افريقيا.

> كيف كانت علاقته بالمال؟

- ليست له أي علاقة بالمال، أولاده كانوا يهتمون بالمال.

> ألم يكن صاحب القرار في اقرار المساعدات؟

- أكيد، لا يخرج مليم واحد الى رئيس دولة او حزب إلا بأمر منه.

> كان يوقِّع أوراقاً؟

- تقدَّم إليه مقترحات في صورة نقاط ويضع شارة صح فقط قرب ما يعجبه، فيبدأ التنفيذ.

> ما هي قصة ثيابه الغريبة؟

- هذه ثياب أفريقية، هو ملك ملوك افريقيا وينادي بالاتحاد الأفريقي ويلبس كل ما يتعلق بأفريقيا. كان لديه ميل الى الثياب المزركشة ويرتدي ايضاً ثياباً شبه نسائية.

> هل لديه حسابات خارجية؟

- نعم، أعتقد بأن لديه حسابات سرية.

> اولاده كان لديهم المال الكثير؟

- اول من أهلك معمر القذافي هم اولاده.

> القذافي كان يحب الجلوس مع المثقفين. هل كان يسبب لكم إحراجات في هذا الموضوع، مثلاً حين يذهب الى القاهرة ويجمع المثقفين؟

- أجل، كان يجمعهم كي يهينهم، كان يُظهر لهم الكلام الذي فيه خطأ ويدلهم عليه ويقول لهم هذه لا تكتب هكذا… الخ. وهذا ما يسبّب لنا الإحراج.

> كان ينفق على الإعلام؟

- فقط الذين يلمّعونه، وكان غير مقتنع بالإعلام الليبي.

> هل صحيح أنه لبس ذات يوم قفازات بيضاء في القمة العربية حتى لا يصافح الملك الحسن الثاني؟

- كلا، حتى لا يصافح حسني مبارك، وكانت القمة في المغرب. حين سألناه لماذا القفازات البيضاء قال لا أريد ان أصافح مبارك بسبب إسطبل داود، وكان يقصد كامب ديفيد.

> وقيل انه قبل ذلك تحسس مسدسه وهدد بقتل الملك حسين؟

- نعم، حصلت مشادة بينهما بعد أيلول الأسود؟ وكان يريد الاعتداء عليه، حينها صدر قرار بعدم السماح للرؤساء بدخول اجتماعات القمة بسلاحهم.

> هل كان معجباً بجمال عبدالناصر؟

- في بداية الثورة كان معجباً به، ولكن لاحقاً حين أصدر القذافي ما سمّاه الكتاب الاخضر، كان يسخر من الميثاق الذي أصدره جمال عبدالناصر، ولو كان عبدالناصر حياً لاصطدم به.

> هل كنت تعمل أثناء الغارة الأميركية؟

- كلا.

> ماذا كان شعورك حين شاهدت مقتل القذافي على الشاشة؟

- للأمانة، كان يجب ألاّ يُقتل. كان يجب ان يحاكم كما حوكم صدام، كي نسمع ما لديه ليقوله، ولكن للأسف كان هناك غيظ وكراهية وهناك أناس تعذبوا كثيراً وتألموا كثيراً من أعماله، خصوصاً خلال أحداث ثورة 17 فبراير. كان الناس لديهم دافع للانتقام، ما جعلهم يتصرفون التصرف الذي حصل. كان تصرفاً لاشعورياً، لم يكن شيئاً مرتباً، وأعتقد ايضاً بأنه كانت هناك أجندة خارجية لا تريد ان يصل القذافي إلى المحكمة، لئلا يتحدث عن الأسرار التي كانت لديه.

> مَنْ تقصد؟

- حكام من الغرب والشرق.

> هل صحيح أنه قال لباراك اوباما في قمة الدول الثماني في ايطاليا يا ابني؟

- نعم، يستخدم هذه الطريقة عمداً، وهو يقصد التصغير. كنا نقول له نرجوك لا تردد كلمة يا ابني في مخاطبة الحكام. عبدالرحمن شلقم (وزير الخارجية السابق) قال له ايضاً، فكان يرد: لا، لا، هذا شغلي انا هؤلاء أولادي. كان يقولها لبشار الأسد وملك الأردن وملك المغرب وقالها لأوباما. نصحنا بشير صالح (مدير مكتبه) بعدم إثارة الموضوع مجدداً معه لأنه كان مصرّاً على استخدام هذا الأسلوب.

> أتذكر شيئاً من رحلة موسكو التي التقى خلالها الرئيس ديمتري ميدفيديف؟

- دعانا ميدفيديف الى عشاء خاص، وكانت هناك أغان وأوركسترا. قيل يومها ان السيدة المسؤولة عن ترتيب المواعيد العاطفية للعقيد حاولت إقناع المغنية بأن تزور القائد، لكنها امتنعت. السيدة نفسها كانت هذه مهمتها الدائمة، وقد مارست هذا الدور حين ذهبنا الى أوكرانيا. خلال حفلة الاستقبال في الكرملين حضر ميدفيديف وبوتين والقذافي وكنتُ جالساً معهم.

> لم يقدّموا خموراً؟

- قدموا ولكن ليس له.

> تقصد انه لا يشرب خموراً؟

- بحسب معلوماتي، لا يشرب.

> هل يدخن؟

- يدخن مزاجياً، وكان يفعل ذلك في مؤتمرات القمة حين ينزعج او بسبب عدم الاكتراث. مرة فعلها في مؤتمر في تونس. لم يرد الجلوس مع الرؤساء فجلس في صالون لوحده. أتى زين العابدين بن علي وقال له أرجوك، فرفض، وبعدها أتى عبدالعزيز بوتفليقة. اعتقد بأن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني جاء أيضاً وبعده الشيخ صباح الأحمد (أمير الكويت حالياً). كان (القذافي) يحب هذا النوع من المشاهد. وكان يدخن وإلى جانبه عبدالرحمن شلقم. سأله الشيخ صباح الأحمد عن السبب، فأجابه: والله من همكم وغلبكم أدخن.

> هل حصلت إشكالات في القمة العربية في دمشق؟

- الإشكالات العادية. مدد إقامته حينها لأنه كان يريد الاجتماع بالرئيس بشار الأسد وشقيقه ماهر. زاراه في مقر إقامته وتكلما معه وكان معجباً بهما.

> ماذا قال عن اللقاء؟

- كان يقول إنهم أناس يفهمون وأصحاب كاريزما. ويتابعون شؤون الاقتصاد ولديهم إلمام جيد. سمعته يقول ان الرئيس حافظ ترك أسوداً من بعده. كان راضياً عن لقائه معهما، فحين كان يرضى عن لقائك يمدحك. كنا على متن الطائرة في رحلة العودة، كان يتكلم هو وأحمد قذاف الدم ويوسف الدبري وعبدالرحمن شلقم وكنت أنا وبشير صالح قربهم. طبعاً كَلِمَتُه في القمة استوقفت كثيرين، حين قال للرؤساء العرب ان الدور سيصل إليكم، وكان يتحدث عن إعدام صدام حسين.

> هل كانت له علاقة خاصة برئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني؟

- طبعاً.

> هل صحيح ان بيرلوسكوني قبَّل يده؟

- لم تكن سرية.

> أين قبَّل يده؟

- في مؤتمر الشعب العام الذي هو البرلمان، وكنت أقف إلى جانبه.

> ألم تُفاجأ؟

- انا استغربتُ جداً، حضر الى مؤتمر الشعب العام وتكلم فيه وألقى خطاباً، بعده اقترب من القذافي وقبل يده.

> هل كان القذافي يكره الإيطاليين؟

- ظاهرياً.

> ويطالبهم بتعويضات دائماً؟

- هو طالبهم بتعويضات، وبالاتفاق مع بيرلوسكوني أخذ باليمين وأعطى بالشمال. يعني أعطاهم مشاريع وكل الحاجات التي يريدونها، وكنت معهم في السيارة أُترجم، قال القذافي: ستعطون باليمين وتأخذونها بالشمال، فضحك بيرلوسكوني.

> ما الذي تذكره ايضاً؟

- سئلت في التلفزيون الإيطالي إذا كنت أخجل من العمل مع القذافي، فقلت لهم إنني كنت أعمل مع ليبيا وليس مع القذافي، وكنت أعمل من أجل ليبيا. أنا لست خادماً عند القذافي، لكن مَنْ يجب أن يخجل هو من مد أمامه البساط الأحمر وطابور الشرف، وعزف له الأناشيد وقبّل يده، أنا لم افعلها. هذا كان تعليقي على هذه الحادثة التي حصلت كما أعتقد في العام 2009.

> ماذا كانا يتحدثان؟

- عن العلاقات الليبية – الإيطالية والاستثمار… الخ، وكان بيرلوسكوني يحاول إغراء القذافي، وعرض عليه الذهاب معه الى سردينيا لتمضية سهرة في منزله، لكن الوفد الليبي خاف من الفضيحة.

> أحضروا له بنات إيطاليات وحاضر فيهن عن الإسلام؟

- هذه ذريعة، حكاية الإسلام. الموضوع فقط من أجل ان يجمعوا البنات، كانت تجمعهم مبروكة الشريف، ويأتي بهن ويتحدث إليهن وتؤخذ الصور وتُجلَب له كي يختار، اما الصور المرئية فكانت تعرض كمحاضرة على التلفزيون.

> هذا كان يحصل في إيطاليا أم في ليبيا؟

- في إيطاليا وليبيا.

> ليبيا مجتمع محافظ؟

- حتى عندما كان يذهب الى مراكز للتجمعات النسائية او الجامعات، يصورون ثم يجمع الزبانية لديه لإقناع هذه الفتاة او تلك التي يريدها. هذا ليس سراً، بل يعرفه الجميع.

> لم يكن لديه احترام للقيم؟

- ابداً.

> لكن هذا بلد القبائل والعشائر؟

- هل هو يفهم القبائل والعشائر؟ يدّعي البداوة والقبلية وأنه ابن قبيلة وعشيرة لكنه بعيد كل البعد عن أخلاقياتها.

> هل كان يتناول حبوب فياغرا؟

- لا أعرف. بشير صالح أخبرني أنه كان يأخذ حقنة، ويقال إن بيرلوسكوني أسدى إليه نصائح في هذا المجال.

> ألم تحزن لمصيره؟ أم كنت تتوقع له ذلك؟

- أنا قلت ان هذا الشخص لن يتنازل ولن يتنحى، ولا تتعبوا أنفسكم لأنه لن يغادر ليبيا، وسيستمر حتى آخر لحظة. قلتها لرؤساء، ولكن كان بودي ان يدخل المحكمة أولاً إذلالاً له أن يكون في قفص الاتهام ويحاكم، وفي ذلك رد اعتبار للمساجين الذين زج بهم في سجن أبو سليم، وللناس الذين كان يوجّه إليهم التهم الباطلة وينكّل بهم.

> هو من أمر بمذبحة سجن ابو سليم؟

- طبعاً هو المسؤول، مجزرة مثل هذه أو قتل وذبح لا بد ان تكون بعلمه، هو مَن يوقّع ويعطي الإشارة.

> هل رافقته في زيارة كيم ايل سونغ؟

- طبعاً ومنحني الزعيم الكوري وساماً، كنتُ ضمن مجموعة.

> كيف كان اللقاء؟

- حميماً جداً وصداقة، وكان كيم ايل سونغ مهتماً بالقذافي في شكل رهيب. اقام له استقبالاً لا تراه إلا في افلام والت ديزني، استقبالاً باهراً، لا وصف له. البشر كانوا يرتدون ألواناً مختلفة، إذا نظرت إليهم من الجو ترى في الشوارع ألوان الطيف، وسيارة مكشوفة ركبها كيم ايل سونغ والقذافي، وحين نزل القذافي قال لي حين يأتي كيم ايل سونغ إلى ليبيا هل ستتمكن من تنظيم مثل هذا الاستقبال له؟ قلت له هذا إمكاناته رهيبة. ثم أقام له احتفالاً لا يوصف باللوحات الخلفية في الملعب، لكن مثل هذه موجود في ليبيا. في الملعب، أُقيمت لوحات من الأمواج وأرض قاحلة، وكل ذلك من البشر، وكيفية استصلاح الأرض وطوفان المياه، يعني شيء من الخيال.

> هل كان معجباً بكيم ايل سونغ؟

- الى أبعد حدود.

> على رغم أنه شيوعي؟

- على رغم ذلك، ورغم انه لم يكن يحب الشيوعية.

> هل قابل ابنه كيم جونغ ايل؟

- لا.

> ماذا عن رحلة الصين؟

- كان الاستقبال جيداً، ولكن ليس بحفاوة استقبال كوريا الشمالية، استقبال رسمي في المطار ورائع، وأُجريَت محادثات صعبة مع الصينيين. زرنا سور الصين العظيم، وكان برنامجاً جيداً واهتموا به.

> هل كان يطلب أسلحة منهم؟

- كان يطلب تكنولوجيا. اشترطوا عليه موضوع تايوان، وألاّ تقام علاقات معها، وهذا ما حصل، ولكن قبل سنتين من أحداث 17 فبراير أقام سيف الإسلام علاقة مع جماعة تايوان وحضر وفد منها إلى ليبيا، واكتشفت الأمر مجموعة الصين، وكانوا يتجسسون عليهم. نزل وفد تايوان في قاعدة معيتيقة، وعلموا بذلك، وطلب السفير الصيني مقابلتي واحتج على استقبال ليبيا الوفد. قلت إننا لم نستقبل رسمياً احداً وليست لدينا علاقة مع تايوان، فأجاب: نعرف سيارات المراسم. قلت: سيارات المراسم ليست من نوع معين، تجدون سيارات مرسيدس كثيرة، وهم أخذوا سيارات من المراسم ووضعوا عليها لوحات مدنية كي لا تُعرف.

> والعلاقات مع فيديل كاسترو؟

- كاسترو جاء الى ليبيا وكنت موجوداً، كان مخططاً زيارة كوبا ونيكاراغوا والبيرو عندما ذهبنا الى الأمم المتحدة، ولكن لم يكن الأمر آمناً، إذ أعطى الأمن الخاص تقريراً عن طريق المخابرات يفيد بأنه يُفضّل عدم الذهاب، فذهبنا الى فنزويلا.

> هل كان القذافي يحب هوغو تشافيز؟

- تجمعهما صداقة حميمة جداً وعندي صور له معه.

> كيف كانت زيارة كاسترو الى ليبيا، وهل ساعده مالياً؟

- ساعده كثيراً وكان معجباً به. الزيارة تزامنت مع وفاة والدة القذافي عايشة، كانت الوفاة يوم مغادرة كاسترو، فجاء الى مكتبه ليسلّم عليه وقلت له هل تريد تعزيته، إنه هنا. قال كاسترو للقذافي: أنا مُستغرب، والدتك توفيت وأنت تتعامل مع الأمر في شكل عادي، فرد القذافي: هذا قدر، وساعتها حانت.

> هل كان القذافي متعلقاً بوالدته؟

- كثيراً.

> ووالده؟

- يعني، وهو توفي بعد والدة القذافي، عن 84 سنة.

> رافقته في رحلاته الى الاتحاد السوفياتي، بين عامي 1977 و1988، كيف كانت؟

- في كل الرحلات رافقته. كان متعجرفاً والسوفيات كانوا حسّاسين إزاء الأمر، وكانت الرحلات خلال عهد ليونيد بريجنيف.

> ماذا حصل مثلاً؟

- كان يحدد موعداً ويتأخر عمداً، فيأتي بريجنيف أمام حجرته في مقر إقامته في الكرملين، ويبقى واقفاً في انتظار خروجه. كان الأمر محرجاً، وبريجنيف مسن وبالكاد يستطيع المشي، وكان القذافي يقول انه آتٍ وآت، فيطول انتظار بريجنيف.

> ما الذي ازعج بريجنيف ايضاً؟

- الروس أزعجهم هذا التصرف بحق زعيم البلاد. كان القذافي يسبّب هذه الإحراجات ويقصد من ورائها الإهانة. حتى خلال العشاء الرسمي، حين ألقى خطاباً، تناول الإسلام وأفغانستان وغير ذلك، ما أزعج الروس، أما رئيس ألبانيا أنور خوجة ففرح بالكلمة لأنها شتمت كل الرؤساء، وإذاعة تيران شكرت القذافي.

> ما الذي قاله لهم عن افغانستان؟

- يجب أن تهتموا بالمسلمين والإسلام… وبعض الوعظ.

> أخبرني عبد السلام التريكي أنه أوقف المحادثات وأدى الصلاة في الكرملين.

- هذا الأمر يكرره دائماً، وليس فقط في الكرملين. فعل الشيء ذاته في ليبيا، خلال مقابلات مع ضيوف غير مسلمين.

- مقطع من يوميات معمر القذافي

مقطع من يوميات معمر القذافي

استيقظتُ باكراً علىَ حنين ناقة، ورغاء جَمَل فلمْ أتردد في اختيار حليب الأولى فهو يمنحني قوة تنزع أوتادَ خيمةٍ متينةٍ ولو كانت تمتد في عمق الأرض لتصل إلى النهر الاصطناعي العظيم.

تناولتُ طعامَ الإفطار وعن يميني وعن يساري تقف فتيات راهبات من أجل الثورة، يقمن بحمايتي، ولا يحملن، ولا يلدن، فالحياة تبدأ وتنتهي عند قدميّ قائدهِن .. رسول الصحراء.

أصابني أرَقٌ شديدٌ منذ عدة ايام، فأنا أبحثُ عن مكان أو فكرةٍ أو جماعةٍ أو نظريةٍ أضيفُ إليها كلمة ( العظيمة) تماماً كما فعلت مع النهر الاصطناعي، ومع الجماهيرية العربية الليبية الشعبية، ومع الكتاب الأخضر، وزادت حيرتي، فطلبتُ بعضاً من قردة السلطة، وأمرتهم أن يجدوا حلاً لي لهذه المعضلة وإلا أغرقتهم جميعا في خليج سرت!

لم يكن هذا هو السببَ الوحيدَ لأرَقي، فأنا لم أقرأ أخباراً عني في الصحافة العالمية، وحتى فِرَق كرة القدم الأوروبية التي دعمتها لم تعد تعبأ بي، وكذلك الفتيات الجميلات الإيطاليات اللائي استضفتهن في زيارتي لعاصمة الفنون، وجلسن أمامي بسيقانهن العارية الملساء يسمعن حِكمتي في الحياة والدين والفلسفة كأنني زرادشت.

استدعيت أقرب المستشارين فجاءوا مُلبّين ندائي قبل أنْ أقوم من مقامي، ووقفوا أمامي كما كان العبيدُ يقفون في سوق النخاسة بعد اختطافهم من أكواخهم الآمنة في ليبيريا وترحيلهم إلى العالم الجديد. طلبتُ منهم أنْ يجدوا حَلاً في إهمال الميديا لأخباري!

اقترب أحدُهم وهو يرتعش، ولم أتبين وجهه فقد كنتُ ساهماً، واجماً، أتأمل سقفَ الخيمة، ثم همس في أذني قائلا: أنا أقترح، فخامة الأخ القائد، أنْ نختطف أحمد الجلبي ونقوم بتسليمه إلى السلطات الأردنية، أو نرسل فرقة ليبية لاختطاف الشيخ حسن نصر الله من جنوب لبنان ونقوم بتصفيته كما فعلنا مع الإمام موسى الصدر وصاحبيه، أو نختطف أسامة بن لادن ونبهر الدنيا بعبقرية أجهزة استخباراتنا حتى يتوقف العالم عن امتداح الدبيانيين الذين صعد نجمهم إثر اكتشافهم جريمة اغتيال المبحوح!

لم ترق لي تلك الأفكار العبيطة، فأنا أريد أن يتحدث عني الصغيرُ قبل الكبير في أركان الأرض الأربعة.

تقدم أحدهم وهو يرتجف، وكاد يسقط على وجهه، وقال لي وحبالُ صوته تتأرجح كأنها بندول: لماذا لا نجمع الزعماء العرب في طائرة واحدة، ثم نقوم باسقاطها، وبعدها ندفع تعويضات ، وينتهي الأمر، لكنك ستصبح بطل مذبحة المماليك الثانية؟

قلت له بأن الفكرة ليست عملية بالمرّة لأن أكثر الزعماء العرب يعتذرون في اللحظات الأخيرة عن أيّ قمة حتى لو كانت بين السماء والأرض.

قال لي أصغرهم عٌمراً وأشجعهم قوّلاً، وهو صديق شخصي لابني الأكبر: لماذا لا نحتل دول الجوار، مصر والجزائر وتشاد وتونس والسودان، ونعلن قيام الجماهيرية العظمى، قولا وفعلاً؟

تذكرت حينئذ مهانة جيشنا في تشاد وكيف عاد مهزوماً في صحراء قاحلة بعدما تصَدَّىَ له التشاديون بأسلحة بدائية تعود إلى الحرب العالمية الأولى، ورفضت الفكرة على الفور.

قلت لهم بأنْ لا فائدة فيهم، وطلبت من حارساتي السمراوات أن يركلن المستشارين على مؤخراتهم، ويطردونهم خارج الخيمة.

جلست أفكر، وأتأمل، فأنا قائد، ومفكر، وفيلسوف، ورسول الصحراء، وأديب، وواضع الكتاب المقدس الأخضر، وصاحب النظرية العالمية، وملك ملوك أفريقيا، وإمام المسلمين،وعسكري رغم أن رتبتي تعقدت عند العقيد رغم مرور أربعة عقود.

اقتحم خلوتي فجأة واحدٌ من المخلصين لي، وأبلغني بأنَّ هناك شبه تمرُّد في سجن من سجوننا الكثيرة التي تمتد من طبرق إلى طرابلس وتهبط في عمق الصحراء حتى غدامس!

قلت له على الفور قبل أن أسمع ما لدىَ الرجل من حقائق أو أكاذيب: عليكم بالتخلص منهم جميعا كما فعلنا مع 1200 سجين في سجن أبو سليم، فأنا واهب الحياة لليبيين، ومن يفكر في عصياني فليتبوأ مكانه تحت الأرض.

انسحب الرجل في طرفة عين كأنه لم يدخل الخيمة قط، وفهمت أنَّ مذبحة تنتظر هؤلاء الأوغاد الذين سمحوا لألسنتهم أن تنطق بكلمة ( لا ) في حضرتي!

فكرتُ لبعض الوقت في إعلان الجهاد ضد فرنسا لأنها حظرت ارتداء النقاب على نساء المسلمين، وربما أضم لاحقا بلجيكا إلى حملتي العسكرية.

تذكرت يوم أعلنت الجهادَ على سويسرا،ففي لحظات كانت المحلات تتخلص من أي بضاعة عليها إشارة لهذه الدولة ذات اللغات الأربع، وحتى الأدوية التي يحتاجها المرضى وهي في غالبيتها سويسرية الصنع كانت قد غضبت هي الأخرى وتركت الصيدليات لتعيث فيها فساداً أدويةٌ مغشوشة تساهم معي في التخلص من الليبيين.

ثلاثة أرباع الشعب الليبي لم يعرفوا زعيما غيري، والذين كانوا في سن المراهقة عندما قمت بثورتي ضد الحكم الإدريسي يقتربون من نهاية العقد السادس، وهذا يعني أن أحفاد عمر المختار صناعة قذافية من كل الوجوه، وأن هذا الشعب الذي وصفته في إحدى المرات بالماعز فصفقوا لي لا يستطيع أن يأكل أو يشرب أو يتنفس بدون موافقتي، وأنني لو قمت ببيع الليبيين لقراصنةٍ أو معامل اختبار أو مستشفيات استثمارية تسرق أعضاءهم الجسدية وتعيد بيعها للمافيا الروسية أو الليتوانية أو اللاتفية فستخرج المظاهرات هاتفة بحياتي وبعبقرية القرار.

تأملت حياتي كصاحب ومُطـَبـِقّْ أهم نظريات الطغيان في كل العصور وهي ( استبداد المهرج) التي لم يتمكن حتى عبد الرحمن الكواكبي من الولوج إليها وهو يكتب عن طبائع الاستبداد ومصارع العباد!

استبداد يجعل القسوة رديفا للنكتة، والتعذيبَ مساوياً للتهريج، والتهبيلَ لا تعلوعليه نظريات سبينوزا وكانط وهيجل وألبرت ماركوز، وتصفية المعارضة لا تستحق أكثر من ابتسامة مع توجيه السبـّابة إلى الرأس!

كل زعماء العالم يتحملون سفالاتي وتهريجي، ويتضاحكون، ويتغامزون، لكنهم في النهاية يأتون لي صاغرين طمَعاً في نفطي، وإثارة لمشاكل مع جيراني حتى ينشغلوا بي عن قضاياهم وهمومهم، ودعماً للفـُرقة بين العرب، وإثباتا عملياً أن الزعامة العربية إنْ لم تكن عظمة الجنون فهي جنون العظمة!

إنني أعتمد على الذاكرة الضعيفة للمواطن الليبي والعربي ولهيئات حقوق الإنسان فلا أحد يحاسبني بأثر رجعي عن كل الجرائم التي أرتكبتها منذ صعودي إلى الحُكم في الفاتح من سبتمبر عام 1969، فأنا إرهابي سابق، وقتلتُ مئات الليبيين تحت التعذيب، ودمرت بلدا رائعا كان يمكن أن يكون جنة شمال أفريقيا، وأهدرت أموالَ شعبي في العباطة والسذاجة والمشروعات الفاشلة، وجففت مياه التربة في مشروع نهري اصطناعي، وطاردت المعارضين في كل دول أوروبا، وتحولت المكاتب الشعبية الليبية إلى أوكار للاجرام حتى الشرطة البريطانية لم تسلم من اطلاق النار فقتلنا ضابطة ليأتيني بعدها بسنوات توني بلير كأن شيئا لم يكن.

تعاونت مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، ونشرنا الفزعَ في أنفاق لندن تماما كما فعلت في القاهرة أيام حكم الرئيس الراحل أنور السادات الذي حاول تأديبي بجيشه، فأمسكتُ عن الكلام حتى رحيله.

روّعت الآمنين، وفجـّرنا طائرة فوق لوكيربي فقتلنا مئات الأبرياء، لكنني جعلت الليبيين يسفـّون ترابَ الصحراء في حصار ظالم، كنت أنا وأسرتي نتمرغ في الرفاهية أكثر من الملك إدريس السنوسي، مثلما لم يمس الحصار الأمريكي قصور صدام حسين ومات مليون طفل عراقي، واشترى الإعلاميون العرب فيلات وسيارات بكوبونات النفط مقابل الصمت.

في عهدي حيث الاستبداد والتهريج توأمان سياميان لا ينفصلان يمكن أن أفعل كل الأشياء التي لو حَكـَمَ قردٌ ليبيا لتردد قبل فِعـْل نصفِها، فأنا أهدد بالانضمام لحلف وارسو قبل أن يطلق عليه جورباتشوف رصاصة الرحمة، وأنا أنضم إلى أفريقيا كـُفراً بعروبتي، ثم أرسل حجاجاً إلى القدس الشريف، وأقوم بتمويل الحرب الأهلية اللبنانية، وأدفع من عرق الليبيين تعويضات لجرائم أرتكبتها وأخرى لا أعرف عنها شيئا، ولكن أموال الشعب الليبي في جيبي ولو أهدرتها كلها دفعة واحدة لما ارتفع صوت يتيم يحتج.

لم أعثر في كتب التاريخ كلها على حاكم مُطلق السلطة واليدين والقوة مع رهبة مفزعة مثلي، فالليبيون تحولوا أيضا إلى مهرجين، وخائفين، وفئراناً، وأرانب لو حرَكـَتْ نسمة هواءٍ خيمتي فسيولون الأدبارَ، ويفرّون منها رعباً.

كل دول العالم لها سلطة قوية ولو كان حاكمُها ضعيفاً، وإذا اختفى رجل في تونس أو في صحراء الجزائر أو بين قبائل تعِز والحُدَيّدَة أو في جبال تورا بورا أو بين عصابات بوجوتا أو جوهانسبرج أو على سواحل الصومال فإن إمكانية التفاوض متوفرة، إلا في جماهيرتي فلا يمكن التفاوض، ولا إعادة من اختطفته أجهزة أمني، ولا تعثر على أثر لأيّ مُخْتـَفٍ، من الكيخيا إلى الإمام موسى الصدر، والاختفاء هنا يعني التصفية ثم الانتقال إلى ذاكرة ضعيفة تهيل الترابَ على الجريمة.

أشعر بلذة عجيبة عندما أهين مَنْ حولي، من نفث دخان السيجارة في وجه الرئيس حسني مبارك إلى تأخري ساعتين على حضور جلسة مجلس النواب الإيطالي عندما كنت ضيفا على صديقي برلسكوني، ومن استنكاري السابق بأن هناك عرباً مسيحيين إلى إلقاء الفلسطينيين والمصريين في صحراء السلوم،ومن البصق على أحكام القضاء في قضية الممرضات البلغاريات إلى محاولة إهانة الملك عبد الله بن عبد العزيز في مؤتمر القمة العربي.

لكنني أيضا أشعر بملل شديد من جراء السلطة التي أملكها والتي لم يصل إليها طاغية من قبلي في العصرين القديم والحديث باستثناء بول بوت ومنجستو هيلا ميريم وستالين وأنور خوجة، أما الطغاة الآخرون فيأتون من بعدي بمراحل كثيرة.

قمت بتصفية رفاقي واحدا تلو الآخر، وأعدمت 22 من الضباط بحجة أنهم كانوا يخططون لإنقلاب ضدي، وأعلنت عام 1984 عاماً للحرب ضد الليبيين، وأمرت بأن تتم الإعدامات على شاشة التلفزيون ليعرف أبناءُ الشعب أن أرواحَهم بين إصبعين من أصابعي، ولم يَسْلـَم تلاميذُ المدارس من المشانق التي لم تكن تختلف عن مشانق الإستعمار الإيطالي إلا في نوعية الحبال، ورفضتُ توجيه الإتهام لأي من رجالي الذين قتلوا 1200 ليبي في ساعة زمنية واحدة بسجن أبو سليم، ولو تمرد الشعب كله وقامت لجان الثورة بتصفية الليبيين عن بكرة أبيهم فلن أقدم أحداً من القتلى للمحاكمة.

أكره الليبيين كراهية لم يعرفها قلب أيّ طاغية يحمل بغضاءً لشعبه، وقد حاولت طوال أربعين عاماً أن أجعلهم الأكثر تخلفاً، وفقراً، ومهانة، وإذلالاً، وخوفا من السلطة، ولو حكمهم الثلاثي ليبرمان وزين العابدين بن علي وعمر حسن البشير لكانوا أرحم عليهم مني، ومع ذلك فكل شيء هاديء على الجبهة الليبية، ولو حلم قائد عسكري وهو يغط في نومه بالتمرد، وانعكس حلمه على تعبيرات وجهه، فعليه بالعد التنازلي للصمت الأبدي، سواء بكاتم الصوت أو باختطافه من أحضان زوجته وأولاده.

أتفهم أن القمع الذي أمارسه أخرس الليبيين، ولكن ما لا أفهمه هو الصمت القبوري الذي ران على قلوب وعقول وألسن المثقفين العرب والسياسيين والأكاديميين ورجال الفكر والدين والسياسة والحزبيين والإعلاميين!

أليس الليبيون إخوة لهم؟

أشعر بالغثيان من الذي يزعمون أنهم تحضـّروا، وتمدّنوا، وتثقفوا، وتعلموا، وأصبحوا عقل الأمة وضميرَها، فإذا بهم أكثر جُبنا من النعام، وهم يغمضون أعينهم عما يحدث للشعب الليبي، بل كثيرون منهم يقفون كالمتسولين على أبواب المكاتب الشعبية الليبية، ينتظرون دعوة لزيارة ليبيا، والتسابق لشهادة زور ستكون حجارة لهم في نار جهنم.

أحس بالقرف من كل عربي، أديب، أو فنان، أو شاعر، أو كاتب، أو صحفي، أو سياسي، أو مشرف على موقع أو منتدى، ثم يغض الطرف عن جحيم صنعته أنا لليبيين، ولا يزال قائما حتى تصعد روح آخر ليبي.

هذه أمة ميّتة لا ينفع معها دينٌ أو إيمانٌ أو تعليمٌ أو كِتابٌ سماويٌّ أو رُسُلٌ أو أنبياءٌ أو مُصلحون أو ثائرون، فليس هناك عربيٌّ واحدٌّ من جزيرة طـُنب الكبرىَ إلىَ أغادير، ومن أرض الصومال إلى اللاذقية لا يعرف تفاصيلَ الوطن السجن الذي صنعتـُه لإخوانهم الليبيين، ومع ذلك فهم بصَمْتـِهم شركاء معي في قهر الشعب، وقمع الحرية، وقتل الأرواح البريئة، وإهدار أموال الدولة.

أتحدى أيّ عربي يقول بأنه لا يعرف ماذا يحدث في جماهيرية الاستبداد والتهريج، لكنهم بلعوا ألسنتهم وكرامتهم، واستحقوا احتقاري، وازدراءَ كل الشرفاء الذين يقفون، ولو بأضعف الإيمان، مع الشعب العربي الليبي.

أتحدى أي أوروبيّ يقول بأنه لم يكن يعرف بكل الجرائم التي ارتكبتها، ومع ذلك فعندما تخليت في 19 ديسمبر 2003 عن البرنامج النووي، بعدما تم تهديدي بالقبض عليّ في جحر، ونقلي إلى سجن أمريكي، تصلبت أطرافي، وعدت إلى حظيرة الطاعة مع السماح لي بين الحين والآخر بحركات بهلوانية، وسبّ الاستعمار، وتوجيه الشتائم إلى بعض القوى الغربية، ثم العودة سريعاً فأراً يهرب من خياله.

ثم استقبلت في الجماهيرية زعماء أوروبيين كانوا يصنفونني إرهابياً، وكنت ضيفاً على المفوضية الأوروبية في بروكسل، ولاعباً مهماً في القمة الأوروبية / الأفريقية بالعاصمة البرتغالية، وكنت على استعداد لأن أدفع تعويضات لحادث مرور عابر في مكان مجهول، وأتحمل المسؤولية كاملة، شريطة أن تبقيني أوروبا وأمريكا بعيداً عن محور الشر!

لا أحد يعبأ بالشعب الليبي، والمثقفون العرب يُصـَدّعون رؤوسَنا بالحديث عن العروبة والقومية والشرف والوحدة، والإسلاميون يخطبون آناء الليل وأطراف النهار عن القيم والمباديء والنـُبل والأخلاق والشجاعة، وعن تعاليم سماوية حفظوها عن ظهر قلب، لكنهم جميعاً شركاءٌ في صمت حقير، ووضيع، وجبان وهم يتابعون فرمي، ودهسي، وإذلالي، وإهانتي للشعب الليبي.

أكاد أتقيأ على القلم العربي الذي إنْ أراد الكتابة عن كوارث الشعب العربي الليبي انحرف ناحية المصيدة التي نصبتها لهم جميعا .. تلك التي تكتفي بوصفي مخبول، ومجنون، ومهرج ليستريح ضمير صاحبه، ويظن أنه أدى مهمته النبيلة فإذا به يتحول إلى شريك معي في القضاء التدريجي على أبناء الشعب الليبي.

كل شيء يمكن أنْ أشتريه بأموال الليبيين، من المثقف العربي إلى دول الجوار، ومن السياسيين الغربيين إلى كلمة رئيس التحرير في كبرى الصحف العربية، فشراءُ الذِمَم أسهل من إعلان الجهاد ضد سويسرا!

أحتاج لساعات طويلة لكي أتذكر اسماء الذين قمت باغتيالهم:

محمد مصطفى رمضان في لندن، وعبد اللطيف المنتصر في بيروت، ومحمود عبد السلام نافع في لندن، وعمران المهدوي في بون، ومحمد فؤاد أبو حجر وعبد الحميد الريشي وعبد الله محمد الخازمي ومحمد سالم الرتيمي في روما، وأبو بكر عبد الرحمن في أثينا، وعز الدين الحضري في ميلانو، وفشلت في اغتيال الرائد منعم الهوني عضو مجلس قيادة الثورة!

وقام رجالي بتسميم على الأطيوش في اليونان، ثم تولوا اختطاف جبريل الدينالي في المكتب الصحي الليبي في بون، وفي 12 يونيو 1984 قام لطفي العسكر وهو أحد كلابي الأوفياء باغتيال صالح أبي زيد في أثينا، وتمكنت أجهزة الاستخبارات الليبية العظيمة من تهريب القاتل إلى ليبيا، لكنني فشلت في اغتيال محمد يوسف المقريف، المعارض الشهير في الخارج.

ما أتذكره أنا في ساعات ينساه المواطن العربي في دقائق!

جرائمي كتاب مفتوح يقرأه الأمريكيون والغربيون والزعماء العرب وكل من فتح الله عليه وتعلم القراءة والكتابة في عالمنا العربي الممتد من الصمت إلى الجُبن، لكنني في حمايتهم جميعا.. من جامعة الدول العربية إلى الأمم الأفريقية، ومن خصومي في السودان وتشاد والسعودية إلى المتصارعين على أرض إسراطين!

أمُّ الجرائم أن يزعم أحد أنه لا يعرف شيئا عن مشهد القمع الأربعيني للشعب الليبي، ومع ذلك فالعالم كله متضامن معي صمتاً، أو خوفاً، أو طمعاً في أموال الذهب الأسود.

لكنني لن أغادر الدنيا قبل أن أقلب عاليها سافلها، من تقسيم نيجيريا، إلى التشكيك في النبوة المحمدية، وتغيير التواريخ، والأعياد، وبدايات السنوات، وأسماء الشهور، والدعوة لفتنة طائفية من أقصى المغرب إلى عاصمة الدولة الفاطمية.

نعم، أنا مستبد، ومهرج، وبهلوان، وجاهل، ومريض نفسي وعقلي، وطاغية لم تعرف ليبيا مثلي شبيها، لكنني أشرف من كل الذين يبتسمون لمسرحياتي السخيفة، ويعطون ظهورهم لجحيم يعيش فيه أبناء الشعب الليبي.

أنا صريح، أما الصامتون فأكثر مني شراكة في صناعة جهنم الليبية!

كل صاحب قلم، وموقع، ومنتدى، وقناة فضائية، ورئيس حزب، وعضو برلمان، وزعيم دولة، ورجل دين متضامن معي ولو أقسم بكل الايمانات أن لا حول له ولا قوة.

تلك هي بعض خواطري في مقطع من يومياتي، وأحسب أنني أحتاج لتفرغ كامل حتى يخط قلمي وصف عذابات الشعب الليبي تحت قدمي وأقدام أسرتي وكلابي ولجاني الثورية.

إنني على يقين من أن هذا المقطع من يومياتي لن يتأثر به أكثر من حفنة من الشرفاء، أما الباقون من الثلاثمئة مليون عربي، ومنهم المعارضة الليبية في الخارج، وأدعياء الدفاع عن حقوق الإنسان في كل مكان، فيستعدون لنوم أكثر عمقا حتى ينتهي آخر ليبي من فوق هذه الأرض الملائكية التي أنجبت شياطين.

ترى أي الجريمتين أشد بشاعة، وقسوة، وإنتهاكاً لحرمة الدم، ولروح الله التي نفخها في أبناء آدم: القتل أم الصمت؟

أيها الصامتون على جحيم شعبكم العربي الليبي، شكرا لكم، فأنتم أيضا من كلاب خيمتي!

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

Oslo Norway

(1) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 02 يونيو, 2010 06:46 م , من قبل alexparis59
من مصر

هذا ليس مقطعا من يوميات معمر القذافي ولكنه ملخص حقبة من تاريخ الشعب الليبي، ورغم ماذكرته عن حياة الليبيين فهم يعيشون رفاهية يحسدهم عليها المصريون ويتمتعون بالدخل القومي الناتج عن البترول حتى لو كان من بقايا عقيدهم، وقد سألت مرة مواطنة ليبية بسيطة، أم عادية لا تعرف من الدنيا إلا حياتها في ليبيا، سألتها عن رأيها في عقيدهم فقالت مشيرة إلى رأسها: مادام رئيسنا فهو على رأسنا من فوق، وهكذا كل الحكام العرب على رأسنا من فوق سواء كنا جوعي أم شبعانين، أحرار أم معتقلين، داخل بلادنا أم هربانين، ننام على أسرة أم في العراء مشردين ، وعلى كل حال فجهنم ليست من الظالمين ببعيد.

هل يطالب القذافي الليبيين تعويضه عما لحقه منهم؟




هل يطالب القذافي الليبيين تعويضه عما لحقه منهم؟

طاهر المتموح 2010/03/17



يا للهول من العنت! يا للفاجعة من الشطط والوقاحة ومن حديث اللغط وما صاحبه من دوار وأفك الشعب السيد بحق القديس وحكايتك المثيرة التي تدعوا للشفقة!

كم أنت مسكين يا قذافي بحق السماء من ضراوة الإجحاف بحقك. من عناء الليبيين وتمردهم عليك وفرارهم من أشعة الشمس المتوهجة التي ينكرونها في زمنك المستنقع! كم أنت مسكين من مواصفات شعبك الاستثنائية ومــــما تضمـره تعاستهم البائسة!

كم أنت (بريء) من صياغات قدحهم و جزاف تهمهم الخطيرة المساقة عبر الأثير العدائي وتزايد تلويثهم وتعتيمهم لحقيقة (الحدوتة) الليبيـة الطارئـةوتشويههم المتعمد لسمعتك وسلوكك وصورتك العالمية المبهرة المثارة للجدل الآدمي !

كم أنت (مظلوم) مما نسب إليك أو عنك توجيها وتحريضا وإيحاء ووحياء يفضي في مجمله إلى (العيب) الذي يُحشّم سيرتك اليانعة والطاهرة كما يتقول (الآشرون) ! عبر النت البغيض!

كم أنت (طيب) بدرجة قياسية ومتسامح بدرجة (فلكية) مدهش حلمك وفائق صبرك حينما هزمت إعاقة الخوف طيلة (18000) يوم محتسبا وثابتا بالقتال منتصرا على مؤامرات (الليبيين) طيلة (14200) يوم من عصيانهم المدني الرهيب وعناد سلبيتهم المرهقة المتفشية في أجيالهم واستحالة عجزهم في معرفة ما ترمي إليه !

كم أنت مسكين من سوء أحوالهم المعرفية وسوء طالعهم الأخلاقي وسوء تقديراتهم للمستقبل وسوء أصولهم الاجتماعية والقومية وسوء مضاجعتهم للبهائم والنساء معا !

كم أشفق عليك من (حماقة) خطيئتك الكبرى بالانتحار التاريخي على عتبة قاريونس نيابة عنهم وتقدمك صفوف (المجانين) و(القرابين) من أجل الفقراء وتخليص (افجيرة) و (ربح) من خيار البغاء الحتمي ! في ظل نظام (سيدي إدريس) !

كم أشفق عليك يا زعيم من المكابدة والمكابرة على الذات وممارسة كل أنواع التضحية وأصناف المخاطرة وعناء التعويل والرهان على شعب (بليد) لا يستحق كل هذه التضحيات طيلة هذه المدة !

كم أشفق عليك أيها (الطارئ) الغريب من الكدر و أوجاع غيضك المكتوم وآلام تحصرك من متاهة لعبة (الشطرنج) المفروضة عليك وإيهام تقارير (التهامي) و(بوزيد) حول أحوال الرأي العام (الإيجابية) المزورة وقبولك المزدوج لفصول اللعبة المربكة والحقيرة من كذب الوزير الأول ورياء وزير الزراعة وتقاعس بيادق أعضاء (الحركة) وتصدعات (قلعة) الثوريين المهيأة للسقوط واستبدالها بمجسمات (ماكدونال) و(الكوكاكولا) وجبنه (المراعي) و (انجوي) وحيرة ملك المال المتوّج حكوميا (الدبيبة) ! ونفوق كل الحيل (الجماهيرية) المنفتحة على الاستثمار والعمولات وتبادل المعلومات و الآراء الغربية والتأشيرات السياحية وبيع سندات المحافظ الاستثمارية والوطن !

أشفق عليك وعلى ثوابتك القديمة من اختلاق مسميات (بن غلبون) و (طاطاناكي) وبدائل (دوغه) وتراجعـات (الصلابي) وتدشين ماراثون النكوص عن محددات إيديولوجيتك واختراع أطر ومنهجيات غريبة في نسق الوئام والتصالح المزمع ترضى (الأخوان) و تتقاطع مع توصيفك للديمقراطية والعدالة والحرية والحقوق المدنية !

أشفق عليك من مقترحات (التدليس) ومغالاة الشعر ومبالغة الأمن السياسي والتقارير الاقتصادية ومصروفات البوليس بالمزيد من استيراد مصفحات (القمع) واسطوانات غاز مسيل الدموع ! واستيراد مناديل الانفتاح لتجفيف دموع (القلة) على مقصلة الثوابت !

أشفق عليك من ضوضاء الجهلة في مؤتمر الشعب العام وجهويتهم المنفلتة والشعراء وما يتبعهم من الغاوون ومن ملاحم التزييف والنفاق ومن ألاعيب النخب وخداع الصفوة المهووسة بالمزايدة بدرجة امتياز.

أشفق عليك من تزلف الأقرباء وتودد الخصوم وكذب الرفاق وتملق القبائل وانحدار خلق الأحرار ومجون أولادهم في بارات أوربا دون زوبعة وفرار الثوريين ليلة الغارة وارتباك الأعضاء من نعيق الغربان على (رمة) الخيمة وثراء أنجالهم بنسب عمولات الشركات الأجنبية ورداءة موقف الجيران ورائحة آباط المتثاقلين في نجدة العزيزية وحيض الراهبات الثوريات وخلوف قليلين الوالي!

أشفق عليك يا قائد من المصيبة التي حلت على استثنائك التاريخي على كل الأجيال وانتصارك المبكر على حكم الدراويش واللحاق بالشمس رغم أنف سطوة الأعور وتعاسة القحوص وتخوفهم القائم من الفتك بمصالحهم في فزان المنسية من التنمية ومن ذاكرة النظام البائد!

كم أشفق عليك من الابتلاء بحكم فئة باغية فوضوية نازقة ومارقة وخائبة من دون حدود! وكم أنت مسكين بفعل جرأتك الأسطورية تقارع الجبابرة والأساطيل والاكروز وحبري والنميري وخدم الناتو في الجزيرة وقوي الشر من ريغان وتاتشر إلى ميركل المتصابية من أجل إيجاد مكان تحت الشمس للفئة الجانحة عن عقلها الباحثة عن (الأرز) القصير والموز الهندوراسي والشاي السيلاني الفاقدة لسمة الامتنان والوفاء التي تحتفـظ بها الكلاب الأليفة عادة بمـــا فيها (المزواجة) !

كم أنت مسكين (معمر القذافي) !

منذ توليك (قيادة) قوم عصاة وأذلاء كل الأوقات وتصديقك لخرافات الأرعن ومزايدته الآشرة بذبح طفله أمام حامية الابيار في سبيل بقائك بسدة الحكم ! وتهديد (الديوث) بتطليق زوجاته الأربعة بالزاوية !

وإعلان تاجر البصل بالانتحار ! والتهديد بالموت جوعا من قبل الأفاقين في سبيـل عدولك عـن قرار الاستقالة !

كمشهد التضليل والتهديد قرب أسوار قصر السلام (العامر) بطبرق لمطالبة (مولانا) بالاستمرار في التمسح بلحيته الثلجية !

مسكين أنت .. كم أشفق عليك من احتباس حرارة سلوك النفاق فوربك في غيهم يعمهون ولا يتعظون !

قومك يلوون أعناقهم عن عدالة المنطق ويستعجلون أحلام القدر ويستبشرون بانفراجـات غامضة يرفضـون مبادئ الواقعيـة ويقفزون على الموضوعية !

شعبك مليء بالمتناقضات والكوابيس وقابل لكل الشعارات ولا يملك ثوابت و يكره المبادرات ,, ويؤمن الخوف بالسلبية المحايدة !

شعبك عدوا للمواجهات والانتفاضات والصدام .

ترهبه المادة والشقراوات وانخفاض ثمن (البرنت) !

ونفر من الحرس البلدي والخفافيش و(الحامي) و(قندره) و (بوشرتيله)!

ما بالك بالصمود أمام جنازير (المارنيز) !

شعبك يفر أمام فقراء (قرو) !

ومن أمام هدى بن عامر !

ومهزوم من (عازة) حرم الجنرال بياتي !

و منكسرة إرادته في حضرة (نجمة) الشلحية !

ولا يقوى على مواجهة (ردينة) المتنفذة !

ولا محاورة ليلى الشيخلي !

ومرعب من (رتيبة) القديمة !

ولا يحبس (البول) من ذكر الكاهنة (ديهيا الزناتية) !

كم أنت غريب في محفل وخضم متناقضات (شعبك) المحيرة ادعاءات بطولاته الغابرة !

كم أنت في حاجة إلى (عطف) و(رأفة) الملائكة غير المتجنسة بهوية ليبية قحة !

مسكين أنت أيها الاستثناء التاريخي في المعمورة !

استأثرت التمييز بين الأقوياء والأقليات والأغنياء والفقراء فوق منصة الخطابة بالأمم المتحدة وشعبك يلهث خلف عمولات الشركات البرازيلية والصينية والسيارات والاستقطاعات والاستثمارات وتهريب العمالة والخمور والبخور !

مسكين أنت من قسوة ظلم شعبك (الردئ) وتجنيه عليك بنوبات الكراهية لأفكارك وتمظهرها المفزع من روسومات (الساطور) المسيئة والمستفزة الى بيانات المعارضة الكرتونية وحملة جاب الله المضحكة بتقسيم الوطن وتخاريف (المقريف) المقززة !

مسكين أنت من لعنات الشعب (المتخلف) !

عند أول تقاطع إشارة مرور حمراء تنذر بالخطر !

ومن فكرة تجنيب جزءا من ثروة عائد النفط !

وعند ظهور هلال رمضان وبداية أيام التشريق ! غير المعتمدة من أمراء آل (العنزه) في مكة الغير محرمة على اليانكيين ! وعند تأخير عائد المحافظ الاستثمارية على المصارف التي دعوت إلي توزيع الثروة على الفقراء مباشرة ! وعند صدور قرارات تنظيم وترشيد الاستهلاك !

وصدور قوانين تنظيم المناوبة الشعبية المسلحة للدفاع عن الأرض والعرض المستباح !

و إذا انقلبت سيارة في زاوية المرصص يقودها متعاطي أو تاجر مخدرات تثور ثائرة (سيد الجميع) لماذا لم تصلح له الطريق (المزدوج) ياقذافي !

مسكين أنت أيها الظاهرة الإنسانية العابرة من نجاسة الذين يصلون خلفك دون طهر و يتطيرون بك و بأبنائك و يستكثرون عليهم ركلهم للكرة وأكلهم الطعام وتجولهم في الأسواق وانخراطهم بالجيش وتعلمهم في الجامعات وقيادتهم للسيارات والدبابات وتنزههم في أوربا يريدون التضييق على حياتهم الخاصة والطبيعية مثل كل الليبيين ولا ينتقدون تصرفات المترفين منهم أولئك من عاثوا في الأرض فسادا كبيرا دون التشهير بهم والمغالاة في أخبارهم يريدون اجبار اولادك العيش خلف أسوار العزيزية في معتقل ووسط طوق أمني رهيب !

مسكين أنت من شراسة و تغول الفتنة الإعلامية والإشاعات الكاذبة والمسربة لمعتقد البسطاء من الشعب الذي يدرك حقيقة من سرق ميزانية (الابيار) و(غدامس) و(سوف الجين) و(الشاطي) و(غريان) ووزع مخصصات ميزانيات (اجدابيا) و(الجبل الأخضر) و(جفارة) و (ترهونة) بين أعضاء ائتلاف التحالف القبلي ! ومن سطا على ميزانية بنغازي الموازية لميزانية (الأردن)!

مسكين أنت ومسكين من يتجرأ في الدفاع عن براءتهم من تدمير البنية التحتية لانهم لم يضرموا النار بأسواق الشعب ولم يتملكوا المشاريع الزراعية بأرقام وهمية وبتقديرات صورية ولم يسرقوا ميزانيات برنامج الأسلحة الكيماوية التي أفزعت الناتو و الراحل (البرادعي) الذي أرقته الأرقام الأسطورية الدفترية بالمشتريات الوهمية المخالفة لواقع محتويات مواد المشروع المحظور ! أولادك لم يسمسروا في المواد الغذائية وأدوية السكري !

ولم يحصلوا على توكيلات السيارات ولعطور ومواد البناء و أزوقة الحيطان وأزوقة الإناث !

مسكين أنت من ظلم وعسف :

الجهلاء !

والبلهاء !

والدراويش !

والمغفلين !

والمزايدين في الداخل والخارج !

كم أشفق عليك من فراغ الوطن من الإعلام الصادق وحريته المطلقة ومهنيته المقبولة ومن فراغ لجنة إدارة البلاد من (الرجال) غير الملوثين بالرشاوى والذين كان وجودهم عقبة للتحرشات الجهوية التي اعتمدتها ثقافة (البغدادي) الكريهه لتوازن أضلاع مثلث الوطن ومن نتائج سراب حلم توحيد أفريقيا المخيبة لآمال فكرتك الصائبة !

و من تخمة الشوفيين والمافويين وبعض من القذاذفة !

مسكين أنت في اعتمادك عل شعب يمقت الصراحة والمثالية .. والقيم ,, والعدل ,, والحرية ,, والمبادئ ويعتبرها خرافة ميثالوجية عابرة !

شعبك يحبذ السلطان والكرباج و الأصفاد والزنازين والمقاصل والسلفيين والتنازل عن الهوية بثمن بخس لا يتعدى كاس جعة على رصيف مراكب الغزاة !

شعبك خائن (الرفقة) !

لا يملك قيد أنملة من (الولاء) للوطن ولظاهرتك غير المسبوقة فهو مخادع كاذب لا يؤتمن يضمر لك الخيانة رغم البرقيات والأوسمة والمواثيق والعهود ونحر القعدان والجديان !

شعبك يتنفس الضجر والصخب والسخط والخذل والنفاق والخوف والتخوين والعهر السياسي بغرابة !

شعبك غادر ! منذ أن سجنك في سبها وحاول قتلك بمنزل تاجوراء المهجور وتآمر عليك الأيام الأولى للثورة وتبنى حادثة سوق (الرويسات) ! ومدخل الفندق الكبير ! وما ميدان (ابراك) منك ببعيد.

شعبك معادي (للتجربة) ويفصح عن مكامن ذلك كل حين من خلال (صبيان) القنصلية الايطالية وفلتان الأمن في (جردس) و(القبة) وأحداث شغب (الزاوية) تحت ذريعة مناهضة التواجد الأفريقي ! ومن خلال أحداث شغب الكرة وحرق سيارة (الساعدي) بمصراته ! وتظاهرات عمال شركة الجبل بدرنة ! وتظاهرات المنفيين من كادر الدولة بكل شعبية ! وتصاعد الكتابات الليلية في مراحيض المدن وعلى أسوار المثابات ومآذن مساجد (الزنادقة) ولكل بطريقته ! بمن فيهم (طهاة) شاي الخيمة وكتبت فصول النظرية وعمداء مدرجاتها الخضراء ورعاة الناقة.

الكل يكذب الكل ينافق الكل يحتفظ بذاكرة مشلولة للمذكرات الموالية.

بدءا من جنرال الإذاعة إلى خفير إقطاعية مدير السكة الحديدية بخلة الفرجان .

مسكين أنت ومسكين قلبك الكبير النابض بالإعفاءات والتسامح الذي اتسع القتلة ومن أرادوا دفنك في غيابات (الجب) فأعددت لهم كرنفالاً بعيد للتسامح في أصبح الصبح.

وعفوت عن المتهاونين بحراستك في الشاطــي وأطلقت سراحهم بمن فيهم (الوصيف) ! بعد أن أبطل (الله) أمرا كان مفعولا من ذات الـ (35) شظية في حضرتك.

مسكين أنت من الذين يتطيرون بك ويعيشون بكنفك ويتحصنون تحت عباءتك حينا من الدهر ويعادونك بتصرفاتهم الحمقاء ويتسترون بعلاقتك الاجتماعية بهم ويستمدون قوة تسلطهم من وجودك ويرهبون العباد بقوتك ويعلقون كل مصائبهم على أعمدة أوتاد خيمتك.

ويسرقون الثروة والسلطة والفكرة وثورتك ويبتزون الموارد ويحتفلون بزفاف بناتهم في مظاهر أسطورية وما زفاف ابنتي (الوزير الاول) و(بيت المال) إلا تعبيرا مأسويا عن مرحلة الفوضى الإدارية الخلاقة !

آه كم أنت سيدي حليم بدرجة مثالية.

وما تبقى من أتباعك سذج بدرجة قياسية.

كم أحس (برأفة) تنتابني وحزن عميق بتوصيف الواقع الماثل من عنف خطاب خصومك ولست بصدد موقع الدفاع عنك (كقائد) لهذا البلد المأزوم بالإشاعات والتوهمات والتوقعات والتنبؤات والخرافات غير إني مواطن لفظني الوطن كرها وأجبرني على خيار المهجر قسرا بفعل قتلة الوطن والشراكة فيه لحظة انشغالك بتهديدات البنتاغون وانصرافك للسياسة الخارجية والاعتماد على رموز القمع لإدارة الداخل ! أشحذ قلمي لأنصف استثنائية مواطن آخر اسمه (معمر القذافي) الذي ظلمته شعارات المرحلة الاستثنائية الدامية المفتعلة من الجناة والتي استغلها الجبناء سوء استغلال مستخدما حيادية العقل وموضوعية آرائي الخاصة وتشريح وتشخيص مباعث عبثية استعدائه بهذه الصور المؤلمة والقائمة والحالة المأهولة والهوجاء المتطرفة حول صورة معمر القذافي الضحية مثلنا وما تبعها من خروقات مضللة لم تراع فيها سبل الآداب والتهذيب عبر الانترنت دون مكابح أخلاقية مستحية تنبي في مجملها عن حالة فلتان التجني على (الرجل) وأسرته بتقزز وارتجالية مهمومة بالاستعداء مؤكدة من خلال مظاهرها المسيئة إفلاس الخصوم من الحجج الدامغة والبراهين الداعمة لهذه التقولات مما يؤكد فراغ محتوى خطابها التعبوي وفشل محاولات التقارب والتحاور معهم فكريا بشكل لافت مما دفعها لإثارة مواضيع وأحداث ووقائع وهمية مفتعلة للنيل من صورة القذافي وتاريخه النضالي ودماثة خلقه الكريم منذ أن كان طالبا بكتاتيب الفقيه الرياحي (بسمنو) إلى درجة التشكيك المخزي والأليم في نسبه الاجتماعي واختلاق غموض حول أخواله (آل بالنيران) القذاذفة القحوص المتواجدين في وادي الغربيات بسرت مستغلة هذه الأقاويل الآشرة لقائه في ايطاليا مع بعض الأسر (اليهودية) التي كانت تقطن ليبيا قبل الثورة وهي منطلقات معادية مفتعلة ومختلفة لتشويه صورته العالمية والوطنية بفعل أجندات مناوئة وبحسد منها إقليمية وقومية موظفة بعض من العناصر الفاره ومعولة عليها لتزايد مظاهر التشكيك و التباعد والقطيعة بينه وبين الشعب ومراهنة على افتعال التضمر والاستهجان واختلاق حراك الاحتقان.

حيث أفضت دعوات استعداء القذافي وكراهيته التي شابها في الآونة الأخيرة تصاعد التخبط نتيجة اعتدال ورجوع بعض من العناصر المهاجرة مما زاد من غضب بعض المتشددين من خصومه بوصفه بنعوت طغاة العالم بفرانكو وباتسيتا ونيرون وماركس وهولاكو والليندي ولويس الرابع عشر واستالين وتشاوشيسكو وفرعون وتارة وصفه بكاليجولا وتيمورلنك وهتلر وجنكزخان والحجاج وايفان الرهيب وشارل الأول وروبسبير الوحشي وتشانج كاي شيك وسوموزا وسالازار وغيرهم. بالرغم أنه لا توجد لدى معاصري القذافي أي مؤشرات ودلالات ووقائع تاريخية دامغة تؤكد مزاعم وتطاول خصومه بأنه طاغية ومستبد وإرهابي ودموي ودكتاتور وسفاح وشمولي وأحادي ومتسلط ومتجبر بهذه الوحشية ! وهذا السلوك المعادي والمنتهك للإنسانية .

معمر القذافي عمليا وقانونيا ودستوريا لم يقدم على صفع ميت في حبل مشنقتكم.

ولم يدخل جامعتكم في قاريونس بالكلاشنكوف بل دخلها بمفكرة وقلم.

ولم يلاحق أي تاجر أو طالب في الخارج هذه أعمالكم انتم.

لم يقتل السجناء في أبي سليم افتحوا ملف الحادثة بشفافية إن كنتم جادين.

لم يحقن أطفال بنغازي بالايدز إن كنتم عاقلين.

لم يقتل عمر المخزومي والنامي والحشاني هذا شأنكم.

لم يعدم ضباط مؤامرة سنة 1975 اسألوا رفقاهم.

لم يقتل ضيف الغزال والشيخ البشتي ابحثوا عن الجناة.

لم يسجن فتحي الجهمي وادريس بوفايد والمنصوري اسألوا مخافركم.

لم يخطف الكيخيا وعزات ومطر هذا من جبنكم.

لم يصف مصطفى رمضان والدينالي هذا إرهابكم.

لم يحاول قتل عبدالحميد البكوش هذا من غبائكم.

لم يأمر بقطع تنفيذ مشروع مياه النهر الصناعي عن الجبل الأخضر و البطنان هذا من ثقافة جهويتكم.

لم يتخلص من رفاقه حسب مزاعمكم بل حاولوا التخلص منه بعد نجاح ثورته.

لم يخرب مشروع السرير انتم الفاعلون.

لم يدمر مشروع السرير الاريل مكنوسة الجبل الاخضر ووادي الحي أنتم المدمرون.

لم يفجر منظومة النهر أنتم العابثون.

لم يدمر الطرقات الحديثة أنتم الذين تخربونها من أجل الصيانات.

لم يعبث بمحطات الطاقة أنتم المسببون بإعلان الظلام.

لم يجنب عوائد النفط لحسابه الخاص كما تتوهمون فقد جاوز بالبلد أزمة الاقتصاد العالمية وفق ما جاء بتقارير المحافظ بمؤتمر الشعب العام هذه السنة.

لم يسجن أحدا إلا الذي تشكل حريته خطورة على حياتكم انتم.

لم يتلاعب بالقضايا والأحكام ونتائج مباريات كرة القدم كما تفعلون أنتم.

لم يكره الشق الشرقي من البلاد (برقه) وبنغازي تحديدا كما تدعي كتاباتكم الالكترونية.

لم يهرب الحشيش والخمور وخط ولوح مثلكم.

لم يستورد السلع التموينية الخارجة عن المواصفات القياسية مثلما تفعلون أنتم مقابل الرشوة.

لم يملك الشركات العامة له ولأولاده مثلما أنتم تفعلون.

لم يوافق على الاستثمار كما أنتم تستعجلون التوجه.

لم يعط التراخيص لبائعات الهوى في طرابلس وبنغازي مثلما تشرعون أنتم لتوابع نجاح السياحة.

لم يقتلع أشجار الزيتون والنخيل وطلح درنة المنضود مثلما أنتم تقيمون الدكاكين ومعارض السيارات على حساب الغطاء النباتي.

لم يوافق على توريد البذور المحسنة مثلما انتم تتلاعبون بالإنتاج الوطني.

لم يفسد المناهج التعليمية ويحرم تعلم اللغة الانجليزية مثلما أنتم تزعمون عدم أهمية تعلمها في المراحل المتوسطة.

لم يحاب احد في توزيع مزارع الجبل الأخضر والهيرة مثلما تدعي الأطراف المتضررة.

لم يأخذ دكان من صاحبه مثلما أنتم طبقتم التجربة بالمقلوب.

لم يقتل طيور الحجل وقت تزاوجها والحباري والغزلان مثلما تفعلون أنتم أيها القتلة.

وبعـــــــــد ..

يجب أن لا نرتهن لمعلومات وأقاويل وافتراءات وافتراضات خارجة عن حسابات العقل السوي وكل ما ذكر من أفعال وخروقات غير انسانية وتصرفات وثقافة متخلفة تخص مدارك ووعي الشعب المحتشم انحيازه وولائه للوطن . ولا علاقة للقذافي بتمظهراتها المتدنية ولم يكن الرجل لعنة من السماء كما وصفه أعداؤه من خزعبلات تنم عن إخفاق تعبئة الناس لمعادات (القذافي) لقد لغط العديد من الجناة بحق الرجل فهل يتقدم بعريضة عن طريق (اوكامبو) لملاحقات الخصوم عن طريق محكمة الجنايات الدولية ضد من أساء إليه من الشعب الليبي لتعويضه عن ما لحقه من الليبيين من إهانة لشخصه وفكره وثورته الخالدة.