عندما تطوعت بالقوة المتحركة

    

   من الزيغن .. ضنك وعوز .. طفل لم يتجاور الخامسة عشر .. بحثا عن لقمة العيش .. كان ذلك عام 1963 م .. سيارة داف .. نجد لنا مكان في صندوق الشاحنة .. الى بنغازي .. عملت بداية مع شركة ابيكو لاستيراد وتصنيع الالات الثقيلة .. اعمال الميكنة .. ومن مساعد سائق شاحنة .. اصبحت قائد شاحنة ممتدة تحمل على ظهرها 3 انابيب ضخمة بطول 9 متر .. مواسير ضخ البترول من حقل الحريقه الى ميناء الحريقة بطبرق .. اول خط ومعرفة لليبيا بالنفط .. مسافة 1000 كم متر .. كل قافلة من عشرون شاحنة ترافقها سيارة لاندرفر ( سكاندا سيريا ) .. مجهزة بالاتصالات والبلاغ عن اية شاحنة تتعطل اثناء الترحال .. ومع الانتهاء من اعمال التنفيذ .. وبداية ضخ البترول .. وقد شاهدته عيانا .. قدمت استقالتي .. وعدت الى فزان .. لا يزال الجيل يعيرونني بها .. ( وجه الفقر يستحي من الغنى .. بعد شاف البترول والخير استقال وروح لفزان ) .. بيني وبينك .. حق عفسه .

    اعدت التجربة مع شركة ” ساسكو ” .. لصاحبها : عبدالله عابد السنوسي .. ..والتي انجزت طريق بوقرين – فزان .. ومنها انتقلت الى شركة الاويسس الانجليزية .. وفي الاويسس ، صارت مهمتنا تزويد الفرق العاملة على آلات الحفر .. نقلت الة ( رق 10 ) من جالوا الى الجغبوب .. اربع صهاريج اسبوعيا .. اثنان نافثة .. واثنان بنزين .. كنا ننقل الوقود ونعبر اولا ارض بطحاء .. بيضاء تعانق الافق استواء .. وما ان تنتهي امامنا 100 كم .. السير فقط عبر المسار المحدد سلفا .. خشية الالغام المطمورة منذ الحرب العالمية الثانية .. وقد سالت دماء المحور والحلفاء بغزارة هنا .. وفي بير حكيم .

    ذات مرة .. حدث ان تعطلت الشاحنة في براح ما بعد المسار الملزم .. قريبا من خرمة الجبل .. مضيق وارض رحبة بين مرتفعات شاهقة .. ذهب السائق الى بنغازي لإحضار القطعة العاطلة .. وبقيت وحدي .. حارس ” عساس ” للشاحنة .. مدة شهر كامل .. نضب الزاد والماء سوى ما جاد به عابر سبيل من زملائنا صادف مروره .. متوحدا في صحراء مقفرة موحشة .. وما زاد في وحشتها .. انني عند طلوع النهار اتمشى في المحيط .. ويبدو ان المكان شهد معارك الحرب العالمية الثانية .. وذات يوم صعدت الجبل .. وبانت لي غابة اشجار الطلح .. متراصة ومخضرة في منظر بديع .. مسافة كيلو متر واحد .. قصدتها .. اطلال 12 عربة محترقة .. خوذ الجنود .. رفاتهم .. ملابسهم .. جماجمهم .. ايادي مقطوعة ومبعرة وقد صات عظامها بيضاء ناصعة .. كنت حديث سن .. وسط مشاهد لا تحكي سوى قصص الموت .. ومن ترك رفاتهم بالصحراء .. اوجست خيفة .. وزادني فيما بعد .. تعرفي على اثر حيوان مخلب .. يجول حول منامي .. اخترت النوم ليلا داخل ( دومان ) السيارة .. وفي احايين عده .. اسهر الليل .. وأنام النهار .

     عبرت تلك التجربة .. قررت ترك العمل بالصحراء .. في بنغازي .. اخبرني احدهم ان ” القوة المتحركة ” .. ستعلن قريبا عن قبول مجندين .. كان امر القوة السنوسي الفزاني .. انتظرت رفقة ” شكابلية عرب الزيغن في حي البركة ” .. اهل واحتي .. زمرة رفاق الصبا والنشأة .. وعندما اعلن عن التجنيد .. ذهبت الى معسكر ” بنينه ” .. كنا المتقدمين 500 مجند .. قبل منهم 250 فرد .. كنت احد المقبولين .. حضر السنوسي الفزاني بنفسه .. يرافقه طبيب .. وصار يعبر من امامنا ونحن في حالة اصطفاف .. ومن يشير اليه بعصا التشريفات .. ينتحي جانبا .. كان هو الذي اختار .. واوعز للطبيب اجراء الكشوفات الطبية لنا .. ومن هناك الى معسكر قريناده .. قرب مدينة البيضاء .. استلمنا مهماتنا كاملة .. الالبسة والاربطة .. المدربين انجليز .. ووزعنا على الشعب الثلاث .. النجدة .. خفر السفارات .. خفر النفط .. وكنت ضمن فرق النجدة .. وبعد تدريب عنيف استمر طوال عام 1967 م .. والامتثال التام للأوامر .. وكيفية اداء مهمتنا الاساسية .. مكافحة الشغب .. لنا لباسنا الخاص .. كما لكل شعبة زيها الخاص .. التشريفات لخفر السفارات .. الكاكي البني ، والحبل الاحمر حول الابط .. لخفر النفط .. كنا دائما على اهبة الاستعداد .. بندقيتك البلجيكي برفقتك دائما .. مع عشرون ظرف رصاص حي .. وعندما تأتي الاوامر .. كما في المظاهرة التي جابت من البركة الى ميدان الشجرة .. نرافق المحتجين مسيرتهم .. على اطراف الحشد .. دون تدخل .. واي شخص يحاول الاعتداء او تهشيم واجهات .. نتقدم لصفعه .. لدينا طرقنا المتعددة .. لسعة بالعصا الكهربائية .. واذا كانوا شلة .. او خرج الجمهور عن طوره .. نستخدم غاز مسيل الدموع .. في جعبة كل واحد منا .. عشرون طلقة غاز .. اذا اقترب زحفه اكثر .. اطلاق النار في الهواء .. اذا لم يتراجعوا .. وهرج المكان .. اطلاق الرصاص الحي .. اسفل الركبة .. أي اصابة اعلى الركبة تعاقب عليها .. كنا مهرة في التصويب .
   يحظر الخروج بدون اذن من المعسكر .. وداخل المعسكر انت في وضع الجاهزية دائما .. طلبت اذن خروج .. مبررا زيارة اقارب لي قدموا من فزان .. ومن معسكر بنينه بعد نهاية دوام الظهيرة .. سمح لي بالخروج .. الى حي البركة .. ” حوش شكابلية عرب الزيغن ” .. رفاق الدرب .. وفي المساء .. عودة قبل الساعة التاسعة .. عند ” مفوز البركه ” .. بداية طريق بنينه .. 7 كم .. اقف استجدي باشارة يدي سيارة عابرة تختصر لي المسافة .. السيارات قليلة .. توقفت سيارة مرسيدس فارهة .. طننت انه غريب تاه الطريق ..   يسألني الطريق الى اين .. فتح باب السيارة .. قال لي : اركب .. ركبت بهدوء وخجل .. اضاءة السيارة الداخلية .. مع فتح الباب .. تعرفت على شخصه .. كان الآمر العام للقوى المتحركة .. الزعيم السنوسي الفزاني .. يضع مسدسه بجوار عتلة حركة التروس .. وبندقية اليه على سطح الكرسي الخلفي .. كان من طبيعته لا يهنأ ليلا .. يطوف بين المعسكرات .. وقيل .. انه عندما تعرض لحادث سير قرب المرج .. اصيب برأسه .. بقي سنتان للعلاج في بريطانيا .. وعندما عاد .. ظل هكذا .. الطبيب اوصاه بعدم النوم لأكثر من ساعتين كلما امكن ذلك .. وقد اعتاده هو الاخر .. تراه اواخر الليل .. يحوم .

   ساد الصمت لمسافة .. قلت في نفسي : الفرصة حانت .. وجاءت الى حيث اقدامك .. فلا تلفظها .. انتهزها .. اعرف انه ينتمي لقبيلتي .. ولم يسبق لي اللقاء به في غير معسكرات القوى المتحركة .. وهناك لا مجال لغير لغة العسكر .. قلت له : انا من الجنوب .. فزان .. واعرف انك ابن عم لي .. ومن قبيلتي .. واتشرف بهده الصدفة التي جمعتنا .. وبالتعرف اليك .. رد باقتضاب : ” خليك في شغلك ” .. تلعثم لساني .. وعاد الصمت يحبس الانفاس .. عاد لي صوابي .. وتذكرت هوة المسافة الفاصلة بين مجند وزعيم .. اقتربنا من بوابة المعسكر .. وكالعادة نداءات الحارس الثلاث .. قف .. تقدم .. قف .. تقدم .. وفي الثالثة .. عندما تعرف على شخصه .. ادى التحية .. عبرنا البوابة .. توقف ونادي ضابط خفر .. قال له : ضعه في السجن .. قضيت ليلتي .. وفي ظهيرة اليوم التالي .. نودي عليّ .. كان لا يزال بالمعسكر .. افرج عني وطلب الي الاستعداد لمقابلته .. عملت كل ما يلزم لإظهار قيافتي على اتم وجه .. ولجت باب مكتبه .. القيت التحية .. وانتصبت في وضع الاستعداد بعد المسافة المسموح بها .. تطلع اليّ مرات ومرات دونما ينبس بكلمة .. ويبدو ان قيافتي .. وحدب كي البدلة بالنشاء .. والنطاق والازرار بالسيدروا .. اعجبه .. قال لي : لقد شفعت لك هذه البذلة والقيافة .. لكن انتبه : ” لا تأتي على لسانك بلفظ قبيلة مرة اخرى ” .. انصرف .. غادرت .. ورحلت الغمامة عن وجه الزعيم .
     دائما في حل وترحال .. الاقامة بالمعسكر عينه ثلاثة شهور فقط .. تتبادل افواج المعسكرات .. الانتقال يشمل جميع الجنود والضباط .. يستثني طقم الادرايين بالمعسكر .. قرنادة بدل بنينه .. وبنينه بدل البريقه .. وهكذا .

       مهمتنا لا تقف عند حدود كبح الشغب .. بل وتغطية أي عجز امني .. في أي موقع ترعاه القوى المتحركة .. قد اندب الى شعبة اخرى .. ارتدي لباسهم .. وانتقل للسكن بجوارهم .. في ذات مقرهم .. ليلة 1 . 9 . 1969 م .. كنا اربعة اشخاص نذرع باحة المطار .. حراسة الطائرات .. سمعنا لحن مارشات عسكرية عبر الاذاعة المسموعة .. توقعنا ان الملك مات .. كان حينها في رحلة علاجية لتركيا .. لم نكترث .. وعند الفجر .. حظر ملازم من القوة المتحركة .. طلب منا تسليم العتاد .. والإبقاء على بنادقنا وعدم تسليمها لأحد كان .. بقينا على ذلك الحال ايام .. كانت حينها كل المعسكرات لا تزيد قوتها عن 50 فرد .. اما البقية .. فقد صدرت تعليمات بإحلال البديل للقوة المتمركزة لحماية حقول النفط .. كانوا لا يزالوا في الطريق لإجراء البدل .. وقبل عودة القوى .. اقتحمت المقرات جملة .. بمساعدة ضباط من داخل القوى المتحركة نفسها .. فوجئنا عندما اجتمع بنا احد الضباط المعروفين بيننا .. والقى خطبة .. عن ضياع الوطن .. وتفشي الرشوة والمحسوبية والوساطة .. وأضاف : انه سوف يتم احالة ملفاتنا لوزارة الداخلية .. وانه بإمكاننا من الان مغادرة المعسكر ، والالتحاق بالوزارة لإعادة توزيعنا .

   عند مبنى وزارة الداخلية .. التقيت بزملاء لي .. كنا اربعة اشخاص ثم تنسيبنا الى ادارة الشرطة بالبيضاء .. رفضنا .. ماذا سنعمل هناك ؟ .. وفيما نحاور الضابط المسئول برتبة رائد شرطة .. دخل ضابط جيش برتبة ملازم .. نهض الرائد من مكتبه ، وقدم له التحية .. نالنا العجب ..!! .. ما الذي يجري ؟ وكيف لرائد ان يقدم التحية مسبقا لملازم ثان اقل رتبة منه .. لكن الرائد اصر على عدم النظر في طلبنا .. واوعز لنا بتنفيذ القرار .. كان عند الباب يقف رئيس عرفاء .. همس لنا اثناء خروجنا قائلا : ” هذا ما يقدر ايديرلكم شي .. وحتى جبان .. لكن انتظروا عند سارية العلم في الساحة .. عندما تأتي سيارة لاندروفر سكاندا سيريا مسيجة بشباك حديدي على الزجاج .. اقتربوا منها .. واعرضوا قضيتكم .

      ظللنا ننتظر .. ولم يتأخر كثيرا .. تقدمنا نحوه .. ضابط برتبة كبيرة .. يقود السيارة به سائق .. كان المقدم موسى احمد .. وزير الداخلية .. بادرنا بالسؤال .. اجبناه اننا نريد النقل الى اجدابيا .. وعندما وجه لي السؤال .. من لديكم من اقارب هناك .. قلت ابناء عمومتي .. نادى على رئيس العرفاء .. قال له : قل للرائد يصدر قرارات بنقلهم الى حيث يريدون .

     في اجدابيا عملت حارسا .. مبنى المصرف التجاري .. وذات يوم سألني زميل .. لما لا تزور ابناء عمومتك باجدابيا .. قلت له : لا اعرف اماكن بيوتهم .. وفي اليوم التالي .. حضر الحاج زيدان بن كيلاني .. الى حيث انا اؤدي واجبي .. سألني عن اهلي وأعمامي .. وطلب مني المغادرة معه .. اعتذرت .. ارسل لمدير المركز يطلبه .. حضر الضابط .. وعانقه .. عمي زيدان اطلب .. وعندما طلب منه ان يخلى سبيلي .. في الحال .. حضر بديل الحراسة .. وذهبت الى حي ابناء عمومتي .. وصار لي مستقرا في اجدابيا .

   مضت 6 اشهر .. تقدمت بطلب نقل الى البريقه .. تمت الموافقة على الفور .. وهناك بقيت اتلذذ الطعام الشهي على حساب الشركة النفطية .. ولا خدمة لا قدمه .. مدة 4 شهور .. وفي الاثناء تعرفت على شخص قدم للتو .. طويل القامة .. من تبو القطرون .. تعارفنا .. وجمعنا حنين فزان .. سكن بالغرفة المجاورة لي .. ومكثنا سويا .. كنا طوال الوقت متلازمين .. قدم من طبرق بعدما كان مناوبا في حراسة الملك .. حراس الملك التبو .. ومن بين ما يسلي به نفسه في العادة .. ” خط الرمل ” .. التنبؤ بالمستقبل .. قلت له ذات يوم .. تقدمت بطلب نقل الى فزان منذ فترة .. هل لك ان تكشف لي مصيره .. قال : لم يبقى لك سوى يومين بهذا المكان وهذه البلاد .. وفي اليوم الثاني كنت قد غادرت .. وصلت برقية تفيد الموافقة على نقلي لفزان .. عودة اخرى لأرض الجذور .. عند مدرية امن سبها .. نسبت للعمل بفرق الدفاع المدني .. حضيت بدورات في ايطاليا لمدة عام .. وفي النمسا ثلاث شهور .. وفي تونس ثلاث شهور .. اتقن اعمال اطفاء الحرائق .. وسبل محاصرة النيران .. اقود الشاحنة احيانا بنفسي .. وفي احيان تجدني اقبض على فوهة انبوب الرش .. عندما كنت مجرد منتسب .. وعندما اصبحت مديرا .. وضرب الدهر ضرباته .. واشتعل الرأس شيبا .. ركنت الى التقاعد .. اواسي نفسي بلقاء متقاعدين مثلي .. وتستمر الحياة .

المصدر .. عين على فزان 

ارفسنا بقدمك ودعنا نعيش ..

 Kolumnisten Al-Aswani

هل تعرف مصطفى البشتيلي..؟                                           

هذا الرجل نادرا ما يذكره أحد بالرغم من دوره العظيم في تاريخ مصر. أصله من قرية بشتيل بمحافظة الجيزة، عندما احتل الفرنسيون مصر عام 1798 كان مصطفى البشتيلي تاجرا ثريا  يمتلك وكالة (محلا كبيرا) لبيع الزيوت في بولاق أبوالعلا ويعيش حياة مرفهة مع أسرته، لم يكن ينقصه شيء، لكنه قرر أن يقاوم الاحتلال الفرنسي فشرع يخزن البارود في براميل الزيت استعدادا ليوم الثورة ثم وشى به بعض جيرانه للسلطة الفرنسية التي أمرت بتفتيش الوكالة ولما وجد الفرنسيون البارود عنده قبضوا عليه وألقوا به في السجن بضعة أشهر ثم أطلقوا سراحه، كان من الممكن لمصطفى البشتيلي عندئذ أن يبتعد عن المشاكل ويعكف على تجارته المربحة، لكنه كان مصرًّا على مقاومة الفرنسيين.

في مارس عام 1800 عندما اندلعت ثورة القاهرة الثانية ضد الجيش الفرنسي تحول مصطفى البشتيلي إلى زعيم حقيقي يمد الثوار بالاسلحة وينفق من ماله لتلبية احتياجاتهم ويقودهم بنفسه في غاراتهم المستمرة على معسكرات الفرنسيين . كان نابليون بونابرت قد عاد إلى فرنسا وترك قيادة الحملة للجنرال كليبر الذي فوجئ بضراوة الثورة فعرض على المصريين الثائرين الصلح ولما رفضوا شن الجيش الفرنسي هجوما كاسحا على القاهرة استباح خلاله قتل المصريين وسبي نسائهم ونهب أموالهم ومتاعهم وقد انهمرت القنابل الفرنسية بغزارة فأحرقت حي بولاق بالكامل وأحياء أخرى كثيرة في القاهرة.

 وفي النهاية تمكن الفرنسيون من اخماد الثورة المصرية وفر مصطفى البشتيلي هربا من الفرنسيين لكنهم نجحوا في القبض عليه. هنا حدثت واقعة مأساوية وفريدة من نوعها. لم يرد الجنرال كليبر أن يصدر قرارا باعدام مصطفى البشتيلي حتى لا يتحول إلى بطل في نظر الشعب فطلب من جموع المصريين في بولاق أن يعاقبوا البشتيلي بأنفسهم لأنه حرضهم على الفتنة التي أدت إلى احراق بيوتهم وقتل أقاربهم وسبي نسائهم.

 لقد حمل الجنرال كليبر البشتيلي المسؤولية عن كل الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي لاخماد الثورة. الغريب أن المصريين اقتنعوا بهذا المنطق الشاذ وقاموا بتجريس مصطفى البشتيلي. التجريس عقوبة قديمة يتم فيها اجلاس الشخص المعاقب على الحمار بالمقلوب ثم يطوف بالشوارع فيبصق الناس على وجهه ويصفعونه ويشتمونه. قام المصريون بتجريس زعيمهم مصطفى البشتيلي  وفي النهاية انهالوا عليه ضربا بالنبابيت حتى قتلوه. يحاول بعض المؤرخين التخفيف من هذه الواقعة المشينة فيقولون إن المصريين جرسوا البشتيلي وقتلوه خوفا من بطش الجنرال كليبر. هذا تبرير غير منطقي وعذر أقبح من ذنب. اذ كيف يخاف المصريون على حياتهم فيقتلون زعيمهم بأيديهم؟ واذا خاف بعضهم فارتكبوا هذه الجريمة الشنيعة فلماذا لم ينقذ بقية المصريين البشتيلي العظيم ووقفوا يتفرجون عليه وهو يتعرض للتجريس والقتل؟

 

كيف نسي المصريون فضل هذا الزعيم  الذى ضحى بكل شيء من أجل استقلال بلاده ..؟ كيف طاوعتهم أنفسهم على قتله وهو الذى كان يدافع عن حريتهم وكرامتهم..؟ ماذا دار بذهن مصطفى البشتيلي وهو راكب على الحمار بالمقلوب والمصريون يبصقون عليه ويشتمونه ويضربونه بالنبابيت..؟ هل ندم على اشتراكه في المقاومة وهو يرى المصريين الذى دافع عن حريتهم يهينونه ويضربونه..؟ ان مقتل مصطفى البشتيلي المأساوى يعلمنا أن المصريين، منذ قرون، يحملون رؤيتين متناقضتين للحياة.

لقد كان مصطفى البشتيلي مثل مصريين كثيرين رجلا ثوريا يهتم بأحوال بلاده بنفس قدر اهتمامه بأسرته وهو لا يطيق الحياة اذا كانت بلاده محتلة أو ذليلة، انه يفضل الموت على الحياة بلا كرامة ولاحرية. بالمقابل فان الذين جرسوا البشتيلي وقتلوه، مثل مصريين كثيرين أيضا،  ينتمون إلى نوع المواطن المستقر الذي يفضل الاستقرار على أي شيء في الحياة، ان كل ما يهمه أكل عيشه حتى لو ضاعت كرامته وحريته. الأهم عند المواطن المستقر أن يكسب ويأكل ويشرب ويمارس الجنس بكفاءة مع زوجته ويربي أولاده ويعلمهم ويزوجهم. ان انتماءه منحصر في أسرته وهو لايهتم اطلاقا بما يحدث خارجها. المواطن المستقر يعتبر السلطة قوة قاهرة يجب أن يخضع لها تماما لأن مقاومتها ستكلفه ثمنا لايريد ولايستطيع أن يدفعه انه يطيع الحاكم المستبد ولسان حاله يقول: “ارفسنا بقدمك ودعنا نعيش”. المواطن المستقر يعتبر الثورة ضد الظلم حماقة ويكره المناضلين من أجل الحرية ويعتبرهم مثيرين للفتن ويحملهم مسؤولية وقف حاله وقطع رزقه.

كل تقدم أحرزته مصر نحو الاستقلال والحرية يرجع الفضل فيه للمصريين الثوريين مثل البشتيلي وكل اخفاق حدث للثورات المصرية كان سببه الأول خنوع المواطن المستقر وأنانيته وضيق أفقه.  ان مشهد تجريس الزعيم مصطفى البشتيلي وقتله بأيدي المصريين الذين دافع عن حريتهم لازال قادرا على الهامنا لنفهم المشهد في مصر اليوم. ألا يشبه شباب الثورة مصطفى البشتيلي..؟ لقد ثاروا في يناير 2011 دفاعا عن حرية وكرامة المصريين فكان جزاؤهم القتل وفقء الأعين بالخرطوش وكثيرون منهم قابعون في السجون يتعرضون لتعذيب بشع وبرغم ذلك لازالوا ثابتين على مبادئهم، وبالمقابل هناك مصريين ينتمون لطائفة المواطن المستقر مثل قتلة البشتيلي. هؤلاء لا تعنيهم الثورة ولا يريدونها أساسا وهم يفضلون لقمة العيش على الحرية والكرامة ويعيشون متوائمين مع الظلم والفساد ولايدركون أن من يتنازل عن حريته من أجل لقمة العيش سيخسر لقمة العيش والحرية معا.لن تتقدم مصر الا اذا طالب المواطن المستقر بحريته وتخلص من خوفه واذعانه للاستبداد.

علاء الأسواني:..

في مقاله* لـ DW عربية يشرح علاء الأسواني المشهد السياسي في مصر في ضوء واقعة تاريخية غريبة.

سجال في سقيفة الأطلال

عبد الرحمن شلقم
 
خطابان للرئيس التونسي الراحل الحبيب أبو رقيبة لا يمكن طيّهما من سجل الذاكرة السياسية العربية. الأول كان في مدينة أريحا بالضفة الغربية، عندما زارها سنة 1965. وقال في خطابه: «على العرب أن يفعّلوا قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 27 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1947». والخطاب الثاني الذي ألقاه في مسرح البالمريوم بالعاصمة التونسية في حضرة القائد الليبي الراحل العقيد معمر القذافي سنة 1972. وقال رداً على طرح القذافي لمشروع الوحدة بين البلدين: علينا أن يوحد كل واحد منا بلاده أولا.
بعد الخطاب الأول قامت القيامة الإعلامية العربية ضد أبو رقيبة، وصفته بالعمالة والتنازل عن فلسطين وخيانة الأمة العربية. أما خطاب البالمريوم في حضرة القذافي فقد قفز عليه الاثنان ووقعا اتفاقية جربة للوحدة الاندماجية بين ليبيا وتونس. كان الرئيس بورقيبة في خطابه الأول بأريحا يعبر عن عقيدة المدرسة التي أسسها هو وكان أول طلابها وأساتذتها. منهجها ومحور فكرها «خذ وطالب».
أما العنوان والقاعدة التي عبر عنها في خطابه الثاني «كن واقعياً واطلب المستحيل».
هل غطى تراب الزمن أرجام المسارات السياسية التي وضعها بورقيبة واهتدى بها؟ وهل قدمت مدارس الزمان ومعارك الأوطان رؤية سياسية عربية تقارع ما أنزلته النوازل فوق الكاهل العربي؟
بلا شك كان تطور المتغيرات الدولية كبيراً وشاملاً في العقدين الأخيرين من القرن الماضي. لقد انهار الاتحاد السوفياتي وكتلته الشرقية، وتلاشى حلف وارسو الجسم العسكري الشيوعي المقابل للناتو. ورحل عصر الآيدولوجيا. قام الاتحاد الأوروبي، العملاق السياسي والاقتصادي على الضفة الأخرى من القارة المقابلة لنا، ضم كل دول دولها وهي الشريك الأول لنا في كل شيء، الماضي بما له وما عليه، الحاضر الاقتصادي الذي يمتص ما تجود به أرضنا علينا ويصدرون لنا ما تبدعه عقولهم وتصنعه سواعدهم. انهارت الأنظمة الشمولية الفاشية العسكرية في أميركا اللاتينية، وبرزت نمور اقتصادية شكلت نهضة نوعية في جنوب الكرة الأرضية. سرت حركة تنوير وطنية جديدة وديمقراطية عتيدة، وتراجعت موجة المد اليساري الثوري.
بروز الصين قوة اقتصادية ضاربة، تغزو ببضاعتها الرخيصة الدنيا. وتحركت في الدنيا بقوة ناعمة، شجعت مواطنيها على الرحيل إلى قارات العالم للاستثمار، قدمت مساعدات هائلة للدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا دون أهداف سياسية، بعيدا عن الوهم الآيديولوجي الماوي، مسحت فلسفة الرئيس دنغ سياو بينغ فلسفة ماو تسي تونغ، جملة واحدة قالها سياو بينغ: «لا يهم لون القط، المهم أن يأكل الفأر».
ترافق ذلك مع بروز ما عرف بالنمور الآسيوية التي احتلت مكانا مهماً في الاقتصاد العالمي.
تطورات شاملة، وتكتلات سياسية واقتصادية شكلت بديلاً ضخماً لخرائط ما بعد الحرب العالمية الثانية وزوال فحيح الحرب العالمية الباردة. خلقت عالماً جديداً تعملق بقوة الثورة التقنية الهائلة، وتطوير وسائل الإنتاج بصورة إعجازية مذهلة.
عصفت السنون على الدنيا في كل شيء. السياسة، الاقتصاد، الثقافة، التعليم، التقنية ووسائل المواصلات والاتصالات. غمرت العالم فلسفات وأفكار ومناهج غيرت نسق التفكير الإنساني. تشكلت تحالفات اقتصادية. وضعت القوة العسكرية أوزارها إلى حد كبير في التدافع الإنساني نحو تحقيق الأهداف والطموحات الوطنية.
ماذا فعلنا نحن؟
لم نقرأ حجم ما حدث في الدنيا، ولم نقيّم أثر ذلك وتأثيره علينا. لم نستورد ما يضيف لنا من هذا التكوين الجديد للدنيا أو نبدع نسقاً فكرياً جديداً يؤهلنا لعبور بوابة الكون الجديد. لم نحذف شيئاً مما تراكم في الرؤوس منذ قرون، ولم نغرس فيها نباتاً جديداً أبدعت فسائله مسيرة الزمان.
أعتقد أن قضية «الهوية العربية»، هي سقيفة الأطلال التي نطوف فيها حول ظلال تداعت جدرانها منذ قرون خلت، ظلال التصقت بالذاكرة وأصبحت موجِها فاعلاً للعقل. اقفرت المنازل لكن العقول لم تزل أواهل منها.
لك يا منازلُ قي القلوب منازلُ
أقفرت أنت وهن منك أواهلُ
كأن المتنبي ينقل على الهواء كيمياء عقولنا اليوم. هل نحن «شعوب عربية؟» أم «أمة عربية؟». وطن عربي؟ عالم عربي؟ أم مجرد «ناطقين باللغة العربية» مثل شعوب أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية باستثناء البرازيل؟
البشر كائن ينمو مثل كل الكائنات الحية الأخرى، تراكم التجارب والخبرات والتعليم والتعلم يخلّق كيانات ومكونات تختلف عما سبقها وإن بقيت في نفس المكان. ذلك هو سر استمرار الحياة وتقدمها. لو قلت لمواطن أميركي سنة 1970 إن الولايات المتحدة الأميركية سيترأسها رجل أسود من أصل أفريقي والده مسلم. سينظر إليك مشفقاً ساخراً، يقول لك: هل جننت؟! وإذا قلت لآخر هناك احتمال أن تترشح امرأة لرئاسة أميركا قريباً وتكون لها الفرصة الكبيرة للفوز، فقد يصفعك غاضباً. نفس الشيء سيحدث إذا قلت حينئذ لمواطن بريطاني إن رجلاً مسلماً سيكون عمدة لندن عاصمة محراب عقيدة المحافظة.
العلاقة بين العرب ظلت معلقة فوق حبال التفكير الرغبوي الحالم، لم تخط خرائطها بمقاييس رسم متجددة وواقعية. رفعت شعارات الوحدة، وانتهت بالغزو والحروب. الجامعة العربية من أقدم أجسام التجمعات الإقليمية، لكنها لم تزل كما ولدت منذ عقود، لأن العقل الذي صنع ذلك الجسم بقي كما هو ولم يتطور.
لو نبدأ اليوم بسياسات «حسن الجوار». وبعد أن تترسخ ننتقل إلى تطوير التبادل التجاري. ستأتي بعد ذلك حالة جديدة من التفكير الثنائي، تلد حقائق تفعل فعلها على الأرض.
عقلية «الأطلال) هي التي جعلت المسافة بين غزة والضفة الغربية أبعد من المسافة بينهما وبين تل أبيب.
السبت  15 يوليو 2017 مـ
عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة

جميلات في سريرالعسكر والمخابرات وفضائح الروحانيات بين فيلا المشير وخيمة العقيد

 

غرقوا في الفاحشة والرذيلة، استباحوا أعراض الأطفال والنساء، ووسخوا قفازاتهم المصنوعة من فراء الذئاب، بالقيح والدماء، زوروا التاريخ، واغتصبوا الجغرافيا، وحولوا الأمة إلى زريبة، والخارطة إلى ركوبة، من أجل ماذا؟ من أجل التيجان والصولجان؟ أم لأنهم من شلة أهل الصنعة في نادي (المسطرة والفرجار)، وعبدة للشيطان لوسفير «ملاك العصيان، المطرود من الجنة»؟
لو أنك رأيتهم في غرفهم الحمراء، وثكناتهم العسكرية العزلاء، وقصورهم المدنسة بالمنكر والفحشاء، لوليت منهم قرفا، خاصة حين تعلم أن كل أسرار الجيش المصري قبيل حرب فلسطين، كانت تصل إلى عصابات الاحتلال، من سرير الملك فاروق مباشرة، عبر الممثلة اليهودية «كاميليا»، التي اقتصر عمرها الفني على أربع سنوات فقط (1946 – 1950) قبل أن تنتهي حياتها بتذكرة موت، تخلى عنها أنيس منصور في آخر لحظة، لتتلقفها هي، حيث كان الأجل بانتظارها، على متن الطائرة التي وقعت، فأخذت معها عشيقة «فاروق» وغريمه السينمائي «رشدي أباظة»، وعميلة الموساد «ليليان كوهين»، التي كانت تقايض القبلة بالمعلومة، كما يرد في برنامج «جميلات في سرير المخابرات»، فما بالك بما هو أعظم من القبلات!

السيمفونية العاشرة: وردة العقيد السوداء

«الوردة السوداء»، كما أطلق عليها العقيد معمرالقذافي، لدوافع غريبة وميول غامضة جذبته لكونداليزا رايس، حفزته على تأليف سيمونية خاصة بالمرأة التي دمرت الشرق بأكمله، وقدمت فخامته أضحية القذافيين الصغار من ورثته الذي انقلبوا عليه!
وثائق ويكيليكس، لم ترحم القذافي، الذي تضج حياته بالمغامرات المستهجنة والسلوكيات الشاذة، حين سربت معلومات سرية عن ممرضاته الأوكرانيات الأربع، خاصة بالذكر، الشقراء جالينا كولوتنياستكا، والوظيفة الحصرية التي خصها بها القذافي ألا وهي تعديل المزاج، خلال صولاته السياسية، أو حين تجتاحه رغبة وطنية عارمة للابتهاج!
غرابة الأطوار والعلاقات الجنسية المشبوهة لم تقتصر عليه بالطبع، ولكن ما ميزه عن غيره، هو اختياراته، التي جعلت من نسائه حارسات لحتفه وليس لحياته! فتأسيسه لجيش من النواعم أطلق عليهن «حارسات الأمازون»، لم يكن فقط خوفا من غدر أو انقلاب الحراس الذكور عليه، بل لأن ارتباط العنف بالحب عامل نفسي يعزز عنده طاقة الانتشاء بممارسة النقيضين في لعبة واحدة، ولو أنك عدت لإفادات معتقلات سياسيات في سجون القذافي، أجرت الجزيرة الوثائقية حوارات مفتوحة معهن في برنامج «نساء في قبضة العقيد»، لعرفت تماما ما عنيته بازدواجية الممارسة!
لم يحب أحد في هذه الخليقة «كونداليزا» كما أحبها القذافي، و«أوبرا وينفري»، ولذلك بادلته الحب على طريقته الفيتشية، كما يليق تماما بلعبته، فكان أن اختار بنفسه آخر سيمفونيات القرن: الخوزقة، وهي فن تعذيبي برع فيه العثمانيون، واقتبسه المازوشيون ليحولوه إلى ملهاة جنسية… أقول قولي هذا وأنا كما أخبرتكم من قبل – رجل حيي وخجول، يمنعني الخفر من الاسترسال برذائل الفحول، فمن أحب الاستزادة، فليعد إلى برامج موقع اليوتيوب عن «أسرار في حياة القذافي»!

ممارسات السمو الروحاني في فيلا المشير

صفوت الشريف هو الذي ضم سعاد حسني إلى جلسات سمو روحاني، تلقى علمها على يد صلاح نصر، الذي درسها في الهند وطورها في ألمانيا، ليتخذ منها وسيلة للإيقاع بالمجندات في فيلا «حكيم عامر»، التي مات بها، ليهددهن بأفلام فاضحة وممارسات شاذة قمن بها بلا إدراك، تجاوبا مع اللعبة القذرة التي ظل «صفوت» يلعبها حتى في عهد «الفرعون الطيار – مبارك»، حيث تحول من عميل استخباراتي لصلاح نصر «إلى قواد»، كما عبرت خوشيد في حوار متلفز مع معتز، كاشفة عن بيعه لمجنداته في أوروبا بالعملة الصعبة، بعد إسقاطهن والسيطرة على وعيهن، وقد تحدثت «خورشيد» عن علاقتها المقربة من سعاد حسني، وتحذيرها من مغبة نشر مذكراتها، فالمخابرات لا تسمح للعميلات السريات بكشف الأسرار، ولا تتهاون معهن كما فعلت معها، لأن من يتورطن بممارسات معينة، يعرفن أكثر من سواهن، ولذلك لا يملكن أجلهن! أما فيلا المشير عبد الحكيم عامر، فقد كانت خردة شذوذ وتعذيب ومزاج، وفي أحد جوانبها غرفة تعرف بغرفة «الغلاية»، التي يُقتل الضحايا فيها في حوض ماء مغلي، وتكدس جثثهم لترويع غيرهم بها، وهو ما لم يكن ناصر على علم تام به، خاصة وأن نصر وعامر، كانا يتفقان على تصفيته، وإلهائه كما كشفت له خورشيد نفسها، ليتخذ إجراءاته في قضية المخابرات التي انتهت بمحكمة التطهير عام 1968، بعد أن فاجأها اعترافه لها، أنه ائتمنهما على أمن الثورة، كما ائتمن أم كلثوم، التي تنازلت عن أغنية وداعه في عهد السادات، التزاما بمبدأ: «الحي أبقى من الميت»!
«الكرنك»، الفيلم الذي أدخل سعاد حسني في حالة نفسية حادة أقرب إلى الانهيار، لم يعكس أداء فنيا ماهرا، بقدر ما شكل عملية تفريغ عصبي لشحنات مكبوتة، وكظيمة في الذات، وهو ما يعيدك إلى تسريبات القذافيين الصغار، لأشرطة فاضحة لأبناء القذافي مع فنانات عربيات في غرف النوم، ومن تابع مسلسل «الحرباية» في الموسم الرمضاني المنصرم، يتذكر بكاءات سعاد حسني، ويوقن أن التكتيك الاستخباراتي لعلية القوم، يبدأ مباشرة بعد قيلولة سمو روحاني، بين القميص المشقوق في الكرنك، وعباءة عسلية في بولاق!

اختراق سريري بين الساتان والحديد

القذافي الذي دعا إلى خيمته ما يقارب المئة فتاة إيطالية، من سلالة الحرير والساتان، من أجل ترغيبهن بالإسلام، هو ذاته الذي زج بالمعتقلات السياسيات خلف القضبان بعد أحداث جامعة طرابلس عام 1976، وأحداث باب العزيزية في الثمانينيات، وأحداث الإخوانيات بداية التسعينيات، ومن يعود إلى «الجزيرة» الوثائقية، سيطلع على بوح مبرح، لمن خرجن من السجون، ليدخلن السجن الأكبر: «الشبهة»، تقول إحداهن: (كان زوجي يخاف الاقتراب مني، تجنبا لشبهة معاشرة مع معتقلة سياسية سابقة، وكان أولادي يتحدثون إلي بصوت مخنوق وأسئلة مذعورة: كيف هو شكل السجان يا أمي؟ هل يشبه العقيد؟ هل له قلب ودموع مثلنا؟)!
قضت كاميليا – صاحبة أعلى أجر سينمائي، يا للعار – في حادث طائرة مروع، مخلفة وراءها فردة حذاء ساتان أخضر، ومقالة لأنيس منصور: «تموت هي وأحيا أنا»، وطربوشا ملكيا أرملا، وأمة مخترقة سريريا، وسيمفونية غير مكتملة، وضعت وردة العقيد السوداء لمساتها الأخيرة عليها، وعمارة مخابرات مصرية في قلب لندن، وشلة بائعي ذمم، يبكون على كلب الصحراء في سرت، ويتحسرون على بطولاته الإسراطينية، قال شو: «الله يرحم أيامه، قال»، ليتبدى لك حجم الشذوذ الفكري والنفسي والجنسي، الذي أطاح بالأمة، منذ تولاها «الحشاشون الجدد» من سرايا عابدين على «أم بي سي»، وحتى ليلة القبض على لميس الحديدي، بوظيفة «بارت تايم»، في مولد «الجزيرة»!

لينا أبو بكر

Jul 13, 2017

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

مواقف وأحداث.. من بوشاقور الى علي زيدان

 
5 س ·

مواقف وأحداث.

كل العقلاء المنصفون المتابعون للشأن الليبي اليوم يتفقون على أنّ “علي زيدان” رئيس الوزراء السابق يعتبر من أكبر النّكبات التي نُكب بها الوطن عموما وفبراير خصوصا، ولستُ في هذا المقال بصدد تعداد تلك النّكبات وعرضها، فهي ظاهرة يكاد يراها حتى الأعمى. وإنما أريد أن أتناول في هذا المقال السبب الرئيس في وصول تلك النكبة إلى كرسي رئيس الوزراء. وقد بات اليوم ظاهرا للعيان أيضا أن “تحالف القوى الوطنية” هو عبارة عن مشروع انقلابي تم الاعداد له قبل ما يُعرف بـ “اعلان التحرير” المزعوم، تقود هذا المشروع “أبو ظبي” تخطيطا ودعما وتوجيها عبر أذرع محلية باتت معروفة اليوم لدى القاصي والداني، وقد كنتُ حذّرت من هذا المشروع في مجلس يضم في جنباته الشيخ نادر العمراني رحمه وغيره من الفضلاء قبل أن يظهر للعيان، بل التصدي لهذا المشروع أخذ كل وقتي واهتمامي، عبر مشاريع كثيرة كانت سببا في تأخير ظهور الثورة المضادة على ما نراه اليوم، ولعل أحد هذه المشاريع هو موضوع مقالي هذا.

بعد ظهور نتائج انتخابات المؤتمر الوطني، وكان لـ “التحالف” نصف المقاعد تقريبا (1). صار عين “التحالف” على الحكومة، حتى يكتمل لهم السيطرة التامة على السلطتين التشريعية والتنفيذية. في هذه الأثناء كان “حزب العدالة والبناء” قد جهّز لرئاسة الوزراء الدكتور عوض البرعصي. وهو قيادي في الجماعة والحزب في آن واحد، كحال الكثير من القياديين في الحزب!، وقد كان من وجهة نظري أن هذا الخيار لم يكن موفقا لأسباب التالية:

السبب الأول: أن عوض البرعصي من جماعة الإخوان، وغالب الليبيين بما فيهم أعضاء المؤتمر الوطني عندهم تحسس شديد جدا من قضية الإخوان نتيجة الدعاية الممنهجة التي اتبعها القذافي ضد الاسلاميين عموما والاخوان خصوصا. فالذين نطمع في أصواتهم ـ أعضاء المؤتمر ـ غالبهم سيرفضون التصويت لـ “إخواني”.

السبب الثاني: وحتى لو سلمنا بفوز عوض البرعصي برئاسة الوزراء فسيكون من اليسير جدا عرقلته باعتباره “إخوانيا” سواء عبر الإعلام أو عبر الشارع، وقد وقع هذا مع “معيتيق” وهو ليس بإخواني!.

السبب الثالث: أنّ المنافس “رئيس تحالف الانقلاب” أصوات التحالف مضمونة له في المؤتمر الوطني، فلا مجال للمغامرة بالدفع بشخصية “اخوانية” لمنافسته، لاسيما والبرعصي محل جدل عند النصف الأخر، أعني غير التحالف.

السبب الرابع: أن رئيس المؤتمر الوطني “محمد المقريف” في ذلك الوقت كان من شرق ليبيا، ونحن شعب جهوي قبلي بامتياز، فرئيس الحكومة لابد أن يكون من الغرب أو الجنوب، وهذا كلام قد سمعته بأذني من العديد من أعضاء المؤتمر الوطني وليس من عندي كما يتوهم بعض من رمانا جزافا في تلك الفترة بأننا جهويين، نحن نتعاطى مع واقع موجود أمامنا ولم نكن نحن الذين نصنع ذلك الواقع، وهناك فرق بينهما كبير وواضح لمن كان له أدنى درجات التفكير.

هذه الأسباب التي جعلتني ارفض تقدم “عوض البرعصي” لمنافسة “محمود جبريل”، وهي أسباب أتحدى كل من رمانا بكل سوء ونقيصة في تلك الفترة، سواء من بعض قادة العدالة والبناء أو من الحواشي التي حولهم! أن يردّوا عليها ردّا علميا منطقيا.

قابلت العديد من قادة حزب العدالة بشأن اقناعهم بتغير رأيهم في هذا الموضوع، لكن ما فيش فائدة. هنا رأيتُ أن أبحث عن بديل يمكن أن يكون منافسا جيدا لـ “رئيس تحالف الانقلاب” ويمكن أيضا أن يجتمع عليه النصف الأخر من أعضاء المؤتمر الوطني، فكان بعد بحث وسؤال وتواصل شخصية “مصطفى أبو شاقور”. اتصلتُ به وحددت معه موعدا، وقد كنت حريصا على أن لا أكون بمفردي في هذا اللقاء، فاصطحبت معي ثلاثة من الأصدقاء، وهم عقلاء أمناء لازالوا على قيد الحياة شهود على ما أكتب، قابلنا السيد أبو شاقور وقد استمر اللقاء قرابة الساعتين كان غالب اللقاء منصب على التحقق من أنه ليس منتمي لأي جماعة أو حزب وأنه ليس له من غاية إلا خدمة الوطن والمواطن بطريقة مهنية بحتة بعيدا عن أي اجندات خاصة، ونحو ذلك، وخرجنا منه بالاتفاق التالي:

ـ سنقوم بدعمه وترشحه لرئاسة الوزراء.
ـ أن تكون حكومته بعد فوزه بعيدة كل البعد عن الأحزاب والجماعات السياسية إنما يتم اختيار شخصيات “تكنوقراط” مستقلين.
ـ أن نكون شركاء في اختيار حكومته لضمان تحقق الشرط السابق. (علّق السيد أبو شاقور على هذا البند تحديدا بقوله “هذا طبيعي جدا لا يحتاج إلى تذكير!).

وقبل انصرافنا من هذا الاجتماع، قلتُ له أن ينتظر مني اتصالا خلال يومين على اقصى تقدير، وطلبتُ منه أن يُعد برنامجه لعرضه عمّا قريب، اتصلتُ في خلال هذين اليومين بالعديد من النّخب من مختلف المناطق والتي ليس لها أي انتماء حزبي، اجتمع ما يقارب العشرين من بينهم العديد من أعضاء المؤتمر الوطني، وقد كنتُ ذكرت لهم أنني اجتمعت بـ “أبو شاقور” وخرجت بقناعة أنه خيار مناسب لهذه المرحلة، اتصلت بـ “أبو شاقور” وجاء من بعد صلاة العشاء واستمر الاجتماع إلى قبيل الفجر، وقد خرج الجميع وهو مقتنع بـ “أبوشاقور”، وبدأ الجميع في الاتصال لحشد أصوات أعضاء المؤتمر الوطني لـ “أبوشاقور”. عدتُ للعدالة والبناء بعد أن صار هناك منافسا لمرشحهم يملك عددا لا بأس به من الأصوات، واتفقنا على أننا سندفع بـ “عوض البرعصي” و “مصطفى أبو شاقور” في مواجهة “رئيس تحالف الانقلاب” فأيهما كان أكثر حظا في الأصوات، جعلنا باقي الأصوات الأخرى له، وفعلا في الجولة الأولى كانت الأصوات على النحو التالي، محمود جبريل أولا، مصطفى أبو شاقور ثانيا، عوض البرعصي ثالثا. قلنا للعدالة والبناء الان علينا ان ندعم “أبو شاقور” فغضبوا عضبا شديدا وامتنعوا، بل خرجوا من القاعة بادئ الأمر، ثم بعد ضغوط واتصالات من العديد من الأطراف وافقوا، وفاز “أبو شاقور” أخيرا برئاسة الوزراء بعد نصب وجهد كبير.

ليس الغرض من كتابة هذا المقال السرد التاريخي والبكاء على الأطلال، إنما أردت أن أقول التالي:

1ـ أول قرار اتخذه رئيس الوزراء الجديد هو قطع أي اتصال بي، وعدم الرد على اي اتصال من طرفي! وقد يتفاجأ القارئ الكريم من هذا السلوك أليس كذلك؟ عليم الله غالب وجل من تعاملت معهم في مشاريع كبيرة ويمكن أن يكون لها غالب الأثر الإيجابي على الوطن والمواطن، أقول جلهم أو أغلبهم أول قرار يتخذونه هو قطع الطريق عني وإدارة ظهورهم نحوي، أعضاء في المؤتمر الوطني برلمانيين وزراء قادة ثوار شيوخ قبائل مثقفين وجهلة، أئمة مساجد وخطباء وحفظة قرآن، وسفلة وسوقة ومجرمين، يستوي الجميع في هذه الخصلة، وأنا والله مصدوم جدا من هذا الخُلق الغريب!.

2ـ بعد الحاح واتصال مكثف استطعت أن أقابل “رئيس الوزراء الجديد” في مكتبه ـ وكان ذلك بعد اسبوع من فوزه تقريبا! ـ وكان معي صديق مرافق لي من منطقة زاوية الدهماني ولايزال حيّا شاهدا على هذا اللقاء، فأول ما دخلت مكتبه وقبل أن أجلس قال “أبوشاقور” مخاطبا صاحبي “أنا لولا هذا الرجل ـ يشير إليّ ـ ما جلستُ في هذا الكرسي”. أراد أبو شاقور أن يمازحني حتى يصرفني عن لومه بعدم وفاءه بعهده الذي قطعه على نفسه، تبسمت تبسم المُغضب، وجلسنا لبعض الوقت، فلم أجد “أبو شاقور” الذي قابلناه أول مرة، خرجت من عنده، وما هو إلا أيام حتى أعلن عن حكومته التي لا علم لنا بها إلا بعد إعلانها، وكانت كما لا يخفى على الجميع حكومة الأقارب والأصدقاء ورفقاء الهجرة!.

3ـ تحالف “التحالف مع العدالة والبناء” وتم اسقاط “أبو شاقور” وتولى رئاسة الوزراء “علي زيدان” مُرشح الانقلابيين والمدعوم من “أبوظبي”، وسقط الوطن في قاع لايزال يهوي فيه إلى ساعة كتابة هذه الأسطر.

4ـ مصطفى أبو شاقور والعدالة والبناء هم من كانوا وراء هذه النكبة، وهم الذين تسببوا في كل ما جرى بعد علي زيدان من مآسي وأحداث مؤلمة، من تغول الانقلابيين ونحو ذلك، ومع ذلك لايزال “ابو شاقور والعدالة والبناء” يقدمون أنفسهم على أنهم الخيار الوطني وعلى أنهم يسعون لمصلحة الوطن، فشاركوا في “اتفاق الصخيرات” الذي يكتوي منه الوطن غصص وويلات.

5ـ يتهمنا البعض بأننا لسنا أصحاب مشاريع ولا رؤى ولا بدائل، ويعلم الله أننا قدمنا مشاريع كبيرة، ربما يأتي الحديث عنها لاحقا، ولكن بعض من يدّعي الوطنية، وبعض من يدّعي المرجعية الاسلامية يقومون بمحاربتها، لأن هذه البدائل لا تتوافق مع رؤيتهم ورؤية أحزابهم، وحسبك تجربة أبو شاقور دليلا.

6ـ إحدى المواقف الطريفة، أو المضحكة المبكية، أن عضو قيادي كبير في العدالة والبناء اتصل بي الليلة التي تسبق التصويت على رئيس الوزراء، ودار بيني وبينه حديث طويل، ثم أردت أن أوكد عليه قضية أن نقف جميعا ضد “تحالف الانقلاب” فأكد موافقته، وأنه ليس لهم من غرض ولا مطمع في الوزارات، ثم لما تقدم أبو شاقور على البرعصي، اتصلت به ظنا مني أن بيننا عهود ومواثيق، فرد علي مغضبا جدا، وقال نحن ليس مرشحنا أبو شاقور، فقلت له، أما قلتَ لي البارحة أنك ليس لكم أي مطمع في الوزارات، فوالله رد عليّ بالحرف الواحد وبصوت مرتفع جدا يكاد يميز من الغيض “تي كيف ما نبوش وزارات!! امالا علاش مأسسين حزب؟!” وأظنه الان يبتسم وهو يقرأ كلماتي هذه، وهو لايزال صديق بيني وبينه احترام ومودة، لكن في تلك اللحظة أخذته الحمى الحزبية وتحرّكت فيه النزعة السلطوية! وحبّ السلطة فطرة مغروزة في بني آدم!.

أخيرا، ليس غرضنا في هذا المقال التّعرض لشخص “أبوشاقور” أو غيره، فليس بيني وبينه خلاف شخصي، إنما هو شخصية عامة يتعاطى الشأن العام، وكما لا يخفى الشأن العام الليبي اليوم في أسوأ أحواله، ويكتوي المواطن البسيط من تأزم هذا الشأن، في أمنه وقوت يومه وصحته ونحو ذلك، فمن حق المواطن الليبي أن نضعه في الصورة، وأن نبين له بعض أسباب الأزمات، بكل مصداقية وموضوعية، ونعوذ بالله من أن نقول على مسلم ما ليس فيه، والله إننا لا نجيز أن نقول الكذب حتى على أمثال “ليون” و “كوبلر” فكيف بمسلم له ما لنا وعليه ما علينا، ولكن الأمانة التاريخية تستدعي وضع النقاط على الحروف، وإلى اللقاء مع موقف أخر وشخصية أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ والنصف الآخر كنا سببا في وجود كثير منه بفضل الله، وهذه قصة أخرى تحتاج إلى توثيق أيضا لعلنا نأتي عليها في مقال أخر، وهي قصة لا تقل مرارة عن قصة ابوشاقور وموقفه.

مجرد ذكريات: حزب التحرير والإضراب

أحمد الفيتوري

1 –

وضعُنا ساءَ كسُجناء رأي. جُوعنا وصابَ البردُ أجسادنا، فالملابس الخاصة بالسجن العسكري قطعة واحدة صيفية لا غيار لها. مطلع ثمانينات القرن الماضي الهزائم التي لحقت بالقذافي في تشاد انعكست علينا: المهزوم طبق نظريته عن الحمار “المربوط” الذي لابد من ضربه ليخاف الحمار “المطلوق”. عندها شرعنا في إضراب ووضعنا سقفاً عاليا لمطالبنا منها ضرورة زيارة الطبيب، توفير الخبز، قبلها طالبنا بالإفراج، السماح بالزيارة، الحصول على الكتب وجهاز راديو. حصل توافق بين الجماعات، الأفراد السجناء، لكن حزب التحرير الإسلامي أفتى أميره بأن الإضراب “حرام زقوم”، كنا نبغي الإجماع حتى يقوى الإضراب، لهذا أفتينا لأمير الجماعة بأن لا يُضرب، لكن فقط يمتنع عن استلام الطعام حين يجلبه السجانون في كل الوجبات، ووفرنا لهم كل ما لدينا من بقايا ما أمكن تخزينه كي يأكلوا، هكذا تحقق الإضراب.

نتمشى عادة في ممر القسم الرابع بالسجن حين يُخرجوننا من الزنازين وفيها حين لا يخرجوننا، في الممشى جاء بجانبي أحدهم من “حزب التحرير الإسلامي” يُحدثني موكداً أن الإضراب حرام بل كُفر لأنه شروعٌ في الانتحار، لم يكف عن تكرار هذه الجملة وإن بصيغٍ مختلفة، قلت مقاطعا: إني مضرب عن الطعام من يومين وأنت مُضرب ومخادع أيضا، إن كنت تأكل فإنك تمارس الخداع، الله أعلم ما تُظهر وما تُسر، وضع سبابته في وجهي صارخا: أنت تؤمن بالله؟. قال سؤاله بلهجة استنكارية تكفيرية. لم يكن مُثقفا ولا مُتفكرا في الدين وإن يرى نفسه فقيها فإن اعتقاديته الجازمة جعلته يدرك أني جاحدٌ لمعتقده، وهو متماهٍ ومعتقده وعليه فإني أجحد وجوده فأراد أن يبادر بتكفيري. لقد كان يتلقى فاعليته بل وجوده من أميرهم، ومن هم على خلاف ذلك: لا يؤمنون بما يؤمن به بالتالي هم عقبة في طريق تحقيق وجوده أو على الأقل في الهيمنة والسيطرة لأجل تحقيق هذا الوجود، الذي السلطة هدف لتحقيقه، الذي هو هدف غاية يبرر كل وسيلة وخير وسيلة الإقصاء بالتكفير، إن الدين وسيلة مقدسة تبرر بتر كل ما عداها، لسان حال محدثي يومها في السجن وفي حالة إضراب.

2-

كان القذافي حينها يرفع شعار: “صراع وجود لا صراع حدود” يعني الصراع مع “دولة الصهاينة” التي تبرر وتمنح غطاء: أن الصراع صراع ديني، القذافي الذي تمظهر كعسكري قومي يبرر صراعه مع عدوه في الجوهر بأنه صراع ديني.

عندما أفتي حزب التحرير الإسلامي بتكفيره لم يعللوا ذلك بأنهم دعوه بدخول حزبهم وأنه رفض، لم يكشفوا عن أنهم وهو في صراع على السلطة، وحينها كل منهما يسم الصراع بالمقدس وبذا فهما في الجوهر واحد. حين كان أعضاء هذا الحزب المتطرف في قفص المحكمة وجهوا إلى القذافي دعوتهم للانضواء في حزبهم، قبل ذلك كان هو يعتبر “من تحزب خان”، عليه أصدر الحكم بالمؤبد على كل أفراد الحزب وبدورهم كفروه، قد يكون سرد حادثة جانبية يوضح حالة الكوميديا السوداء التي فيها البلاد والعباد: كان هناك عضو في حزب التحرير لم يُقبض عليه لأسباب الفوضى المحض المصابة بها البلاد عهد القذافي وبالتالي جهاز أمنه، ذلك العضو حُكم عليه غيابيا بالمؤبد رغم ذلك بقي طليقا لسنوات حتى أنه – كما يبدو نسي كل ما يتعلق بالحزب والقضية والحكم- دخل في التصعيد الشعبي حسبما نظرية القذافي السياسية لغرض أن يُمسي أمين المؤتمر الشعبي لمنطقته، عندها فقط تنبه خصم له للقضية والحكم فوشى به فقُبض عليه وجُلب إلى السجن، أي أنهم غصبا أعادوه مرةً ثانية لعضوية الحزب، ومن المفارقات الأخرى لهذا العضو المغصوب أنه أعلن تحريم مشاهدة التلفزيون، لكن بين الحين والآخر يدعي أنه وجد نفسه في زنزانة أخرى بها جهاز تلفزيون فشاهدهُ في حكم المُضطر، ويشاهد عادة المسلسلات والأغاني النسائية خاصة المطربة سميرة توفيق.

3-

السجن “المفرخة”، والسجان القذافي وأطروحاته هما المغذي لهذه “المفرخة”، أما حزب التحرير والقذافي فهما وجهان لعملة واحدة، لهذا اعتبرهم “زنادقة” كما اعتبروه “كافرا”، وكما دعوه إلى الاستتابة والانضواء في الحزب، دعاهم إلى المراجعة والانضواء في لجانه الثورية التي البعض منها فعلا انضووا في الحزب الذي البعض منه بات عضوا في لجانه الثورية، كالذي طمع أن يكون أمين المؤتمر الشعبي لمنطقته.

أحمد الفيتوري | الأربعاء 5 يوليو 2017, 

من سبها الى تل ابيب


من ثقافة معاداة السامية لتصبح يهوديا

رحلة ليبي .. ابن فزان .. نحو اكتشاف الذات

     يبدو أن ظهر اليوم حارا مثل الأمس ، لكن في هذا الشهر وقبل 50 عاما ، كنت في الخامسة عشر من العمر ، وأعيش في مدينة سبها ، وهي مدينة صغيرة في صحراء جنوب ليبيا . أخبرني ابن عم لي ، من كبار السن ، عن تقارير راديو صوت العرب من القاهرة التي تتحدث عن الوضع المرير الذي يواجهه الجيش المصري .. وقال ” علينا ان نفعل شيئا ” .

       لم أكن أعرف تماما شيء عن ما سيعرف لاحقا باسم ” حرب الأيام الستة ” ، ولكني علمت أن ما يحدث كان سيئا للغاية بالنسبة لنا كعرب ومسلمين . كان كل من حولي مراهقين وقد استوعبوا المزاج المتوتر ، وباتوا يتطلعون إلى تنفيس غضبهم على اليهود .

       انضممت مثلهم الى حشد شعبي خرج في تظاهرة توجهت نحو مبنى قريب منا على الطراز الغربي ملحق ببار للمشروبات الروحية ،. كان الوقت مبكرا من بعد ظهر ذلك اليوم ، والمكان لم يفتح ابوابه بعد . فيما قام عدد قليل من الأولاد الأكبر سنا بكسر الباب ، واقتحم الحشد ردهات المبنى ، وقاموا بتهشيم زجاجات الخمر وإلقائها على قارعة الطريق .. وسط هتافات .. ” الموت لليهود! ” ” ليرمى اليهود في البحر! “

        الحقيقة هي أنني لم أكن في الواقع قد سبق لي لقاء اي يهودي . لقد نشأت في قرية بدوية صغيرة تتكون من 20 عائلة ، بوادي الشاطي فزان تسمى ” حطية برقن ” .. وهي عبارة عن مجموعة من أكواخ الطين ذات أسطح من زرائب النخيل لم تكن تبدو مختلفة عن واقعها قبل 2000 سنة . وكانت الرعاية الصحية بدائية لدرجة أنه عندما كنت صبيا ، فقدت اسرتي ثلاثة أطفال من اشقائي بسبب المرض .

     كان الإسلام السني النهج الوحيد للحياة التي عرفتها . وكانت مدرستي هي المسجد ، حيث علمنا إمامنا القراءة والكتابة عن طريق حفر آيات من القرآن الكريم على ظهر اللوح . بعد ذلك ، كان تعليمنا أكثر علمانية ، اذهب الى المسجد وبالكاد كنت متدين . ولم تكن امامي ابدا أي بدائل أو طرق للتساؤل عن الحياة التي اعتدناها .

     كتبنا المدرسية لم تذكر إسرائيل ، واستخدام الناس لكلمة يهودي كان بمثابة الاهانة .. فقد ناصب اليهود النبي محمد ، لذلك هم مدانين في اعتبارنا . وكان اليهود الوحيدون الذين رأيتهم فقط عبر الأفلام المصرية ، التي قدمتهم لنا في صور لشخصيات وحشية .

     لقد عرفت العرب الفلسطينيين . وفي مدرستي الابتدائية كان من بين معلمينا استاذ فلسطيني . ولكونه فلسطيني حضى بترحيب حار بسخاء من الناس .

     بعد اتمام المرحلة الثانوية ، التحقت بجامعة طرابلس ، لم تكن البيئة الفكرية هناك نشطة سياسيا ، ولا ملتزمة دينيا . خلال السنة الأولى من حياتي هناك ، وصلني خبر مأساوي يفيد بوفاة والدتي . افرغت حزني في التركيز على دراستي ، وكسب مكان في برنامج الهندسة الكيميائية على أمل ان اجد مكانا بمجال صناعة النفط المزدهرة في البلاد ، وبالفعل تمكنت من الفوز بمنحة دراسية للدراسة في الخارج في واحدة من البرامج الأعلى مرتبة في مجال عملي ، في جامعة ويسكونسن ، ماديسون . تركت ورائي والدي وشقيقي الأصغر ، وحزمت حقائبي في اول رحلة لي خارج ليبيا.

 حصوله على الجائزة الأكاديمية الوطنية الشرفية الأولى من رئيس الوزراء الليبي عبد السلام جلود في عام 1974.

     في ماديسون ، اكتشفت الحرم الجامعي الذي يعج بالطلاب من مختلف انحاء العالم – الإيرانيين ، النيجيريين ، الأوروبيين ، الآسيويين – . وفي خضم التفاعل الفكري النشط منتصف السبعينات ، أعربت كل مجموعة بحرية وصراحة عن هويتها السياسية والثقافية .

     فعلت ذلك مثلهم أيضا : وعلى جدارية مكتب يشاركني اياه اثنان من طلبة الدراسات العليا ، علقت ملصق كبير لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ، يرتدي كوفيه مناضل يمتشق بندقية شبه آلية.

     كان ذلك عام 1974 ، اي بعد عامين فقط من مقتل الرياضيين والمدربين الإسرائيليين في دورة الألعاب الأوليمبية في ميونيخ ، وفي نفس العام الذي وقعت فيه المجزرة الإرهابية في بلدة معالوت الإسرائيلية . نصف أعضاء هيئة التدريس في القسم وربما ربع طلابها كانوا يهود ، ومع ذلك لم ينتقد اي منهم اختياري للديكور ، او ان يعتبر احدهم انه يسيء له . ومما لا شك فيه أن العديد من الزملاء كانوا يتفاعلون بتوجيه مني .

       فيما بعد ، ولأول مرة ، بدأت التعرف على الشعب اليهودي من خلال اللقاءات مع اعضاء الاتحاد الطلابي وزملاء الفصول الدراسية . وكان اثنان من أساتذة القسم يهود . قضيت وقتا معهم في حوارات حول الفلسفة اليهودية ، والدين اليهودي ، والسياسة والحياة . لقد صدمت كيف كانوا حقا اناس رائعين . لقد تحدوا كل تلك الصورة النمطية التي كنت قد تشربتها في بواكير النشأة بليبيا .

       كان التباين ملفت للنظر لدرجة أنني لم اعيد النظر فقط في الافكار المسبقة التي احملها عن اليهود ، ولكنني بدأت أيضا في اعادة النظر تدريجيا بكل جانب من جوانب حياتي . ليتبين لي عمق النظرة السوداوية التي احملها منذ نشأتي عن اخرون لم يسبق لي ان جالستهم في الواقع .

   وكلما كان لدي المزيد من التجارب مع اليهود ، كلما شعرت بها أكثر . حتى أنني بدأت التفكير في أنني أريد أن اتزوج من يهودية ، رغم أنني في ذلك الوقت لم يكن لدي انسانة بعينها في الاعتبار . وما علق في نفسي ، لعل ذلك من شأنه أن يساعدني على تطهير نفسي من عقلية الكراهية التي تربيت عليها .

     بعد ثلاث سنوات في ماديسون ، انتقلت إلى أوسك . وبعد بضعة أشهر من وصولي إلى لوس أنجلوس ، واثناء ممارستي لعبة التنس في فندق أمباسادور ، جرى تبادل حديث بيني وامرأة شابة جذابة تدعى باربرا ، حدثها عن بلدي ، واقترحت أن نتواصل . وقالت : ” أريد فقط أن اعرف ، أنا يهودية “.

     تبادلنا أرقام الهاتف ، وبعد أسبوع ، اتصلت بها . استغرق الأمر بضعة أسابيع قبل أن نتواصل مرة أخرى ، لقاء للعب التنس وتناول العشاء بمطعم مكسيكي . لم يمض وقت طويل بعد ذلك ، وكنت قد خرجت من المدينة لأخذ قسط من الراحة ومن ارق الدروس .. عدت لأعثر على ملاحظة من باربرا تقول لي : أنها تفتقدني في غيابي .

     قبل فترة طويلة ، دعتني للقاء والديها . كان والد باربرا يعيش في إسرائيل ، ويعمل كضابط في حرب الاستقلال . وكان أحد اشقائها إسرائيليا يعمل ضمن قوات الدفاع الإسرائيلية .

     أنا متأكد من أنهم عندما علموا بمواعدتها لشخص ليبي اسمه عبد الحفيظ ( الاسم الذي كنت قد نشأت معه ولا زلت استخدمه ) ، اعتقدوا جازمين بأن باربرا قد فقدت عقلها.

     ومع ذلك ، صرنا اكثر قربا . وبعد بضعة أشهر ، انتقلنا معا إلى شقة والديها المملوكة في كورياتون . في البداية ، سادت اجواء تستدعي الموائمة ، ولكن سرعان ما أصبحت حياتنا متداخلة . ساعدتني باربرا بمحبة في انجاز اطروحتي للدكتوراه .. وكانت خير معين غمرتني برعاية لم اعهدها في طفولتي . ورحبت بوجودي وسط حياة عائلتها على الرغم من خلفياتنا المتناقضة ، وقبل والداها علاقتنا بمودة . عائلة باربرا لم تكن ملتزمة دينيا ، وبشكل خاص تكتفي بالاحتفاء بعيد الفصح . 

 

 مع زوجته بربارا يحتفلان بحصوله على الدكتوراه  في الهندسة الكيميائية من جامعة كاليفورنيا في عام 1982.

     في عام 1980 ، تزوجنا في منزل فيرفاكس . في تلك المرحلة ، لم أكن أعتبر نفسي مسلما ، بل باحثا روحيا . وسويا مع باربرا اقمنا حفل زفافنا في اجواء تعج بعناصر مخلوطة من اليهودية ، وبعض اللمسات الشخصية الخاصة بنا.

   استقرت حياتنا معا ، وكانت مشاركاتنا بالاحتفالات اليهودية محدودة : عشاء السبت ، وتبادل هدية حانوكا مع والديها .. فيما واصلنا بحثنا الروحي ، والانضمام في بعض الأحيان لزميل في كنيسة سادليباك ريك وارن في بحيرة فوريست.

     كنا حريصين على تكوين اسرة ، ونحن نناضل مع العقم لسنوات عديدة . وقمنا بتبني طفل في وقت ما ، وفي عام 1991، ولدت ابنتنا ، جيسيكا ، وبعد عامين ، ولد ابننا جيسون .

     لم يمض وقت طويل بعد ذلك ، توفي والدي . لم نتحدث إلا قليلا منذ زيارتي الأخيرة لليبيا في عام 1979 . ولم أشاركه سوى القليل عن حياتي الجديدة ، اذ من المستحيل بالنسبة له أن يفهم التعددية والانفتاح ، وان يجد فيه ما يعتز به.

 

 والده السعيدي الخضيري امام منزله في قرية حطية برقن بوادي الشاطئ فزان 1979 

   بالتأكيد كان لا يمكن أن يتصور الخطوة التالية في رحلتي الروحية. عندما بلغ ابننا جيسون عمر 12 . واختار تعلم اللغة العبرية وبدء بعض الدراسات الدينية الأولية.

   بدأ أيضا دراسة اليهودية والتوراة مع حاخام تشباد في شول ، ليس بعيدا عن والدي باربارا. تعلم ببطء الصلاة اليهودية والعادات ، وكلما استوعب اكثر ، كلما شعرت بأنني اقرب لليهودية.

   في اليوم الذي أصبح مؤهلا ، وقفت يغمرني الفخر بابني ، ولا أستطيع أن أفهم بالكاد فيض العواطف ، ولا أستطع شرح ذلك تماما .. نشوى ذلك اليوم ، بعث في نفسي البدء في التفكير فيما بعد الوفاة على طريقة بلدي . لقد ألمني أن أدرك أنه بما أنني لم أكن يهودا ، لن ادفن في ذات المقبرة اليهودية بجانب زوجتي الحبيبة.

مع زوجته باربرا، يحتفلان بحصوله على الجنسية الامريكية  عام 1985.

 

     لم يمض وقت طويل ، قلت لزوجتي أنني أرغب في التحول إلى اليهودية . أحد الحاخامات الذي عرفناه ارشدنا إلى برنامج تقدمه الجامعة اليهودية الأمريكية ، التحقنا به – بربارا وانا.

     شعرنا خلال 18 شهرا في صف الدراسة اشبه بشهر العسل الثاني : ففي اثناء درستنا للتاريخ اليهودي ، والتوراة والطقوس اليهودية ، شعرت بأنني أقرب الى باربرا من أي وقت مضى ، وقد وقعت في حب الديانة اليهودية.

     عندما التقيت مع الحاخام الراعي ، بيري نيتر بمعبد بيث آم ، سأل سؤال واحد فقط : ” لماذا تريد أن تكون يهودا ؟ ” داهمتني عبره مشبعة بالعاطفة ، لم أستطع أن أتكلم . بكيت ببساطة .

“حسنا ” ، ابتسم وقال ” أنت تعبر “.

   حدث شيء آخر : كنت كلما تعلمت المزيد عن اليهودية ، رأيت أوجه الشبه مع عوائد اهلي وطفولتي في ليبيا . تذكرت كيف في قرية طفولتي ، الأسر تهوى كتابة آيات من القرآن الكريم على أبوابها تحفها اغصان وسعف النخيل . كما ان الكلمات التي تعلمتها من الكتاب المقدس بالعبرية تهمس بأذني صدى مصطلحات عامية فريدة من نوعها في بلدتي .

     في سياق التحقق ، علمت أن اليهود عاشوا لآلاف السنين في ليبيا ، بما في ذلك في منطقتي فزان الأم .. على الرغم من أن معظمهم تركوا ليبيا عام 1948 ، وما بقي منهم فروا بعد حرب الأيام الستة . داهمني شعور قوي يستشرف حقيقة أنني لم أكتشف الكثير من الإيمان الجديد ، بقدر ما كشفت عن جزء مخفي في داخلي لزمن طويل ، وربما بعض من أسلافي كانوا يهود.

     في الصباح عندما ذهبت إلى بيت الدين – المحكمة الحاخامية – لإنهاء تحولي ، شعرت بالفرح جنبا إلى جنب مع الصفاء الذي كان قد فاجئني بعد عقود .. شعرت أنني أعود إلى حيث كنت انتمي .

       انضمت عائلتنا الى معبد بيت آم ، شعرت بالطمأنينة على نحو متزايد في المنزل ، وحضور بانتظام يوم السبت لمشاركة العشاء الأسبوعي .. وفي دراستي للتوراة .. وجدت صدى معين لي في حكمة الحاخام أكيفا : ” كل شيء متوقع ، ولكن يجب إعطاء حرية الاختيار “

   هذا المبدأ الأساسي – هو الذي يمكننا من أن نحتضن الله ، ولكن علينا ان نقرر مصيرنا ، وثمة الكثير المغني مما أعتز به عن أمريكا واليهودية . لقد نشأت مثل الكثير من الناس في المجتمعات المغلقة ، ومعرفة نهج واحد من الحياة ، وسط منظومة وحيدة المعتقد ، وتشربت أن احتقر أي شيء خارج هذا المجال .

       أفضل التوجيه للتغلب على هذا النوع من الصراع الداخلي والخارجي ، الى آخر نصيحة من بيركي أفوت : ” من الحكمة .. على الشخص ان يتعلم من جميع الناس “.

     جاب دور التعلم الخاص بي دورة كاملة في نوفمبر 2012 ، عندما سافرنا – باربرا وأنا – إلى إسرائيل . هبطت الطائرة في وقت متأخر من بعد الظهر ، نزلنا فندقنا في تل أبيب ، أرادت باربرا أن تستريح ، لكنني شعرت بالحيوية ، لذلك أخذت نزهة . تجولت عبر شوارع تل أبيب ، ويافا ، حتى منتصف الليل ، نالني العجب بالتنوع .. رأيت الناس صغارا وكبارا ، من خلفيات عرقية كثيرة . لقد دهشت من المشاهد والروائح .. وطبيعة التعايش والحياة المدينة .. وبتمعن الوجوه التي مررت بها في الشارع ، لم أكن أستطيع إلا أن أفكر في شبابي ، وفي الكراهية لإسرائيل واليهود التي أكلت لبي . وطوال سفري عبر البلاد – القدس ، صفد ، الجولان ، رحوفوت – دخلت إسرائيل مجرى الدم . وشعرت بأنني في منزلي .

      لقد عززت الرحلة من اتصالي بإسرائيل واليهود . ففي كنيس صباح يوم السبت ، بدأت اهم إلى جزء من الخدمة التي لم أكن أفكر بها مسبقا : الصلاة لدولة إسرائيل.

     الآن أقول ذلك كل أسبوع بنية صافية : ” يبارك الله الأرض بالسلام ، ويغدق على سكانها الفرح الدائم “.

       في بعض الأحيان ، وأنا أقول تلك الكلمات ، وأتذكر بلدي عندما كنت في عمر 15 عاما ، في ذلك الطقس الحار بعد الظهيرة .. شهر يونيو في شوارع سبها. أقول صلاة إضافية امتنانا الى الله الذي حملني في هذه الرحلة الرائعة .

إ . د . السعيدي الخضيري .. مستثمر عقاري ومطور يعيش في غرب لوس انجليس مع زوجته وابنته وابنه. يكتب مذكرات عن رحلته من طفولته الليبية إلى حياته كيهودي أمريكي نشط وملتزم .

 

 رئيس اتحاد يهود ليبيا، ووزير الإعلام الليبي ووزير الإعلام الإسرائيلي

       سيرة حياة الدكتور  الخضيري .. تستدعي التأمل ، وتحيل في الان عينه الى التساؤل عن ابعاد وحقيقة ما اوردته صحيفة ” ساسه بوست ” .. تحت عنوان : ” يهود ليبيا .. مبرر إسرائيل للتطبيع مع ليبيا ” .. وعن تصريح رئيس اتحاد يهود ليبيا في إسرائيل ، ريفائيل لوزون : ” جميع الفصائل في ليبيا تريد بناء علاقات مع إسرائيل ، على الرغم من أنّ الدولة تعاني الانقسام في الوقت الراهن ” .. وتصريح وزير الإعلام الإسرائيلي ” أيوب قرا ” : ” حان الوقت ليكون ليهود ليبيا الحق في المشاركة في بناء بلدهم ليبيا ، والحضور في المشهد السياسي .. وهناك اتصالات مستمرة لقيادات يهودية وإسرائيلية مع جهات ليبية مسؤولة من أجل إيجاد سبل ترقية العلاقات .. ، وهناك رغبة لتوطيد العلاقات والتعامل بين الجانبين “. . هل حان الوقت .. وصار التطبيع مع اسرائيل اقصر الطرق لنيل الشرعية .؟

ترجمة .. عين على فزان .. عابد