تسويق الزيف – (1) السيادة الوطنية

 بقلم: د. أحمد معيوف
لقد تأسست ليبيا بقرار دولي رقم 289 في العام 1949 ويقضي القرار بمنح ليبيا استقلالها في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952 م، وكُوِنت لجنة لتعمل على تنفيذ قرار الأمم المتحدة ولتبذل قصارى جهدها من أجل تحقيق استقلال كامل التراب الليبي ونقل السلطة إلى حكومة ليبية مستقلة. وتم حماية مواطنيها من بطش نظام مستبد بقرار دولي رقم 1973 في العام 2011، وساعد الناتو في الإطاحة بالنظام السابق بناء على القرار السابق. وتدخل المجتمع الدولي في رعاية الحوار الليبي الذي انتج اتفاق الصخيرات بقرار دولي، وتعمل الأمم المتحدة في مساعدة بناء الدولة عن طريق بعثتتها في طرابلس بقرار دولي صادر عن مجلس الامن رقم 2009 في شهر سبتمر 2011. بناء على هذه الحقائق فإن ليبيا هي “طفل أنبوب” الأمم المتحدة، شكلت صبغياته ولعبت بالدي ان أي الذي يتجلي في مظهرها العام، وعلى قولة “القائد” “الطفل تربيه امه” استمرت الأمم المتحدة في رسم شكل الجنين الذي انتجته وأشرفت على تربيته ورعايته، لذلك فإن اكبر كذبة يسوق لها في ليبيا (ومثيلاتها من الدول) بكل مكوناتها السياسية هي كذبة السيادة الوطنية. طبعا هذا لا يعني غياب حد ادني من السيادة الوطنية تتمتع به البلدان المستقلة، يسمح بها المجتمع الدولي المهيمن لتمكين المجتمعات من النمو وتحقيق نوع من الاستقرار الذي ربما ينعكس على رفاهية مواطنيها. ولتوضيح هذه الرؤية، علينا النظر في المجتمع البشري الحديث وفي دول هي اعظم شأنا من دولنا بل دول من اعظم دول العالم قاطبة. فالعالم بعد الحربين العالميتين تشكلت دوله حسب خارطة رسمتها الامم المنتصرة، وقبلت بها الأمم المنهزمه، وأصبحت واقع للأمم التي كانت خارج لعبة الصراع، والتي كانت مناطق نفود للأمم المتصارعة (تنتمي جلها الى ما يعرف الان بدول العالم الثالث). اليابان مثلا، هي اعظم دول العالم الصناعي، خرجت من الحرب مهزومة ومحطمة بل ومحتلة للمرة الأولى في تاريخها، وقبلت بشروط الصلح مع الولايات المتحدة ودول التحالف التي فرضت عليها شروط غاية في القسوة، اجل مظاهرها قواعد عسكرية أمريكية تحميها وحرمانها من تطوير قدراتها العسكرية. استسلمت اليابان لقوات الاحتلال في 14 أغسطس 1945 عندما أعلمت الحكومة اليابانية قوات الحلفاء قبولها إعلان بوتسدام الذي ينص على إستسلام اليابان استسلاما كاملا بدون أي شروط. وفي اليوم التالي أعلن الإمبراطور هيروهيتو إستسلام اليابان غير المشروط على المذياع، وكانت المرة الأولى التي يستمع فيها الشعب الياباني لصوت إمبراطورهم، وهو اليوم الذي يعتبر آخر يوم في الحرب العالمية الثانية. في نفس اليوم قام الرئيس الأمريكي هاري ترومان بتعيين الجنرال دوغلاس مكارتر قائدا أعلى لقوات التحالف للإشراف على احتلال اليابان (تماما كما تم تعين بليمر قائد عسكري في العراق عقب احتلالها من قبل الرئيس جورج بوش). كانت قوى التحالف قد اتفقت على تقسيم اليابان فيم بينها مثلما حدث في احتلال ألمانيا، إلا أنه في النهاية قام الجنرال مكارتر بمنح اليابانين حق الحكم المباشر على جزر اليابان الرئيسية، وأستثنا جزيرة أوكيناو التي أصبحت قاعدة أمريكيا حتى وقت متأخر. وقامت قوات الاحتلال بوضع الدستور الياباني وصادق البرلمان الياباني على هذا الدستور. وتضمنت الفقرة التاسعة فيه الحد من تحول اليابان إلى قوة عسكرية وتحجيم قدراتها القتالية. كما تدخلت قوات الاحتلال أيضا في الاشراف على النظام التعليمي وجعلت منه مماثل للنمط التعليمي الأمريكي. ورغم ان الاحتلال الأمريكي لليابان انتهى رسميا بتوقيع معاهدة سان فرنسيسكو في نهاية العام 1951، الا ان الوجود العسكري الأمريكي استمر حتى وقتنا الحالي، حيث يوجد ما يزيد عن 45000 جندي امريكي قبلت بهم اليابان المستقلة حسب بنود إتقافية تعاون امني مشترك بينهما. المانيا ايضا خرجت بعد الحرب بقرارات مجحفة في حقها، حيث تم تقسيمها وفرض شروط عليها لا تقل قسوة على الشروط التي كبلت القدرات العسكرية اليابانية. فقد قسمت بعد الحرب بين الاتحاد السوفيتي وامريكا وفرنسا وبريطانيا، واقتطعتت أجزاء من أراضيها ضمت لبولندا وفرنسا، وتشرد نحو 12 مليون ألماني كانوا يعيشون في شرق اوربا، واعتقل نحو 8 مليون الماني إستخدموا كعمال سخرة في معسكرات العمل، وضل جزء كبير منهم في المعتقلات حتى عام 1956، وقامت أمريكا وبريطانيا بإهداء مليون اسير الماني الي فرنسا استخدمتهم كعمال سخرة في مشاريعها، وفكك السوفيات المصانع الألمانية ونقلوها الى بلادهم. وتعرضت إلى اشد من ذلك قسوة وأستهانة في ما يعرف بمبدأ “إعادة تربية الالمان” الذي تجلى في اقالة 90% من جهازها القضائي وإغلاق دور النشر والمدارس وتطهير المناهج الدراسية. وقد قام الامريكان بتحجيم قدرة المانيا وذلك بتوقيف عجلة الصناعة فيها، وتحويلها أولا الى دولة زراعية في اطار ما يعرف بـ”مشروع مورجنتاو” حتى لا تتمكن من تطوير قدراتها التقنية التي قد تعمل على تطوير قدراتها الحربية، مما قد يشكل تهديدا في المستقبل، ولم يتمر مشروع مورجنتاو في النهوض بألمانيا فقام الرئيس الأمريكي روزفلت برفضه والبحث عن مشروع بديل يضمن نهضة المانيا دون ان تخرج عن نطاق سيطرة الحلفاء الغربيين، فاستفادت المانيا اسوة بالدول الاوربية بمشروع إعادة الاعمار الذي عرف بـ”مشروع مارشال” الذي وضعه وزير خارجية أمريكا جورج مارشال، والذي كان يهدف أساسا الى ربط الاقتصاد الأوربي بالاقتصاد الأمريكي للحصول على عائداته المستقبلية، وابعاد شبح الشيوعية عن دول اوربا الغربية. وفي حين استفادت المانيا الغربية من مشروع مارشال امتنع الاتحاد السوفياتي في السماح لالمانيا الشرقية بالاستفادة من المشروع، مما أدى الى تطوير قدرات الأولى. والنتيجة ان المانيا ارتهنت اقتصاديا في يد أمريكا، كذلك ارتهنت عسكريا في يد أمريكا، فقد فاق عدد الجنود الأمريكيين في القواعد الامريكية في المانيا 13000 جندي، وكانت بلدة “بومهولدر” في جنوب غرب ألمانيا نسخة مصغرة من أميركا بسبب كثافة التواجد الأمريكي فيها. ويتمتع الجنود الأمريكيين في كل الدول التي توجد بها قواعدهم بحصانة عالية، إذ لا يتم محاكمتهم عن جرائمهم الكثيرة التي يرتكبونها في الدول التي تقع فيها جرئمهم كما تنص عليه الأعراف الدولية، والذي ممكن ان يترجم بانه استهانة بالسيادة الوطنية. ليبيا، ليست كألمانيا او اليابان او كوريا الجنوبية، هي كغيرها من الدول الخارجة من عبائة الجغرافيا، لم تملى عليها شروط لانها لم تكن لاعب في صراع الأمم، خرجت بعد الحرب بالخارطة التي عليها الان ، بشكلها الحالي بعد ان اسقطت مشروع بيفن سفورزا الذي ينص على تقسيمها الى أقاليم ثلاثة بين بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، وحكمتها حكومات “وطنية” بعد تقاسم الغنائم بين الأمم المنتصرة في منتصف القرن الماضي. لكن هذه الدول الخارجة من عبائة جغرافية ما بعد الحرب العالمية لم يكن يسمح لاهلها “باللعب قدام حياشينهم”، وإن أرادوا اللعب فلا باس ان يلعبوا كما شائو ولكن “داخل عتب حياشهم” مع بعض الاستثناءات للعب “على الرصيف” في حدود ضيقة مرسومة سلفا وبإذن مسبق ضمن ترتيب محسوب. لا عيب في ذلك مادام واقعنا لا يسمح لنا الا بهذا المتاح، فنحن لسنا افضل من المانيا أو اليابان او كوريا الجنوبية، لكن العيب كل العيب ان نتحدث عن “سيادتنا الوطنية” ونسوقها كانها قدرا نصنعه بارادتنا الحرة ونحققه بقدراتنا التي لا نملكها. في الواقع الليبي الحالي، اصبح مفهوم السيادة الوطنية عند ادعيائه منحصرا في التوجه الايدلوجي لهؤلاء الادعياء. التيار الإسلامي مثلا يرى ان القدح في النظام القطري كفر، ولا يرى فيه تدخل يهدد السيادة الوطنية يجب التصدي له. بالمقابل التيار الخصم للتيار الإسلامي يرى في التدخل المصري مصلحة تخدم الوطن ولا تمس بالسيادة الوطنية. والنتيجة ان التدخل الخارجي وخاصة تدخل ما يسمى بالدول الشقيقة افسد الحالة الليبية واجج نيرانها وابعدها عن احتماليات الحلول الممكنة والتوافق المحتمل. وفي حين تغير دول الغرب مواقفها من الازمة الليبية تمشيا مع مصالحها في الملفات الثلاثة التي تهمها، وهي ملف الإرهاب وملف الهجرة وبدرجة اقل ملف النفط، وبناء على الواقع على الأرض الذي يتغير باستمر اخدا ورد، يضل موقف الدول العربية ثابت في دعمها احد الأطراف ضد خصمه ومحاولة تغليبه، لانها في حقيقة الامر تخدم مصالحها بدعم هذه الايدلوجيات الموالية لها دون النظر الى مصلحة ليبيا. والنتيجة ان السيادة الوطنية النسبية التي يسمح بها المجتمع الدولي لاعضائه فقدت تماما لصالح محور قطر- تركيا او لصالح محور مصر – الامارت. وفي حين يتهم تيار الكرامة وتيار فجر ليبيا حكومة الوفاق بارتهانها في يد دول الغرب، الا انها لا ترى ان قراراتها مرهونة بيد محور الإسلاميين او العسكر، وكليهما مرتهن بأحد محوري الدول الداعمة. ان اجل مظاهر السيادة الوطنية في تقديري، يظهر واضحا في رفاهية المواطن وتحريره من الحاجة، وتمكينه من التعبير عن نفسه، فإن غابت هذه المظاهر لا يكون للسيادة معنى سواء كان النظام المهيمن يسري فيه دماء المواطن او دماء الاجنبي. هذه السيادة لا علاقة لها بالسيادة التي يراها الدكتور الصادق الغرياني ومن يدور في فلكه او الدكتور الدغيلي ومن ينتظم في كتلته البرلمانية. وقد كان من المرجح نجاح اتفاق الصخيرات لما لاقاه من دعم دولي رسمي علني، لو سهل له الفرقاء الأرضية التي يعمل عليها. الا ان مزاعم السيادة افسدت كل ممكن يؤدي الى الإصلاح، واصبح التراشق بالاتهامات مظهر لوطنية زائفة تمكن الادعياء من تسويقها في قواعدهم الجهوية، فكسب تيار العسكر دعم القبيلة في الشرق، وكسب تيار الإسلاميين بنادق الميليشيات، وتشتت جهود بناء الدولة بين التياريين، وضاعت السيادة الوطنية، وارتهنت البلاد في جلسات برلمان ميت لا تعقد وقرارات مجلس رئاسي لا تتجاوز الورق المسطر عليه. لا حاجة لنا للـ”سيادة الوطنية” اذا استمر هدر كرامة المواطن في طوابير المصارف، او ضاقت بالمحتاج حاجياته اليومية الاساسية، او لم يتوقف هبوط العملة المحلية. ولا معنى للسيادة الوطنية اذ لم نستطيع ان نحاسب النائب عن استهتاره رغم ما يقدمه الوطن له من ميزات. والله من وراء القصد

تفاصيل الخبر على الرابط التالي: http://www.eanlibya.com/archives/115995

تسويق الزيف: (2) اكليل ورد على قبر قاتل

 بقلم: د. أحمد معيوف “ا
غفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية بعضكم سيقول بذيئة لا بأس، اروني موقفا اكثر بذائة مما نحن فيه.” مظفر النواب
  صدام حسين، وبكل ثبات تقدم الى حبل المشنقة، مد عنقه غير آبه بسجانيه، ووضع الحبل بكل شجاعة حول عنقه، شَهَدَ وترك لحفنة من التافهين ان يراقبوا روحه وهي تصعد تاركة عالمهم بكل محاسنه ومساويه. لكن: هل لحظة موت صدام المفعمة بالبطولة تشبه تاريخه في قيادة دولة العراق على مدى ثلاث عقود طويلة؟. الحقيقة الخوض في تاريخ العراق في زمن صدام، و في من تولى قبله في زمن الانقلابات التي سيطرت على حياة العراق منذ الاطاحة بنظام الحكم الملكي في العام 1958 على يد عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف لا تقول بذلك. تولى حكم العراق فعليا عقب انقلاب تموز عميد ركن عبد الكريم قاسم، وتميز اسلوبه في تفرده بالحكم بعد اشهر معدودة من قيام الجمهورية، فقام بابعاد زملائه من أعضاء تنظيم الضباط الاحرار، فابعد اهم رفاق التنظيم عقيد ركن عبد السلام عارف، ومؤسس تنظيم الضباط الاحرار العقيد رفعت الحاج سري، والفريق اول نجيب الربيعي الذي تولى رئاسة التنظيم بعد ابعاد مؤسسها رفعت سرى قبل أن تنتقل رئاسة التنظيم اليه. وقد اتهم رفعت سرى بالمشاركة في اعداد ثورة الشواف، وانتهى امره باعدامه بعد مدة تجاوزت العام بقليل من قيام ثورة تموز، كما حاول اعدام رفيقه عبد السلام عارف. وحيث ان تنظيم الضباط كان يضم في صفوفه مختلف التيارات السياسية في العراق، الا ان انتماء عبد الكريم قاسم الى التيار الشيوعي دفع به الى تمكين الشيوعيين من مرافق الدولة، ومكن الميليشيات الشيوعية من القيام بحملات اجرامية في توازي مع قرارات المحاكم الخاصة التي اسسها وعرفت بإسم محكمة الشعب، وكان يديرها العقيد فاضل عباس المهدوي ابن خالة قاسم واهم المقربين اليه، وقد نكلت احكام هذه المحكمة، وباستخدام ايادي الميليشيات الشيوعية، من رموز العهد الملكي ورجالات العراق المختلفين ايدلوجيا مع الحزب الشيوعي، وكانت الميليشيات الشيوعية لا تتورع عن التمثيل بخصومها فمارست السحل والتعليق على الاعمدة الكهربائية ودفن الاحياء، ووصلت ضحاياها عشرة الاف مواطن. لم توجه انتقادات كثيرة لفترة حكم عبد السلام عارف الذي عاد الى الحياة السياسية بعد حركة فبراير 1963، وقد توفى في حادثة طائرة مع مجموعة من 10 من وزرئه في ابريل 1966. واختير عبد الرحمن عارف الاخ الاكبر لعبد السلام عارف من ضمن ثلاثة مرشحين للرئاسة، وانتهى حكمه في العام 1968 بعد ان انقلب عليه حزب البعث برأسة احمد حسن البكر، والذي اجبر بدوره على الاستقالة في العام 1979 وتولى بعده الحكم صدام حسين. ظهر صدام حسين الى واجهة الاحداث بعد انقلاب البعث في العام 1968، وقد كان اهم شخصية في النظام البعثي الحاكم، فقد استطاع الى جانب توليه نائبا للرئيس احمد حسن البكر، استطاع ان يهيمن على المؤسستين العسكرية والمدنية في الدولة، مما اتاح له التفرد بالقرار في الدولة دون منازع. بدايات صدام كانت دموية وتأمرية منذ البداية، فقد كان احد افراد الفريق البعثي الذين حاولوا اغتيال الرئيس عبد الكريم قاسم، وحين فشلت المحاولة فر الى سوريا ومنها الى مصر حيث انظم الى المجموعة البعثية التي ارسلتها الحكومة السورية للدراسة، وقد اهتم به ميشيل عفلق ورفع رتبته في الحزب نظير محاولة اغتياله لعبد الكريم قاسم، وكان عفلق ايضا وراء انتخاب صدام في القيادات العليا للحزب في العراق. كما ان خبرته السابقة في تشكيل الجهاز الامني السري للحزب مكنته من ان يتولى قيادة الامن القومي بعد انقلاب البعث. المواليين لصدام وللمد القومي الذي حاول ان يتبناه حزب البعث لا يتذكرون حجم الاخطاء المميته التي ادت الى ما ال اليه العراق اليوم، فاصحاب الايدلوجيات يعميهم التطرف عن التصريح بالحقيقة. على المستوى الداخلي، من اشهر القضايا التي ارتكبها صدام حسين في العراق تدميره لما يصل الى حوالي 1000 كلم مربع من الاراضي الزراعية والبساتين المثمرة الواقعة على الطريق بين قضاء بلد والدجيل، على خلفية تعرض موكبه الى محاولة اغتيال في زيارته لبلدة الدجيل من قبل أعضاء من حزب الدعوة الاسلامية في العام 1982. من الجرائم اللانسانية الاخرى التي قام بها النظام العراقي بامر من صدام حسين هي حملة الانفال وقصف حلبجة، ورغم ان مبرارتها موضوعية ومقبولة، لانها وقعت في فترة الحرب العراقية الايرانية، وكانت ردا على عمليات البشمركة التي تعاونت مع ميليشيات الحرس الثوري الايراني ومساندته في احتلال بعض المدن والقرى، الا انها وبكل المقاييس كانت انتهاك صارخ، فقد ادت الحملة الى دبح وقتل ما يزيد عن 50 الف روح، وتدمير ما يقرب من 90% من القرى الكردية، والعديد من المنازل، وشمل التدمير مدارس ومستشفيات، ولم تسلم المساجد والكنائيس من نصيبها في التدمير. وقصف حلبجة وتعرضها للموت بالاسلحة الكيميائية معروف للجميع، الا ان الاقوال متضاربة حولها، ولا زال الكثير يعتقد ان ايران كانت وراء العملية. ومن جرائمه المحلية تصفية خصومه من اعضاء حزب البعث في العام 1979، وقد سن حينها سنة ما عرف عند العراقين بــ” القتل برصاص العشيرة”، فكان يكلف بقرار منه اعضاء من عشيرة المحكوم عليه بقتله. بعيد عن الجرائم التي ارتكبها صدام ضد شعبه، فإن اكبر جرائمه هي تلك التي منحت المجتمع الدولي الاسباب التي جعلته يدمر العراق، بداية من احتلال الكويت 1990، وحرب الخليج الثانية 1991، وحصار العراق الذي استمر 13 سنة، واخيرا احتلال العراق في العام 2003. فهل كان يمكن ان يحدث للعراق هذا الحجم من التدمير، وان ينتقل من استبداد الفرد الى استبداد الطائفية إذا تنازل صدام عن الحكم حينذاك؟ قد لا تكون الانتهاكات في ليبيا زمن معمر القذافي بنفس الحجم الذي كانت عليه في العراق، لكن رأس الاستبداد واحد ونتائجه على حياة الوطن واحدة. لا يخلو حكم معمر القذافي من “طرائف” الانتهاكات، على المستويين الداخلي والخارجي. ففي الداخل، وبعد زمن قصير بدأت اول “ارهاصات النظام” الثوري في الظهور، تمثل ذلك في ما عرف حينها بندوة الفكر الثوري الذي اسس لاولى خطوات الاستبداد، والتي تبدأ بلا شك بقمع الرأي المخالف. تنفس المثقفون الليبيون الصعداء عندما علموا أن حركة الضباط تنوي اقامة حوار وطني يجمع أطياف التيارات السياسية والدينية. وأقيمت ندوة عرفت حينها بــ«ندوة الفكر الثوري» في مايو 1970، وبثت على الهواء مباشرة شاهدها كل من يملك جهاز تلفاز تقريبا. استغرقت تلك الندوة عشرة ايام واتسم النقاش بالحرية التامة، وقد تناولت خمس بنود مهمة وذكية جدا في تحديد المسار السياسي لبلد بعد الثورة، ولعل في تقديري ان النقطة الاولى (تحديد قوى الشعب العاملة صاحبة المصلحة الحقيقية فى الثورة) والرابعة (مشكلة الديمقراطية فى مرحلة التحول الثورى) كان يمكن أن تضيف الكثير الى تجربة الحكم لو تم انزال مخرجات النقاش فيها الى الواقع، الا ان الصدام بين الرائد عمر المحيشي والمفكر صادق النيهوم أوضح بما لا يدع مجال للشك ان ما يريده مجلس قيادة الثورة هو ليس تماما ما يمكن ان يبني وطن. بعد هذه الندوة بشهور قليلة سيق كثير من روادها إلى السجون، وقمعت حرية التعبير وكممت الأفواه. وسارع القذافي بعد ذلك إلى إعلان النقاط الخمس في مدينة زوارة العام 1973 والتي تضمنت تعطيل كل القوانين المعمول بها لتعطي لزبانيته التصرف المطلق في ما يرونه مخالف لتوجهات زعيمهم، والقضاء على الحزبيين، واعلان الثورات الثقافية والادارية والطلابية والشعبية، وتلى كل ذلك اصدار نظريته التي عرفت باسم “النظرية العالمية الثالثة”، وكانت الفاصلة في انهى الدولة بمعناها الحديث. حرب تشاد، مدبحة ابو سليم، حقن اطفال بنغازي، ومدابح السابع من ابريل، كانت كلها محطات في مسيرة السلوك غير المسؤل لنظام معمر. وعلى المستوى الخارجي، عرض ليبيا ومواطنيها الى الخطر الخارجي في العديد من المرات، نذكر منها تفجير ملهى برلين ردا على اغراق زوارق ليبية في خليج سرت، وقد ادى هذا العمل الى الضربة الجوية الانتقامية التي نفدتها امريكا في عمق الاراضي الليبية، ورغم وجود مبررات عديدة تجيز الرد الليبي، الا ان تفجير ملهى ليلي يتنافى مع ردود الفعل المقبولة. وقضية لوكربي، التي كلفت ليبيا عشر سنوات من الحصار، وانتهت بالاعتراف بالعملية وتعويض المتضررين بمبلغ فاق الملياريين من الدولارات تكبدتها الخزانة الليبية. ولعل من الترهات التي تبعث على الضحك من شر البلية الاعلان عن حرب مقدسة ضد سويسرا دفاعا عن نزق احد ابنائه. كل هذه السياسات جعلت نيران الثورة التي اشعلها البوعزيزي تلهب مشاعر الليبين للانتفاضة عليه، وكان كما هو متوقع من تقدير المستبدين، ان القوة كفيلة بسحق المطالب مهما على سقفها، الا ان حساب العوامل الخارجية وتلهف الطامعين من دول العالم لم يكن في حساب النظام، مما سهل في القضاءعليه وازالته. وإن كانت ميتت صدام ميته كريمة اعادت الى الرجل بعض الاعتبار، فإن ميتت معمر كانت اكبر اهانه له ولاهله وللموالين له. ونعيد السؤال الذي سبق طرحه: هل كان يمكن ان يحدث لليبيا هذا الحجم من التدمير، وان ينتقل من استبداد الفرد الى استبداد الجهاويين وامراء الحروب والميليشيات المؤدلجة إذا تنازل معمر عن الحكم حينذاك؟ إن تمجيد المستبدين، وغفران جرائمهم التي ارتكبوها في حياتهم، وتناسي اثار سياساتهم على بلدانهم وشعوبهم بعد موتهم، هو بمثابة وضع نيشان على صدر مجرم، او اكليل ورد على قبر قاتل.

تفاصيل الخبر على الرابط التالي: http://www.eanlibya.com/archives/121423

مشكلة المواطن “المبَرمج”..

علاء الأسواني: مشكلة المصري “المبَرمج”..

في هذا المقال يستعرض علاء الأسواني أنماط التفكير في مصر.

سؤال:                                                                    

هل يمكن أن تحبالجيش المصري وتفخر به وفي نفس الوقت تطالبه بالبعد عن شئون الحكم أو تطالب بالرقابة على مشروعاته الاقتصادية؟

الإجابة عند معظم المصريين بالنفي القاطع. إذا كنت تحب الجيش، في رأيهم، لا يمكن أبدا أن توجه له أي نقد وإذا انتقدت الجيش فهذا دليل على أنك كاره لجيش بلدك وعميل لمخابرات أجنبية هدفها إسقاط الجيش والقضاء على مصر كلها.

سؤال آخر:

هل يمكن أن تكون مسلما معتزا بإسلامك وفي نفس الوقت تنكر فكرة الخلافة الإسلامية وتقدم أدلة تاريخية على أن الإسلام لم يقدم أي نموذج للحكم؟

الإجابة عند معظم الإسلاميين بالنفي. إما أن تؤمن أن الإسلام دين ودولة وتحلم بالخلافة وإما أن تكون في نظرهم علمانيا نجسا وعميلا للصهيونية تريد أن تقضي على الإسلام والمسلمين. الإسلاميون يشتركون مع أنصار الحكم العسكري في احتكار الحقيقة. لديهم نمط وحيد للتفكير لايجوز الخروج عنه. الحكم العسكري والحكم الديني وجهان للفاشية. الفاشية مبدأ سياسي يحتكر السلطات جميعا ويفرض أفكاره بالقوة على الآخرين. الفاشية العسكرية تحتكر الوطنية وتتهم كل من يعارضها بالخيانة، والفاشية الدينية تحتكر الدين وتعتبر كل من يعارضها عدوا لله ورسوله.

الإعلام الفاشي يسيطر على عقول الناس ويرسخ فيها حقيقة واحدة ولا يسمح بالاختلاف إطلاقا.. في النهاية ينتج النظام الفاشي مواطنا أحادي الذهن، مبَرمجا (بفتح الباء)، عاجزا عن التفكير المستقل.

تأمل إعلام السيسي في مصر وإعلام الإخوان في تركيا وقطر. ستجدهما وجهان لعملة واحدة: نفس الأسلوب الدعائي الزاعق الذي يستهدف تعبئة الرأي العام باستعمال الأكاذيب والشعارات العاطفية ونفس البذاءت والاتهامات لكل من يختلف معهم بخيانة الوطن أو العداء للإسلام.

منذ استيلاء الجيش على السلطة في عام 1952 سقطت مصر في الصراع بين الفاشية العسكرية والدينية ونشأت أجيال من المصريين (إسلاميين ومواطنين عاديين) مبَرمجين على نمط وحيد في التفكير تم تلقينه لهم، فصاروا لا يطيقون الخروج عنه أو الاختلاف معه. المصري المبَرمج الذي تنتجه الفاشية لا يستطيع أن يصنع نهضة حقيقية، لأنه محروم من التفكير النقدي وهو يخاف من أي تغيير ويعاديه. الإسلامي المبَرمج لا يستعمل عقله في التفكير المستقل وإنما في تبرير تعليمات شيوخه.

حكى لي شاب سلفي أنه ظل يطارد شيخه تليفونيا ثلاثة أيام ليعرف إذا كان يجوز له أن يشترك في الثورة أم لا.. وعندما سألته لماذا لم يقرر بنفسه. قال ببساطة:

ــ فضيلة الشيخ يعرف أحسن مني حكم الشرع في أي شيء.

أعمل الآن أستاذا زائرا للأدب في كلية “بارد” في نيويورك وهي من أهم الجامعات الأمريكية في الآداب والفنون. طلاب السنة الأولى في الكلية يدرسون إجباريا مقررا خاصا عبارة عن مجموعة كتب مختلفة جدا في الرؤى والأفكار، يدرسون مثلا كتاب الأخلاق لأرسطو ومؤلفات نيتشه الملحد الذى ينكر الأديان ويسخر من المسيحية، ثم يدرسون مذكرات سان أوجستين أحد مؤسسي الكنيسة الكاثوليكية ثم مذكرات الزعيم الأسود مالكولم اكس الذي تحول للإسلام في نهاية حياته. الغرض من تدريس هذا المقرر المتنوع لطلاب لم يبلغوا العشرين من العمر  هو تخليصهم من التفكير النمطي الأحادي وتعليمهم التفكير النقدي بحيث يفكرون بعد ذلك في كل ما يطرح عليهم ليكونوا آراءهم المستقلة.

مشكلتنا في مصر تتجسد في المصري المبَرمج سواء كان إسلاميا أو مواطنا عاديا.. في عام 2011 ثار ملايين المصريين ليطالبوا بالحرية والعدالة والكرامة، هؤلاء استطاعوا أن يتخلصوا من التفكير الأحادي ويحلموا ببناء مصر أخرى عادلة ومحترمة. المصري المبَرمج كان موقفه من الثورة مختلفا: السلفي المبَرمج قاطع الثورة واعتبرها “فتنة أشد من القتل” كما قال شيوخه، والإخواني المبَرمج آمن، بناء على تعليمات شيوخه، بأن  الثورة منحة من الله لتحقيق الدولة الإسلامية وقام بتبرير تحالف الإخوان مع المجلس العسكري وخياناتهم المتكررة  للثورة.. المواطن المبَرمج لم يسترح للثورة ولم يفهمها وراح يبحث عن تفسير لها فوجده في اتهامات الإعلام بأن الثورة مؤامرة أمريكية. الإسلامي المبَرمج هو الذي فوت على مصر كتابة دستور الثورة عندما صوت من أجل تعديل الدستور القديم تنفيذا لتعليمات المجلس العسكري، والمواطن المبَرمج هو الذي صفق للسلطة وهي تقتل المتظاهرين وهو الذي أدان البنات اللاتي تم انتهاكهن أمام مجلس الوزراء وتساءل “لماذا تظاهرن من الأساس؟”، وهو الذي نزل ليضرب الأقباط في ماسبيرو، بينما مدرعات الجيش تدهسهم أمام عينيه. بدون الإسلامي المبَرمج سينتهي الإسلام السياسي وبدون المواطن المبَرمج لا يستطيع الديكتاتور أن يستمر في الحكم يوما واحدا.

صناعة المواطن المبَرمج والاحتفاظ بالسيطرة على عقله أول مهمة لأي شيخ أو ديكتاتور، الإسلامي المبَرمج يعيش في أوهام الخلافة ويعتبر أن العالم كله يعادي الإسلام مع أنه لو فكر قليلا وقرأ قليلا سيدرك خطأه. والمواطن المبَرمج لا يفكر أساسا، وإنما يترك عقله للإعلام وهو قد يغضب من صعوبة الحياة لكنه لايثور أبدا، المواطن المبَرمج يتقبل القمع مقابل الأمان والاستقرار عنده أهم من الحرية ولقمة العيش أهم من الكرامة.

ما العمل إذن؟ إن الزلزال الذي أحدثته ثورة يناير في عقول المصريين لازالت توابعه تتوالى، واجب الثوريين ليس فقط تحرير مصر من الاستبداد، وإنما واجبهم أيضا تحرير المصري المبَرمج من أحادية الذهن وتعويده على التفكير الحر.. قد تكون المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة.

الديمقراطية هي الحل

الصادق النيهوم: المثقف الذي توسط المسافة بين السلطة والناس

الهيبي والعقيد
الصادق النيهوم: المثقف الذي توسط المسافة بين السلطة والناس

في‭ ‬بلاد‭ ‬البغتة‭ ‬والعجائب‭ ‬تُمطر‭ ‬السماء‭ ‬بالمصائب‭ ‬و‮»‬العصبان‮»‬‭ ‬أو‭ ‬تسحبك‭ ‬من‭ ‬أنفك‭ ‬إلى‭ ‬خيمة‭ ‬القائد‭ ‬سيان،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬المُمكنات‭ ‬يحدث‭ ‬لأن‭ ‬إرادة‭ ‬‮«‬القائد‮»‬‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬حساب‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬الطرح‭ ‬وتقبل‭ ‬الزيادة‭ ‬والضرب‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬القسمة،‭ ‬جاءني‭ ‬‮«‬الشاعر‭ ‬إدريس‭ ‬الطيب‮»‬‭ ‬رفقة‭ ‬الكاتب‭ ‬سعد‭ ‬نافو‭ ‬إلى‭ ‬بيتي‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭ ‬ليبلغني‭ ‬أن‭ ‬القذافي‭ ‬استدعانا‭ ‬إلى‭ ‬خيمته‭ ‬بطرابلس،‭ ‬وأن‭ ‬علينا‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬التوّ‭. ‬أخذنا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكاتبة‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬إلى‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬خيمة‭ ‬بمزرعة‭ ‬بطريق‭ ‬المطار،‭ ‬فوجئنا‭ ‬في‭ ‬الخيمة‭ ‬بالكاتب‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬رفقة‭ ‬الدكتور‭ ‬رجب‭ ‬بودبوس‭.‬

في ‭ ‬مساء‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬أيضا‭ ‬قابلنا‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عبدالسلام‭ ‬الزادمة‮»‬وهو‭ ‬من‭ ‬أعد‭ ‬العشاء،‭ ‬وكان‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬الجلسة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أريحية‭ ‬ووضحت‭ ‬العلاقة‭ ‬الخاصة‭ ‬بين‭ ‬النيهوم‭ ‬والقذافي،‭ ‬حيث‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬محادثة‭ ‬مع‭ ‬القذافي‭ ‬فيها‭ ‬التبسط‭ ‬والمزاح‭ ‬والألفة‭: ‬تعرف‭ ‬يا‭ ‬خيي‭ ‬معمر‭ ‬أنهم‭ ‬يتهمونني‭ ‬بتأليف‭ ‬كتابك‭ ‬الأخضر،‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬مش‭ ‬ممكن‭ ‬نكتبه‭ ‬وإلا‭ ‬لا؟‭ ‬وأخذ‭ ‬القذافي‭ ‬يضحك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعلق‭ ‬على‭ ‬حديث‭ ‬النيهوم‭ ‬التهكمي،‭ ‬وحينها‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الكتاب‭ ‬الأخضر‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُتهم‭ ‬النيهوم‭ ‬بكتابته،‭ ‬وأن‭ ‬النيهوم‭ ‬يتبرأ‭ ‬في‭ ‬حضورنا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التهمة،‭ ‬وأن‭ ‬القذافي‭ ‬يمنح‭ ‬النيهوم‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬كما‭ ‬يمنح‭ ‬السلطان‭ ‬نديمه‭. ‬لحظتها‭ ‬والساعة‭ ‬ومما‭ ‬طالعته‭ ‬وسمعته‭ ‬تبين‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬صاحب‭ ‬الكتابة‭ ‬والأفكار‭ ‬في‭ ‬مسودة‭ ‬أُعيدت‭ ‬صياغتها‭ ‬دون‭ ‬رضى‭ ‬النيهوم،‭ ‬ولعل‭ ‬لهذا‭ ‬منح‭ ‬القذافي‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الاستثنائية‭.‬

الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬القذافي

حَظي‭ ‬أشهرُ‭ ‬الكتاب‭ ‬الليبيين،‭ ‬خليفة‭ ‬التليسي‭ ‬وأحمد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الفقيه‭ ‬وإبراهيم‭ ‬الكوني‭ ‬وعلى‭ ‬الخصوص‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬بعلاقةٍ‭ ‬مميزةٍ‭ ‬مع‭ ‬العقيد‭ ‬معمر‭ ‬القذافي،‭ ‬الذي‭ ‬عَقِبَ‭ ‬استيلائه‭ ‬على‭ ‬السُلطة‭ ‬بانقلابه‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬1969‭ ‬عَقدَ‭ ‬لقاءً‭ ‬مُوسعاً‭ ‬بالمُثقفين‭ ‬الليبيين‭ ‬نُقلَ‭ ‬مُباشرةً‭ ‬عبر‭ ‬التلفزيون‭ ‬لعدةِ‭ ‬ساعات‭ ‬ولأيام‭ ‬وعُرف‭ ‬بـِ‮»‬ندوةِ‭ ‬الفكر‭ ‬الثوري‮»‬،‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬اللقاء‭ ‬تحدث‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬الكاتب‭ ‬النجم‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬القطيع‭ ‬بالملك،‭ ‬واصطدم‭ ‬بالرائد‭ ‬عمر‭ ‬المحيشي‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬قيادة‭ ‬الثورة‭ ‬المُشارك‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الندوة،‭ ‬وقد‭ ‬تدخلَ‭ ‬القذافي‭ ‬وانحازَ‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬‮«‬الكاتب‭ ‬النجم‮»‬،‭ ‬وعلى‭ ‬إثر‭ ‬ذلك‭ ‬توطدت‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما،‭ ‬بعدها‭ ‬بمدةٍ‭ ‬قصيرةٍ‭ ‬أمسى‭ ‬الكاتبُ‭ ‬المُتمرد‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬أمينَ‭ ‬لجنةِ‭ ‬الدعوةِ‭ ‬والفكر‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬التنظيم‭ ‬السياسي‭ ‬للعقيد‭ ‬القذافي‭ ‬لقيادة‭ ‬البلاد،‭ ‬لم‭ ‬يُرض‭ ‬ذلك‭ ‬الكاتب‭ ‬والفنان‭ ‬إلا‭ ‬لمدةٍ‭ ‬قصيرة،‭ ‬ليخرُج‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬قاصدا‭ ‬قبلة‭ ‬المُثقفين‭ ‬والمُبدعين‭ ‬العرب‭ ‬بيروت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتركَ‭ ‬منصبه،‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬تلك‭ ‬كتب‭ ‬خُطاطةً‭ ‬فكريةً‭ ‬نظرية‭ ‬كحل‭ ‬للمشكل‭ ‬السياسي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قُدمت‭ ‬في‭ ‬كُتيب‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬نقاش‮»‬‭ ‬للاتحاد‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬ولم‭ ‬يتمّ‭ ‬تداولها‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬حينها،‭ ‬تقريبا‭ ‬هذه‭ ‬الخُطاطة‭ ‬المرجعية‭ ‬التي‭ ‬اعتمدها‭ ‬القذافي‭ ‬لما‭ ‬أسماه‭ ‬بـ‮»‬النظرية‭ ‬العالمية‭ ‬الثالثة‮»‬‭ ‬مع‭ ‬إضافات‭ ‬للبُعد‭ ‬القومي‭ ‬عند‭ ‬الكاتب‭ ‬المصري‭ ‬عصمت‭ ‬سيف‭ ‬الدولة،‭ ‬وإضافات‭ ‬للبُعد‭ ‬الإسلامي‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬السوداني‭ ‬بابكر‭ ‬كرار،‭ ‬وكل‭ ‬منهما‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬مميزة‭ ‬ومعروفة‭ ‬بالقذافي‭ ‬والدولة‭ ‬الليبية‭.‬

في‭ ‬لقائي‭ ‬مع‭ ‬القذافي‭ ‬بمعية‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬يُنصت‭ ‬للثاني،‭ ‬وأن‭ ‬ثمة‭ ‬إعجابا‭ ‬يُضمرهُ‭ ‬القذافي‭ ‬للنيهوم‭ ‬وعلاقة‭ ‬فيها‭ ‬حميمية‭ ‬بينة،‭ ‬وكأنما‭ ‬القذافي‭ ‬يعتبر‭ ‬النيهوم‭ ‬من‭ ‬أنارهُ‭ ‬ونورهُ‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬جعل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الدكتاتور‭ ‬تضادا،‭ ‬فكأنما،‭ ‬وهو‭ ‬السلطة‭ ‬المطلقة،‭ ‬صنيعة‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الهيبي‮»‬،‭ ‬وهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬علاقتهما‭ ‬كما‭ ‬علاقة‭ ‬المثقف‭ ‬بالسلطة‭ ‬فيها‭ ‬الفكر‭ ‬‮«‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الرمزي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يُشكل‭ ‬سلطة‭ ‬تُقارع‭ ‬سلطة،‭ ‬وبمعية‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المُشكل‭ ‬وقع‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬الأسر‭.‬

الهيبي‭ ‬والكولونيل

كتب‭ ‬الكوني‭ ‬عن‭ ‬ذكرياته‭ ‬مع‭ ‬النيهوم‭ ‬‮«‬في‭ ‬بداية‭ ‬التسعينات،‭ ‬عندما‭ ‬جاورته‭ ‬في‭ ‬رحاب‭ ‬الألب،‭ ‬كنا‭ ‬نتسكع‭ ‬في‭ ‬الأمسيات،‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬الزهور‭ ‬في‭ ‬جنيف،‭ ‬ليروي‭ ‬لي‭ ‬الطرائف‭ ‬بأسلوبه‭ ‬الممتع،‭ ‬المستعار‭ ‬من‭ ‬روحه‭ ‬النقية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جاء‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬أدلى‭ ‬لي‭ ‬فيه‭ ‬باعتراف‭ ‬لم‭ ‬أقرأ‭ ‬له‭ ‬حساباً،‭ ‬اعتراف‭ ‬أدهشني،‭ ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬فكرتي‭ ‬الرومانسية‭ ‬القديمة‭ ‬عن‭ ‬الإبداع‭ ‬كقُدس‭ ‬أقداس‭. ‬قال‭ ‬لي‭ ‬يومها‭ ‬إن‭ ‬غايته‭ ‬كانت‭ ‬دوماً‭ ‬السلطة،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هنالك‭ ‬أن‭ ‬العسكر‭ ‬ذهبوا‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬أقصر‭ ‬طريق،‭ ‬وخسرها‭ ‬هو‭ ‬لأنه‭ ‬سعى‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬أبعد‭ ‬طريق‭! ‬لقد‭ ‬استنكرتُ‭ ‬أن‭ ‬يسعى‭ ‬مبدع‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬صادق‭ ‬يومها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬اعتبرته‭ ‬عملاً‭ ‬لا‭ ‬أخلاقياً‮»‬‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المُبكرة‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والكاتب‭ ‬النجم‭ ‬تضرب‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬منذ‭ ‬أفلاطون‭ ‬وعلاقته‭ ‬بحاكم‭ ‬صقلية‭ ‬من‭ ‬قدم‭ ‬له‭ ‬تقارير‭ ‬ضد‭ ‬فلاسفة‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬شديد‭ ‬معهم،‭ ‬ولعل‭ ‬علاقة‭ ‬المتنبي‭ ‬بالسلطة‭ ‬أوضح‭ ‬مثال‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬سيف‭ ‬الدولة‭ ‬وكافور‭ ‬الإخشيدي،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬المتنبي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬ولا‭ ‬يكتفي‭ ‬بأنه‭ ‬سلطان‭ ‬الشعر،‭ ‬المتنبي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السلطان‭ ‬حيث‭ ‬أنه‭ ‬السلطان‭ ‬الحق‭ ‬وسلطان‭ ‬الحق،‭ ‬سلطان‭ ‬المدينة‭ ‬الأفلاطونية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬منادمي‭ ‬سيف‭ ‬الدولة‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬فيها‭ ‬كتابا‭: ‬المدينة‭ ‬الفاضلة‭ ‬للفارابي‭.‬

في‭ ‬لقائي‭ ‬مع‭ ‬القذافي‭ ‬بمعية‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬يُنصت‭ ‬للثاني،‭ ‬وأن‭ ‬ثمة‭ ‬إعجابا‭ ‬يُضمرهُ‭ ‬القذافي‭ ‬للنيهوم‭ ‬وعلاقة‭ ‬فيها‭ ‬حميمية‭ ‬بينة،‭ ‬وكأنما‭ ‬القذافي‭ ‬يعتبر‭ ‬النيهوم‭ ‬من‭ ‬أنارهُ‭ ‬ونورهُ‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬جعل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الدكتاتور‭ ‬تضادا،‭ ‬فكأنما،‭ ‬وهو‭ ‬السلطة‭ ‬المطلقة،‭ ‬صنيعة‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الهيبي‮»‬

هكذا‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬موقف‭ ‬المثقف‭ ‬المعارض‭ ‬للسلطة‭ ‬عند‭ ‬أمثال‭ ‬المتنبي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬باعتبار‭ ‬أنها‭ ‬مشروع‭ ‬المثقف‭ ‬المشروع،‭ ‬وهذه‭ ‬المشروعية‭ ‬تستمد‭ ‬مشروعيتها‭ ‬من‭ ‬ذاتها‭ ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬كائن‭ ‬مفكر‭ ‬وأن‭ ‬الفكر‭ ‬ما‭ ‬يسوس‭ ‬البشر‭ ‬وبذلك‭ ‬فالمفكر‭ ‬هو‭ ‬القائد،‭ ‬ولقد‭ ‬تم‭ ‬توكيد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬الشمولية‭ ‬والطغاة‭ ‬فرادة‭ ‬منذ‭ ‬نيرون‭ ‬إلى‭ ‬لينين‭ ‬وماو‭. ‬وفي‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬أخذ‭ ‬هذا‭ ‬عند‭ ‬الشيعة‭ ‬مسوغه‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الملك‭ ‬هو‭ ‬ظل‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬فالفقيه‭ ‬أولى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الملك‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬المفكر‭ ‬استحوذ‭ ‬العسكري‭ ‬الطاغية‭ ‬على‭ ‬الفكر،‭ ‬وجعل‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬من‭ ‬نفسه‭ ‬القائد‭ ‬المفكر‭ ‬والمعلم‭ ‬الثائر‭ ‬والشعار‭ ‬ما‭ ‬ردده‭ ‬أتباعه‭ ‬وحشود‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬تحشد‭ ‬لتوكيد‭ ‬ذلك‭.‬

نجم‭ ‬النجوم

الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬النجم‭ ‬ظهر‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬جريدة‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ليكتب‭ ‬من‭ ‬هلسنكي‭ ‬عاصمة‭ ‬فنلندا‭ ‬عن‭ ‬الليبيين‭ ‬مقالات‭ ‬ساخرة‭ ‬ومثيرة،‭ ‬ولينشر‭ ‬مقالات‭ ‬صحفية‭ ‬مترجمة‭ ‬أعاد‭ ‬صياغتها،‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬مواضيع‭ ‬الساعة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬وتمس‭ ‬القضايا‭ ‬الساخنة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬أسلوب‭ ‬ساخر‭ ‬وتهكّمي‭ ‬وطازج‭ ‬ومثير‭ ‬جذب‭ ‬القراء،‭ ‬وتحوّل‭ ‬صاحب‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬إلى‭ ‬كاتب‭ ‬الصحيفة‭ ‬الأول‭ ‬والمبرز؛‭ ‬علي‭ ‬يد‭ ‬صحفي‭ ‬قدير‭ ‬هو‭ ‬رشاد‭ ‬الهوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬صحيفة‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تنشر‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬مسلطة‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬كاتبها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬صحفي‭ ‬جديد‭ ‬وجذاب‭.‬

وحين‭ ‬حققت‭ ‬الجريدة‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬النيهوم‭ ‬قد‭ ‬أمدها‭ ‬بروح‭ ‬جديدة،‭ ‬بأسلوبه‭ ‬المميز‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تركيب‭ ‬الجملة‭ ‬التي‭ ‬تغترف‭ ‬من‭ ‬الأساليب‭ ‬الصحفية‭ ‬العربية‭ ‬‮«‬البيروتية‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬الأساليب‭ ‬الكتابية‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬إنكليزية‭ ‬اللغة،‭ ‬ومن‭ ‬الأدب‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬كما‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬أرنست‭ ‬هيمنجواي‭ ‬وترجماته‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬منير‭ ‬البعلبكي‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬ترجم‭ ‬رواية‭ ‬هيمنجواي‭ ‬‮«‬الشيخ‭ ‬والبحر‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬إنجيل‭ ‬جيل‭ ‬النيهوم،‭ ‬لقد‭ ‬عجن‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تحولات‭ ‬جعلت‭ ‬أسلوبه‭ ‬متميزا‭ ‬وجملته‭ ‬مسبوكة‭ ‬مصبوغة‭ ‬بروحه‭ ‬التهكمية‭ ‬كابن‭ ‬لمدينة‭ ‬متوسطية‭ ‬صغيرة،‭ ‬تبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ميناء‭ ‬لقراصنة‭ ‬غدوا‭ ‬أشباحا‭.‬

كان‭ ‬النيهوم‭ ‬يرسم‭ ‬شخصية‭ ‬كتاباته‭ ‬السردية‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬رجل‭ ‬عاطل،‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬ما‭ ‬يفعل‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يتكئ‭ ‬في‭ ‬ركينة‭ ‬شارع‭ ‬ليرمي‭ ‬المارة‭ ‬بنظرة‭ ‬ساخطة‭ ‬ولسان‭ ‬لاذع،‭ ‬وفي‭ ‬مقالاته‭ ‬الفكرية‭ ‬يبدو‭ ‬كمتفرّج‭ ‬استعار‭ ‬باروكة‭ ‬فلسفة‭ ‬العبث‭ ‬السائدة‭ ‬آنذاك‭ ‬التي‭ ‬تكرس‭ ‬مفاهيم‭ ‬اللامنتمي‭ ‬الحصيف‭.‬

فيلسوف‭ ‬هيبي

لقد‭ ‬أشارت‭ ‬‭-‬حينها‭-‬‭ ‬صحيفة‭ ‬الصن‭ ‬البريطانية‭ ‬إلى‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬‭-‬في‭ ‬مقالة‭ ‬صحفية‭ ‬عن‭ ‬ليبيا‭-‬‭ ‬بأنه‭ ‬يبدو‭ ‬كما‭ ‬فيلسوف‭ ‬هيبي‭: ‬الفيلسوف‭ ‬الهيبي‭ ‬الذي‭ ‬وراء‭ ‬كولونيل‭ ‬ليبيا،‭ ‬وكان‭ ‬الكاتب‭ ‬علي‭ ‬فهمي‭ ‬خشيم‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬مقالة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الظاهرة‭ ‬النيهومية‮»‬‭.‬

النيهوم‭ ‬في‭ ‬سيرته‭ ‬غير‭ ‬الموثقة‭ ‬وغير‭ ‬الموثوق‭ ‬فيها‭ ‬‭-‬لأنها‭ ‬مليئة‭ ‬بالثغرات‭ ‬ولأن‭ ‬صاحبها‭ ‬نجم‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬لهذا‭ ‬حشاها‭ ‬محبوه‭ ‬بما‭ ‬يحبون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليه‭ ‬نجمهم‭ ‬الساطع‭-‬‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬تخرّج‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الليبية‭ ‬قد‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬كي‭ ‬يعد‭ ‬رسالة‭ ‬الماجستير‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬مقارنة‭ ‬الأديان‭ ‬وأنه‭ ‬اصطدم‭ ‬هناك‭ ‬بالدكتورة‭ ‬عائشة‭ ‬بنت‭ ‬الشاطئ،‭ ‬الشخصية‭ ‬المعروفة‭ ‬حينها‭ ‬بكتاباتها‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬وأستاذة‭ ‬الجامعة‭ ‬المبرزة،‭ ‬التي‭ ‬كما‭ ‬يشيعون‭ ‬كانت‭ ‬أقل‭ ‬مقدرة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تستوعب‭ ‬الأفكار‭ ‬الطازجة‭ ‬والمميزة‭ ‬للصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬الذي‭ ‬قفل‭ ‬راجعا،‭ ‬متخطيا‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬إلى‭ ‬أصقاع‭ ‬أوروبا‭ ‬متوجها‭ ‬إلى‭ ‬فنلندا‭ ‬حيث‭ ‬أعد‭ ‬رسالته‭ ‬المفترضة‭ ‬في‭ ‬مقارنة‭ ‬الأديان،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬معلومات‭ ‬عنها‭ ‬حتى‭ ‬معلومات‭ ‬صحفية‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬العلمية‭.‬

هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬ستترادف‭ ‬مع‭ ‬الكاتب‭ ‬وتمتزج‭ ‬عند‭ ‬المتلقي‭ ‬مع‭ ‬كتاباته‭ ‬التي‭ ‬ستصير‭ ‬أكثر‭ ‬إثارة،‭ ‬والتي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬النيهوم‭ ‬ظاهرة‭ ‬يتزاحم‭ ‬الناس‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬الصحيفة‭ ‬الأسبوعي‭ ‬الذي‭ ‬ينشر‭ ‬مقالته،‭ ‬وحتى‭ ‬الأميّ‭ ‬سيتأبط‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العدد،‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬سيقفز‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬قفزة‭ ‬مميزة‭ ‬في‭ ‬كتاباته؛‭ ‬حيث‭ ‬سينحو‭ ‬للكتابة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الديني،‭ ‬وقدم‭ ‬أطروحات‭ ‬صادمة‭ ‬في‭ ‬حينها‭ ‬بأسلوبه‭ ‬ككاتب‭ ‬صحفي‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬رفيع‭ ‬يعرف‭ ‬أصول‭ ‬كتابة‭ ‬كهذه،‭ ‬من‭ ‬سماتها‭ ‬التكثيف‭ ‬المبسط‭ ‬الاختزالي‭ ‬ما‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬الجملة‭ ‬كحامل‭ ‬للفكرة،‭ ‬فيبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬‮«‬مانشيت‮»‬‭ ‬صحفي‭ ‬يدير‭ ‬الرؤوس‭ ‬ويبث‭ ‬التأويل‭ ‬ونقيضه‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الجملة،‭ ‬ويزيغ‭ ‬النظر‭ ‬بتحريكه‭ ‬لسطح‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬يتناولها،‭ ‬كمن‭ ‬يرمي‭ ‬حجارة‭ ‬في‭ ‬بركة‭ ‬راكدة،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬سبخة‭ ‬ماؤها‭ ‬تبخر‭ ‬ولكن‭ ‬سطحها‭ ‬اللامع‭ ‬يوهم‭ ‬بوجود‭ ‬الماء‭.‬

إن‭ ‬النيهوم‭ ‬لاعب‭ ‬في‭ ‬بركة‭ ‬الوحل‭ ‬التي‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يرسم‭ ‬على‭ ‬سطحها‭ ‬علامته‭ ‬المميزة‭ ‬كنجم‭ ‬يعطي‭ ‬بظهره‭ ‬للكرة‭ ‬ويعطي‭ ‬وجهه‭ ‬وعينيه‭ ‬للجمهور‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هذا‭ ‬النجم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستهين‭ ‬بجمهوره‭ ‬ولا‭ ‬بوسائل‭ ‬جذب‭ ‬هذا‭ ‬الجمهور‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬القضايا‭ ‬المثيرة‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬الظل‭ ‬وما‭ ‬يسلطه‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬ضوئه‭ ‬الخاص‭ ‬الجذاب‭ ‬بتعدد‭ ‬ألوانه‭.‬

طريقة‭ ‬في‭ ‬الكتابة

النيهوم‭ ‬من‭ ‬القلة‭ ‬الذين‭ ‬أثاروا‭ ‬قضايا‭ ‬دينية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬قضايا‭ ‬ميتة‭ ‬مثل‭ ‬قضية‭ ‬المرأة،‭ ‬ولعل‭ ‬أهمها‭ ‬محاولته‭ ‬‭-‬في‭ ‬سبق‭ ‬صحفي‭ ‬ومثلا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفطن‭ ‬مصطفى‭ ‬محمود‭ ‬لذلك‭-‬‭ ‬تفسير‭ ‬القرآن‭ ‬تفسيرا‭ ‬عصريا‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬المطولة‭ ‬‮«‬الرمز‭ ‬في‭ ‬القرآن‮»‬‭.‬

قبل‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أثارته‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬لا‭ ‬يفوتني‭ ‬أن‭ ‬أنوه‭ ‬بأن‭ ‬النيهوم‭ ‬القابع‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬ألاف‭ ‬الأميال‭ ‬عمن‭ ‬يكتب‭ ‬عنهم‭ ‬ولهم‭ ‬وعن‭ ‬الصحيفة‭ ‬التي‭ ‬يكتب‭ ‬فيها،‭ ‬قد‭ ‬كرس‭ ‬نفسه‭ ‬لشكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الغموض‭ ‬حول‭ ‬شخصه‭ ‬وسيرته،‭ ‬وأن‭ ‬الصحيفة‭ ‬التي‭ ‬كرسته‭ ‬ككاتب‭ ‬أول‭ ‬لها،‭ ‬كرست‭ ‬هذا‭ ‬الغموض‭ ‬الذي‭ ‬نبعه‭ ‬ليس‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬يتماس‭ ‬معها،‭ ‬أو‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬يتخذها‭ ‬طريقة‭ ‬لأطروحاته‭ ‬الإشكالية‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكن‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬اتخذه،‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬المازج‭ ‬بين‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬والكتابة‭ ‬الصحفية‭ ‬المطعمة‭ ‬بأساليب‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬حينها،‭ ‬مع‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الرمزية‭ ‬والسريالية‭ ‬والفنتازيا‭ ‬أحيانا،‭ ‬في‭ ‬دأب‭ ‬وجهد‭ ‬لإدهاش‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬الجملة‭ ‬قبل‭ ‬الفقرة‭ ‬وفي‭ ‬التراكيب‭ ‬المتجددة‭ ‬دائما،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المضمار‭ ‬بذل‭ ‬النيهوم‭ ‬جهدا‭ ‬خارقا‭ ‬استنزف‭ ‬طاقته‭ ‬الفكرية‭ ‬والإبداعية‭ ‬الأهم‭.‬

لقد‭ ‬أشارت‭ ‬‭-‬حينها‭-‬‭ ‬صحيفة‭ ‬الصن‭ ‬البريطانية‭ ‬إلى‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬‭-‬في‭ ‬مقالة‭ ‬صحفية‭ ‬عن‭ ‬ليبيا‭-‬‭ ‬بأنه‭ ‬يبدو‭ ‬كما‭ ‬فيلسوف‭ ‬هيبي‭: ‬الفيلسوف‭ ‬الهيبي‭ ‬الذي‭ ‬وراء‭ ‬كولونيل‭ ‬ليبيا،‭ ‬وكان‭ ‬الكاتب‭ ‬علي‭ ‬فهمي‭ ‬خشيم‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬مقالة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الظاهرة‭ ‬النيهومية‮»

الرمز‭ ‬في‭ ‬القرآن

الدراسة‭ ‬البوتقة‭ ‬التي‭ ‬دخل‭ ‬منها‭ ‬النيهوم‭ ‬الفكر‭ ‬والفكر‭ ‬الديني‭ ‬على‭ ‬الخصوص،‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬مرحلة‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬ونقلة‭ ‬نوعية‭ ‬حيث‭ ‬سيظهر‭ ‬أن‭ ‬النيهوم‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬نقلات‭ ‬مفارقة‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬إيقاعه‭ ‬إثارة‭ ‬القارئ‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬المشروع‭ ‬عند‭ ‬هكذا‭ ‬كتّاب،‭ ‬ولهذا‭ ‬المرسل‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬محمول‭ ‬المرسلة‭ ‬وأسلوبها‭.‬

توخى‭ ‬بهذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إثارة‭ ‬قضايا‭ ‬دينية‭ ‬شائكة؛‭ ‬اعتبر‭ ‬القرآن‭ ‬نصا‭ ‬رمزيا‭ ‬تؤول‭ ‬رموزه‭ ‬بمعطيات‭ ‬لغوية‭ ‬سيمائية،‭ ‬فالنص‭ ‬القرآني‭ ‬نص‭ ‬لغوي‭ ‬واللغة‭ ‬تجريد‭ ‬لصورة‭ ‬واقعية‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬مريم‭ ‬–مثلا‭-‬‭ ‬حملت‭ ‬طفلها‭ ‬من‭ ‬خطيبها‭ ‬يوسف‭ ‬النجار‮…‬‭ ‬الخ،‭ ‬وكونها‭ ‬حبلت‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬شائع‭ ‬دون‭ ‬اتصال‭ ‬جنسي‭ ‬فهذا‭ ‬ترميز‭ ‬على‭ ‬طهارة‭ ‬العلاقة‭ ‬المقدسة‭. ‬هذه‭ ‬مجرد‭ ‬إشارة‭ ‬مقتضبة‭ ‬لموضوع‭ ‬الدراسة،‭ ‬لكن‭ ‬المهم‭ ‬كان‭ ‬آنذاك‭ ‬ما‭ ‬أثارته‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬وسيجنح‭ ‬الكاتب‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأ‭ ‬بردود‭ ‬الأفعال‭ ‬هذه‭ ‬إلى‭ ‬الانشغال‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬التي‭ ‬نشرها‭.‬

ولأن‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬يغذّون‭ ‬التناقض‭ ‬ويعشقون‭ ‬التضاد‭ ‬فقد‭ ‬ظهر‭ ‬النيهوم‭ ‬باعتباره‭ ‬الغامض‭ ‬السهل،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬بدا‭ ‬وكأنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬يقول،‭ ‬ويقول‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬لهذا‭ ‬جنح‭ ‬قراؤه‭ ‬إلى‭ ‬تزكية‭ ‬آرائه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬خصومه‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬المفارقة‭ ‬سيضع‭ ‬النيهوم‭ ‬رجله‭ ‬علي‭ ‬عتبة‭ ‬الباب‭ ‬الذي‭ ‬يحب،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬خصومه‭ ‬هم‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬المحافظون‭ ‬ومن‭ ‬في‭ ‬حكمهم،‭ ‬والنظام‭ ‬الملكي‭ ‬الليبي‭ ‬آنذاك‭ ‬أسسه‭ ‬هؤلاء‭ ‬أو‭ ‬أنهم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أهله‭ ‬بحكم‭ ‬أن‭ ‬للدولة‭ ‬الليبية‭ ‬علاقة‭ ‬بالحركة‭ ‬السنوسية‭ ‬الدينية‭ ‬الإصلاحية‭ ‬بالتبعية‭ ‬وأن‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬مؤسس‭ ‬الدولة‭ ‬هو‭ ‬وريث‭ ‬لزعامة‭ ‬هذه‭ ‬الحركة،‭ ‬لكن‭ ‬الملك‭ ‬إدريس‭ ‬السنوسي‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬شخصيته‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬جناح‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬نظامه‭ ‬وإن‭ ‬بشكل‭ ‬خفيّ؛‭ ‬فتكوينه‭ ‬في‭ ‬قصره‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬فترة‭ ‬شبابه‭ ‬وتواجده‭ ‬وسط‭ ‬النخبة‭ ‬المصرية‭ ‬المستنيرة‭ ‬وعلاقته‭ ‬المبكرة‭ ‬بالإنكليز‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التكوين‭.‬

لهذا‭ ‬يذكر‭ ‬البعض‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬طالب‭ ‬علماء‭ ‬الجامعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بمحاكمة‭ ‬‭-‬أو‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬ذلك‭-‬‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم،‭ ‬كان‭ ‬حينها‭ ‬الشاب‭ ‬عبدالحميد‭ ‬البكوش‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬‭(‬32‭ ‬سنة‭)‬‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬ثم‭ ‬رئيس‭ ‬الوزارة‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬يُطالب‭ ‬أساتذة‭ ‬الجامعة‭ ‬والطلبة‭ ‬والنخبة‭ ‬المتنورة‭ ‬أن‭ ‬تعاضد‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬هذه؛‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬ذلك‭ ‬لأسباب‭ ‬معروفة،‭ ‬ولهذا‭ ‬أوقف‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬فقط‭ ‬وأعاد‭ ‬النيهوم‭ ‬نشرها‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬آخر‭ ‬وفي‭ ‬صياغة‭ ‬مموهة‭ ‬وتحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬العودة‭ ‬المحزنة‭ ‬للبحر‮»‬‭.‬

الكاتب‭ ‬والسلطة

النيهوم‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬أنه‭ ‬كاتب‭ ‬غير‭ ‬سياسي‭ ‬ستكون‭ ‬علاقته‭ ‬بالسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬مشتبكة‭ ‬وشائكة،‭ ‬سيكون‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الجافل‭ ‬عن‭ ‬القطيع،‭ ‬القطيع‭ ‬هذه‭ ‬المفردة‭ ‬التي‭ ‬سيرددها‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬مداخلاته‭ ‬كثيرا،‭ ‬وسيظهر‭ ‬نفسه‭ ‬كمتمرد‭ ‬يلبس‭ ‬‭(‬الجينز‭ ‬والتّي‭ ‬شرت‭)‬،‭ ‬وينظر‭ ‬بغضب‭ ‬لقطيع‭ ‬السلطان‭ ‬وسيضع‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬السلة‭ ‬كل‭ ‬النخبة‭ ‬الليبية‭ ‬‭-‬وحتى‭ ‬العربية‭-‬‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬مستثنيا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬مريديه‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬وعامة‭ ‬الناس‭.‬

لقد‭ ‬تبوأ‭ ‬مبكرا‭ ‬مركزا‭ ‬مميزا‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬حين‭ ‬نالته‭ ‬الشهرة‭ ‬فغدا‭ ‬بسلطة‭ ‬الفكر‭ ‬رأسا‭ ‬حاسرا‭ ‬ينال‭ ‬مراده‭ ‬بجمهوره‭ ‬الكثير،‭ ‬ولهذا‭ ‬أفصح‭ ‬عن‭ ‬عداء‭ ‬لأعداء‭ ‬افترضهم‭ ‬ومنحهم‭ ‬هذا‭ ‬الدور؛‭ ‬هم‭ ‬النخبة‭ ‬خاصة‭ ‬السياسية‭ ‬منها‭ ‬وكان‭ ‬رأس‭ ‬شيطانها‭ ‬اليسار‭ ‬بالمعني‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬قوميين‭ ‬ناصريين‭ ‬وبعثيين‭ ‬ووطنيين‭ ‬وشباب‭ ‬يشده‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بحكم‭ ‬المرحلة‭ ‬يساري‭ ‬الطابع‭.‬

كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬مخلصا‭ ‬للعلاقة‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬والسلطة‭ ‬كان‭ ‬فعل‭ ‬النيهوم‭ ‬ككاتب‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬كذلك‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الكتابة‭ ‬والقارئ‭ ‬الذي‭ ‬يستمد‭ ‬منه‭ ‬الكاتب‭ ‬سلطته‭ ‬خاصة‭ ‬متى‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬نجم‭ ‬غاية‭ ‬غايات‭ ‬أغلب‭ ‬الكتاب‭ ‬لكن‭ ‬النيهوم‭ ‬على‭ ‬الخصوص‭ ‬منهم‭ ‬كان‭ ‬النجم‭. ‬وكان‭ ‬الكاتب‭ ‬البارع‭ ‬والمبدع‭ ‬المميز‭.‬

ظاهرة‭ ‬النيهوم

لم‭ ‬يكُن‭ ‬النيهوم‭ ‬ظاهرة‭ ‬وحدها‭ ‬حين‭ ‬خرج‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬بتمرده‭ ‬وأفكاره‭ ‬الجريئة،‭ ‬فجيلُ‭ ‬الستينات‭ ‬‭-‬جيله‭-‬‭ ‬جيلُ‭ ‬التمرد‭ ‬والعبث‭ ‬واللامعقول‭ ‬والثورات‭ ‬والهيبز‭ ‬والبتلز،‭ ‬والذي‭ ‬يأتي‭ ‬ولا‭ ‬يأتي‭ ‬والهزيمة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬5‭ ‬يونيو،‭ ‬وكان‭ ‬آنذاك‭ ‬اليسار‭ ‬الفرويدي‭ ‬مُتسيّدا‭ ‬جبهة‭ ‬الفكر‭ ‬الإعلامية‭: ‬هربرت‭ ‬ماركوز‭ ‬وإريك‭ ‬فروم‮…‬‭ ‬الخ،‭ ‬وكان‭ ‬اللامنتمي‭ ‬صرعة‭ ‬اللحظة‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬صحفي‭ ‬نابه‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أيقونةٍ‭ ‬للشباب‭ ‬الناقم‭ ‬يدعى‭ ‬كولن‭ ‬ولسون‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬بدا‭ ‬وكأن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬سلم‭ ‬زمامهُ‭ ‬للأفكار‭ ‬وحاملها‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬وتحولت‭ ‬الصُحف‭ ‬إلى‭ ‬أسفار‭ ‬أنبياء‭ ‬العصر‭: ‬ماركس‭ ‬وفرويد‭ ‬ودارون‮…‬‭ ‬لقد‭ ‬قفز‭ ‬إنسانُ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬قرد‭ ‬إلى‭ ‬سيدِ‭ ‬الكون،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طال‭ ‬غاغارين‭ ‬الفضاء‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬بدأ‭ ‬ما‭ ‬سمّي‭ ‬‮«‬بنكسة‭ ‬حزيران‮»‬‭ ‬يقظة‭ ‬الهزيمة‭ ‬لهذا‭ ‬تزامنتْ‭ ‬وتراصت‭ ‬الشيوعية‭ ‬والوجودية‭ ‬والأفكار‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬سلةِ‭ ‬اليوم‭ ‬الصحفية،‭ ‬لعلنا‭ ‬نذكر‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬كتاب‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬عن‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬من‭ ‬ضجة،‭ ‬وكذلك‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحفية‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬صباح‭ ‬الخير‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تُفسر‭ ‬القرآن‭ ‬تفسيراً‭ ‬علمياً‭ ‬علي‭ ‬يد‭ ‬كاتب‭ ‬طبيب‭ ‬عُرف‭ ‬بكتابته‭ ‬القصة‭ ‬حتى‭ ‬ظهوره‭ ‬مُفسرا‭ ‬قرآنيا‭ ‬فجاءةً‭ ‬وهو‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفي‭ ‬محمود‭. ‬لقد‭ ‬تأبط‭ ‬النيهوم‭ ‬كتابه‭ ‬بقوة‭ ‬المرقون‭ ‬بروح‭ ‬العصر،‭ ‬وبدأ‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬بسخطٍ‭ ‬وبسخرية،‭ ‬وبحكم‭ ‬تواجده‭ ‬في‭ ‬هلسنكي‭ ‬اتخذ‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬هدفا‭ ‬لنقمته‭ ‬التي‭ ‬بدورها‭ ‬شتت‭ ‬ذهنه‭ ‬وفاعليته،‭ ‬لقد‭ ‬صار‭ ‬كاتباً‭ ‬صحفيا‭ ‬لجريدة‭ ‬محلية‭ ‬مُلزما‭ ‬بكتابةِ‭ ‬مقالةٍ‭ ‬أسبوعية،‭ ‬هكذا‭ ‬وقع‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬الطريقة‭ ‬الناجحة‭ ‬والمجربة‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور؛‭ ‬بهذا‭ ‬صار‭ ‬‮«‬‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬الأسر‮»‬‭.‬

يكتبُ‭ ‬ويُترجم‭ ‬‭-‬دون‭ ‬ذكر‭ ‬مصادره‭-‬‭ ‬ويرسُم،‭ ‬يكتبُ‭ ‬التقارير‭ ‬الصحفية‭ ‬والمقالة‭ ‬النثرية‭ ‬الساخرة‭ ‬المُطعمة‭ ‬باللهجة‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬أمدلله‭ ‬التي‭ ‬تتعاطى‭ ‬الشعوذة،‭ ‬ونتاشا‭ ‬التي‭ ‬تتعاطى‭ ‬الفودكا،‭ ‬فيما‭ ‬الحاج‭ ‬الزروق‭ ‬المُتكئ‭ ‬على‭ ‬التكية‭ ‬يغمزها‭.‬

هكذا‭ ‬سوّقَ‭ ‬النيهوم‭ ‬نفسهُ‭ ‬ككاتبٍ‭ ‬صحفي،‭ ‬مشغولٍ‭ ‬بالشخصياتِ‭ ‬المحليةِ‭ ‬البسيطة‭ ‬وكرجلِ‭ ‬فكرٍ‭ ‬يهتمُ‭ ‬بقضايا‭ ‬تُشكل‭ ‬ذهنية‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الدينُ‭ ‬أبرز‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬أثارتها‭ ‬فترة‭ ‬الستينيات‭ ‬خاصة‭ ‬عقب‭ ‬الهزيمة‭ ‬العربية‭ ‬أمام‭ ‬دولة‭ ‬اليهود‭! ‬كتب‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الدينية‭ ‬الشائكة،‭ ‬وقضايا‭ ‬المرأة‭ ‬بجرأةٍ‭ ‬وقليلٍ‭ ‬من‭ ‬التمحيص‭ ‬والدقة‭ ‬ودون‭ ‬مرجعية‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬منهج،‭ ‬ولهذه‭ ‬الاعتبارات‭ ‬المُثيرة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬منه‭ ‬الكاتب‭ ‬والصحفي‭ ‬النجم‭ ‬تساوق‭ ‬النيهوم‭ ‬وسُلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬لقد‭ ‬حوّل‭ ‬المُشكل‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬ثقافية‭ ‬اجتماعية‭ ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬النخبة‭ ‬جملة‭ ‬بعقائدها‭ ‬المختلفة‭ ‬تركزُ‭ ‬المُشكل‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬وُصمت‭ ‬بالرجعية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخري‭ ‬باللاإسلامية،‭ ‬ومن‭ ‬ثالثة‭ ‬بالمُرتهنة‭ ‬للدوائرِ‭ ‬الامبريالية‭. ‬لقد‭ ‬تسلطت‭ ‬كُل‭ ‬الأضواءِ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المُختلف‭ ‬الذي‭ ‬عُد‭ ‬كظاهرة‭.‬

النيهوم‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬أنه‭ ‬كاتب‭ ‬غير‭ ‬سياسي‭ ‬ستكون‭ ‬علاقته‭ ‬بالسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬مشتبكة‭ ‬وشائكة،‭ ‬سيكون‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الجافل‭ ‬عن‭ ‬القطيع،‭ ‬القطيع‭ ‬هذه‭ ‬المفردة‭ ‬التي‭ ‬سيرددها‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬مداخلاته‭ ‬كثيرا،‭ ‬وسيظهر‭ ‬نفسه‭ ‬كمتمرد‭ ‬يلبس‭ ‬‭(‬الجينز‭ ‬والتّي‭ ‬شرت‭)‬،‭ ‬وينظر‭ ‬بغضب

النيهوم‭ ‬الفنان

لكن‭ ‬النيهوم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬برجلِ‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬تلك‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬النيهوم‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬وحتى‭ ‬بعده‭ ‬الفنان‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موهبة‭ ‬الفنان‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬رصيده،‭ ‬ولكن‭ ‬شكل‭ ‬وأسلوب‭ ‬الفنان‭ ‬كان‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد،‭ ‬كفردٍ‭ ‬صبغ‭ ‬جسدهُ‭ ‬وسلوكهُ‭ ‬بروحِ‭ ‬الفنان،‭ ‬وكمبدعٍ‭ ‬نمّى‭ ‬موهبتهُ‭ ‬بدأبٍ‭ ‬ودون‭ ‬كلل‭.‬

المُتأمل‭ ‬لجملةِ‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬كتاباتِه‭ ‬سيجدها‭ ‬جملةً‭ ‬تصدعُ‭ ‬بروح‭ ‬الفنان،‭ ‬فهي‭ ‬جملة‭ ‬كافية‭ ‬ومُكتفية،‭ ‬نابضة‭ ‬وحيوية،‭ ‬وماكرة‭ ‬لدرجة‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬يكتبُ‭ ‬رموزاً‭ ‬‭-‬عند‭ ‬عامة‭ ‬قُرائه‭ ‬‭-‬وأنه‭ ‬بحاجةٍ‭ ‬لتأويلٍ‭ ‬وتفسيرٍ‭ ‬مُطّردين‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬الأخرى‭ ‬ردد‭ ‬قراؤهُ‭ ‬أولئك‭ ‬جُملهُ‭ ‬كما‭ ‬حكم‭ ‬ومحفوظات‭.‬

وقبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬المقالةَ‭ ‬السرديةَ‭ ‬صيغةً‭ ‬يحُوكُها‭ ‬لمُقتضى‭ ‬الحال،‭ ‬أحياناً‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المقالةُ‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬لكن‭ ‬صيغة‭ ‬السرد‭ ‬والسريالية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬المقالة‭ ‬عند‭ ‬المتلقي‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬أحاجي‭ ‬ورموزا‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬أثارت‭ ‬لغطاً‭ ‬عند‭ ‬تأويلها‭ ‬بأنها‭ ‬تمس‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تمس‭ ‬الذات‭ ‬الإلهية‭ ‬أو‭ ‬مُسلمات‭ ‬ما‭.‬

هكذا‭ ‬كان‭ ‬النيهوم‭ ‬فناناً‭ ‬من‭ ‬طرازٍ‭ ‬خاص‭ ‬لعلهُ‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬فن‭ ‬الشطح‭ ‬الصُوفي‭ ‬المحلي‭ ‬البسيط‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬اللغة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الإيهام؛‭ ‬لأن‭ ‬مقالاته‭ ‬وجلّ‭ ‬ما‭ ‬اطلعنا‭ ‬عليه‭ ‬مما‭ ‬كتب‭ ‬لا‭ ‬يُدلل‭ ‬على‭ ‬صلةٍ‭ ‬وثيقةٍ‭ ‬بالنتاج‭ ‬الصوفي‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬المعروف‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬النتاج‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تحوّل‭ ‬على‭ ‬يدي‭ ‬مريديه‭ ‬إلى‭ ‬فنون‭ ‬في‭ ‬الزوايا‭ ‬والتكايا،‭ ‬واللغة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النتاج‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬مُموّهة‭ ‬ومُحمّلة‭ ‬بمستوياتٍ‭ ‬عدة‭ ‬من‭ ‬الترميز‭ ‬والدلالة‭.‬

هكذا‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬طرازٍ‭ ‬خاص‭ ‬فلقد‭ ‬تنبه‭ ‬للغةِ‭ ‬المحكية‭ ‬كلهجة‭ ‬عامية،‭ ‬وكمُصطلحات‭ ‬ثقافية‭ ‬وفنية،‭ ‬وكما‭ ‬أشرت‭ ‬أنه‭ ‬استخلص‭ ‬أسلوبهُ‭ ‬من‭ ‬عدةِ‭ ‬أساليب‭ ‬فإنه‭ ‬أولى‭ ‬اللغةَ‭ ‬منزلة‭ ‬المنازل‭ ‬في‭ ‬شُغلهِ‭ ‬وفكرهِ‭ ‬معا‭.‬

لقد‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬فنلندا‭ ‬فترة‭ ‬شبابه‭ ‬العشرينية،‭ ‬وكان‭ ‬يُطالع‭ ‬بالإنكليزية،‭ ‬ويكتبُ‭ ‬بالعربية‭ ‬ويتحدث‭ ‬بعاميةِ‭ ‬مدينته‭ ‬بنغازي‭ ‬الستينية‭ ‬حتى‭ ‬وفاته‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬بمُكنة‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬الفنان‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬الخلائط‭ ‬عجينةً‭ ‬واحدةً‭ ‬مصبوغةً‭ ‬بروحِ‭ ‬الفن‭ ‬التي‭ ‬توحي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تومئ،‭ ‬و‭ ‬تومئ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُشير‭ ‬وتصمت‭ ‬كي‭ ‬تتكلم‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الفنان‭ ‬وضع‭ ‬تضاريسه‭ ‬الخاصة‭ ‬ذات‭ ‬الطبع‭ ‬المُستقل‭ ‬عن‭ ‬محيطها،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مربوطةً‭ ‬به‭ ‬بالعُروة‭ ‬الوثقى،‭ ‬تجانب‭ ‬هو‭ ‬وقراؤه‭ ‬والصحيفة‭ ‬التي‭ ‬يكتب‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬وما‭ ‬يرغب‭ ‬والدولة،‭ ‬لكن‭ ‬ككاتب‭ ‬محلي‭ ‬كانت‭ ‬تعوزه‭ ‬سُلطة‭ ‬الذات‭ ‬المنفقة‭ ‬من‭ ‬احتياجاتٍ‭ ‬أولية،‭ ‬لهذا‭ ‬كان‭ ‬مأسوراً‭ ‬لهذه‭ ‬الحاجات؛‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العوز‭ ‬تحاذى‭ ‬والسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬دوم‭ ‬حياته‭ ‬لكن‭ ‬بشروط‭ ‬روح‭ ‬الفنان‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ديدن‭ ‬الروح‭.‬

بعد‭ ‬بحثه‭ ‬الأولي‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬القرآن‭ ‬تيمم‭ ‬بالفن،‭ ‬واتخذ‭ ‬من‭ ‬مكة‭ ‬محرابه‭ ‬فكانت‭ ‬روايته‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬أثارت‭ ‬‭-‬أيضا‭-‬‭ ‬لغطاً‭ ‬محلياً؛‭ ‬منهُ‭ ‬أن‭ ‬الشاعرَ‭ ‬علي‭ ‬الفزاني‭ ‬صرحَ‭ ‬في‭ ‬حوارٍ‭ ‬معهُ‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬بحاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭ ‬كي‭ ‬تُفهم،‭ ‬ومنه‭ ‬أن‭ ‬بطل‭ ‬الرواية‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬قد‭ ‬رسم‭ ‬شخصية‭ ‬والد‭ ‬أسرة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬بنغازي‭ ‬حيث‭ ‬تقع‭ ‬بعض‭ ‬أحداث‭ ‬الرواية‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الصحفي‭ ‬رشاد‭ ‬الهوني‭ ‬يعمل‭ ‬بجهده‭ ‬المتميز‭ ‬لترويج‭ ‬كتاباتِ‭ ‬نجمِ‭ ‬‮«‬الحقيقة‮»‬‭ ‬‭-‬صحفيته‭ ‬‭-‬‭: ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭.‬

لوحة: بهرام حاجو

‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هُنا‮»‬‭ ‬الشخصية‭ ‬الرئيسة‭ ‬فيها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الشخصية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬عربية‭ ‬تقع‭ ‬أحداثُها‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬العرب‭ ‬التي‭ ‬بطلها‭ ‬زنجي،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬الرواية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تثيرُ‭ ‬مسألة‭ ‬اللون‭ ‬في‭ ‬اشتباكٍ‭ ‬مع‭ ‬مسألةِ‭ ‬الدين،‭ ‬وفي‭ ‬قريةٍ‭ ‬ساحلية‭ ‬فترة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإيطالي،‭ ‬وتُمارس‭ ‬الشخصية‭ ‬الصيد‭ ‬البحري،‭ ‬لقد‭ ‬دخلت‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬نسيجٍ‭ ‬شائكٍ‭ ‬ومتصدعٍ،‭ ‬وفي‭ ‬شبكةٍ‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتخللها‭ ‬السردُ‭ ‬بعد‭.‬

أيقونة‭ ‬النيهوم‭ ‬مَسُّ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُمسّ‭ ‬بعد

من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا

الروائي‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬والمسألة‭ ‬الدينية

اتخذ‭ ‬النيهوم‭ ‬منذ‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬مسارا‭ ‬نوعيا‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬تجربته‭ ‬الإبداعية،‭ ‬حيث‭ ‬اتجه‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فيما‭ ‬قبل‭ ‬يستخدمها‭ ‬ضمن‭ ‬سياق‭ ‬كتاباته‭ ‬المتنوعة،‭ ‬بهذه‭ ‬الرواية‭ ‬سيبدأ‭ ‬مسارا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وكده‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬للأطفال،‭ ‬وكما‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الكتابين‭ ‬يمثلان‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مساره‭ ‬الإبداعي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬‮«‬الحيوانات‮»‬‭ ‬فالرواية‭ ‬تستمد‭ ‬روحها‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬1984‮»‬‭ ‬و‮»‬القرود‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬للحيوانات،‭ ‬وسردية‭ ‬النيهوم‭ ‬تحتاج‭ ‬مبحثا‭ ‬خاصا‭ ‬لكننا‭ ‬هنا‭ ‬نتناولها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مبحثنا‭ ‬في‭ ‬جانبه‭ ‬الفكري‭ ‬المحض‭.‬

وفي‭ ‬الرواية‭ ‬سيتخذ‭ ‬من‭ ‬السرد‭ ‬طريقة‭ ‬لطرح‭ ‬أفكاره‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية،‭ ‬كمنظر‭ ‬متخذ‭ ‬المنهج‭ ‬التأويلي‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬لهذه‭ ‬المسألة،‭ ‬وسيكون‭ ‬السرد‭ ‬استعادة‭ ‬للأساليب‭ ‬القديمة‭ ‬للحكي‭ ‬ولكن‭ ‬بروح‭ ‬جديدة‭ ‬تجعل‭ ‬الغرض‭ ‬البيّن‭ ‬ضمن‭ ‬المسار‭ ‬الدرامي‭ ‬لهذا‭ ‬الحكي‭. ‬وبهذا‭ ‬فإن‭ ‬النيهوم‭ ‬سارد‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬المتنبهين‭ ‬للفن‭ ‬وأساليبه؛‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬السردية‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬ستكون‭ ‬المستهدف‭ ‬الأساس‭ ‬وأنها‭ ‬بنية‭ ‬العمل‭ ‬فيما‭ ‬موضوعه‭ ‬نسيج‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭.‬

لكن‭ ‬التيمة‭ ‬الرئيسة‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬تظل‭ ‬مركزية؛‭ ‬إن‭ ‬الشخوص‭ ‬الروائية‭ ‬تلبس‭ ‬لبوس‭ ‬الفكرة‭ ‬المراد‭ ‬صياغتها‭ ‬ضمن‭ ‬البنية‭ ‬السردية،‭ ‬إن‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬زنجي‭ ‬محنك‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬زنوجته‭ ‬أيقونة‭ ‬للوجود؛‭ ‬وجوده‭ ‬ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬الوجود،‭ ‬وإن‭ ‬الراوي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الزنجي‭ ‬معاركا‭ ‬شرسا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الفكرة‭ ‬الدينية‭ ‬والمسألة‭ ‬العنصرية،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬نبيا‭ ‬جديدا‭ ‬يبشر‭ ‬برؤيا‭ ‬وليس‭ ‬برؤية‭ ‬في‭ ‬هاتين‭ ‬المسألتين‭.‬

وينسج‭ ‬النيهوم‭ ‬شخصيته‭ ‬بتؤدة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬يبدو‭ ‬كمسرح‭ ‬أو‭ ‬صالة‭ ‬عرض؛‭ ‬حيث‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬هي‭ ‬الإنسان،‭ ‬فإن‭ ‬الطبيعة‭ ‬المنتقاة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬الأرض؛‭ ‬إن‭ ‬قرية‭ ‬سوسة‭ ‬البحرية‭ ‬تجمع‭ ‬اليابسة‭ ‬والبحر‭ ‬والجبل‭ ‬والمعاش‭ ‬فيها‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬البحر،‭ ‬لذا‭ ‬سوسة‭ ‬رحم‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬الصياد‭ ‬أما‭ ‬صيد‭ ‬السلاحف‭ ‬‭(‬‭ ‬الفكارين‭ ‬باللهجة‭ ‬المحلية‭ ‬لسكان‭ ‬الرواية‭ ‬‭-‬سوسة‭)‬‭ ‬فهو‭ ‬المسألة‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬التي‭ ‬تنسج‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الصياد‭ ‬الطبال‭ ‬وشخصية‭ ‬فقيه‭ ‬القرية‭ ‬الناطق‭ ‬بسم‭ ‬المقدس،‭ ‬الفقيه‭ ‬من‭ ‬يجرّ‭ ‬خلفه‭ ‬سكان‭ ‬القرية‭ ‬المحليين‭ ‬‭(‬القرية‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الشواطئ‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬تضاريس‭ ‬الجغرافيا‭ ‬لكن‭ ‬الرواية‭ ‬غير‭ ‬معنية‭ ‬بذلك‭)‬،‭ ‬والعلاقة‭ ‬مع‭ ‬صاحبة‭ ‬المطعم‭ ‬الإيطالية‭ ‬من‭ ‬يزودها‭ ‬الطبال‭ ‬بهذه‭ ‬السلاحف‭ ‬كي‭ ‬تقدمها‭ ‬لزبائنها‭ ‬الإيطاليين‭.‬

‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬رواية‭ ‬الشخصية‭ ‬المتفردة؛‭ ‬نجد‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬كما‭ ‬بطل‭ ‬تراجيدي‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬براثن‭ ‬قدر‭ ‬محبوك؛‭ ‬المقدس‭ ‬فيه‭ ‬مرجعيته‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬تفسيره‭ ‬التقليدي‭ ‬للدين‭ ‬وكذا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأساطير‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬مرجعيتها‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬للمقدس‭. ‬في‭ ‬صيد‭ ‬السلاحف‭ ‬يجد‭ ‬الطبال‭ ‬قوته‭ ‬الثمين‭ ‬حيث‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬هكذا‭ ‬صيد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكنه‭ ‬من‭ ‬التوفير‭ ‬لشراء‭ ‬ماكينة‭ ‬لقاربه،‭ ‬وبهذا‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬غور‭ ‬البحر‭ ‬ومصارعة‭ ‬جنونه‭ ‬والتمكن‭ ‬من‭ ‬صيد‭ ‬سلاحف‭ ‬وفير،‭ ‬هذه‭ ‬الماكينة‭ ‬يملكها‭ ‬إيطالي‭ ‬يعرضها‭ ‬للبيع‭.‬

تجد‭ ‬الشخصية‭ ‬التراجيدية‭ ‬أنها‭ ‬محكومة‭ ‬بالمطرقة‭ ‬والسندان‭: ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬يلتهم‭ ‬الصبي،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يرجع‭ ‬فيه‭ ‬الفقيه‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬غضب‭ ‬الله‭ ‬لاختراق‭ ‬سننه‭ ‬وصيد‭ ‬السلاحف‭ ‬المباركة،‭ ‬والزوجة‭ ‬زوجة‭ ‬الطبال‭ ‬التي‭ ‬تحلم‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬بأداء‭ ‬فريضة‭ ‬الحج‭.‬

لقد‭ ‬أعد‭ ‬النيهوم‭ ‬شخصيته‭ ‬بقوة‭ ‬بُنية‭ ‬وعناد‭ ‬رأس‭ ‬وأفكارٍ‭ ‬محمومة،‭ ‬كي‭ ‬تطفئ‭ ‬حُمّى‭ ‬الطبيعة‭ ‬والبشر‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬آل‭ ‬الطبال‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬لغتهم‭ ‬ودينهم‭ ‬ومن‭ ‬عليه‭ ‬اتباعهم،‭ ‬رغم‭ ‬زنجيّته‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬على‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬طرفي‭ ‬القرية‭: ‬السكان‭ ‬المحليون‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والإيطاليون‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

بهذا‭ ‬تظهر‭ ‬شخصية‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬مفارقة‭: ‬القوت‭ ‬يضعه‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬للإيطاليين،‭ ‬والحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬محليا‭ ‬متمردا،‭ ‬كذا‭ ‬فهو‭ ‬بهذا‭ ‬التمرد‭ ‬يواجه‭ ‬المقدس‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مؤول‭ ‬محليا‭.‬

النيهوم‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬الطبال‭ ‬شخصية‭ ‬الرواية‭ ‬أو‭ ‬يجعله‭ ‬الرواية‭ ‬بالمرة؛‭ ‬فبقية‭ ‬الشخصيات‭ ‬تثير‭ ‬مسائل‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬منها‭ ‬شخصية‭ ‬الطبال‭ ‬الذي‭ ‬وجوده‭ ‬كما‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬لتأويل،‭ ‬ولعله‭ ‬لهذا‭ ‬جعل‭ ‬علاقة‭ ‬الشخصية‭ ‬بالطبيعة‭ ‬أوتد،‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬كل‭ ‬شيء؛‭ ‬مسعود‭ ‬نفسه‭ ‬شخصية‭ ‬مائية‭ ‬وطيد‭ ‬المعرفة‭ ‬والوجدان‭ ‬بالبحر‭.‬

وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬فإن‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬كأول‭ ‬زنجي‭ ‬بطل‭ ‬لرواية‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬علمنا،‭ ‬قد‭ ‬جعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الرواية‭ ‬تنسج‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬لهذا‭ ‬تحررت‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬سردي‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬السردي‭ ‬باستثناء‭ ‬معروف‭ ‬هو‭ ‬الملحمة‭ ‬الأسطورية‭: ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭. ‬لعل‭ ‬الروائي‭ ‬عند‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬قد‭ ‬طال‭ ‬لاوعيه‭ ‬الروائي‭ ‬هذه‭ ‬الأسطورة‭ ‬فتماس‭ ‬معها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستعيدها،‭ ‬لأننا‭ ‬نجد‭ ‬هذا‭ ‬الزنجي‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬منسوج‭ ‬الحكي‭ ‬التراثي‭ ‬قوي‭ ‬البنية‭ ‬جسورا‭ ‬ويغرد‭ ‬مع‭ ‬البحر‭ ‬خارج‭ ‬السرب‭.‬

‭ ‬الزنجي‭ ‬البطل‭ ‬اللامنتمي

النيهوم‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬نتاجه‭ ‬الفكري‭ ‬اهتمامه‭ ‬المركز‭ ‬بالمسألة‭ ‬الدينية؛‭ ‬لعل‭ ‬هذا‭ ‬يوضح‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬التيمة‭ ‬الرئيسة‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭: ‬ثمة‭ ‬قيم‭ ‬تقليدية‭ ‬راسخة‭ ‬تتمظهر‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أساطير‭ ‬وخراريف‭ ‬تراثية‭ ‬شعبية،‭ ‬الناطق‭ ‬الرسمي‭ ‬بها‭ ‬فقيه‭ ‬القرية،‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬بتطرف‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬العراك‭ ‬الجسدي‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال،‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬المتحقق‭ ‬أن‭ ‬الآلة‭ ‬‭(‬الماكينة‭)‬‭ ‬التي‭ ‬يملكها‭ ‬الإيطالي‭ ‬هي‭ ‬الحل‭ ‬لمسألة‭ ‬المعاش،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬السلاحف‭ ‬ليست‭ ‬مباركة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬كذلك‭ ‬فهي‭ ‬جديرة‭ ‬بتوفير‭ ‬الحياة‭ ‬لبني‭ ‬آدم،‭ ‬أما‭ ‬حج‭ ‬زوجة‭ ‬الطبال‭ ‬فقد‭ ‬مثل‭ ‬مسألة‭ ‬إثقال‭ ‬كفة‭ ‬الميزان‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬صالح‭ ‬الطبال‭.‬

ليست‭ ‬الرواية‭ ‬رواية‭ ‬أحداث‭ ‬قدر‭ ‬مّا،‭ ‬هي‭ ‬رواية‭ ‬الشخصية‭ ‬فالمنولوج‭ ‬لُحمة‭ ‬الرواية،‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬هو‭ ‬الرواية‭ ‬هو‭ ‬المفرد‭ ‬المتفرد‭ ‬الذي‭ ‬كصياد‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬وحيدا،‭ ‬ولا‭ ‬زمان‭ ‬له‭ ‬غير‭ ‬الزمن‭ ‬الذاتي،‭ ‬وزمن‭ ‬الطبيعة‭ ‬البحرية‭ ‬ما‭ ‬تعني‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬شروقها‭ ‬وغروبها،‭ ‬وكأنما‭ ‬الطبال‭ ‬يعطي‭ ‬بظهره‭ ‬لزمن‭ ‬الناس‭ ‬بانشغاله‭ ‬بالبحر‭ ‬وعراكه‭ ‬ومناجاته‭.‬

لذا‭ ‬سوسة‭ ‬قرية‭ ‬كونية‭ ‬دائرتها‭ ‬المكان‭/‬الطبيعة‭ ‬ومركزها‭ ‬الزمن‭: ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬ويضطرم‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭.‬

هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬مركز‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬وأفكاره‭ ‬وما‭ ‬يجيش‭ ‬بنفسه‭ ‬هو‭ ‬وجوده،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬يستمد‭ ‬الطبال‭ ‬تمرّده‭ ‬وتستمد‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التمرد‭ ‬نسجها،‭ ‬بالتالي‭ ‬تبدو‭ ‬أفكار‭ ‬النيهوم‭ ‬حول‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬ومنهجها‭ ‬التأويلي‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فهي‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬الرواية،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬بدأت‭ ‬الرواية‭ ‬رواية‭ ‬أفكار‭ ‬لكن‭ ‬خباء‭ ‬السرد‭ ‬المحكم‭ ‬جعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬السرد‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬مرجعية‭ ‬الراوي‭ ‬المتفكّر‭ ‬في‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭.‬

رغم‭ ‬ذلك‭ ‬تثقل‭ ‬الرواية‭ ‬‭-‬كعادة‭ ‬النيهوم‭-‬‭ ‬بذهنية‭ ‬المتفكر؛‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬شخصية‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬متمردا‭ ‬وجوديا‭ ‬يصوغ‭ ‬نفسه‭ ‬كمنولوج‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬الرواية،‭ ‬وهو‭ ‬قلب‭ ‬الرواية‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬مكان‭ ‬الرواية‭/‬قرية‭ ‬سوسة‭ ‬هو‭ ‬هامشي‭.‬

لقد‭ ‬جعلت‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬شخصيتها‭ ‬مثل‭ ‬نخبوي‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬أفكاره‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬صيادا‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬صيده،‭ ‬ومسكوت‭ ‬الرواية‭ ‬هذا‭ ‬منطوقها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المرجعية‭ ‬الفكرية‭ ‬للروائي‭ ‬التي‭ ‬تتخفى‭ ‬بالضرورة‭ ‬بالسردية؛‭ ‬فنحن‭ ‬نتلقى‭ ‬نتاجا‭ ‬روائيا‭ ‬مسرودا‭ ‬بحكمة‭ ‬الفنان‭ ‬لا‭ ‬بفن‭ ‬الحكيم،‭ ‬وتتجلى‭ ‬في‭ ‬استنطاق‭ ‬مجمل‭ ‬الرواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭.‬

وكما‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬ليست‭ ‬رواية‭ ‬أحداث،‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬اختزال‭ ‬الحدث‭ ‬قد‭ ‬مركز‭ ‬الشخصية‭ ‬وجعل‭ ‬المنولوج‭ ‬مركز‭ ‬البنية‭ ‬السردية،‭ ‬هذا‭ ‬أعطى‭ ‬السرد‭ ‬مكنة‭ ‬طرح‭ ‬الأفكار‭ ‬وتداعيها،‭ ‬فالشخصية‭ ‬الروائية‭/‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬عرض‭ ‬وطول‭ ‬الرواية‭ ‬يعيش‭ ‬وحيدا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬سرير‭ ‬الزوجية‭ ‬ثمة‭ ‬جدار‭ ‬بينه‭ ‬وزوجه‭ ‬الحالمة‭ ‬بالحج‭. ‬والوقائع‭ ‬المسرودة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬المقدس‭ ‬مسألة‭ ‬تحكم‭ ‬العلائق‭ ‬في‭ ‬الفعل‭ ‬الروائي‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬شخصيات‭ ‬الرواية،‭ ‬أما‭ ‬الرتابة‭ ‬روح‭ ‬القرية‭ ‬البحرية‭ ‬فهي‭ ‬ما‭ ‬تركز‭ ‬مسألة‭ ‬المقدس‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬تصيد‭ ‬الطبال‭ ‬للسلاحف‭ ‬المباركة‭ ‬تهديدا‭ ‬لقرية‭ ‬تعيش‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬أو‭ ‬جوع،‭ ‬البحر‭ ‬جواد‭ ‬فالسمك‭ ‬يسدّ‭ ‬الرمق‭. ‬ومسألة‭ ‬الماكينة‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬الكفاف‭ ‬يهدد‭ ‬هكذا‭ ‬حياة،‭ ‬لقد‭ ‬صار‭ ‬الطبال‭ ‬خارجا‭ ‬عن‭ ‬الناموس‭ ‬عدوّ‭ ‬لله‭ ‬عدوهم،‭ ‬وكزنجي‭ ‬كان‭ ‬وجوده‭ ‬مفردا‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬استمدت‭ ‬الشخصية‭ ‬الروائية‭ ‬مركزها‭ ‬كشخصية‭ ‬الرواية‭.‬

وهذا‭ ‬الصراع‭ ‬البيّن‭ ‬الفاعل‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬الأخرى‭ ‬وهي‭ ‬هنا‭ ‬الإيطالية‭ ‬كخلفية‭ ‬لهذا‭ ‬الصراع‭ ‬المحموم‭ ‬بين‭ ‬طموح‭ ‬الطبال‭ ‬وحمى‭ ‬المقدس‭ ‬عند‭ ‬آل‭ ‬القرية‭ ‬المحليين،‭ ‬فيما‭ ‬الماكينة‭-‬موتور‭ ‬القارب‭ ‬المحرك‭ ‬للصراع‭ ‬كامن‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬كطرف‭ ‬غائب،‭ ‬والحديث‭ ‬حوله‭ ‬عابر‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬أحداث‭ ‬الرواية‭.‬

وكما‭ ‬تنقسم‭ ‬سوسة‭ ‬بين‭ ‬شخصية‭ ‬الطبال‭ ‬المركزية‭ ‬وشخصية‭ ‬الفقيه‭ ‬تحوك‭ ‬الرواية‭ ‬نسيجها‭ ‬السردي،‭ ‬ويوضح‭ ‬النيهوم‭ ‬تراجيديا‭ ‬شخصيته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬الذي‭ ‬يعانيه‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬في‭ ‬منولوجه‭ ‬وأحلامه‭ ‬وأحلام‭ ‬زوجه‭.‬

إذن‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬هنا‭ ‬تندسّ‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬الشخصية‭ ‬الداخلي‭ ‬وتفجر‭ ‬وجدانه‭ ‬وتشظّي‭ ‬نفسه‭.‬

‭-‬‭ ‬هل‭ ‬الطبال‭ ‬عبد‭ ‬مارق‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الفقيه‭: ‬يقول‭ ‬الطبال‭ ‬لنفسه؟

الروائي‭ ‬جرّد‭ ‬أحداث‭ ‬روايته‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬مسائل‭ ‬أخرى،‭ ‬وجعل‭ ‬طرف‭ ‬الميكنة‭ ‬كما‭ ‬طرف‭ ‬أجنبي‭ ‬يثير‭ ‬المسألة‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬جزءًا‭ ‬داخليا‭ ‬منها،‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الإيطاليين‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬شخصيات‭ ‬ثانوية‭ ‬رغم‭ ‬مركزيتها‭.‬

Mالرواية‭ ‬تنتهي‭ ‬وقد‭ ‬فشل‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬مشروعه،‭ ‬لكن‭ ‬يبقي‭ ‬في‭ ‬مسرود‭ ‬الرواية‭ ‬‭-‬عند‭ ‬القارئ‭ ‬الحصيف‭-‬‭ ‬كمشروع،‭ ‬وفي‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬يكشف‭ ‬النيهوم‭ ‬عن‭ ‬جدارته‭ ‬بإثارة‭ ‬مسألة‭ ‬كالمسألة‭ ‬الدينية‭ ‬كسارد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬ثقل‭ ‬مسألة‭ ‬كهذه‭.‬

إن‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬تناولناها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مبحث‭ ‬خاص،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬البحث‭ ‬قد‭ ‬وضحت‭ ‬أن‭ ‬المفكرين‭ ‬مثل‭ ‬النيهوم‭ ‬كما‭ ‬الشخصيات‭ ‬المتمردة‭ ‬والثائرة‭ ‬التباسية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومن‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬مثيرة‭ ‬عواصف‭ ‬ذهنية‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬واقعية‭.‬

هناك ﻧﻘﻄﺔ ﺳﻮﺩﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻭﺗﺎﺭﻳﺨﻪ .

معلومات تهمك يا مواطن

هناك ﻧﻘﻄﺔ ﺳﻮﺩﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻭﺗﺎﺭﻳﺨﻪ ..
• ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﻣﺬﺑﺤﺔ ﺑﻮﺳﻠﻴﻢ ﻭﺃﻋﺪﺍﻣﺎﺕ 7 ﺍﺑﺮﻳﻞ ﻭﻃﺎﺋﺮﺓ ﺑﻨﻐﺎﺯﻱ ﺍﻟﻤﻨﻜﻮﺑﺔ ﻭﺃﻃﻔﺎﻝ ﺍﻷﻳﺪﺯ .
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺃﻏﺘﺼﺎﺏ ﺃﻣﻼﻙ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺍﻟﺒﻴﺖ ﻟﺴﺎﻛﻨﻪ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﻟﻤﻦ ﻳﻘﻮﺩﻫﺎ ﻭﺍﻷﺭﺽ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻠﻜﺎ ﻷﺣﺪ،
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺩﻭﻟﺔ ﻧﻔﻄﻴﺔ ﺍﺭﺑﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ ﺑﺪﻭﻥ ﻗﻨﺎﺓ ﻓﻀﺎﺋﻴﺔ ﻣﺤﺘﺮﻣﺔ ﺃﻭ ﻣﻠﻌﺐ ﺩﻭﻟﻲ ﻣﺤﺘﺮﻡ ﺃو ﻗﺎﻋﺔ ﻣﺴﺮﺡ ﻣﺤﺘﺮﻣﺔ ﺃﻭ ﺷﺮﻛﺔ ﻃﻴﺮﺍﻥ ﻣﺤﺘﺮﻣﺔ .
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺩﻭﻟﺔ ﻏﻨﻴﺔ ﺷﻬﺎﺩﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﻴﺔ ﻻ ﻗﻴﻤﺔ ﻟﻬﺎ ﻭﻣﺎﻓﻴﻬﺎﺵ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻭﺣﺪﺓ ﻣﺼﻨﻔﺔ ﺩﻭﻟﻴﺎ ﻃﻮﺍﻝ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻋﺎﻡ “اﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﻣﺜﻼ ﻋﻨﺪﻫﺎ 5 ﺟﺎﻣﻌﺎﺕ ﻣﺼﻨﻔﺔ ”
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺃﺟﺒﺎﺭ ﺑﻨﺎﺕ ﺍﻟﺜﺎﻧﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻟﺒﺲ ﺍﻟﺰﻱ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻭﺃﺟﺒﺎﺭ ﻃﻠﺒﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﻀﻮﺭ ﻣﺮﺍﺳﻢ ﺷﻨﻖ ﺯﻣﻼﺋﻬﻢ ﺩﺍﺧﻞ ﺣﺮﻡ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻭﺃﺟﺒﺎﺭ ﺗﻼﻣﻴﺬ ﺃﻋﻤﺎﺭﻫﻢ ﺗﺤﺖ 17 ﻋﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﻫﺎﺏ ﻟﺤﺮﺏ ﺗﺸﺎﺩ .
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺟﻴﻞ ﻛﺎﻣﻞ ﻋﺎﺵ ﻣﻦ ﺣﺼﺎﺭ ﻟﺤﺼﺎﺭ ﻭﻣﻦ ﺗﺤﺪﻱ ﻟﺘﺤﺪﻱ ﻭﻓﻲ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﺳﻠﻢ ﻛﻞ ﺍﻟﺘﺮﺳﺎﻧﺔ ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﺔ ﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺎ ﻭﻋﻮﺽ ﺿﺤﺎﻳﺎ ﻟﻮﻛﺮﺑﻲ 6 ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻭﺑﻌﺚ ﻭﻟﺪﻩ ﻟﻠﺒﻴﺖ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﻳﻄﻠﺐ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ

ﻭﻃﻠﻊ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﻛﻠﻪ ﻛﺬﺑﺔ ﻭﻭﻫﻢ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺑﻘﺎﺀ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻭﺃﺑﻨﺎﺋﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ .
ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻛﻞ ﺍﻟﻲ ﻓﺎﺕ ﺻﺢ ﻭﺃﻧﻲ ﺷﺎﻫﺪة ﻋﻠﻴﻪ ﻗﺪﺍﻡ ﺭﺑﻲ ..

ﻟﻜﻦ ﺧﻠﻮﻧﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻟﻲ ﻫﻲ ﺟﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ :
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﺻﺎﺣﺐ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻔﺎﻃﻤﻴﺔ ﺍﻟﺸﻴﻌﻴﺔ ﻭﺍﻻﺳﺘﺨﻔﺎﻑ ﺑﻌﻘﻴﺪﺓ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻭﺑﺎﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺻل ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻭﺍﻟﻌﺒﺚ ﺑﺘﻔﺴﻴﺮ ﺁﻳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻟﻤﺎ ﻋﺮﻑ ﺭﻭﺣﻪ ﻣﻨﺘﻬﻲ ﺩﺍﺭ ﺣﺎﺟﺔ ﻣﺎ ﺩﺍﺭﻫﺎﺵ ﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﺎﺑﺪﻳﻦ ﻭﻻ ﻣﺒﺎﺭﻙ ﻭﻻ ﺷﺎﻩ ﺃﻳﺮﺍﻥ ﻭﻻ ﻫﻮﻻﻛﻮ ﻭﻻ ﻫﺘﻠﺮ .
القذافي ﻭﺯﻉ ﻋﻠﻰ ﺷﻌﺒﻪ 11 ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻗﻄﻌﺔ ﺳﻼﺡ ﻛﺎﻥ ﻣﺨﺰﻧﻬﻢ ﻓﻲ ﺃﻧﺤﺎﺀ ﻟﻴﺒﻴﺎ. ﻭﺃﻃﻠﻖ ﺳﺮﺍﺡ 17 ﺃﻟﻒ ﺳﺠﻴﻦ ﻋﺘﺎﺓ ﺍﻟﻘﺘﻠﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺤﺮﻓﻴﻦ ,
ﻭﻗﺒﻠﻬﺎ ﺧﻠﻰ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺩﺳﺘﻮﺭ ﻭﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺟﻴﺶ ﻭﺍﺳﺘﺒﺪﻟﻪ ﺑﻜﺘﺎﺋﺐ ﻣﺸﺘﺘﺔ ﻋﻘﻴﺪﺗﻬﺎ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﻭﺻﻐﺎﺭﻩ ﻭﺑﺲ .
ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺩﺍﺭﻫﺎ ﺑﻘﺼﺪ ﻭﺗﻌﻤﺪ ﻭﺃﺻﺮﺍﺭ ﺑﺎﺵ ﺗﻨﺤﺮﻕ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺑﻌﺪﻩ ﻭﺗﻮﻟﻲ ﻏﺎﺑﺔ ﻣﻮﺣﺸﺔ ﻭﺧﺮﺍﺑﺔ ﻭﻧﺎﺭ ﻭﺩﻣﺎﺭ,
ﺣﺎﻟﻴﺎ ﺗﺴﻜﻴﺮﺓ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﻭﺃﺣﺘﻼﻝ ﺳﺮﺕ ﻭﺩﺭﻧﺔ ﻭﻋﺒﺚ ﺍﻟﻤﺘﻄﺮﻓﻴﻦ ﺑﺎﻟﺒﻼﺩ ﻫﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﺠﻴﺶ ,
ﺍﻟﺨﻄﻒ ﻭﺍﻟﺴﻠﺐ ﻭﺍﻟﻨﻬﺐ ﻭﺍﻟﺮﻋﺐ ﻫﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺍﻃﻼﻕ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﻴﻦ
ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﺍﻟﻘﺒﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﺍﻟﻌﺸﻮﺍﺋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺍﻟﺸﻮﺍﺭﻋﻴﺔ ﻭﺍﻹﻋﺘﺼﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﻫﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺗﻮﺯﻳﻊ ﺍﻟﺴﻼﺡ .
ﺍﻟﺘﺨﺒﻂ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﻋﺒﺚ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﻤﺆﺗﻤﺮ ﻭﺗﺪﺧﻞ ﺃﻣﺮﻳﻜﻴﺎ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻭﻗﻄﺮ ﻭﻣﺼﺮ ﻫﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺩﺳﺘﻮﺭ .
ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻳﻮﺯﻋﻮ ﻋﻠﻲ ﺷﻌﺒﻬﺎ ﺳﻼﺡ ﻭﻳﻠﻐﻮ ﺟﻴﺸﻬﺎ ﻭﺩﺳﺘﻮﺭﻫﺎ ﻭﻳﻄﻠﻘﻮ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﻴﻦ ﻟﻤﺎ ﺗﻮﻟﻲ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻫﺮﺩﻣﻴﺴﺔ ﻋﺸﺮ ﺳﻨﻮﺍﺕ .
ﻭﻟﻮ ﺩﺍﺭﻫﺎ ﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﺎﺑﺪﻳﻦ ﺗﻮﻧﺲ ﺣﺎﺗﻮﻟﻲ ﻓﻴﻠﻢ ﺯﻭﻣﺒﻲ ﻳﺴﺘﻤﺮ ﺑﻼ ﻧﻬﺎﻳﺔ
ﻭﻟﻮ ﺩﺍﺭﻫﺎ ﻣﺒﺎﺭﻙ ﺣﻴﻠﻘﻮ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻋﺸﺮﺓ ﺃﻻﻑ ﺳﻘﻴﻄﺔ ﺗﻄﻔﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻴﻞ
ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻣﺎﺩﺍﺭﺵ ﺍﻟﺤﺎﺟﺎﺕ ﻫﺎﺩﻱ ﺭﺍﻫﻮ ﻣﺸﺖ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻭﻃﻠﻌﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺑﺴﻼﻡ
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻋﻨﺪﻩ ﺩﺭﺟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺪ ﻭﺍﻟﺸﺮ ﺭﺗﺐ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺑﺤﻴﺚ ﻣﺎ ﺗﻜﻮﻧﺶ ﺩﻭﻟﺔ ﺇﻻ ﺑﻴﻪ ﻭﺑﺼﻐﺎﺭﻩ .
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻫﻢ ﻭﻏﻢ ﻭﻛﺎﺑﻮﺱ ﺃﺳﻮﺩ ﺣﻴﻘﻌﺪ ﻻﺣﻘﻨﺎ ﻷﺧﺮ ﻃﻠﻘﺔ ﺳﻼﺡ .
ﻷﺧﺮ ﻣﺠﺮﻡ ﻃﻠﻴﻖ .
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻣﺴﺢ ﻛﻞ ﺣﺎﺟﺔ ﻃﻴﺒﺔ ﻣﻤﻜﻦ ﻧﺘﻔﻜﺮﻭﻩ ﺑﻴﻬﺎ ﻭﺳﻴﻒ ﻟﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺃﻧﺴﻮ ﻛﻞ ﺷﻲ 40 ﻋﺎﻡ ﻛﺎﻥ ﻋﺎﺭﻑ ﻣﺨﻄﻂ ﺑﻮﻩ ﻭﻋﺎﺭﻑ ﺷﻦ ﻣﺠﻬﺰﻟﻨﺎ .
• ﺳﺎﻣﺤﻮﻧﻲ ﻳﺎﻋﺸﺎﻕ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ..
ﻭﺍﻟله ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺃﺟﻤﻞ ﻭﺃﺭﻭﻉ ﻭﺃﻧﻈﻒ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ
ﻟﻮ ﺃﻧﻪ ﻣﺎﺩﺍﺭﺵ ﺍﻟﺤﺎﺟﺎﺕ ﻫﺎﺩﻱ .. ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺃﺟﻤﻞ ﻭﺃﺭﻭﻉ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ
• ﻳﺎﺭﻳﺘﻪ ﺑﺪﻝ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﻭﺑﻌﺪ 40 ﺳﻨﺔ ﺣﻜﻢ ﻋﻘﺒﻠﻨﺎ ﺟﻴﻞ ﻭﺍﻋﻲ ﺭﺍﻗﻲ ﻣﺴﺘﻨﻴﺮ ﻭﺑﺪﻝ ﺃﻃﻼﻕ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﻴﻦ ﺍﻃﻠﻖ ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻷﺑﺪﺍﻉ
• ﻭﺑﺪﻝ ﺍﻟﻜﺘﺎﺋﺐ ﻋﻘﺒﻠﻨﺎ ﺟﻴﺶ ﻭﻃﻨﻲ ﻭﺩﺳﺘﻮﺭﻋﺎﺩﻝ ﻭﻣﺆﺳﺴﺔ ﻗﻀﺎﺀ ﻗﻮﻳﺔ ﻭﻣﺴﺘﻘﻠﺔ .
• ﻭﻋﻠﻰ ﻓﻜﺮﺓ ﺛﻮﺍﺭ ﻓﺒﺮﺍﻳﺮ ﻣﺶ ﺃﻛﺜﺮﻣﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﺃﻟﻒ ﺃﻏﻠﺒﻬﻢ ﺭﺟﻊ ﻟﻌﻤﻠﻪ ﻭﻗﺮﺍﻳﺘﻪ
ﻭﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﻢ ﺑﺮﺑﻊ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﺿﺒﻊ ﻣﺴﻠﺢ ﻳﺪّﻋﻮ ﺃﻧﻬﻢ ﺛﻮﺍﺭ.
الوطن باقي وكلنا راحلون……….؟
ليبيا فوق الجميع.

علي الفيتوري

طائرة السراج

حاليا طائرة السراج وهي تقترب من اﻻجواء الليبية قادمة من دولة الخمارات ..
الدال على الخير كفاعله

أبو مالك أبو مالك
 
أبو مالك أبو مالك يأدمن كنك من سكان الغرب او الجنوب فهذا ولي امرك شرعا فلايجوز ان تغتابا
طرابلس العاصمة

#عااااااااااااجل

#غرفة_البنيان_المرصوص التابعة لداعش ترفض أي مخرجات لحوار بين السراج والمشير حفتر بصفته شخصية عسكرية وطرف في الصراع العسكري

وتطالب بأن يجلس السراج ويتفاوض مع جميع قادة الثوار العسكريين المعارضين للانفاق السياسي والمجلس الرئاسي وعلى رأسهم #صلاح_بادي بصفتهم عسكريين وطرف من أطراف الصراع العسكري كما جلس وتفاوض وتحاور مع المشير حفتر

لقاء أبوظبي

دق أخر مسمار في نعش وهم الاتفاق السياسي

وقدم خدمة كبيرة للشرفاء من أبناء ليبيا لقطع الطريق على مشروع الإنقلاب واعلان عهد جديد لإستكمال ثورة فبراير والإنتقال الى مرحلة الدولة .

مصراته هي مصراته! 2

مصراته هي مصراته! 2

أحمد الفيتوري | الثلاثاء 25 أبريل 2017, 10:27 AM
 
 
أحمد الفيتوري

2 من 2
1-
طلبت من صديقي أصيل مصراته أن يوضح لي حال مدينة مصراته في الحال الليبي فاسترسل كعارف بـ”الأحوال الليبية”: أن ما يبدو من غموض في الأوضاع الحالية بالمدينة قد يكون أصيلا في مدينة تركيبتها الاجتماعية محافظة، زد على ذلك فإن دخولها في حرب، فرضها عليها فاشية القذافي وميلشياته الأمنية، جعل منها في حالة دفاع بكل ما يعني ذلك من انكفاء وتمترس، ولما تمكنت ميليشياتها من فك الحصار، ومن ثم هجومها واندفاعها نحو قلعة القذافي باب العزيزية بالعاصمة الليبية طرابلس، أصيبت بنشوة النصر وبدأ لقادتها أنهم المنتصرين، فاستحوذوا على ما تبقي من سلاح القذافي ومن ماله ومن عاصمته، ودعموا لأجل ذلك تحالفهم مع التيار الإسلامي المسلح.
لكن بالمدينة كباقي البلاد تيارت مختلفة متباينة كالإسلامية والقوى الوطنية التي هي خليط من قوة مدنية وعسكرية ذات مشارب عدة، هذا التعدد في المدينة شكل في وبالحرب كتلة واحدة وتحالفا نسبيا متماسكا، جعله حصار المدينة الأقوى في البلاد بقوة المال والسلاح، وخاصة السلاح الذي فيما بعد سقوط النظام سيطر عليه ميليشياتها تقريبا في غرب البلاد وجنوبها. ولم ينفرط ذا التحالف في تقديري بفضل العجينة المحافظة للمكون الاجتماعي للمدينة، ودعم قيادة ليست واحدة لكنها متوحدة وهدفها موحد جدد وهو مقلوب اسقاط النظام أي وراثته، فهم كما عملوا على اسقاط القذافي رأوا أو قدروا أنهم ورثة القذافي، هذا وحد جبهتهم في مواجهة خصومهم العدة.

2-
لم أرد مقاطعة الاسترسال لكن أردت توضيحا، فالاستقراء ذا يستنبط منه أن الحصيلة:” الوراثة جهوية”، باعتبار أن القوى النافذة التي رأت في نفسها الوريث بحكم القوة هي بالفعل “مصراته” قلب التحالف ما وضحه الاستقراء.

يجب انهاء الحرب أولا ومنه اعلان السلام، لنبدأ اليوم وليس غدا التسلح بالسلم لإنهاء الحرب

ان تحالف “مصراته” ما سمى فيما بعد بـ”فجر ليبيا” هو تحالف متعدد المشارب، وأن من رؤوسه الأهم التيار الإسلامي المسلح، تحالف “مصراته/ فجر ليبيا” اتخذ أيقونة لخصامه: “خليفة حفتر” وحلفائه من عرفوا بمعاضدي “معركة الكرامة”، رغم ان “معركة الكرامة” في الحقيقة جاء اعلانها بعد بروز وهيمنة “تحالف مصراته” في ليبيا ما بين أول 2012م وبين منتصف 2014م، “معركة الكرامة” عرفت وظهر “خليفة حفتر” كقائد عسكري لها في مايو 2014م، ومجلس النواب وحكومته كقائد سياسي ظهر عقب انتخابات يونيو من ذات العام، وأعقب ذلك اعتبار مجلس النواب بـ”طبرق” وحكومته برئاسة ” عبد الله الثني” الجهة الشرعية الليبية المعترف بها في الاقانيم الثلاث المحلي والإقليمي والدولي، وقد قاطعت اقلية من النواب المجلس المنعقد في “طبرق” وشككت في شرعيته ولم تستقل وان طعنت في دستورية المجلس المنعقد في “طبرق”، هذه القوى المقاطعة عضيدة “تحالف مصراته/فجر ليبيا، من ثم أعيد احياء “المؤتمر الوطني” ما هو لا وجود له بحكم الانتخابات الشرعية والمعترف بها من الجميع.

3-
لقد أراد طرف ليبي جعل مدينة “مصراته” قاعدة الاستحواذ على “كعكة فبراير” أي “وراثة القذافي”، وبهذا استمرت “مصراته” كقاعدة وقائدة لفصيل مهم في الحرب الأهلية التي اندلعت في ليبيا عقب ثورة فبراير، “مصراته” هذه تغير خصمها لكن استمرت في حربها منذ فبراير 2011م حتى يوم نشر هذا المقال، ثم دخلت في حربها بصيغة سياسية واجهتها “المؤتمر الوطني” ببعض من أعضائه، على طاولة المفاوضات قادت ماراثون ما عرف بـ”الحوار الوطني” مع الطرف الثاني “مجلس النواب”، عقدت جلسات عدة من “الحوار الوطني” في أكثر من مدينة تحت إدارة الأمم المتحدة، توج في مدينة “الصخيرات” المغربية يوم 17 ديسمبر 1915 بما دعي “اتفاق الصخيرات” الذي لم يحقق الوفاق الوطني بل قسم “مجلس النواب” ومنه البلاد.

4-
أخر مستجدات الوضع السياسي في ليبيا ان هناك حراك ما في مدينة مصراته لم تتضح مستخرجاته، لكن عقد اجتماع بين عقيلة صالح وعبد الرحمن السويحلي بين الخصمين ممثلا القوى التي تهيمن على الأرض: هل نعد هذا من مستخرجات ما جد في “مصراته”؟، ليس بالإمكان حتى الساعة الإجابة اليقين عن سؤلنا، لكن المعطيات تعطي إجابات أخرى عن الدور الإقليمي والدولي ما وراء هذا الاجتماع، إنما “حراك مصراته” لا يمكن استبعاده من الخلفية وان غمضت ما هويته: مصراته هي مصراته في المشكل الليبي ما حله في فك “العروة الوثقي” فيه أي حلحلة “مصراته”، لتخرج من جلباب “الوريث الأحد” إلى أفاق ليبيا وتلتقي في منتصف الطريق مع ما اعتبرته أيقونة العدو، وهكذا كما أن “مصراته” كانت فيصلا في “اسقاط النظام” ليس من بد أن تكون فيصلا في الخروج من عنق زجاجة “فبراير” الى ما بعد “فبراير”…
لأنه أولا وأخيرا ليس ثمة “اتفاق صخيرات” دون وفاق وطني، عليه يجب الذي يجب: انهاء الحرب أولا ومنه اعلان السلام، لنبدأ اليوم وليس غدا التسلح بالسلم لإنهاء الحرب، ودون توفر الإرادة يبقي العقل المتشائم المتصدر المسألة الليبية…