– الثروة بين المؤتمرات والقطط والخيمة


توزيع الثروة بين المؤتمرات والقطط والخيمة

عندما يكون الموضوع المتناول توزيع الثرو ة ، يستلزم ان يكون ملف النفط وخصوصياته المستترة والمعقدة هو الآخر موضوع للحوار، وان كان الامر اشبه بالولوج الى زاوية تحكي رواية بوليسية حزينة مؤلمة وغير قابلة للنشر ، وقد يتعرض من يلج للتعرف على خفايا اسرارها او سرد شيء عن احداثها وذكر الشخوص ابطال الرواية ، الى الاتهام بزعزعة الامن القومى وملحقات التخوين والعمالة والزئبقية وجميع مفردات التهم الجاهزة للدفع في وجه اى صوت جهورى يتحدث فيما كان او فيما ينبغي ان يكون . لكن الحديث هذه الايام يجرى حول الثروة وتوزيعها . واذ لا يوجد مصدر بديل للثروة في هذا البلد سوى ثروة النفط ولمدة اربعة عقود ، فلابد من الولوج الى هذا الملف ولو من بعيد للتعرف على حجم هذه الثروة والايراد المتوقع للعام الحالى بعد خصم حصة الاجيال المقبلة .
بالطبع ليس بالامكان تحديد حجم الايرادات بالارقام ، ومن يتسور على ذلك فقد جانب الصواب . وكل ما يعلن لا يمكن لاى منا اعتباره حتى مجرد مقاربة ، لاعتبارات اقتضتها ديناميكية عمل الخيمة منذ آمد بعيد . هذا لا يعنى انه ليس بالامكان رصد حالة الفساد الاداري والمالي التي تنتاب قطاع النفط بشكل عام . والذى اضحى ممزقا بين مصالح مافيا النفط الوطنية ، من السماسرة وموظفي القطاع ، الى هرم المؤسسة وآله واعوانه ، الى الشركات الاجنبية المتقاطرة من كل فج عميق ، الى متطلبات الخيمة والطموحات التي لا يمكن للمجنب او الاحتياطى او كل ما تم تصديره وما سيتم ان يفىء بالتزاماتها . ومن تم فالحديث عن توزيع الثروة معادلة يجب ان تمر بكل هذه العمولات والخصومات ، ما لم تطرأ خصومات جديدة اقتضتها ظروف او طموحات جديدة . كل ذلك في مقابل المراوحة التى تشهدها اسعار النفط والتي تنبىء بإنخفاض متوقع للاسعار ، والمتزامن كالمعتاد مع طرح نغمة التوزيع على الملأ في كل مرة . مشفع باهمية تسديد الديون السابقة .
بالامس اصطحبني جدى الذى لا يجيد القراءة ولا الكتابة الى المؤتمر الشعبي . ورغم انني لا عهد لي بحضور جلسات المؤتمرات منذ زمن ، الا انني نزولا عند رغبة جدى ” هيا تمشى معاى نمشوا نقصروا شوى وقت ونشبحوا الجماعة خيرلك من ها التكسيدة وتقليب الكتب اللي ما درت بيها بصيرة ” ، رافقته لحضور جلسة توزيع الثروة . جلست منصتا بينما استحود جدى على جانب كبير من الوقت وهو يحاور جارنا الحاج مخلوف وعمى عمر وقد اختلفا حول اقرار الموافقة على 10 الآف دينار شهريا لكل فرد ، اذ ان جدى اصر ان تكون 20 الف كوننا ” دولة بثرول ” . وبحكم انني لا زلت اكمل دراساتي في مجال الاقتصاد ، وان المتحدث هو جدى ، اخترت الادلاء برأى بطريقة الهمهمة وطأطاة الراس ، كلما التفت الى جدى لتاكيد صحة ما يقول وهو يستولى على لاقط الصوت بالتناوب مع عمى عمر والحاج مخلوف ، قائلا في كل مرة : ” والله لا ياولدى انت لابد قروه لكم ها الكلام فلمدارس” . ليدحض وجهة نظر الخاج مخلوف .
لا اعرف بالضبط لماذا كان جدى متحفظا في حديثه واهتم فقط بمسالة التوزيع دون ان يتطرق لمصدر التمويل الذى هو النفط ” البثرول ” ، فقد توقعت منه او الحاج مخلوف اثارة مسألة الاحتياطي النفطي وحصة الاجيال القادمة . وكذا مسالة الفساد الادارى والمالي الذى يكتنف الموسسة المشرفة على انتاج وتسويق الثروة التي هم بصدد توزيعها . وان يذكر على سبيل المثال امتيازات الشركات الاجنبية المتعاقدة ، ولا اقصد هنا الشركات الامريكية او الروسية ، بل شركات مثل اينو الايطالية ، ويارا النرويجية ، وستار الاماراتية ، وغيرها مما يقع في دائرة اختصاصهم . واستباحتها تحت مظلة حماتها لكل المواثيق التي لا تضمن تحقيق المزيد من فائض الارباح لاطراف المصلحة على منهاج ” كول وكل ” ” واذا اردت ان تدفع فادفع ” .
بالطبع جدى لا يدرك اسباب غونمة النفط ، ولا اعتقد ان الحاج مخلوف او عمي عمر على دراية بذلك . وربما لهذه الاسباب انفضت جلسة المؤتمر ولم نصل الى قرار يحدد الرقم المناسب لاخراج الاسر الليبية من دائرة الفقر . ربما في الجلسات القادمة ، فقد همس لي الحاج مخلوف ونحن في طريق العودة انه سيطرح مسألة التضخم التي قد تنجم عن التوزيع لتكون مفاجأة الى جدى ، وطلب مني الحضور والتزام السكوت كما في المرة السابقة .

Advertisements