سيف في الجغبوب: خطوة إصلاحية أم تكتيكات سياسية ؟

سيف في الجغبوب: خطوة إصلاحية أم تكتيكات سياسية ؟

فاجأت زيارة سيف الإسلام القذافي لمنطقة الجغبوب متتبعي الشأن الليبي الذين قرأوها من زوايا مختلفة وفسروها تفسيرات متباينة.

وبالنسبة لي، وبصفتي امرأة تحب أن ترى وطنها في أحسن صورة.. وامرأة ليس لها أي مصلحة شخصية في مناقشة ما يجري، حيث لاطمع لها في الإستيلاء على سلطة أو تقلد منصب.. أقول لكوني كذلك فقد أحسست – عندما قرأت الخبر والتصريحات – بما يشبه الفرح، وإن لم يكن فرحا بالمعنى الصحيح.. ربما أخذاً بالحديث الشريف “لايلدغ المؤمن من جحر مرتين”، وأنه “كيس فطن” لا تهزه الرياح ولا تخدعه المظاهر.. ولذلك لملمت ذلك الإحساس في نفسي وإن بقي جزء مني يتمنى أن تكون تصريحات سيف هذه المرة صادقة ومدروسة وحاسمة بحيث يتوقف اللعب بعواطف الناس والعزف على أوتار ضعفهم.. بقي جزء مني يتمنى أن تكون هذه التصريحات مختلفة عن التي أطلقها سابقاً والتي وقف في طريقها أصحاب المصلحة في استمرار الوضع على ما هو عليه.

جلست أفكر في الأمر راجية أن تكون عودة الوعي هذه ذباً حقيقياً عن عترة خير البشر، وتذكرت ما قاله رب العالمين على لسان وقلب رسوله الكريم “لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى”، وتذكرت ما لاقاه السنوسيون أشخاصاً وحركة وتاريخا من جحود ونكران، ومن سجن وملاحقة وظلم.. وها نحن بعد أربعة عقود، أي بعد أكثر من جيل كامل يأتي من يتفقد ويصعق ويعد!.. وعليه لم أتمالك من صد أسئلة كثيرة تزاحمت على ذهني:

هل هذه التصريحات خطوة إصلاحية؟

أين إذاً المشروع الإصلاحي الذي سبق أن أغرى به سيف ؟ أين الموقف من الشأن الأمازيغي؟ (وما حادثة أم محمد أومادي ببعيدة).. وأين محاسبة “القطط السمينة” وكشفها ومعاقبتها لتكون عظة وعبرة؟ أين هو مشروع الدستور الذي يمثل غيابه قمة الفوضى وخرق القوانين وغياب العدالة ؟ أين هي المنابر السياسية التي منيت بها ؟ وأين هي حرية الصحافة؟ وهل تسمى الصحافة حرة إذا حجبت التراخيص عمن يرغب في اصدار صحف وتميزت بها شركة ليبيا الغد؟

أم أنها تكتيكات سياسية؟

لقد انتشر مؤخراً وعي بأن التاريخ لم يبدأ من أول سبتمبر 69 كما يدعي المبطلون!، وأن سجل عهد الإستقلال – الذي أسمته آلة الدعاية الثورية بالعهد البائد – يضم صفحات مشرقة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، على قصر عمر ذلك العهد وقلة إمكانياته، وخاصة حين مقارنته بما آلت إليه ليبيا في الأربعة عقود العجاف. لقد أصبح الناس، بما فيهم الشباب الذين ولدوا وتربوا في عهد الثورة يعيشون حنيناً لذلك العهد، ويقبلون على الإطلاع لمعرفة الحقيقة الكاملة عنه مغفلين أساليب الدعاية الرخيصة التي استعملت لطمسه.. فهل هذه الخطوة تكتيك لكسب هذه الفئة ولإظهار النظام بصورة العقلية المرنة والمتفهمة؟ هل هي قطع للطريق على جهود نجل ولي العهد وما تقوم به فصائل أخرى تنادي بالعودة إلى دستور الإستقلال؟ هل هي خطوة من خطوات تحسين صورة النظام في الداخل والخارج وهو ما سعى وما زال يسعى له سيف وإخوته ويوظفون لأجله شركات عالمية وخبراء دوليون؟

مهما يكن الأمر فما زال في داخلي رجاء بأن يتمكن سيف من الإيفاء بما صرح به كاملاً غير منقوص. مع العلم بأن عليه أن يعي بأن الليبي يمتلك درجة من الذكاء لا ينفع معها سوى الصدق والشفافية والإقدام، دون خطوط حمراء. وهذا ما يجب أن يفعله سيف ليستعيد ثقة من وثق بتوجهاته من قبل فما لبث أن خاب ظنه؛ وليكسب بعض من لا يثقون به ويرون فيه ظلا لأبيه وصورة من نظامه وإن كانت أكثر عصرية وانتماء للزمان والمكان.. أقول هذا الكلام وأنا مصممة على إعطاء نفسي وسيف فرصة لنرى ماذا سيحدث وما نسبة ما سينفذ، وعلى أي أرضية أخلاقية.

ولعل قائلاً يقول: بعد كل هذه السنين يتذكر “الثوار” ما لحق بتراث السنوسية وأشخاصها؟ وهل يصلح سيف ما أفسد الزلزال؟ وهل يمكن تعويض بلد كامل وشعب كامل ما لحق بماضيه وتاريخه، بل بحاضره ومستقبله من تشويه وحجر وقمع؟ ألم تكن الجامعة الإسلامية مشروعاً حضارياً وصرحاً علمياً كان بإمكانه أي يضع ليبيا في مصاف الدول المسهمة في حماية الإسلام والمسلمين حقيقة وليس دعاية؟ ألم يكن بإمكانها تزويدنا بعلماء وفقهاء ودعاة في حجم خريجي الأزهر والقرويين وغيرهما؟ أين نحن الآن في نظر العالم على كل المستويات العلمية، الدينية والدنيوية؟ ألسنا في القاع والحضيض؟

من أين سيأتي سيف وغيره بالكتب والمخطوطات والوثائق العلمية والتاريخية التي كانت تضمها مكتبات الجامعة والزوايا السنوسية المختلفة؟ ألم يحرقها غوغاء الثورة الذين أرسلوا إلى تلك المواقع بتعليمات محددة فمزقوا وحرقوا وأخرجو رفات علماء أجلاء من نسل الرسول وعترته وهم من الدعاة العاملين المجاهدين؟ أين هي “المودة في القربى” التي طلبها الله ورسوله؟ لقد أدى كل ذلك إلى أن نقذف في أسفل سافلين فنخجل من أن يقارن مستوى بلادنا العلمي بتونس أو اليمن أو موريتانيا بل وحتى مالي.

إنني لا أريد هنا أن أفتح الجروح أو أرمي عليها من ملح الذكريات المؤلمة القابعة في لاوعي جيلي.. ولكني أحاول جاهدة أن أنشر الأمل والتفاؤل بما قاله سيف ووعد به.. لكنه والله أمل حذر وتفاؤل نبيه.. وإنك يا سيف لأمام اختبار صعب، فإن توفرت لديك النية الطيبة التي لا تهدف إلاّ إلى إرجاع الحق ورد الإعتبار والذب عن العترة المحمدية فهنيئا لك ووفقك الله.. وإلا فإن لنا ذاكرة وإن التاريخ لايرحم.. ولنا عودة إن شاء الله.

زعيمة بنت الوطن

Advertisements

ماذا يُريد الأمير (الجديد) على وجه الدقة والتحديد ؟ (الجزء الأول)

ماذا يُريد الأمير (الجديد) على وجه الدقة والتحديد ؟ (الجزء الأول)

بقلم: فرج الفاخري

——————————————————————————–

لابد لكل إمرء من أن يحدد معالم أهدافه التى يرغب فى تحقيقها إِبَّان مراحل حياته، فلا مثيل لمن لا أهداف له، سوى الأعمى الذى سقط من السماء خلف مقود إحدى سيارات سباق الرالي (فى لحظة بداية السباق!)، ومثلهما فى ذلك مثل الخشبة التى تتقاذفها أمواج بحر ـ عاتي ـ لا شواطىء له، أو الريشة التى تتلاعب بها الرياح وهبات الهواء فى أرض قاحلة لا حدود لها.

ومع ذلك، إن مشكلة الإنسان لا تنتهى بتمكنه من تحديد أهدافه التى يرغب فى تحقيقها أثناء حياته، بل أن ذلك سيكون بمثابة البداية فى طريق قد يطول مداه أو يقصر، بحسب طبيعة الأهداف المنشودة، ومقدار يسر منالها من عدمه. وفى هذا السياق، فإن إحتمال نجاح صاحب الأهداف المراد تحقيقها من فشله، يتوقف فى معظمه على خطة العمل التى يتبناها ـ صاحبها ـ فى هذا الشأن، والتى بموجبها يتم تعيين الوسائل والأدوات التى تُمكنه من الوصول إلى مبتغاه.

بمعنى، إن تحديد معالم أهداف المرء، لا يعدو عن كونه الخطوة الأولى التى من خلالها يتم له العمل على تحديد مسار الطريق (الصحيح) لبلوغها. فالأمر ـ فى هذا المنوال ـ ليس بالسهولة التى يتخيلها البعض، فتحديد الأهداف التى يرغب المرء فى بلوغها، ماهى إلاّ خطوة فاصلة بين فكرتها، وبين مدى نجاحه فى تحقيق هذه الفكرة.

بمعنى آخر، إن الأهداف المنشودة، التى يجعلها المرء نصب مخططه الرامى لبلوغها، لا تخرج فى المهد عن كونها فكرة ينشد صاحبها بلورتها فى أرض الواقع بما يحقق رغباته الكامنة. لكنه ـ باليد الأخرى ـ لا يستطع أن ينال مبتغاه فى هذا الصدد، إلاّ إذا حدد مواضع خطواته (الصحيحة) التى من شأنها العمل على تمكينه من تحقيق مراده المأمول.

رغم أنه ـ من ناحية أُخرى ـ ليس هناك أية ضمانات تؤكد وصول كل فرد بمعزله لأهدافه المنشودة. ولكن هناك (دائماً) الإحتمالات القائمة بإمكانية النجاح فى ذلك، شريطة أن يتبنى صاحب المحاولة، بمثابرة جادة، نهج الوسائل الصحيحة التى تحمل فى طياتها أكبر الفرص (إحتمالاً) لبلوغ الأهداف المقصودة.

*****

بعد هذه الديباجة التى تشرح ضرورة وجود أهداف بعينها لكل فرد من أبناء البشرية، يسعى لتحقيقها فى أثناء مسيرة حياته على هذه الأرض؛ وتوضح ضرورة وجود خطة سليمة، يعول عليها فى الوصول إلى الأهداف المعنية؛ يصبح من اليسير علي أن أطرح التساؤل الذى جعلته عنواناً لهذه المقالة:

ماذا يُريد الأمير (الجديد) على وجه الدقة والتحديد ؟.

ولعل كثير من القراء فى المهجر، وليس الغالبية التى تعيش فى داخل أرض الوطن، قد نمى لإدراكهم بأن السؤال السابق تدور إستفهاميته حول محمد السنوسي، ابن ولي عهد المملكة الليبية المتحدة الراحل، السيد الحسن الرضا السنوسي (رحمه الله).

والسؤال السابق، الذى يدور حوله موضوع هذه المقالة، لا يحوطه لبس أو غموض، فهو سؤال واضح فى معناه، ومباشر فى مغزاه؛ والإجابة عليه (أيضاً) سهلة ومعروفة لكل متابع لشئون القضية الوطنية؛ والتى تتمحور فى أن محمد السنوسي قد حدد معالم أهدافه فى الحياة، فى قالب مطمح واحد، وهو الوصول إلى كرسي عرش المملكة الليبية، الذى تم تقويضه بوسيلة غير شرعية، عن طريق إنقلاب عسكري، قامت به مجموعة ضباط مارقة، لغت ـ بعد إستيلائها على السلطة ـ كافة القوانين الشرعية الدستورية التى كانت تتمتع وتستظل بأمنها وأمانها البلاد.

ويرتكز محمد السنوسي ـ من أجل تحقيق مطمحه المشار إليه ـ على حقه الشرعي كإبن لولي العهد الراحل، الذى خصه قبل وفاته، دون بقية أخوته، وهو ليس بأكبرهم، بوثيقة تنازل تفوضه للمطالبة بكرسي العرش المسلوب.

بهذه الرؤية الواضحة فى تحديد محمد السنوسي لهدفه الأساسي فى الحياة، يكون قد حقق خطوته الأولى التى تفرضها عليه كينونته البشرية، المتمثلة فى ضرورة بلورة وتحديد أهدافه، التى ترغب نفسه فى تحقيقها فى أثناء حياته على هذه البسيطة. ولا يصبح أمامه ـ بعد ذلك ـ سوى وضع الخطة، أو منهج العمل (الصحيح) الذى يصل بنبراسه إلى هدفه المنشود.

وعند هذا الحد، نجد أنفسنا (جميعاً) غير قادرين على تقديم أي وصف أو شرح جديد فى الموضوع المتناول، دون تقديم شروح وافية لسؤال ـ آخر ـ يقف لنا بالمرصاد، مطالباً بقوة منطقيته إماطة اللثام عن الخطة التى تبناها محمد السنوسي، وتبيين الكيفية التى عمل بها فى سبيل تحقيق هدفه المنشود على مدى ما يزيد عن خمسة عشر عام.

ولتحقيق ذلك، أي تحديد معالم المنهج الذى أتبعه وتبناه محمد السنوسي كأداة تقوده لمبتغاه، لابد لي هنا، من أن أقص حكاية محمد السنوسي من بدايتها، وأتدرج مع حيثياتها وتفاصيلها حتى لحظتنا الآنية، وذلك كما عرفتها (بنفسي)، من خلال مشاهدتي الشخصية عن كثب، ومشاركتي فى بعض مواقفها الحية.

حينئذ، سنرى (جميعاً)، من خلال القصة الكاملة، نهج عمل محمد السنوسي الذى أختاره لنيل مطمحه المعنى. وسوف يصح فى حينه، لكل فرد (منا) أن يكون حكمه الخاص بصحة هذا المنهج من عدمه؛ بعد أن نرى مواطن القصور والخطأ إن وجدت ! ونرى معالم صحة المنهج إذا ثبتت !.

*****
لقاء الأمير الجديد..

كُنت قد هجرت بريطانيا فى مطلع التسعينات، وأقمت بالقاهرة سعياً وراء تغيير ظروف حياتي المعيشية، ورجعت فى صيف سنة 1994م إلى بريطانيا، لكني لم أمكث بها كثيراً، حيث عرض علي أصحاب حركة الإصلاح والتغيير العمل معهم فى مجلة شؤون ليبية، من القاهرة، إبتداء من صيف تلك السنة، نظير مرتب شهري معين، أقوم بمقتضاه بأعمال الطباعة وكتابة المقالات، والتحرير والترجمة (عندما يتطلب الأمر ذلك).[1]

لم أكن أعرف حتى ذلك الوقت عن محمد السنوسي الشيء الكثير، سوى ما تم نشره (على لسانه) فى خبر صغير بإحدى الصحف الكبرى، يُكذب فيه ما أورده خبر صحفي سابق، بأنه قد حضر إجتماع لشخصيات من قوى المعارضة الليبية فى منزل الحاج صابر مجيد بلندن؛ حيث جاء رده نافياً حدوث ذلك الإجتماع بشكله السياسي، وإن الأمر بالنسبة له، لم يعدو عن كونه تلبية دعوة الحاج صابر مجيد له لحضور مأدبة أقامها فى بيته لبعض الليبيين، ولم يكن (ذلك) إجتماع للمعارضة، بعكس نص الخبر الذى أدلى به صاحب الدعوة ذاته، معزز بصورة جماعية للحاضرين.

شاءت الصدف ـ فى عام 1993م ـ أن التقى بأخ عزيز، جمعتني به صداقة وثيقة أثناء أقامتنا بالجزائر فى منتصف عقد الثمانينات[2]، وهو طارق البغدادي، الذى كان فى زيارة سياحية للقاهرة بصحبة ابنه الذى يتوافق عمره مع عمر ابني، فأمضينا معاً وقتاً طيباً، تم تكراره فى السنة التالية، حيث عاد طارق وابنه لزيارة القاهرة، وكُنت (وابني) فى إستقبالهما بالمطار، ليقيما معنا فى شقتنا بحي المهندسين.

أسر طارق لي، فى تلك الزيارة، بأنه يحمل دعوة، موجهة لي من محمد السنوسي متمنياً فيها لقائي بلندن من أجل تسديد النصح له، ومساعدته لتحقيق هدفه فى المطالبة بحقه الشرعي فى تبوء قمة هرم الحكم فى ليبيا.

وهكذا، تم التنسيق مع طارق على تحديد موعد لقدومي إلى لندن، التى كان ينتظرني بمطارها، لنتوجه إلى إحدى فنادقها الصغيرة المتواضعة. وبعد سويعات قليلة من إستقرارنا بذلك الفندق، حضر محمد السنوسي، بترتيب مع طارق إلى الفندق، وكان حديث السن، على قدر كبيرٍ من التهذيب والأدب الجم، والمجاملة الفائقة. وبعد المصافحة وتبادل عبارات السلام والتعارف؛ ذهبت وطارق معه (فى ضيافته) إلى إحدى محلات المأكولات الراقية.

أفصح محمد السنوسي ـ فى تلك الجلسة ـ عن خطته التى يرى فى وسائلها الأدوات الصحيحة التى تُعبد (له) جادته التى يصل من فوق أرضها إلى مبتغاه المنشود. وكانت تتكون من شطرين، يهمنا هنا شطرها الأول، وسأتغاضى عن الشطر الثاني لعدم أهميته فى هذا السياق من ناحية، ولعدم إساءة فهمه من قبل بعض أصحاب النوايا الفاسدة (المغرضة) من ناحية أُخرى.

وكان ملخص مطلبه الأول، والذى تقوم عليه خطته فى تحقيق هدفه المذكور، هو السعى للحصول على مبايعة من شخصيات المعارضة المتفرقة كملك على البلاد !. وذلك على غرار مبايعة عم والده، الملك الراحل إدريس السنوسي (رحمه الله)، فى فترة ما قبل الإستقلال.

قلت لمحمد السنوسي فى حينه، إن (الإعتماد) على مبايعة الشخصيات الليبية فى المهجر لشخصه، تُعد وسيلة خاطئة لتحقيق هدفه البين، وذلك للأسباب التالية:

أولها وأهمها، إن الليبيين فى المهجر بكامل عددهم، حتى لو أحصينا الأطفال والرضع ـ وليس فقط شخصياتهم البارزة ـ لا يملكوا حق مبايعة أو تفويض أحد لتبوء مركز صدارة الحكم فى ليبيا؛ فهذا أمر لا يملكه إلاّ الشعب الليبي بأجمعه.

وثانيها، إن شخصيات الشتات الليبي فى المهجر، لم يتفقوا، ولن يتفقوا (بأجمعهم) على وسائل النضال الموحدة أمام الهدف الواحد؛ فكيف بهم ـ فى هذا الإطار ـ الإجماع على شخصه ؟ وكل منهم له مأربه وتوجهاته الخاصة؛ فهم (فى الواقع) منافسين له فى الهدف، أكثر من ـ محاولة ـ إعتبارهم عضداً له فى إيصاله إلى مبتغاه.

وثالثها، إنه لا يحتاج (البتة) لمبايعة أحد، وهو الذى يحمل حقه الشرعي فى المطالبة بإعتلاء عرش المملكة، بواقع بنوته لولي العهد الراحل (وهذا شق أساسي)، وبواقع التنازل الذى خصه به والده من بين أخوته (وهذا شق تقني). والمبايعة فى هذا المضمار، تُجهض الحق الشرعي المكتسب بشقيه، لأن عمادها يقوم على حالة يتم فيها للناس إختيار شخص إعتباري أو إعتيادي لمبايعته رئيس عليهم.

وهى ليست موجهة لشخص يحمل ـ بحكم الوراثة الشرعية ـ حقه فى تبوء مكان الرئاسة؛ فمثل هذا الشخص لا تفيده المبايعة بقدر ما تنفى عنه شرعيته المكتسبة، لما تحمله فى طياتها من تناقضٍ صارخٍ فى جوهر معناها المتمثل فى السعى لكسب وخلق حالة من الشرعية الحاكمية الجديدة، يتم فيها للناس إختيار الشخص المعني ليكن الحاكم القادم عليهم؛ وهذا مخالف لمدلول الشرعية القانونية السائدة، التى تم إنتهاكها ومصادرتها بوسيلة غير شرعية (الإنقلاب العسكري).

كما أن تجاهل صاحب الشأن لإستخدام حقه الشرعي ـ فى الحكم ـ المكفول له بقوة لوائح وقوانين الدستور، الذى تم إقراره والموافقة عليه من قبل الشعب الليبي بأسره فى عشية الإستقلال المجيد؛ والسعى عوضاً عن ذلك للحصول على المبايعة، أنما (ذلك) يفصح ـ بدون ريب ـ عن الإعتراف بشرعية النظام الفاسد الذى أستولى على السلطة بوسيلة غير شرعية (وغير أخلاقية).

فالمبايعة، فى شكلها المبتور ـ الذى يتم فيه تفعيلها ـ بواسطة فئة قليلة من أفراد الشعب الليبي، يعيش أصحابها فى المهجر، وإعتبارها من ثمة الوصفة السحرية القادرة على تمكين صاحبها من تولى مهام الحكم فى البلاد؛ يُعتبر ـ من وجهة نظري الخاصة ـ ضرب من ضروب التنجيم الخاطيء المحكوم عليه بالخسارة المؤكدة.[3]

إن صاحب الحق الأصيل فى تولى الحكم بمقتضى الدستور، لا يحتاج أن يعرض نفسه فى سوق المبايعة والإختيار، وذلك لأنه ليس شخص إعتيادي يتقدم للناس كمرشح يتم إختياره لمنصب الحاكم، فهو بحكم قوة الشرعية الدستورية، يُعد ـ فى الواقع ـ الحاكم الشرعي، المؤهل بموجب حق الوراثة الملكية المنصوص عليها فى دستور المملكة الليبية، ولا يبطل إستيلاء لصوص الإنقلاب العسكري على السلطة هذا الحق البين، حتى لو طال الزمن بحكمهم.

ودعونا هنا نعيد صياغة السبب الآخير من قائمة الأسباب التى تنصح بعدم تبنى وسيلة المبايعة، فى محاولة لإظهار مجمل معناه (للقارىء) بصورة أكثر دقة؛ إذا فعلنا ذلك، فحتماً سنرى جميعاً، بما لا يختلف حوله أصحاب الإدراك والفهم المبين، مدى التناقض الواضح، المتجلية صورته (بين) صاحب حق لوراثة حكم ملكي تقره له قوانين الدستور الليبي ـ الذى تم تعطيله باطلاً بوسيلة غير شرعية ـ ولا يحتاج معه لأية أسانيد أُخرى لإثباته، اللهم إحسان إختيار الوسائل التى تعمل على تفعيله من جديد، وإعادته إلى نصابه الطبيعي؛ وبين اللجوء إلى مطالبة الناس أن يبايعوا صاحب الحق الشرعي (ذاته) لنيل نفس المقام الذى هو مكفول له (منذ البدء) بقوة بنود القانون التى يحملها الدستور بين طياته.

*****

عندما وجدت محمد السنوسي متعلقاً بأمر المبايعة، فى ظنٍ منه إنها ستكون أداته التى ستحقق له غرضه الذى يسعى إليه؛ رأيت أنه قد يكون من المفيد له ـ فى هذه الحالة ـ أن يستمع لرأي ثاني، أو كما يطلقون عليه فى لغة أهل الطب Second Opinion.

كان أمامي فى لندن عشرات الأصدقاء والمعارف الذين أثق فى رأيهم الراجح والصائب، عندما يُطلب منهم إبدائه بخصوص هذه المسألة؛ لكنني أخترت من بينهم الأستاذ محمد زيان، الذى يُعد أحد الشخصيات الليبية المحنكة الوقورة، الذى تؤهله ثقافته الراقية وعلمه الوفير للأستعانة برأيه فى هذا المضمار.

أتصلت بالأستاذ محمد زيان، وطلبت منه التكرم بتشريفنا بلقائه لمسألة نحتاج فيها لرأيه؛ وبكرم شخصيته المعطاة، لم يتوان فى الحضور عند الموعد المبرم ـ فى هذا الخصوص ـ الذى جمعني به ومحمد السنوسي وطارق البغدادي.

وبعد الإنتهاء من مراسم التعارف والسلام، دخلت فى الموضوع الذى أتى الأستاذ محمد زيان من أجله؛ فقلت له بأن محمد السنوسي يرغب فى تكثيف نشاط عمله فى تجاه الحصول على مبايعة أكبر عدد من الشخصيات الليبية له، وسألته عن رأيه فى مثل هذا الأمر.

وما أن أنتهيت من طرح فكرة محمد السنوسي ـ التى أرتأها الأداة المثلى لتحقيق هدفه المنشود ـ على محمد زيان، لمعرفة رأيه فيها، حتى جاء رده (المتوقع) والمطابق لرأيي فى هذا الخصوص، بأن الليبيين فى الخارج بكافة أفرادهم لا يملكوا حق مبايعة أو تفويض (أحد) لتبوء كرسي الحكم فى ليبيا؛ فهذا أمر لا يملكه إلاّ الشعب الليبي بكامل أجماعه.

*****

وهكذا، ظننت أن تعزيز محمد زيان لرأيي فى هذه المسألة، سوف يثني محمد السنوسي عن إهدار جهده وماله فى فكرة عقيمة، لن تفيده وسيلتها ولو بقيد أنملة لتحقيق مبتغاه؛ وقلت له فى حينه أنني سوف أساعده من خلال إعداد برنامج عمل متكامل، قد يأخذ الوقت الكثير، والجهد المضني، لكنه سيكون فى المسار الصحيح الذى قد يؤدى فى نهاية المطاف لتحقيق هدفه الذى يسعى إليه.

ووافق محمد السنوسي على ذلك، وقال لي بأنه سوف يزورني فى مدينتي (ليدز) بعد بضعة أيام لبدء الترتيب للعمل المقبل. ودعته وطارق البغدادي، وتوجهت لمقر إقامتي فى شمال البلاد. ويعد يومين أتصل بي محمد السنوسي حسب وعده، ورتب معي لزيارتي فى ليدز، التى قابلته بمحطة قطاراتها بعد أيام معدودات، ومنها إلى منزلي، وتحدثنا لبعض الوقت، أتفقنا خلاله على وضع برنامج العمل المتفق عليه فى حيز التنفيذ؛ ثم أستأذنته فى إستضافة صديق لي يقطن فى نفس المدينة، أسمه مفتاح غيث إستيته، ليشاركنا أطراف الحديث لعلنا نستفيد من رأيه.

وجاء مفتاح إستيته إلى بيتي ومنه توجهنا لكافتيريا فندق كوين[4]، لننفق وقتاً يسيراً فى الحديث عن الموضوع المعني. وفى الختام كنا فى وداع ضيفنا بمحطة قطارات ليدز، على إتفاق أن يتم ـ كما سبق الذكر ـ تنفيذ خطوات البرنامج المقترح، وسيتم الترتيب بيننا عبر التليفون.

وكان ذلك اليوم، وتلاه يوم آخر، حيث لم يتصل بي محمد السنوسي (على الإطلاق) بعد مغادرته المذكورة؛ وعندما حاولت الإتصال به بمنزله ـ ربما يكون مريضاً أومسه سوء ـ تصنع بأنه غير موجود، فتركت له خبر مع أهل بيته، لكنه لم يتصل ! فعرفت بأنه قد غير رأيه فى الأمر برمته ـ لسبب لا أعلمه ـ وعاد لهدى قنديله القديم، فتمنيت له فى نفسي أن يوفقه الله فيم يفعله إذا كان ذلك للخير ومن أجل الخير.

وفى سنة 1999م شرعت فى الإعداد لكتاب عن ليبيا تحت الحكم الملكي، بتكليف من الصديق يوسف المجريسي، لصالح مركز الدراسات الليبية بأكسفورد، وبغض النظر (هنا) عن كون مشروع ذلك الكتاب قد أُجهض فى المهد ـ بعد خمسة أشهر من الشروع فى الإعداد لكتابته [5] ـ إلاّ أن الذى يهمنا فى هذا المنوال، أني قمت بإتصالات موسعة وأجريت مقابلات عديدة مع كل من لديهم معلومات تُفيد موضوع الكتاب، من بينهم على سبيل الذكر الأستاذ مصطفى بن حليم، وعمر السنوسي وآل بن غلبون وغيرهم من شخصيات أخرى متفرقة فى بريطانيا، يُفترض بأن لديها من المعلومات والوثائق الهامة التى يمكن الإستعانة بها فى إثراء موضوع الكتاب المقصود.

وكانت هناك خطة مرسومة ـ تم الترتيب لها ـ لمقابلة الملكة فاطمة (متعها الله بالصحة)، والصديق عبد الحميد البكوش (رحمه الله)، وعمر الشلحي فى مصر. وقد تم إجراء ترتيب لمقابلة سكرتيرة الملكة فاطمة فى الأردن، وتم السعى من أجل ترتيب مقابلة مع السيد المهدى الحسن الرضا السنوسي شقيق محمد السنوسي ـ الأكبر سناً ـ فى الأردن أيضاً.

وبخصوص مقابلة السيد المهدى السنوسي، قمت بالإتصال به شخصياً فى صيف سنة 1999م فى منزل عائلته بلندن، بعد أن سمعت أنه يقوم بزيارة لها حتى أقابله فى لندن عوضاً عن مقابلته فى الأردن، فأعتذر لكونه سيغادر لندن فى اليوم التالي (لتلك المكالمة) عائداً لمقر إقامته بالمملكة الأردنية، لكنه شدد بترحاب جميل لزيارته فى الأردن، ليزودني بكافة المعلومات التى يعرفها فى الشأن المعني، وقد ترك فى نفسي أثراً طيباً لشدة دماثة خلقه وتهذيبه.

وما أن أنتهيت من مكالمة السيد المهدي السنوسي بوقت قصير حتى جاءتني مكالمة من شقيقه محمد يعرض علي فيها تزويدي بالمعلومات التى يعرفها عن العهد الملكي ! فشكرته بشدة على بادرته الطيبة، ووعدته بأني سألجأ إليه ـ هو الآخر ـ للإستفادة مما يعرفه من معلومات فى خصوص الموضوع المعني.

وهكذا، بإستثناء تلك المكالمة التليفونية التى تفصل بين آخر لقاء بيننا وبين حدوثها مدة خمس سنوات، فلم أسمع أو أرى محمد السنوسي حتى صيف سنة 2005م حين التقيته بلندن على خلفية المؤتمر الوطني الأول؛ ثم تكرر لقائنا فى صيف سنة 2006م بواشنطن فى الندوة التى نظمتها مؤسسة ألفا.

*****
رؤية ..

تمنيت لكل الناس أن يكونوا بأدب محمد السنوسي فى حديثه معي، فى المرات التى ألتقيته بها؛ وتمنيت له (بدوره) أن يتعلم وينهل بسرعة من المعرفة ما أستطاعت إليه نفسه قدرة، وأن يتعلم قراءة خواطر وعقول الناس من واقع أحاديثهم، من خلال إخضاعها لميزان المنطق السوي، وتمييز ما ينفعه منها وما يضر به.

كان محمد السنوسي عندما التقيته للمرة الأولى ـ كما سلف الذكر ـ حديث السن، ورأيت أن أمامه الكثير الذى يحتاج أن يتعلمه، فى مدة تضعه على خط واحد مع الزمن فى سباق ليس بالسهل أو الهين أو اليسير. فقد أجرم نظام الحكم الفاسد على ذلك الفتى وعلى أخوته بحبسهم فى منزلهم لأكثر من عقدين زمنيين دون تعليم، أو حق فى ممارسة حياة طبيعية مع أفراد المجتمع من حولهم.

ورأيت بأن إمتلاكه لحريته، ووجوده فى بريطانيا، قد يكون الحسنة التى ستعوضه عن ضيم ما أصابه من ظلم النظام الفاسد، الذى كلفه خسران فائدة التعليم فى الصغر؛ ومع ذلك فهاهى الفرصة تواتيه، حيث لايزال بإمكانه تعويض ماضيه البائس تحت جور الحكم الفاسد فى ليبيا ـ إذا توفرت لديه النية الصادقة والعزيمة القوية ـ بأن يسعى بكل جهده لنهل شهد العلم والمعرفة من مصادرهما المتعددة، فلن يقف دونه ودونهما فى هذا الإطار، سوى عاملين أساسيين: أولهما، رغبته الباطنة، وما تميل إليه نفسه. وثانيهما، حدود قدراته العقلية على الإستيعاب وإستشفاف القدر الكافى من المعرفة، ولا أخاله فى هذه بقاصر عن أداء ذلك.

ويتبقى له بعد ذلك إستقاء الحقيقة من مكامنها المضيئة، لتنير له ـ بدورها ـ طريقه المحفوف بالصعوبات البالغة، والحافل بالمخاطر الفادحة، والمليء بالمتملقين والإنتهازيين وأصحاب الأغراض المبيتة (الخاصة).

هكذا، رأيت ما يحتاجه محمد السنوسي، كخطوة تمهيدية، تواكبها وتنطلق معها خطة عمل مكثف تسعى فى إتجاه خلق صلة بينه وبين القاعدة الشعبية فى داخل الوطن، مستهدفة ترسيخه كرمز فى وجدان أفرادها، يتطلعون (بعدها) للإلتفاف حوله، والقبول به حاكم ـ يملك ولا يحكم ـ عندما تزف الساعة الحاسمة، التى يتم تهيأتها بوسائل العمل المدنية الفعالة، فى البرنامج المرسوم والمعد مسبقاً.

*****
مقياس عودة سيدنا آدم للأرض ..

لقد أخترت لنفسي أداة قياسية، أستعرتها من نكتة كانت سائدة فى مرحلة زمنية سابقة، والتى تتخيل عودة سيدنا آدم للأرض، ليرى ما فعله أحفاده بعد ملايين السنين من رحيله، وما آل إليه حالهم، فهل تطوروا مع مرور الزمن ؟ أم لازالوا على حالهم الذى تركهم عليه فى فجر بدء الخليقة !.

تقول النكتة أنه قد تم إختيار نخبة من البشر لمرافقة أب البشرية فى رحلته حول الأرض على متن طائرة خاصة، تحلق على إرتفاع منخفض فى سماء الأراضي التى تمر فوقها، وتسبح فى طيرانها بتؤدة يتمكن معها سيدنا آدم من رؤية حال البقاع التى تركها منذ ملايين السنين البعيدة.

رأى سيدنا آدم أمريكا، فأندهش لهذا التطور الرهيب الذى طرأ عليها، فقد تركها غابات وأنهار وصحارى تجوبها الحيوانات البرية المختلفة، ويسودها أفراد قبائل الهنود الحمر بريشهم المتناثر فوق روؤسهم، وبوجههم الملونة بالأصباغ المختلفة، وهاهى الآن تزدهر بناطحات السحاب، والمركبات السائرة بمحركات عجيبة، وتحلق فى سمائها الطائرات العملاقة، وتزدحم على أرضها البيوت الراسخة البناء والفاخرة المأوى.

وتكرر المشهد فوق سماء كندا واستراليا وبريطانيا واليابان وغيرها من الدول التى عمها التطور المدني؛ حتى حلقت الطائرة فوق بلاد العالم العربي، فقام سيدنا آدم من مقعده وأشار بأصبعه هذه اليمن وهذه السعودية وهذه مصر وهذه ليبيا.. إلخ، حتى أكمل تسمية آخر دولة عربية.

لقد تعرف الجد (الأكبر) على أوطان أحفاده من جنس العرب على الفور، وهذا يعنى أنه لم يطرأ تغيير يذكر على بلادهم منذ لحظة رحيله عنها، وحتى ساعة عودته ـ الحالية ـ إليها.

ومثل علماء الأرصاد، الذين يقيسون الزلازل بمقياس ريختر؛ فقد أتخذت ـ أنا أيضاً ـ من الحكمة الباطنة فى تلك النكتة أداة قياس، أطبق أبعادها على كافة من أعرف أو قابلت فى حياتي فى مرحلة زمنية معينة، فإذا التقيت أحدهم بعد غياب طال مداه أو قصر، أقوم بقراءة أفكاره من واقع حديثه معي، وأرى حجم التطور الذى طرأ عليه منذ آخر مرة التقيته فيها.

وهكذا، وجدت الكثير من هؤلاء على حالهم الذى تركتهم عليه فى آخر لقاء تم بيننا؛ وأدهشني التطور الذى نال مأخذه من بعضهم الآخر، بدرجة تبعث على الإعجاب؛ وغيرهم بالكاد تمكنت من ملاحظة التطور البسيط الذى طرأ ـ بخجل ـ على عقولهم الراكدة .. وهلم جراً.

وسأحاول الآن، أن أطبق مقياس عودة سيدنا آدم للأرض، على محمد السنوسي لرؤية مدى التطور التى لحق به بعد خمسة عشر عام، فهل تطورت مداركه العقلية ومكاسبه المعرفية والثقافية ؟ وهل تطورت أساليبه العملية إزاء تحقيق هدفه المنشود ؟.

ولكي أتمكن من فعل ذلك، لابد لي قبلها أن أتحدث عن كافة ما أعرفه من خطوات العمل التى أتبعها، أو أنجزها خلال الفترة الزمنية المعنية، ليتم ـ من بعدها ـ تقييم حجم التطور الذى حققه فى فى سبيل الوصول إلى مبتغاه. إما على الصعيد الشخصي، فلابد لي من الإستشهاد بردوده وآرائه فى شتى المواضيع التى خاضها، وأيضاً من خلال نقاشي معه فى الآونة الآخيرة.

وهذا سيكون حديثي فى الجزء الثاني من هذه المقالة.

يتبع ..

فرج الفاخري
farajelfakhri@live.com

——————————————————————————–

[1] لقد سبق الحديث عن مسألة عملي مع حركة الإصلاح والتغيير فى إحدى أجزاء مقالة “الفرص الضائعة”، التى يمكن الإطلاع عليها من خلال الرابط التالي: http://www.libya-watanona.com/adab/ffakhri/ff12115a.htm

[2] ألتقيت الصديق العزيز طارق البغدادي لأول مرة فى الجزائر، التى ذهبت إليها فى أوائل سبتمبر سنة 1985م من القرن الماضي، تلبية لدعوة من الجبهة الليبية لإنقاذ ليبيا، لحضور إجتماع يضم شخصيات مختلفة (الإنتماء والتوجهات) من المعارضة الليبية. وهناك ـ فى الجزائر ـ كانت القصة مختلفة؛ ولمن يرغب الإطلاع على التفاصيل الكاملة لهذا الموضوع، عليه مراجعة الجزء الخاص بقصة الجزائر، الذى تضمه مقالة “الفرص الضائعة” بين طياتها، والذى يمكن إيجاده على الرابط التالي: http://www.libya-watanona.com/adab/ffakhri/ff05105a.htm

[3] لم يكن محمد السنوسي الوحيد الذى تبنى أمر المبايعة كوسيلة لتحقيق هدفه المنشود، كما أنه لم يكن الأول فى هذا الإطار، فقد سبقه أصحاب تنظيم الإتحاد الدستوري الليبي لهذا السبيل، عندما قضوا السنوات الأولى التى أعقبت تأسيس تنظيمهم، وحتى وفاة الملك إدريس السنوسي (رحمه الله)، فى كد وإجتهاد مضني لإقناع الشخصيات الليبية البارزة بتجديد البيعة للملك إدريس، وكأن البيعة ـ فى هذا المضمار ـ تأشيرة سفر يتم تجديد صلاحيتها من وقت لآخر؛ فى تجاوز جلي للحقيقة القانونية، بأن الملك إدريس لم يفقد، ولم تُبطل فى يومٍ شرعيته القانونية فى حكم ليبيا؛ وما حدث هو إختراق غير قانوني لثلة من الفاسدين الذين أعتدوا على السلطة بوسيلة غير شرعية وغير قانونية (الإنقلاب العسكري).

[4] عندما كُنت أسرد تفاصيل بعض اللقاءات التى تمت مع بعض الشخصيات، التى جاء ذكرها فى أجزاء مقالة “الفرص الضائعة”، كان علي ذكر مكان اللقاء، الذى يتم تحديده، فى جميع الحالات، من قبل تلك الشخصيات. وكانت بعض تلك اللقاءات يتم إجرائها فى بهو أو كافتيرية الفندق الذى يأوى فيه صاحب الشخصية التى كُنت بصدد لقائها، أو أن يكون الفندق المذكور قريب فى موقعه من سكن تلك الشخصية، ولهذا يتم اللقاء ـ ولو مبدئياً ـ فى الفندق المعين، لسهولة الوصول إليه من ناحية، أو لطبيعة اللقاء الذى تحتم ظروفه أن يكون فى مكان عام آمن، وفى هذه الحالة بالذات تكون الهوتيلات ـ وعلى وجه الخصوص الشهيرة منها ـ أكثر الأماكن العامة أمان.

والنقطة التى أرغب فى إثارتها هنا، عندما أشرت أعلاه إلى أنني وطارق البغدادي نزلنا بفندق صغير متواضع ـ وهذا أمر طبيعي لكوننا غرباء عن لندن ـ فقد تذكرت ما كتبه، فى ذلك الحين، أحد الأشقياء، على صفحات أحد المواقع الليبية، تحت اسم مستعار أظنه “خرارة” أو ربما “برويطة”، لا أذكر الأسم على وجه التحديد، لكنه ليس ببعيد عن هذين الأسمين اللذين أشرت إليهما؛ فقد كتب هذا المغرض، منتقداً لقائي بتلك الشخصيات فى بعض الفنادق على أنه نقيصة، أو عيباً ما كان لي أن أقدم عليه؛ وترك هذا الشقي لب وجوهر الحقائق التى تضمنتها المقالة المنوه عنها، متجاهلاً فى ذات الوقت مناحي القضايا الجادة التى أثارها موضوعها، وتعلق مثل البلهاء، بمكان اللقاء الذى كانت تحدده الظروف السائدة، والمحيطة بذلك الشأن الهام؛ ونعت على أساسه المعارضة بأنها معارضة هوتيلات.

ومن المفارقات العجيبة، أن عدد المرات التى ألتقيت فيها بالشخصيات المعنية، والتى أشرت إليها فى مقالتي السالفة الذكر، لا تتجاوز ـ بأي حال ـ مرتين أو ثلاث مرات، فى أحسن تقدير. وحتى لو أفترضنا أنها كانت مئات المرات، فليس هناك ما يُعيب المرء أن يلتقى بغيره فى كافتيرية هوتيل، فهى لا تختلف عن أي مكان (عام) آخر تجلس فيه الناس مع بعضها للتسامر، أو تدارس بعض الأمور، أو قضاء بعض الأعمال، سواء كانت تجارية أو سياسية أو غرامية.

ومن هنا، لا يُعد مثل هذا الأمر عاراً أو عيباً، فإلتقاء الناس فى الأمكان العامة، التى تُعد كافتيريات الهوتيلات من ضمنها، أمر إعتيادي لا ينقص أو يبخس من قدر أصحابه، بل يوصفهم بأنهم يمارسون سلوكيات بشرية طبيعية يوفرها لهم طابع حياتهم العصرية.

وردي على ذلك المعتوه (المغرض) برويطة أو خرارة أوغيره، إذا كان من ضمن بصاصي النظام، وذاك ما أظن، أن ينظر من حوله، فيرى أبناء رأس النظام الفاسد وأبناء عمومته وأصهاره، وهم ينفقون أموال الشعب الليبي فى الإقامة بأغلى الهوتيلات قاطبة، ويدفعون أموال طائلة على أجنحة كاملة محجوزة لهم على مدار السنة بأرقى وأفخر الهوتيلات فى عواصم العالم المختلفة، ولا أُريد أن أتمدد فى تسمية قائمة أعضاء اللجان الثورية وضباط المخابرات (وسفهاء) البصاصين من أمثاله، فهذا ليس مكانه.

لكني أقول لخرارة أو برويطة، الذى أبدع فى إختيار أسمه المستعار، بما يعكس الإسقاط النفسي لمستوى عقله الضحل، إن هؤلاء اللصوص هم الأولى بنقده، فهم الذين ينفقون الأموال العامة المسروقة من خزانة الشعب الليبي فى إقاماتهم بأغلى هوتيلات العالم، وعلى أشياء أُخرى كثيرة.

لما سبق، كتبت هذه الحاشية عندما جاء ذكر إقامتي بهوتيل صغير متواضع، سدد أجره طارق البغدادي من ماله، وذلك حتى لا يخرج هذا البرويطة بنفس الملاحظة أو ما يشابهها، فى تذاكي الأغبياء الذين لا يرقى غبائهم لأفضل من هذه الدرجة.

[5] منذ منتصف سبعينات القرن المنصرم، وأنا أحمل بين جوانحي رغبة لحوحة لكتابة تاريخ ليبيا الحديث، الذى يبدأ بعشية الإحتلال الإيطالي، من خلال شرح دقيق لأسبابه، وشرح حال البلاد قبل حدوثه؛ ثم شرح وتحليل مفصل لمرحلة الجهاد على أرض الوطن، عبر قتال الأباء والأجداد ضد قوات الإحتلال الغاشمة؛ ثم يعقب ذلك تقديم شرحٍ لصورة الجهاد السياسي الذى أودى إلى نيل الإستقلال؛ ويتم بعد ذلك تقديم تحليل كامل للحكم الملكي فى ليبيا، حتى لحظة وقوع الإنقلاب العسكري الذى أسس القائمون به ـ فى أعقابه ـ نظامهم الفاسد غير الشرعي، ويتم بعدئذ تقديم الأسباب الحقيقية التى ولدت وأتت بعناصره المشبوهة للحكم.

وصارت الرغبة فى كتابة هذا الجزء الهام من تاريخنا حلم أسعى من وقت لآخر لتحقيقه، ولكن الظروف المعيشية القاهرة لم تترك (لي) معها رفاهية التفرغ التام لإنجازه. ومع ذلك كُنت أسرق من الزمن بعض دقائقه وساعاته المتناثرة بين الشهور والسنوات والعقود المتواترة، لكي أكتب بعض اليسير من نصوص الكتاب (الحلم).

وكان يصيبني الحزن بأشجانه المريرة من وقت لآخر، عندما تقف العراقيل دون تحقيق هذا العمل الهام. وعلى سبيل المثال، كان حزني شديداً عندما بخل علي الحظ بسعده للإستمرار فى إنجاز الكتاب ـ المنوه عنه ـ تحت رعاية مركز الدراسات الليبية، الذى كان سيوفر لي المال اللازم لأوجه المعيشة الضرورية، الذى يُعد ـ بدون نزاع ـ أهم العناصر التى يستند عليها أمر التفرغ التام لإنجاز مثل هذا العمل الشاق، غير البسيط.

وفى السنوات الآخيرة، وبناء على إلتزام قطعته لمحمد بن غلبون، لتحرير ذكرياته بخصوص تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي، أندثر حلم إعداد الكتاب فى خضم إنشغالي بأمر تحرير سلسلة ذكرياته فى هذا الخصوص. لكنه فى شهر أغسطس من السنة الماضية، حدث بيني وبين محمد بن غلبون خلاف فى الرأي حول سير الكتابة فى أجزاء مقالته المذكورة، ولم تكن تلك هى المرة الأولى التى يبزغ فيها مثل هذا الخلاف عبر السنوات الطويلة التى قضيتها فى تحرير كتاباته؛ لكنه فى هذه المرة تحول ذلك الخلاف إلى قطيعة تامة، وهذه عادة كثير من الناس (خاصة الليبيين) عندما يطرأ بينهم خلاف فى الرأي، سواء كان فكري أو تقني أو غيره، فالخلاف لديهم يفسد ـ بسهولة مفرطة ـ للود كل قضية.

حزنت لصداقة أمتدت لعشر سنوات، أن تنتهي بهذه الصورة المخجلة. وعزيت نفسي، بأنه قد أزيح عنها وعن كاهلها ثقل حمل إلتزامي الذى قطعته بإتمام تحرير ذكريات بن غلبون، مما يمنحني ـ الآن ـ الوقت الكثير، الذى سأسخر جزء منه فى اتجاه إعداد الكتاب المعني؛ وربما أنفق بعضه فى إنجاز القليل من مشاريع كتب أُخرى، ما أنفكت فكرتها تراودني للحظة، على مدار زمني طويل، ولكني لم أملك فى يومٍ الوقت الكافي للإقدام على كتابتها؛ مع علمي ـ المسبق ـ بأنني سأصطدم من جديد بعائق التمويل، الذى نجح حتى الآن فى رهن حلمي بإنجاز كتابات كثيرة قد يكون فيها بعض الفائدة للناس.

ليبيا تتسلح من روسيا والغاية فرض إحترام الجيران

ليبيا تتسلح من روسيا والغاية فرض إحترام الجيران
2009 الجمعة 24 أبريل

صراع نفوذ روسيّ أميركيّ يطلّ برأسه عبر الجماهيرية

إيلاف تفتح ملفّ التسلح في منطقة المغرب العربيّ

إسماعيل دبارة من تونس:

ما إن رُفعت العقوبات الدولية عن الجماهيرية الليبية في العام 2004، حتى وضع النظام هناك استراتيجية متكاملة لإعادة تسليح البلد وتحديث مؤسسته العسكرية. فرنسا وروسيا كانتا قبلة العقيد القذافي لإرضاء رغبته في استيراد السلاح الثقيل من طائرات ودبابات ومدافع. وعلى الرغم من أنّ الجيش الليبي حاليا وقوامه 76 ألف رجل لا يتناغم مع عدد سكان الجماهيرية البالغ عددهم 6 ملايين نسمة، إلا أنّ تاريخ الصراعات العسكرية التي خاضتها ليبيا في السابق (مصر في العام77، و الحرب مع تشاد) جعل التسلح من أولويات النظام الحالي خصوصا في فترة ما بعد العقوبات الدوليّة وإمكانية الاستفادة من عائدات الثروة النفطية.

زار العقيد معمر القذافي العاصمة الروسية موسكو في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني ) من العام 2008، وتوصّل حينها إلى صفقة عسكرية وصفت بالتاريخية تمّ بموجبها شراء 12 مقاتلة متطورة من طراز ميغ 29 MiG-29SMT و12 أخرى من طراز سوخوي 30 أم كيو Su-30MK2 ودبابات من طراز تي 90، وغواصتين من طراز 636 تعمل بالنظام المزدوج الكهربائي و”ديزل”.

كما اشترت ليبيا من روسيا أنظمة دفاع جوية طويلة المدى وأخرى قصيرة المدى في صفقة ضخمة بلغت الـ 2.2 مليار دولار. وأبرمت ليبيا مع فرنسا صفقة عسكرية هامة خلال زيارة للرئيس ساركوزي لطرابلس، تمّ بموجبها تحديث الأسطولين الجويين العسكري والمدني، بالإضافة إلى شراء خافرات سواحل وأجهزة رادار متطورة. وشملت الصفقة تحديث 30 طائرة حربية من طراز ميراج إف1 كانت اشترتها ليبيا قبل فرض حظر على تصدير الأسلحة إليها. وبلغت قيمة الصفقة التي تُؤمنها كل من شركتي “أستراك” و”داسو للطيران”، قرابة العشرين مليون يورو لكل طائرة. وتتميز الطائرات الفرنسية بكونها مجهزة بصواريخ جَو-جَو من طراز “ماجيك”. وتعمل مجموعة “إيدس” ( EADS) الفرنسية للتصنيع الحربي أيضا على تجهيز ليبيا بنظام رادار لمراقبة الحدود والمواقع النفطية.

يقول عسكريّ ليبي تقاعد منذ 6 سنوات و يقيم حاليا في احد الدول الأوروبية لإيلاف: “بعد صفقات السلاح الضخمة التي اشرف العقيد القذافي عليها شخصيا، يمكن القول أنّ الجيش الليبي أضحى جيشا قتاليا قادرا على الهجوم كما الدفاع، فهو يضمّ قرابة الألفين وخمسمائة دبابة والآلاف من العربات المصفحة وناقلات الجند سريعة الحركة والتي تتوائم و تضاريس الجماهيرية، والمئات من القطع المدفعية من مختلف الأعيرة.”

ويتابع العسكريّ الذي رفض الكشف عن اسمه:”تتوفر ليبيا اليوم على راجمات صواريخ عملاقة وغواصات وفرقاطات مقاتلة، أما سلاحها الجويّ فيتجاوز الخمسة وعشرين ألف عنصر و يوجد أكثر من خمسمئة مقاتلة في الوقت الحالي بعضها غير صالح للعمليات القتالية، ناهيك عن صواريخ جو – جو ومضادات الطائرات المتقدمة. ويرى المصدر ذاته أنّ الجيش الليبي حاليا يعاني من انخفاض مستوى التأهيل والتدريب العسكري في تنافر كبير مع تكديس السلاح المتطور و اللهفة على شراء كل ما تجود به فرنسا و روسيا من سلاح فقد عمليا جدواه كون الدول المصدرة للسلاح أثبتت أنها تحتفظ بالسلاح الحديث و الفتاك لنفسها و تبيع القديم لغيرها من الدول”.

كما أشار إلى “غلبة معايير الزبونية والولاء للقذافي على معايير القدرة والكفاءة في قيادة الجيش الحالي”. منذ أسابيع قليلة عبرت الولايات المتحدة – بطريقتها الخاصة – عن رفضها لتفرد روسيا ببيع السلاح للجماهيرية، إذ اعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن الولايات المتحدة ستقوم بدراسة عقد صفقات سلاح مع ليبيا يحتمل أن تتضمن طائرات نقل وأنظمة للأمن الساحلي والحدودي.

وقال عسكريون أميركيون إنهم سيدرسون طلبات ليبية بالحصول على معدات دفاعية تمكنها من بناء قدرات في مجالات “تخدم مصالحنا المشتركة، ومن أمثلة ذلك أنظمة تستخدم للأمن الحدودي والساحلي بالإضافة إلى الجسور الجوية لمسرح الأحداث بإشراك طائرات مثل هيركيليز سي-130 التي تصنعها شركة لوكهيد مارتن والتي يمكن أن تنقل قوات ومعدات”. وقد لا يجد الأميركيون فرصة أفضل من الوقت الحالي لبيع سلاحهم لليبيين خصوصا مع عودة العلاقات و التمثيل الدبلوماسي بين البلدين و طيّ صفحة القطيعة التي سادت لعقود بينهما.

ولمزيد تسليط الضوء على قضية التسلح في المغرب العربيّ و أبعادها المحليّة و الدولية، اتصلت “إيلاف” بالخبير في الشأن المغاربيّ و المحلّل رشيد خشانة مُعدّ دراسة “سباق التسلّح في المغرب العربيّ”. ويشير خشانة في البداية إلى أنّه علينا “فهم حقيقة ّأنّ صفقات السلاح بالنسبة للدول لا يمكن أن تُقرر وتُبرم في وقت سريع وبناء على تطورات من هنا آو هناك، كما أنها لا يمكن أن تأتي ردا على صفقة تعقدها دولة قريبة جغرافيا أو معادية تاريخيا، كذا الحال بالنسبة لكلّ من ليبيا والجزائر والمغرب على اعتبار أن تونس لم تنتهج سياسة التسلح، وإنما تندرج الصفقات تلك في إطار الإستراتيجية العامة للدولة. وحينها يتمّ ضبط المنظومة الشاملة للأمن القومي في ضوء تحديد مصدر التهديد ومن أين يمكن أن يأتي الخطر (بحرا أم برا أم جوا؟) ومدى دائرة النفوذ التي ترسمها تلك الدولة لنفسها وهي مرتبطة عادة بالمصالح الاقتصادية. كما تتحدد الإستراتيجيات في ضوء الموارد الوطنية للبلاد ومصادر الدعم الخارجي الثابتة.

ويعتبر رشيد خشانة سباق التسلح في المنطقة المغاربيّة مدخلا للعبة النفوذ التي تلعبها القوى الكبرى التي تبيع السلاح في المنطقة وهي الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا،مستثمرة في ذلك الصراع المغربي – الجزائري على الصحراء الغربية الحدود، و تطلعات العقيد معمر القذافي إلى لعب دور إقليمي في القارة الأفريقية و تضخيم الأميركان لخطر القاعدة في المغرب الإسلامي و سعيهم المحموم لعسكرة منطقة شمال إفريقيا خدمة لمصالحهم القومية التي تقتضي أيضا التصدّي للنفوذ الصيني المتعاظم في القارة السمراء و الزاحف نحو المخزونات الكبيرة من النفط و الغاز الطبيعيّ التي تزخر بها المنطقة.

وبالتالي سيجد المغرب العربيّ نفسه تلقائيا أحد الأسواق الرئيسية لما جادت به مصانع تلك الدول الكبرى من أسلحة. الأسلحة التي اقتنتها ليبيا مؤخرا – استنادا إلى رشيد خشانة – تعبر عن رغبة صريحة من القذافي لتحقيق نوع من التّـوازن مع القِـوى الدولية الكبرى المؤثرة في القارة الإفريقية، خصوصا مع تنامي دور الجماهيرية في احتضان الوساطات وخلافات دول الاتحاد الافريقيّ.

ومع سعيها لتنويع مصادِر السلاح، ظلّـت ليبيا مضطرّة للمحافظة على مصدر التزويد التقليدي وهو روسيا الاتحادية كون ذلك يوفر الكثير من النَّـفقات لأن المنظومات الروسية معروفة لديها، إذ تدرّبت عليها القوات الليبية سابقا وتتوافَر عندها قِـطع غيِارها التي حصلت عليها في صفقات سابقة، وهو ما يُحقِّـق المبدأ الذي يُـسميه الخبراء “تجانس المنظومات”. أموال طائلة تصرف على السلاح في المغرب في مساع عدة لفرض احترام الجيران وكسب الحلفاء باعة السلاح و الاضطلاع بدور رياديّ و إقليميّ، لكلن تلك المساعي تضلّ موجهة إلى الخارج وقد لا تعني كثيرا مواطني دول المغرب في صراعهم مع الفقر و البطالة و الأمية.

يقول خشانة: ” المغرب العربي لا يحتاج إلى طائرات ودبابات لأنها لا تُطعم الجياع ولا تكافح هجرة سرية أو إجراما و لا توفر مستشفيات أو مدارس أو كليات لهم. أما العسكريّ الليبي المقيم بأوروبا فيقول:” تبرم البلدان المغاربية بما فيها ليبيا خلال سنتين الصفقات العسكرية التي تتجاوز في مجملها ما أبرم من صفقات طوال عقد من الزمان ورغم أن الإتحاد المغاربي يعتبر كيانًا مشلولاً في الوقت الحاليّ، فإن تكديس السلاح في المستودعات المغاربية سيكون حتمًا على حساب المشاريع التنموية الضخمة التي يمكن أن تساعد – لو أنجزت – في رأب الصدع بين الدول المغاربية الخمس”.

– تخصيب الانتظار

تخصيب الانتظارقراءة في قصيدة كفافيس

محمد الأصفر

2009/04/22


ماذا تعني كلمة انتظار للإنسان ؟ أستطيع أن اقرن هذا الانتظار دائماً بالأمل .. فالأمل دون انتظار لا معنى له .. والأمل دائما وطنه المستقبل .. العينان تتطلع إليه ..القلب يهفو إليه .. الروح تتوق إليه .. وكل إنسان له انتظاره الخاص وأمله الخاص .. ولو جمعنا هذا الإنسان إلى أخيه الإنسان إلى أخيه الإنسان الآخر والآخر .. لصار الانتظار والأمل يخصان مجموعة من الناس .. فيتحول الانتظار والأمل من المستوى الفردي إلى الجماعي .. يمكننا أن نظيف إلى كلمتي الانتظار و الأمل .. كلمة ثالثة مقترنة بهما وهي الخلاص .. فننـتظر على أمل أن نتحصل على الخلاص .. والخلاص قد يكون مالاً أو حباً أو حرية أو جنة .. حسب رغبة كل إنسان ونوع انتظاره ونوع أمله .الفقير ينتظر ولديه أمل أن يتحسن وضعه .. العاشقان لديهما أمل أن يجتمعا إلى الأبد وها هما ينتظران وينتهزان الظروف .. الشعوب المستعبدة تنتظر ولديها أمل أن تحرز حريتها وتتخلص من مستعبديها .. المريض ينتظر ولديه أمل أن يتخلص من المرض ويتعافى تماماً .. كل إنسان في هذا العالم خاضع للانتظار والأمل .. حتى الغني والحر والمعافى تتجدد انتظاراته وآماله ويسعى للخلاص من شيء ما .. حتى الدول نفسها لديها انتظاراتها وآمالها وحبها في الخلاص .. الدول الصغيرة تنتظر ولديها أمل أن تطرد المستعمر وتحقق استقلالها .. الدول الكبيرة تنتظر ولديها أمل أن تستحوذ على العالم وتتخلص من منافسيها .. وينسحب هذا الأمل على مختلف المخلوقات .. ومن هذه الثلاثية : انتظار .. امل .. خلاص .. استطاع الشعر أن يصوغ لنا هذا المعنى من خلال قصيدة عالمية بلورت أحاسيس مخلوقات الأرض وكثفتها في بؤرة ضوء تنشد الخير .. هذه القصيدة للشاعر الإسكندراني اليوناني المبدع كونستانتين كفافيس .. ” بعنوان في انتظار البرابرة ” .. قصيدة تمثل فضيلة الانتظار .. انتظار الخلاص من الخارج أو من القادمين من الخارج .. الخلاص من خارج النفس المملوءة بالملوك والجنود والجلادين والفقر والبؤس ورجال الدين والإيدلوجية و الأمراض ومع تحفظي على كلمة البرابرة العصيّة عن الشرح والتفسير حيث ثمَّ ورودها هنا داخل نص إبداعي تخييلي بعيدا عن معناها القبلي أو العشائري المتداول وجاءت لتمنح القارئ أنَّ قادماً جديداً سيدخل من البوابات وكل حكام المدينة وأعيانها وأغنيائها سوف يستقبلون جيش البرابرة هذا ويقلدونه الأوسمة ويمنحونه ما يملكون من ذهب حفاظاً على حياتهم ورشوة له ليتركهم في أماكنهم المتميزة كما هم جاثمين على المقدرات والثروات والمخلوقات المحاصرة والخاضعة لهم .. المستضعفون كان لديهم أمل وينتظرون هؤلاء البرابرة .. هم لا يطمعون أن يكون الوضع في عهدهم أفضل لكن على الأقل تنويع الظلم والقهر أفضل من الوقوع تحت نوع واحد من الظلم فلربما الظلم الجديد يكون أحلى وأخف .. كل إنسان ينتظر فوضى ما لتنقذه من نظام فرض عليه ربما تكون الفوضى ممحاة لكل السطور المكتوبة سابقا وتجديد لصفحة حياته .. ربما تكون هذه القصيدة قد تحدثت عن احتلال أمريكا للعراق في مستهل القرن الواحد والعشرين أي قبل مئة وخمسة سنين – القصيدة كتبها كفافي في نوفمبر عام 1898م- .. حيث أنَّ القارئ عندما يقرأ القصيدة سيشعر أنها عبرت عن أجزاء آنية وذاتية منه .. دنيا تريد أن تتخلص من حاكم .. الحاكم مستبد ومسيطر على كل الأمور ولا أمل في تغييره إلا بقوة خارجية .. الأمريكان هم البرابرة .. حضروا واحتلوا العراق ودمروا أضعاف ما دمر في عهد الحاكم السابق وكل الحكام السابقين للعراق بما فيهم الحجاج بن يوسف وجيش التتار والآن الناس تنتظر قدوم البرابرة من جديد .. برابرة ليسوا أمريكان كي يطردوا الأمريكان ويحققوا الأمن والسلام ..لكن إن حضر الجدد فسيفعلون مثل الأولين وعلى الإنسان أن يجعل البرابرة داخل نفسه يخرجهم بإرادته ويدخلهم بإرادته .. يتفاوض معهم لمصلحته .. يدخر منهم مفرزة داخل روحه لتحميه .. قد يكونون برابرة النفس شيء اسمه قناعة أو إيمان أو لا هزيمة .. كل نفس تشكل برابرة خلاصها على طريقتها .. تخلقهم كما يخلق الفنان اللوحة الجامدة أو الحيّة .قصيدة تقول الكثير وتمس الحياة بلهب مستعر .. وتسير مع الزمن تواكبه ولا تتفرج عليه .. قصيدة حيّة تؤرخ للحظة وتواصل مسيرتها وحيدة في غياب مبدعها الفسيولوجي وحضوره المشتعل الطاغي المؤثر في النفس وفي المكان.يقول كفافي أو كفافيس في قصيدته :” لماذا ننـتظر كلنا , هنا في الميدان ؟لأن البرابرة يصلون اليوملماذا لا يحدث شيء في مجلس الشيوخ ؟كيف يجلس الشيوخ و لا يسنون القوانين ؟لأن البرابرة يأتون اليوم .فما معنى أن يسن الشيوخ القوانين الآن ؟عندما يأتي البرابرة , سوف يصنعون القوانين .لماذا صحا الإمبراطور مبكراً اليوم ؟ولماذا يجلس على عرشه ، مزيناً بالتاج ، عند البوابة الرئيسية ؟لأن البرابرة يصلون اليوموالإمبراطور ينتظر ليرحب بقائدهم ،وقد جهز كل شيء ليقدم له شهادة فخرية ،مليئة بالألقاب والأسماء الهامة .لماذا ظهر قناصلنا وحكامنا اليومفي مسوحهم الحمراء الموشاة ؟لماذا لبسوا أساور مرصعة بالجواهر ، وخواتممن الزمرد البراق ؟ولماذا يمسكون فرحين بالعصيالمشغولة بالفضة والذهب ؟لأن البرابرة يصلون اليومومثل هذه العصي تخلب لب البرابرة .أين خطباؤنا المفوهونليلقوا خطبهم مثل كل يوم ؟لأن البرابرة يأتون اليوموهم يَمُلّون الخطب وتضجرهم البلاغة ….”وعلى الرغم من فرحة الناس بقدوم البرابرة فلربما يكون ظلمهم كما قلنا أحلى واخف .. يصدم هذا الشاعر المجنون فرحتهم بصدمة ينحر فيها الانتظار ويقتل فيها الأمل ويلوى زمام القصيدة كي يجعلها تجهض حلم قدوم البرابرة بقليل من العبارات الشعرية الشبيهة باليأس البليغ .. ضاع انتظار الناس ..مات الأمل في نفوسهم .. .. البرابرة لم يأتوا .. ما الذي غيبهم وجعلهم يخلفون الميعاد .. هل خبر قدومهم محض إشاعة أو كذبة .. أو بالونة تنفيس فرقعها الحاكم في وجوههم ليشموا منها قليلاً من هواء الحياة الجديد ..

يكمل كفافي قصيدته فيقول :” لماذا هذا الفزع والقلق الآن ؟( ترسم علامات الجد على وجوه الناس )لماذا تقفر الميادين ؟لماذا يعود الجميع إلى بيوتهم ,وقد استبد بهم الغم ؟لأن الليل قد أقبل ولم يأت البرابرة .ووصل بعض جنود الحدود وقالوا :أنه ما عاد للبرابرة من وجودوالآن .. !وبدون البرابرة ؟ما الذي سيحدث لنا ؟هؤلاء البرابرة كانوا حلاً من الحلول . “لا أعرف كيف أبدى إعجابي بقفلة القصيدة الأخيرة : ( هؤلاء البرابرة كانوا حلاً من الحلول ) إلا بكلمتين وضمير متصل ” إنه الإبداع ” .. ولا يمكن أن أغفل أن مسرحية في انتظار جودو لصامويل بكت قريبة جداً من هذه القصيدة .. وأيضا رواية الجنوب افريقي ج . م . كوتزي .. في إنتظار البرابرة .. نفس العنوان .. تصب في هذا المعنى .. لكن كل مبدع قدّم مفردة الانتظار بأسلوبه وروحه ورؤيته وخلقت هذه الرؤى رؤى جديدة على عدد القراء القراء المفترضين لهذين العملين المهمين وبرابرة صامويل بكت هم الآلهة أو الإله .. وبرابرة كويتزي نتلمسهم من خلال شخصيات روايته خاصة شخصية القاضي .. الكل في هذه الحياة ينتظر .. ينتظر أن يأتي شيئا من البعيد .. أمريكا تنتظر المال .. العالم الثالث ينتظر الحرية .. الغرب ينتظر المال .. الشرق ينتظر الانبعاث .. الإنسان ينتظر الحياة .. المرض ينتظر الشفاء .. الغني ينتظر أن يزداد أكثر .. النوم ينتظر الاستيقاظ .. البحر ينتظر البر .. كل شيء ينتظر عكسه ..وأنت يا عزيزي القارئ ماذا تنتظر ؟! لن ندخل نفسك ونتركك تواصل متعتك في إحتساء كؤوس بنكهة المثل الليبي : اللي يرجا خير من اللي يتمنى.

————————–


نبذة عن الشاعر المصري اليوناني كونستانتينوس كفافيس منقولة من موقع ويكيبيديا الالكتروني :قسطنطين كفافيس أو “كونستانتينوس بترو كفافيس” (باليونانية: (Κωνσταντίνος Π. Καβάφης) (و.29 أبريل 1863 – 29 أبريل 1933) هو واحد من أعظم شعراء اليونان المعاصرين، وهو مصري يوناني. غير نمطي، انتقد المسيحية والوطنيو (الشوفينية) و الميول الجنسية المستقيمة.وهو يعبر في شعره عن التلاقي المشترك لعالمين: اليونان الكلاسيكية، والشرق الأوسط القديم، وتأسيس العالم الهيلليني، والأدب السكندري الذي كان مهادًا خصبًا لكل من الأرثوذكسية والإسلام، والسبل التي تدفع بشعوب المنطقة – على اختلاف أساليبها – نحو الكمال الإنساني.

– احتفال بعيد ميلاد سجين ليبي

العفو الدولية : تحتفل بعيد ميلاد سجين ليبي

17-04-2009

قال السيد خليل دوخنشي، المتخصص بالشؤون الليبية بمنظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة، أن احتفال المنظمة الرمزي بعيد ميلاد المعارض الليبي السجين فتحي الجهمي، يأتي من أجل إشعار الناس بوضعية السيد الجهمي، ورسالة للجهمي نفسه بأنهم يتذكرونه ويقفون معه. وكذلك للضغط على السلطات الليبية لتمنح الجهمي إطلاق سراح غير مشروط، واستنكار استمرار اعتقاله.

Happy Birthday

وكانت منظمة العفو الدولية “آمنستي ” بالولايات المتحدة الأمريكية، قد أقامت خلال اجتماعها العام السنوي لعام 2009 ببوسطن بولاية ماساتشوتس، والذي حضره أعضاء المنظمة، وضيوف كان من بينهم أعضاء في الكونغرس الأمريكي؛ احتفالا بالسيد الجهمي، وقدمت عروضا رمزية لتصوير حالته.

وأنشد الحضور في قاعة فندق “بارك بلازا” أغنية “عيد ميلاد سعيد” للسيد فتحي الجهمي، الذي يعاني من أمراض القلب والسكري وضغط الدم واعتقل أول مرة عام 2002 بعد أن انتقد القذافي ودعا إلى انتخابات حرة وحرية الصحافة والإفراج عن السجناء السياسيين.

وفي حديثه للقسم العربي قال السيد خليل دوخنشه، أن منع السلطات الليبية لمنظمات حقوق الإنسان ومنها آمنستي، من دخول البلاد، حرمتهم من معرفة وضع السيد الجهمي الصحي بشكل موثق، و تجعل الأخبار عن صحته غامضة وغير مؤكدة بشكل يدعو للقلق.

تضارب

وكان مؤسسة القذافي قد أعلنت في شهر مارس من العام الماضي انه تم الإفراج عن فتحي الجهمي احد سجناء الرأي في ليبيا وأوضحت أن أسرته باتت تتولى رعايته والإشراف على صحته في مستشفى طرابلس الطبي الذي يعالج فيه.

وفي مارس من هذا العام قال شقيقه محمد الجهمي الذي يقيم في الولايات المتحدة “أن الأقارب الذين رأوا الجهمي يعتقدون أن صحته “تتدهور تدهورا سريعا” وأضاف “انه لا يستطيع النزول من السرير وأجريت له عملية تفميم القولون ورجلاه منتفختان.” مؤكدا أن أخاه محتجز في غرفة بالمستشفى تعج بالصراصير وأجهزة تصنت سمعية وبصرية. وحث حكومة اوباما على إيفاد دبلوماسي الى المستشفى للتحقق من حالته الصحية.

لكن المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت وود قال يومها: “إن بلاده طالبت بالإفراج غير المشروط عن السجين السياسي فتحي الجهمي ” مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تنظر بقلق إلى تقارير غير مؤكدة عن تدهور حالته” فيما دعت منظمة هيومن رايتس ووتش في الشهور الماضية الى “الإفراج الفوري ومن دون شروط” عن المعارض الجهمي (66 عاما) المعتقل منذ سنوات لانتقاده نظام معمر القذافي مشيرة الى أن “حالته الصحية متردية للغاية وانه بحاجة الى عناية طبية عاجلة”.

آمنستي تراسل العقيد

وفي تحركها من أجل الجهمي وجهت آمنستي رسالة للزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، قالت فيها أنها قلقة جدا على صحة سجين الرأي فتحي الجهمي، الذي يعاني من أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسكري. وطالبت المنظمة في رسالتها للقذافي باحترام ليبيا لالتزاماتها الدولية، وإطلاق سراح فتحي الجهمي فورا وبلا شروط وضمان عدم وجود قيود على حرية الحركة في حال كان يرغب في الحصول على العلاج الطبي في الخارج. بحسب الرسالة التي نشرت في موقع المنظمة على الانترنت.

من حرية التعبير حتى غوانتانامو

وأعادت المنظمة في منشورات اجتماعها السنوي التذكير بقضايا وعوائق حقوق الإنسان في ليبيا، والتي حددتها في: في غياب حرية الصحافة، وأزمة حرية التعبير، وإساءة المعاملة واحتجاز اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وعدم الاهتمام بسلامة ما لا يقل عن سبعة محتجزين بمعتقل غوانتانامو، وعدم إلغاء عقوبة الإعدام، و التمييز ضد المرأة في القانون والممارسة، وظاهرة الإفلات من العقاب لمرتكبي الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان.

قناع الجهمي وملابسه

وبحسب السيد دوخنشي، فقد تم على هامش الاجتماع السنوي المذكور، إقامة معرض لصور للسيد فتحي الجهمي، وشرحا لقضيته ووضعيته. كما تم توزيع أقنعة تمثل صورة الجهمي، وكذلك ملابس لنزلاء المستشفيات، في محاولة رمزية للتعريف بقضيته.

وردا على سؤال بخصوص مالذي يمكن لـ “آمنستي” أن تفعل من أجل فتحي الجهمي، إذا كانت وضعيته كما تقول؟ قال السيد خليل أن منظمة العفو الدولية، كمنظمة غير حكومية، لا يمكنها سوى الضغط على الحكومة الليبية في هذا الاتجاه، وتعريف العالم بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان، وليس من مهمتها غير هذا.

المسؤول الوحيد

وحول فيما إذا كان يملك أي ضمانات من أن وضعية الجهمي لن تتعقد او تسوء بسبب تحركات منظمات حقوق الإنسان؟ قال السيد خليل دوخنشي أن العفو الدولية لم تعتقل فتحي الجهمي، ومسؤولية سلامته ملقاة على عاتق الحكومة الليبية، التي ترفض تمتعه بحقوقه الطبيعية، ولا يمكن – بحسب السيد دوخنشي – لوم من يسعى لتمكين الناس من حقوقهم. واصفا القضية بالمبدئية.

الضغط على الكونغرس

وسألنا السيد خليل دوخنشي عن الإجراءات المقبلة التي يعتزمونها بخصوص قضية الجهمي فقال ان هناك سعي للضغط على أعضاء الكونغرس الأمريكي، لاعتبار قضية الجهمي، والتركيز عليها. وسيلتزم أعضاء المنظمة بمخاطبة أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة من اجل ذلك. مطالبا بتفهم طبيعة عمل المنظمات الحقوقية كما قال، وأنها مجرد أدوات كشف وتوعية وضغط، ولا تملك أدوات تنفيذية.

وقالت مصادر في منظمة العفو الدولية للقسم العربي بإذاعة هولندا، أن التركيز على قضية الجهمي، سيعني طرح الشأن الحقوقي الليبي كاملا تحت الضوء، متوقعا تصعيدا إعلاميا لمنظمات حقوق الإنسان في ما يخص الوضع الحقوقي في ليبيا.

تقرير طارق القزيزي

http://www.rnw.nl/hunaamsterdam/humanrights/170409

– مواجهة الفساد في الجماهيرية : معركة خاسرة ( 1 ، 2 )

مواجهة الفساد في الجماهيرية: معركة خاسرة ( جزء 1 )
– ماذا عن المستقبل؟

مدخل:
الفساد ظاهرة مجتمعية قديمة قدم التاريخ، عرفتها كل الدول والمجتمعات صغيرها وكبيرها، غنيها وفقيرها، وأصابت كل الأنظمة السياسية والنظم الاقتصادية دون استثناء، وخاصة الأنظمة الدكتاتورية. وظلت هذه الظاهرة موضوع العديد من الدراسات والأبحاث في الدول الغربية، التي أفرزت حزمة من التنظيرات والتحليلات والتصنيفات.
في الحالة الليبية، كان لتناول الفساد بالتحليل والنقد على صفحات المواقع الالكترونية الوطنية في الخارج منذ عام 2002 الأثر الأكبر في وضع الفساد على رأس أجندة كل المهتمين بالشأن الليبي حيث لم يعد الفساد من أطروحات المعارضة المتهمة بالكيد السياسي . وقد صرحت القيادة السياسية أكثر من مرة بتنامي ظاهرة الفساد في مؤسسات الدولة، ففي سنة 2004 اعترف العقيد القذافي بتفشي ظاهرة الفساد بين أجهزة النظام وخاصة بين قيادات وأعضاء حركة اللجان الثورية، وفي سنة 2005 صدر قانون رقم (3) بخصوص جرائم غسل الأموال التي تتراكم عادة من إختلاس وسرقة المال العام. وفي عام 2007 تبنى سيف الإسلام القذافي خطابا مضادا للفساد والمفسدين الذين أطلق عليهم وصف “القطط السمان”، ولوحظ بعدها تنافس وسائل أعلام “ليبيا الغد” للقفز في عربة الشفافية والاصطفاف في خندق المناهضين للفساد، ولكن أجندتهم اقتصرت على بند واحد فقط وهو بند “تنزيه القيادة السياسية و تأثيم من وُصفوا بالحُذّاق الذين أكلوا “الكعكة” كلها، ثم جاءت فيما بعد وصفة (تكبير الكعكة) بمثابة صب الزيت على النار.
في هذا التقرير نعود الى المربع الأول لنحاول أن نلقي الضوء على الفساد السياسي الذي تورطت فيه بعض القيادات السياسية بأشخاصها وسياساتها وتوجيهاتها، وبالتالي نوضح دورها وآثار “سياساتها” في تفريخ بقية أنواع الفساد.

أولا: طبيعة الفساد السياسي في “الجماهيرية

الخلط بين فساد السياسة والفساد الإداري
الفساد السياسي الذي نقصده هو إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص. أي استثمار المسؤول في الدولة والمؤسسة العامة أو الخاصة لمركزه بهدف خدمة مآرب ومنافع خاصة، ويشمل كل معاملة سرّية تكون بعض القيادات السياسية طرفا فيها حيث يتم تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة الوطنية بصورة غير قانونية، أي عندما يصبح المسؤول في مستويات عليا من المنظومة السياسية هو نفسه الذي يمارس الفساد بدلا من القيام بواجبه لحماية القوانين وإنفاذها. عندما يحدث ذلك تكون القيادات السياسية هي الراعية للفساد بغض النظر عن المستوى الإداري الذي يحدث فيه الفساد.
الفساد السياسي الذي يحدث أعلى الهرم السياسي، وبالتالي تكون له تداعيات سياسية خطيرة على النظام السياسي كله، لا يؤثر على الطريقة التي يتم بها اتخاذ القرارات فحسب، بل يؤدي إلى سوء تخصيص موارد البلاد. وهو يستهدف المؤسسات السياسية والنظام الداخلي للدولة، وبالتالي يؤثر سلبا على مؤسسات الحكم والإدارة، وفي النهاية يؤدي إلى تحلل “المؤسسية” في الدولة.
الفساد السياسي يتجاوز مجرد الانحراف عن التقاليد الرسمية والقواعد القانونية المكتوبة، والاساليب المهنية، بل هو علاقة وسلوك اجتماعي فاسد، تسعى رموزه إلى انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي، فيما يمثل عند المجتمع المصلحة العامة، أي أنه خرق للقانون وانتهاك للقيم والمثل العليا في المجتمع، وبالتالي تصبح القوانين والتشريعات منتهكة من قبل الحكام أنفسهم، إما بتهميشها أو تجاوزها أو تحريفها أو تجاهلها بالكامل.
المشكلة الأساسية في الجماهيرية هي ضعف أو عدم وجود المساءلة بين الحكام والمحكومين، وغياب أية آلية لنقد ومراجعة القواعد والأنظمة القانونية والقوانين التي يتم إصدارها وفرضها على المواطن خاصة تلك التي يكون مصدرها توجيهات العقيد القذافي، وهي الكلمات والجمل التي يتفوه بها العقيد القذافي فيما يعرف بـ “توجيهات القائد”، ثم يتم طرحها على ما يسمى بـ المؤتمرات الشعبية الأساسية وعلى مؤتمر الشعب العام ليتم اقرارها بشكل مسرحي هزيل، فتصبح قوانين وتشريعات مقدسة، مكتوبة بلغة القانونيين، يعاقب القانون من يخالفها من المواطنين العاديين.
الفساد السياسي عادة ما يكون مدعوما بالفساد الإداري، و يعتبر من الدعائم الأساسية في عمل الأنظمة الاستبدادية الشمولية. وهو أحد أهم الآليات التي تؤدي إلى فساد السلطة. وبالتالي فإن القيادات السياسية الفاسدة في النظم الاستبدادية لا ترى مبررا لاعتبار الفساد السياسي مشكلة ينبغي حلها أو مرض ينبغي معالجته بل عتبره وسيلة لإدارة الصراع والحكم وبالتالي من الضروري توجيهه وحمايته ورعايته وتوظيفه لصالحها.
الفساد السياسي يحدث عندما يتسلح صانعو القرار السياسي بسلطاتهم السياسية من أجل الحفاظ على مواقعهم ومراكزهم وثرواتهم. ولذلك فإنه من الضروري التفريق بينه وبين “بيروقراطية” الإدارة العامة من قبل الموظفين الصغار الذين يمثلون الحلقات الصغرى في سلسلة القرار السياسي. فالفساد الإداري يمكن التعامل معه بالمراجعات الحسابية، والترتيبات التأديبية الإدارية المؤسسية، أما الآثار السيئة للفساد السياسي لا يمكن مواجهتها بالوسائل الإدارية فقط. وبالرغم من صعوبة التفريق بين “السياسي” و”الإداري” في دولة تحت حكم نظام فوضوي، إلا أن هذا التفريق مهم للغاية من الناحية العملية، حيث أن الفساد السياسي يتطلب إصلاحات سياسية جذرية.

الفساد السياسي والولاءات الخاصة

الفساد الجماعي يعتمد لتحقيق أهدافه على شبكة من العلاقات السرية اللاقانونية بين العناصر الفاسدة، ومن أهم ما يحرك تلك العلاقات “الولاءات الخاصة” التي تأخذ مكان “الولاء للوطن”.
الخطوة الأولى لإنشاء شبكة العلاقات السرية تبنى بالدرجة الأساسية على الروابط الاجتماعية والأسرية والقبلية والجهوية والعرقية. توظيف تلك العلاقات يعطي العناصر الفاسدة تغطية مطلوبة حيث يتم تفسير أية نشاطات واتصالات في تلك الأوساط على أنها علاقات اجتماعية طبيعية وإذا ما تم تقديم مساعدة مادية أو معنوية فهي تدخل تحت بند المحسوبية والمحاباة، وهما يمثلان تعبيرا عن ميل الانسان الطبيعي والمقبول نحو تقديم العون والدعم إلى الأهل والأقارب والأصدقاء والمعارف. وبالتالي تكون الولاءات الخاصة هي الجانب الخفي للمحسوبية التي تهدف سريا إلى خصخصة المال العام بشكل غير قانوني وتوزيع الثروة بشكل غير عادل حيث يعطى ما لا يملكه المانح لمن لا يستحقه. الولاءات الخاصة تبنى بالدرجة الأساسية على أخوة الفساد وعلى تقاسم العمولة.
وفي البحث القيم الذي قدمه الدكتور أبوبكر بعيرة في “المؤتمر الوطني الأول للتنمية والتدريب الإداري في ليبيا”، أشار إلى نتائج دراسة ميدانية محدودة أجريت في صيف عام 2007 تناولت المعايير المطبقة في الجماهيرية لإختيار القيادات الإدارية، وأوضحت تلك الدراسة (كما في الجدول التالي) أن هناك تغليب واضح في الجماهيرية للاعتبارات السياسية والاجتماعية على اعتبارات المقدرة والكفاءة في اختيار القيادات الإدارية الرئيسة. فالنسبة الغالبة (55%) من التعيينات في الوظائف العامة تعتمد معيار الولاء للنظام السياسي، و(35%) تعتمد معيار الولاء القبلي. أما نسبة التعيينات بناء على معايير المؤهل العلمي والكفاءة فهي لا تزيد عن نسبة (12%) كما هو مبين في الرسم البياني التالي.

معايير اختيار القيادات الإدارية المطبقة في ليبيا

المصدر : أبوبكر مصطفى بعيرة، وأنس ابوبكر بعيرة، البيئة العامة للتنمية الإدارية من منظور الإدارة الرشيدة، بحث مقدم إلى المؤتمر الوطني الأول للتنمية والتدريب الإداري في ليبيا، (طرابلس: المعهد الوطني للإدارة، 2007).

الأصل أن يكون هناك فصل تام بين الولاء للنظام السياسي والولاء للوطن، وأن يتم اعتماد قيم المهنية والكفاءة والاستقلالية عند اختيار العناصرالقيادية للمناصب المهمة في الجهاز التنفيذي وخاصة أجهزة الرقابة والمحاسبة والمساءلة. أما عندما يتم تعيين أو تصعيد العناصر القيادية بناء على القيم المتخلفة مثل الارتباط القبلي والأسري والجهوي أو الولاء السياسي، وعندما يكون الهدف هو المزيد من الفساد ويكون ذلك أحد المعايير التي يتم بها اختيار المسؤولين في أجهزة الرقابة والمحاسبة والمساءلة فكل ذلك يعني أن الفساد سيكون سيد الموقف.

الواقع أنه ما أن يستلم المسؤول الفاسد وظيفته حتى يبدأ في تعيين أقاربه ومعارفه ومن يثق بهم ومن يري أنهم يحققون له أغراضه الدنيئة ـ بغض النظر عن مؤهلاتهم أو كفاءاتهم ـ مما يفرز شبكة خاصة من العلاقات الفاسدة التي يتم من خلالها العديد من الممارسات الفاسد.
هذا الحق الذي يكتسبه البعض بشكل غير شرعي بسبب القرابة وعلاقة الدم والنسب، يتجاوز مجرد تقديم المساعدة الطبيعية التي تقتضيها قيم المجتمع القبلي والعشائري، ويمتد ليشمل كل أنواع العطاءات التي تؤدي إلى مخالفة الشرع والقانون، والتي تكلف الدولة مئات الملايين من الدولارات. إذ من نتائج توظيف الأقارب والأصدقاء والمعارف في مؤسسات القطاع العام ذلك التضخم الهائل للهيكل الإداري.
ليس هناك من شك أن القيادات السياسية الفاسدة قد وظفت هذه المحسوبية بامتياز لتحقيق أغراضها. فالمحسوبية ليست مشكلة قانونية أو إدارية إجرائية فحسب، بل هي ممارسة فاسدة ومعيبة عندما تتحول إلى ولاءات خاصة بغرض الفساد. هذه الولاءات الخاصة تحرم المجتمع والدولة من توظيف الكفاءات والمهارات للمساهمة الفعالة في برامج التنمية، فهي تضرب عرض الحائط بالمعنى المجمع عليه لمقولة “الرجل المناسب في المكان المناسب” وفي نفس الوقت تحقق المعنى الفاسد للمقولة، فيصبح الرجل المناسب هو الذي يخدم المصلحة الخاصة وبالتالي فهو في المكان المناسب. الفساد الذي تحققه الولاءات الخاصة يحدث خللا أيضا في توزيع الفرص للرفع من مستوى بعض الفئات والعائلات والعشائر حيث تتركز الثروة في أيدي عائلات محدودة تنتمي لقبائل معينة.

الفساد السياسي وتوزيع الثروة

تؤكد مختلف الدراسات أن دولة الاستبداد أو جزء منها دائمةُ التورط في الفساد، وأن الفساد هو عبارة عن علاقة نفعية تبادلية بين وكلاء الدولة (المسؤولين) وبين (السماسرة) في القطاع الخاص. هذه العلاقة نادرا ما تكون متوازنة ولكنها تولد تدفقا للموارد إما من الدولة إلى المجتمع (فساد وإفساد من الأعلى) أو العكس (فساد وإفساد من تحت). وهنا ينبغي التفريق بين هذين النوعين من الفساد، فالعملية الفاسدة التي يبدأها المسؤول هي أكثر ضررا من العملية الفاسدة التي يبدأها الموظف العادي والذي يركز فيها على ما تحققه له الصفقة دون التفكير في أثارها على الدولة والمجتمع.
القيادات السياسية الفاسدة في الجماهيرية قامت بنهب الموارد العامة من المجتمع مقابل الإيحاء له بالحماية والرعاية و بالحرص على مكوناته ومستقبله. وعادة ما ترتب تلك العمليات الفاسدة بطريقة دقيقة بحيث تعود على القيادات السياسية الفاسدة بأقصى درجات المنفعة وتعود على المجتمع بالخسارة بل أحيانا بالمزيد من البؤس المتمثل في البطالة وغلاء المعيشة والفقر أيضا. ومهما يكن من معاناة المجتمع بسبب غلاء المعيشة أو ارتفاع نسبة البطالة (أكثر من 20% في سنة 2008) أو زيادة نسبة الفقر (حوالي 20% خلال سنة 2007)، فإن ثروة القيادات السياسية الفاسدة تضل في نمو سريع وبشكل مضطرد، والشركات الخاصة التي تملكها القيادات السياسية الفاسدة تظل تنعم بالإعفاءات الجمركية الضخمة ناهيك عن التهرب من الضرائب رغم أن المجتمع في حاجة ماسة لتلك الضرائب.

. توزيع الثروة يتبع خطوة بخطوة مسار توزيع السلطة في الجماهيرية

إن المستفيد الأكبر من الفساد في الجماهيرية هو الأقوي سياسيا أي الأقوى “أمنيا وثوريا” لأنه لا يمكن لمسار توزيع الثروة أن يخرج عن خارطة توزيع السلطة في الجماهيرية. بمعنى أنه من العبث أن نتوقع أن يكون هناك إمكانية لتوزيع الثروة بالعدل بين المواطنين في وجود خلل في توزيع السلطة. فالأقوى سلطويا هو المرشح الأكبر للحصول على أكبر قدر من الثروة في أشكال متعددة منها (الهبات والسرقات والعمولات ـ الاستثمارات الخارجية ـ القروض التنموية ـ النفوذ في مؤسسات الدولة المركزية ـ الإعفاءات الضريبية ـ القدرة على تهريب الأموال ـ القدرة على تغيير العملة بشكل غير قانوني ـ التلاعب بالأوراق الرسمية ـ التلاعب بالتخطيط العمراني ـ الإمتيازات التفضيلية، الرعاية الطبية الراقية، غسل الأموال بشراء العقارات والأراضي المسلوبة ـ سلب الحصص الكبرى في ملكية الشركات التي يتم خصخصتها من قبل الدولة… الخ)
طبعا في القطاعات الحيوية التي تحتاج تنميتها الى استثمارات الشركات الأجنبية تصبح القيادات السياسية الفاسدة هي المستفيد الأكبر من العقود التجارية والتوكيلات والتراخيص والإعفاءات والمعاملات التفضيلية. بل إن الأمر تطور إلى الحد الذي مكن القيادات السياسية الفاسدة من الحصول على ضمانات الشفاعة والعفو عند انكشاف أمرها. ويبقى المواطن هو الخاسر الأول والأخير.
إن إعادة توزيع الثروة على أساس مخل في توزيع السلطة سوف يضر بالدرجة الأساسية بالفقراء وأولىِ الحاجات، لأن ما يسمونه بتوزيع الثروة سيتم وفقا لقدرة المجموعات المتنفذة على التأثير في السياسات العامة أي أنه من المستحيل أن يكون للمواطن العادي نفس الحظ في هذه الثروة. . ففي واقع الأمر فإن الأطراف القادرة على الرشاوي وعلى وضع الضغوط على الأجهزة التنفيذية هي التي ستحدد كيف يتم اقتسام “الكعكعة” وأين سيتم “تكبيرها” ولذلك لن يكون للمواطن العادي أي قدر من التأثير على وضع تلك السياسات أو تنفيذها ـ مهما دبجت من ملازم وقوانين وأغاني وأشعار ودراسات عن سلطة الشعب، وكيف أن الشعب هو الذي يصنع القوانين والسياسات العامة. فما دام المواطن لا يستطيع أن يدلى بصوته لإسقاط الحكومة الفاسدة وما دام المواطن محروما من أن يدلي بصوته لينزل الحاكم من على عرشه بأغلبية بسيطة فإن أي حديث عن توزيع الثروة أو السلطة بالعدل هو من باب ذر الرماد في العيون.
المورد العام الأكبر في الجماهيرية هو “النفط” وهي ثروة هائلة ولكنها ـ مهما قيل حولها ـ لن توزع بناء على اعتبارات الضرورة أو الحاجة بل بناء على معيار واحد فقط وهو الولاء والإذعان للسلطة الحاكمة. المواطن العادي الذي هو في أمس الحاجة إلى الخدمات العامة من بنية تحيتية وصحة وتعليم وخدمات عامة وضمان اجتماعي سيعاني أكبر معاناة من تلك السياسات التي تصنعها وتنفذها القيادات السياسية الفاسدة بمعرفة ومباركة القيادة السياسية.

الفساد السياسي و “الجريمة المنظمة”

الفساد السياسي في الأنظمة الشمولية ينتشر على أرضية واسعة، مداها يعتمد على مدى توطد العلاقات بين قيادات سياسية فاسدة، التي تتسم بطبيعة سرية وغير قانونية وتتطلب تفاهم ومن ثم تواطؤ وتآمر عدد أكبر من الأفراد. فالفساد يتراوح من مجرد الاستيلاء على الأموال لصالح مسؤول سياسي لا يشرك غيره فيما يستولى عليه من أموال، ومرورا بالاستيلاء على الاموال لصالح مجموعة من القيادات تتسم بالتماسك في مجتمع مفكك، وانتهاء بتورط بعض القيادات السياسية في رشاوي وعمولات ضمن العقود التي تعقد بين الشركات الأجنبية الكبرى ومسؤولين يمثلون النظام السياسي على أعلى المستويات.
لقد أدركت القيادات السياسية الفاسدة في ليبيا مبكرا أن الفساد الجماعي يحقق لها سرعة فائقة في تكديس الثروة. ولذلك اهتمت ببناء علاقات شبه منظمة من فئات اجتماعية نفعية أعطيت لها مسميات متعددة ولكنها تمحورت كلها على ولائها المطلق للقيادة السياسية وعلى ربط مصالحها الخاصة ببقاء النظام السياسي من خلال إحكام السيطرة على زمام الأمور سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا. هذه المجموعات التي تشكلت بفعل الروابط القبلية والأسرية والمصلحية وتلبست بمقولات ثورية، وربطت نفسها بمصلحة الثورة جعلت للفساد مبرر ثوري. وكان من الضروري أن يلعب الاعلام الثوري دورا تضليليا دعائيا من منطلق شعار “الثورة في خطر” وأنها تخوض معركة مصيرية، وبالتالي فكل الوسائل أصبحت مشروعة للانتصار في تلك المعركة بما فيها الاستيلاء على الثروة الوطنية.
الفساد الأكبر يميل أكثر للجماعية منه إلى الفردية ، ولذلك نجد أن التعاون السري المحدود بين بعض الأفراد لن يكون له أي أثر إلا إذا تطور بسرعة وانتشر على أوسع نطاق فشمل الأصدقاء والأقرباء والشركاء والمعاونين والرؤساء والمستشارين، خاصة أن الانضمام إلى مجموعات الفساد هو أدنى المخاطر مقارنة باتخاذ موقف مضاد ومعاد لها. ومن هنا ينبغي القول بأن الفساد السياسي هو جريمة سياسية وخيانة وطنية وفضيحة أخلاقية.
هناك أمثلة كثيرة في دول نامية يمكن دراستها والرجوع إليها إذ تحولت نخب متنفذة إلى مجموعات أجرامية منظمة تتحدى النظام السياسي من تحت عباءته وتهدد مؤسسات الدولة والاِقتصاد الوطني بحكم تغلغلها في المنظومة السياسية وقدرتها على التنظيم المحكم في الوقت الذي تعمل فيه جاهدة على دعم الفوضى التي تحدثها سياسات النظام. هذه المجموعات المنظمة ترفض أن تستقر البلاد على قانون بل تعمل بجدية للحفاظ على الفوضى السياسية والإدارية التي تعيشها البلاد، حيث ـ من خلال تنظيم مجموعتها تنظيما محكما ـ يمكنها توظيف تلك الفوضى للمزيد من الفساد.
العلاقات التي تنشأ بين هذه المجموعات خلال عمليات اختلاس المال العام تتطور في العادة إلى ما يشبه شبكات “المافيا” التي تمارس هذه الجريمة في عالم خاص بها إما داخل منظومة الفئة الحاكمة أو في استقلالية تامة عنها. وتكون إما قريبة من أجهزة الرقابة والأمن أو بعيدة عنها. ولكن هذه العلاقات لن تكون في مأمن إلا بحماية أطراف فاسدة داخل منظومة النخبة الحاكمة وأمام أعين الأجهزة الرقابية والأمنية، ولذلك يمكن لتلك المافيات أن تسرق “البلايين” في فترة زمنية وجيزة، وأن تقوم بالإثراء السريع الذي لا يمكن أن يخفى عن أعين القيادة السياسية وأجهزة النظام الأمنية والرقابية. هذه الفئات استطاعت أن تشكل عصابات متخصصة في احتكار حاجات الناس والمتاجرة فيها وبالتالي أثرت ثراء سريعا أمام نظر وسمع الجهات الرقابية ولجان التطهير، والقوافل الثورية، والمتابعة الشعبية، والأمن الشعبي، والحرس البلدي، وأجهزة الأمن الداخلي والخارجي.
فمثلا إذا نظرنا الى البيوت التي تسكنها أسر القيادات السياسية الفاسدة التي تتحكم في مسارات الفساد وإلى السيارات التي يركبونها وإلى الأموال التي يبذرونها في الداخل والخارج، نخلص إلى أنه ما كان لهم تكديس تلك الثروة بهذا الشكل إلا في وجود قدر من الحماية التي وفرتها لهم شبكة علاقاتهم المافيوية في داخل أجهزة ومؤسسات الدولة، وإلا فكيف يكون بمقدورهم سرقة المال العام واستلام الرشاوي وأخذ العمولات بشكل مضمون ومتكرر وآمن؟
إن أساليب المافيا في الحصول على الرشاوي والعمولات والامتيازات هو أخطر عامل يؤدي إلى تآكل الدولة حيث تصبح الدولة عاجزة سياسيا عن استخلاص الضرائب والجمارك وغيرها من الموارد التي تمكنها من تقديم الخدمات المناسبة للمواطنين وبالتالي ينعكس ذلك على تحطم البنى التحتية والخدمات العامة التي تعتبر من أهم مهام الحكومة في المجتمعات النامية مثل ليبيا.

==================

القيادات السياسية والتورط في الفساد ( جزء 2 )


– السلطة المطلقة رديف الفساد – طبيعة القيادات السياسية المتورطة – القيادات السياسية وتوريث الفساد
إعداد فريق الشفافية ليبيا
مصطلح القيادات السياسية في ليبيا أصابه شئ من الغموض بهدف التمويه، فالعقيد القذافي (الحاكم المطلق في الجماهيرية) ينفي عن نفسه صفة الحاكم السياسي وكذلك عن أبنائه وبعض المقربين منه، بل ان المسؤولين في الدولة من وزراء وكبار الموظفين ومدراء المؤسسات الحكومية يتحولون إلى مجرد “خدم للقائد” بانتفاء الصبغة السياسية الرسمية عنهم. نحن في هذا التقرير نطلق وصف “القيادات السياسية” على كل من يُعطى الصفة الرسمية أو يكلف بأي مسؤولية سياسية أو تشريعية أو ثورية أو أمنية أو عسكرية أو إدارية، وهم موجودون في واحدة أو كل من الدوائر التالية:
– دائرة العقيد القذافي والمقربين منه من الأبناء والأقارب والرفاق والمسؤولين في مؤسسات القيادة السياسية كـ (مكتب معلومات القائد) و(الحرس الخاص) وهم مختارون بدقة ويمثلون قمة الولاء للقيادة السياسية.
– دائرة الفئة المسيسة والمأدلجلة والمختارة بدقة من قبل القيادة السياسية لإدارة الكتائب العسكرية وأجهزة الأمن ومؤسسات الاقتصاد والإعلام والقضاء، بالإظافة إلى أعضاء القيادات الشعبية الإجتماعية، وكلهم من المعينين وليسو من “المصعدين” وهم أيضا يمثلون نماذج عليا في الولاء للقيادة السياسية.
– دائرة الفئة المسيسية والمأدلجلة من أعضاء المؤتمرات الشعبية الأساسية ومؤتمر الشعب العام وأمناء اللجان الشعبية وكلهم عناصر تم “اختيارهم” أو “تصعيدهم” لتلك المواقع بسبب ولائهم للقيادة السياسية.
– دائرة التكنوقراط الذين يديرون العديد من مؤسسات القطاع الخاص (الشركات والتشاركيات والمحافظ الأستثمارية في الخارج، … الخ) ويلاحظ أن لضباط الأمن والجيش السابقين و(الحاليين) حصة كبيرة في هذه المؤسسات وهم أيضا عناصر تم اختيارهم بعناية بسبب ولائهم للقيادة السياسية.

السلطة المطلقة رديف الفساد

عند التمعن في السياسات الفاسدة التي تحكم الجماهيرية نجد أكثر من دليل على صحة المقولة الخالدة التي تقول أن “السلطة تؤدي إلى الفساد، والسلطة المطلقة تفسد بالمطلق”. السلطة السياسية في النظام الليبي تتركز حصريا في أيدي قلة من الأفراد ، وهي تمثل أكبر إغراء للفساد من خلال سوء استخدام السلطة، بهدف الاستيلاء على موارد الشعب الليبي وتهريبها خارج البلاد بصور فجة وبدائية وبعقلية صائلة.
الحقيقة أن قوة القيادات السياسية الفاسدة تكمن في إذعان المواطن لفكرة مدسوسة تقول أن تلك القيادات تعمل لتحقيق مصلحة الشعب الليبي، والحقيقة تكمن في العكس تماما، حيث أن نفس القيادات تستخدم مقدرات البلاد كأداة للصراع على السلطة التي يمتلكونها في الوقت الراهن ويخشون فقدانها ويعملون كل ما بوسعهم من أجل الحفاظ عليها وتنميتها لمصالحهم الخاصة ولتحقيق الثراء المفجع لهم ولأسرهم في الوقت الحالي ولضمان السيطرة لهم في المستقبل.
إنهم ـ مهما ادعوا ـ لا يفرقون بين “سيادة القانون” و”سيادة القوة” فسيادة القانون تعود بالمصلحة على جميع المواطنين، في حين أن سيادة القوة هي خيار سلطوي منحرف وفاسد من أجل مصلحة الفئة الحاكمة والمقربين منها. ولكنهم لن يعترفوا بذلك الانحراف الذي بنوا عليه مسيرتهم التي تنطلق من مقولة “ما أخذناه بالقوة لن نتخلى عنه إلا بالقوة”
لا شك أنهم صادقون في رفض ومحاربة أي جهود للدفع بالديمقراطية الحقيقية التي عرفتها التجربة الإنسانية والتي يقدمونها على أنها مكمن الشر على الشعب الليبي، ولكننا نلاحظ أنه في البلدان التي تطبق شكلا من أشكال الديمقراطية يمكن حصر عمليات الفساد السياسي في تزوير الانتخابات أو التجسس على الأحزاب المناوئة أو تخويف المصوتين أو شرائهم وقد تنجح قوى الفساد في تحقيق بعض او كل أهدافها ولكن طال الزمن أم قصر سيأتي يوم يخرج فيه المواطن في تلك الدول ليسقطهم من خلال ورقة صغيرة تسمى “الصوت الانتخابي”.
طبيعة القيادات السياسية المتورطة
يعتمد مستوى ونوعية الفساد المتفشي في المجتمع بشكل كبير على طبيعة النظام السياسي، أي على الطريقة التي تحكم بها البلاد. وكل الدراسات تؤكد على أن مستويات الفساد تتناسب عكسيا مع مستوى ديمقراطية الدولة. بمعنى أنه كلما زادت نسبة الحريات العامة وعلى رأسها الحرية السياسية في النظام السياسي و كلما كانت السلطة أكثر شرعية، انخفضت نسبة الفساد السياسي والاقتصادي في الدولة.
في الحالة الليبية، ليس هناك خلاف حول تدني درجة الحرية السياسية، وانعدامها بالنسبة للمعارضة السياسية الليبية التي لجأت للخارج، فالحرية السياسية تم احتكارها من قبل فئات متنفذة في النظام والدولة، وهي نفس الفئات التي تورطت في تفشي ظاهرة الفساد الموجودة في مختلف مستويات النظام والدولة.
وبالنظر إلى طبائع الأشياء فإنه من المنطقي أن يحدث “الفساد الأكبر” على أعلى المستويات السياسية في الدولة. ولذلك فإن الوضع الراهن في الجماهيرية يشهد بأن مستويات عليا من الفساد ارتبطت بالحكومات التي تعاقبت والتي تم اختيارها بعناية تامة من العقيد القذافي شخصيا، على الرغم من محاولات تسويق مهزلة التصعيد في مؤتمر الشعب العام، وأغلب الذين تورطوا في الفساد كانوا من المعدمين وأصبحوا خلال سنوات قليلة من الأثرياء وأصحاب الملايين في الداخل والخارج.
السلوك الفاسد للحكومات المتعاقبة هو سلوك منحرف عن أداء الواجب الوطني لخدمة الوطن والمواطن، وهي حكومات تُعنَى فقط بخدمة “النظام السياسي” ، وبالتالي أنتجت سلوكيات الخلط بين الحق العام والحق الخاص، والخلط بين الولاء للنظام السياسي والانتماء للوطن، والخلط بين ليبيا “كوطن” والجماهيرية “كنظام حكم”.
الفساد السياسي هو انحراف وتدهور في علاقة الدولة بالمجتمع، فمن المفترض أن تكون الدولة خادمة للمجتمع حيث تكون الوظيفة الأساسية لأداء الكتبة والموظفين والبيروقراطيين والسياسيين وكل شخص يُعطى الصفة الرسمية هو حماية حقوق المواطن، وحسن توزيع الثروة الوطنية، وتنمية موارد البلاد المحدودة ولكن ما يرصده المراقب من سلوكيات لبعض القيادات السياسية في أجهزة النظام ومؤسسات الدولة يمثل أسوأ استغلال للسلطة العامة من أجل تحقيق مصالح خاصة بشكل فاضح ودون مواربة.
مشاركة المسؤولين في الدولة في الفساد تبدأ من اللحظة التي يتم فيها الاتفاق على علاقة سرية مخالفة للقانون والتي من خلالها يقوم المسؤولون وأصحاب السلطة الإدارية والسياسية والثورية باستغلال ما تحققه لهم وظائفهم من ميزات يفتقدها المواطن العادي. وهذا ما كشفت عنه التحقيقات في حالات فساد تورط فيها عناصر قيادية من اللجان الثورية في سنة 2004، مما أدى إلى إصدار قانون تجريم غسل الأموال في سنة 2005 .
ورغم شح المعلومات الموثقة من المصادر الحكومية إلا أن بعض المعلومات تجد طريقها إلى بعض التقارير ومنها التقارير السنوية الذي تصدر عن وزارة العدل والأمن العام عن أنواع الجريمة التي تم رصدها خلال الفترة ما بين عامي 1999 و 2004 كما هو مبين في الجدول التالي:

نوع الجريمة العدد
تزوير الأوراق والوثائق الرسمية
2337

جرائم ذات المساس بالاقتصاد
402

الاختلاس
374

الرشوة
193

تهريب الأرصدة والأموال
65

تزييف الأختام والعلامات الرسمية
90

المصدر: دراسة “الفساد والتنمية المستديمة.. رؤية تحليلية لواقع الظاهرة في ليبيا” بقلم أ. د. عوض الحداد. نشرت في موقع ليبيا اليوم على 4 حلقات خلال شهر فبراير ومارس 2009. (عن التقارير السنوية التي تصدرها أمانة العدل والأمن العام عن الجريمة للسنوات 1999-2004)

ورغم أن الأرقام الحقيقية لهذه الجرائم خلال السنوات الأربع تفوق كثيرا ما ُنشر في التقرير، إلا أن ما يكشفه الجدول أن الجرائم المذكورة هي من النوع الذي ترتبط بالضرورة بفساد القيادات السياسية في الدولة، ورغم خلو التقرير من بيانات حول ما تكبدته الخزانة العامة من هذه الجرائم إلا أن المتوقع أنها تصل إلى مئات الملايين من الدولارات.
الواقع أن “الفساد الأصغر” الذي يكون حصرا على شريحة البيروقراطيين الإداريين ضمن القطاعين الخاص والعام، ليس بنفس خطورة “الفساد الأكبر” الذي تتورط فيه القيادات الفاسدة في القطاعين، وخاصة القطاع العام حيث أن الدولة هي “أكبر مؤسسة توظيفية” و”أكبر مؤسسة استهلاكية” و”أكبر مؤسسة فوضوية” في البلاد.
لا شك أن الفساد موجود أيضا في القطاع الخاص (الشركات والتشاركيات والمؤسسات الاستثماراية غير الحكومية)، وربما بعض ذلك يتم دون أي تدخل أو تشجيع أو تسهيل من أي مؤسسة أو شخصية حكومية أو رسمية. ولكن الفساد المنتشر بتأثير مؤسسات النظام والدولة هو السبب في إيجاد بيئة خصبة لانتشار الفساد في القطاع الخاص، وبالتالي فإن الفساد السياسي له مضاعفات على النظام السياسي أكثر بكثير مما يكون في القطاع الخاص.
الجانب المُغفَل في معادلة الفساد هو “جانب العرض”، وتحديدا أولئك الذين يقومون بدفع الرشاوي للحصول على خدمات غير قانونية يفترض ألا يحصلوا عليها مهما كان الثمن، أو خدمات يفترض أن يحصلوا عليها بدون مقابل كونها من حقوق المواطنة ولكن المسؤول يضع ثمن لتلك الخدمة التي يقدمها مهما صغرت (كاستعمال ختم المؤسسة الحكومية التي يعمل بها مثلا). هؤلاء الذين يشاركون في هذه العلاقة الفاسدة يقومون بدور “المصدّر” لمادة الفساد سواء أكانوا من موظفي الدولة أو من عناصر النظام أو من موظفي الشركات في القطاع الخاص.


القيادات السياسية وتوريث الفساد

الأنظمة “التوريثية” سواء الملكية أو الجمهورية تحكم شعوب العالم العربي لعقود من الزمن بالإستبداد، ورغم أن النظام القذافي ينفي هذا الوصف ويصر على أنه نظام جماهيري وأن قيادة الثورة لا تُورَّث، إلا أننا إذا نظرنا إلى مفهوم التوريث بالمعنى الأشمل والأوسع لوجدنا أن الذي يحدث في ليبيا هو “نظام توريثي بامتياز” فالمسألة تتجاوز عملية توريث القذافي لأحد أبنائه على رأس السلطة، وما يتم الإعداد له في الجماهيرية هو أن الفئة الحاكمة تعد العدة لتوريث فئة حاكمة جديدة من الأبناء.

ففي النظام الجماهيري:

– القيصر مُصِرُّ على أنه ليس بحاكم ولا رئيس ولا ملك، ولكنه في الممارسة الحقيقية يتحكم في كل موارد البلاد، فهي مباحة له ولأعوانه وللمقربين منه، وهو صاحب السلطة المطلقة من خلال شخصه وليس من خلال القانون الأساسي للدولة.
– السلطة لا تُعطىَ للوظيفة ولكن للشخص الذي يُختار لتلك الوظيفة، والشخص يُختار عادة لوظيفة ما ليس لكفاءته ولكن لولائه ومدى قربه من الفئة الحاكمة. وهذه القاعدة تتنزل على كل المستويات في الدولة.
– الحكومة بمؤسساتها السياسية والاقتصادية هي من صنع القيادة السياسية الحاكمة وبالتالي فهي في الواقع تجهض أية جهود تنموية (بشرية أو سياسية أو اقتصادية ).
– الدولة تتداخل فيها المؤسسات السياسية والأيديولوجية والأقتصادية، والقيادات السياسية الفاسدة توظف كل الوسائل من أجل الإثراء السريع.
– القيادات السياسية الفاسدة تمتلك من الحقوق ما لا يخولها لها القانون (حق الاحتكار وحق امتلاك الأراضي واستحقاقات القروض المدعومة وحق تراخيص الاستيراد والتصدير وحق الإعفاءات الجمركية وغيرها من الامتيازات الخاصة)
– القيادات السياسية الفاسدة تعطي، وفق منطق توريث الفساد، الأبناء والأقارب والمقربين كل الحقوق التي استولت عليها أو منحت لها من قبل القيادة السياسية، وبالتالي تورث الحق في الفساد واستلاب أموال البلاد أيضا.
– النخب المهيمنة التي تأتي في الترتيب بعد الطبقة الحاكمة تتألف من نخبة أوسع من الأسر المهيمنة سياسيا واقتصاديا، وقد كانت من نكرات المجتمع. وذلك ما يفسر ظاهرة استعراض الثراء والتبذير في هذه الأسر بشكل صارخ وغير
مسبوق.

– مواجهة الفساد في الجماهيرية : معركة خاسرة ( 3 ، 4 )

نماذج من الفساد في حماية الفساد السياسي ( جزء 3 )
– اختلاس المال العام – الرشاوي والعمولات – الاحتكار – الاحتيال والغشر – الابتزاز
إعداد فريق الشفافية ليبيا

من المقولات الفاسدة التي يرددها البعض في ليبيا أن “قليل من الفساد ضروري مثل حاجة الطعام للملح” وهي مقولة فاسدة ولكن الواقع أن شئ من الرشوة يجعل البيروقراطية أكثر سلاسة وأكثر سرعة لإنجاز بعض المهام، لأن البيروقراطية الليبية جامدة ومتكلسة وهناك إفراط من قبل الإدارة في الإجراءات الإدارية التي ليس لها معنى كما أن هناك الكثير من التفريط في حقوق المواطن. فالمواطن قد يضطر إلى الرشوة لفتح بعض الأبواب المغلقة والحصول على حقوقه التي كان من المفروض أن يحصل عليها دون اللجوء إلى الرشوة. كما أن رجل الأعمال الليبي النظيف يعاني الأمرين عندما يحتاج إلى أي إجراء إداري مما يجعل من المستحيل إدارة أعماله أو تجارته بنجاح، فيلجأ إلى الرشوة للتخفيف من حدة البيروقراطية وإنجاز ما يريده منها. كل هذه ممارسات فاسدة وغير قانونية ولكن هذا التقرير سيركز على نماذج من “الفساد الأكبر” وعلاقته بالقيادات السياسية وما تقدمه من رعاية وحماية، ومنها على سبيل المثال:

1 – اختلاس المال العام

الاختلاس المقصود هنا هو سرقة مئات الملايين وربما البلايين من الدولارات من المال العام من قبل القيادات السياسية أو موظفين أو مسؤولين في أجهزة تابعة لها ولأجهزتها في مؤسسات القطاع العام، وعلى مر عقود من الزمن. وما كان لهذا الكم الهائل من السرقات أن يمر مرور الكرام لولا “حماية” النخبة السياسية الحاكمة لها و”تغافل” الأجهزة الأمنية ذات العلاقة عنها و”تسامح” الأجهزة القضائية المدجنة معها، و”تجاهل” أجهزة الرقابة والمحاسبة ووسائل الإعلام الثورية لها.
في غياب الإرادة السياسية والأجهزة الرقابية والسلطة القضائية المستقلة، لا يمكن الحد من هذا الاختلاس الذي يمثل أكبر أنواع الفساد الذي تفرخه “السياسات الفاسدة”. ولكي نلتزم شيئا من الموضوعية نطرح الأسئلة التالية:
ـ ألم تُسرق الملايين من ميزانية المشتريات العسكرية التي استمرت طوال السبعينيات والثمانينيات والتي اعترف بها رأس النظام رسميا، ونسبت إلى بعض كبار الضباط؟
ـ ألم تُسرق الملايين من براميل النفط لبيعها في السوق السوداء بأسعار متدنية، وخاصة في فترة المقاطعة؟ وأين هي الملايين التي سرقها أولاد العقيد مسعود عبد الحفيظ القذافي وغيرهم من أبناء القذاذفة الذين أصبحوا من أثرياء العالم؟
ـ ألم تُسرق الملايين في زمن المقاطعة والتي وظفتها القيادة السياسية من أجل تحقيق المزيد من السيطرة على مقدرات البلاد؟
ـ ألم يُستولى على الاراضي العامة و تم بيعها على أساس أنها ملكية خاصة بعد تزوير مستنداتها بالتعاون مع مسؤولين في الدولة أو توزيعها على الأقارب والمعارف مقابل مبالغ متدنية؟
ـ ألم تُسرق معدات وأدوات ومواد بناء لاستخدامها في أنشاء عقارات خاصة (بيوت، فيلات، مكاتب، استراحات ومواخير) ضمن إجراءات إدارية مفبركة؟
ـ ألم تسرق معدات وأدوات ومواد بناء لاستخدامها في أنشاء عقارات خاصة (بيوت، فيلات، مكاتب، استراحات ومواخير) ضمن إجراءات إدارية مفبركة؟.
ـ ألم تُسرق أموال طائلة ضمن عمليات استيراد البضائع والمعدات من الخارج التي يتم شراؤها بأسعار أقل من السعر المتفق عليه رسميا؟
ـ ألم تُسرق أموال طائلة في عمليات تحويل مبالغ مالية كبيرة من العملة الصعبة المزورة إلى العملة المحلية في المصرف المركزي في زمن المقاطعة؟
ـ ألم ُتؤخذ قروض استثمارية ضخمة من قبل عناصر “متنفذة” ليس لها مؤهلات أو تجربة تجارية أو قدرة استثمارية لتستحق تلك القروض؟.
ـ ألم تُستثنى “مشاريع تجارية” يملكها عناصر مقربة من أصحاب السلطة من دفع ضرائب أو رسوم جمركية، و تلغى أو تقلص أقساط قروضها؟
ـ ألم تُسرق أموال طائلة من ميزانيات أعياد “الفاتح” و “الجلاء” و “سلطة الشعب” و “السابع من أبريل” التي يصرف عليها الملايين.
ـ ألم تُسرق ممتكات وعقارات ومؤسسات خاصة وأراضي ومحلات تجارية وأموال مودعة في البنوك أيام التأميمات التى قامت بها السلطة؟
ـ ألم تُستورد بضائع “رديئة” بكميات هائلة من قبل عناصر متنفذة، لبيعها بأرباح خيالية دون مراعاة لمواصفات الجودة أو الصلاحية ودون أى رقابة ؟.
ـ ألم تُهرّب أموال طائلة إلى خارج البلاد وتُودَع في المصارف الأجنبية بأسماء وهمية لبعض المتنفذين أو أبنائهم أو أقاربهم؟.
ـ ماذا عن السرقات التي تمت من خلال احتكار بعض المتنفذين لعمليات الإستيراد من الخارج، ومن خلال استغلال وظائفهم ومراكزهم وعلاقاتهم بالقيادة السياسية؟.
ـ ماذا عن السرقات التي تمت من الأتاوات والحصص المالية التي فرضتها عناصر متنفذة على بعض رجال الأعمال والتجار الليبيين مقابل الإفراج عن بضائعهم المحتجزة في الموانئ الليبية؟.
ـ ماذا عن السرقات التي تمت خلال تنفيذ مشاريع البنية التحتية (إنشاء المدارس والمستشفيات، وإصلاح الطرق وتشييد المساكن، وغيرها من الخدمات) حيث تضاعفت الأسعار بسبب الرشاوي التي دفعت للمتنفذين من قبل الشركات التي منحت العقود لتنفيذ هذه المشروعات؟
ـ ماذا عن السرقات التي تمت من خلال إحتكار إستيراد السيارات بمختلف أنواعها بعد فترات طويلة من المماطلة والتحايل على المواطنين؟
ـ ماذا عن السرقات التي تمت عندما أعفيت جمعيات خيرية تنسب لأبناء القذافي والمقربين منه عند أستيرادها الكثير من المنتجات والمواد والمعدات لحسابها؟
ـ ماذا عن السرقات التي تمت باحتكار الماركات العالمية من البضائع والمنتجات المستوردة بمختلف أنواعها؟
ـ ماذا عن السرقات التي تمت من خلال استلام مرتبات بأسماء موتى، أو أطفال قُصَّر على أنهم موظفين في القطاع العام وقد اضطرت القيادة السياسية إلى الاعتراف بذلك مؤخرا؟
هناك نوع آخر من السرقات يتم علنا وبدون مواربة وبشكل فاضح وبكل استكبار وذلك عندما يستغل “أصحاب السلطة وعائلاتهم وأقرابائهم” نفوذهم بحكم علاقاتهم وارتباطاهم بالقيادة السياسية من خلال ما يحصلون عليه من “امتيازات خاصة”، تمكنهم من تحقيق كسب مالي خاطف دون بذل أي جهد يذكر.
هذا النوع من “الامتيازات الخاصة” ليس جديدا بل ظهر في الأشهر الأولى بعد الانقلاب، حيث شاهد الشعب الليبي كيف تعامل بعض ضباط الانقلاب مع تركة العهد الملكي، ولعلنا نفلح في تذكر ما حدث بطرح جملة من الأسئلة:
ـ ألم يقم بعض ضباط الانقلاب وبعض العناصر المقربة من الانقلابيين بالاستيلاء على ممتلكات رجالات العهد الملكي بدون وجه حق؟ ألم يزل بعضهم يتمتع بتلك الممتلكات حتى وقتنا الحالي؟
ـ ألم يقم بعضهم بانتزاع ممتلكات الطليان (بيوت ومزارع ومتاجر وحسابات مصرفية) عقب إخراجهم من البلاد وقد وزعت فيما بعد على فئة المقربين من الانقلابيين آنذاك؟
ـ ألم تقم فئات قبلية مقربة من الإنقلابيين بالنزوح إلى المدن والإستيلاء على بيوت ومزارع العائلات التي تم تأميم ممتلكاتها تحت شعار البيت لساكنه ؟

2- الرشاوي والعمولات

المفهوم السائد في الشارع الليبي أن الرشوة هي عملية دفع واستلام مبلغ مالي أو أي شئ آخر له قيمة مادية مقابل خدمة يقدمها الذي يستلم المبلغ المالي للدافع، وتشمل العديد من الأمثلة التي يصعب حصرها.
– فالموظف الذي يطلب ورقة (العشرة دينارات) مقابل معاملة إدارية معينة هو مرتشٍ.
والمعلم الذي يستلم هدية من أسرة الطالب مقابل ضمان نجاح ابنهم التلميذ في نهاية العام الدراسي هو مرتشٍ.
– والطبيب أو الممرض الذي يستلم مبلغ مالي مقابل استكمال التقرير الطبي أو إصدار ما يعين المواطن على الحصول على موافقة للعلاج في الخارج فهو مرتشٍ.
– وأمين اللجنة الشعبية أو مدير المشروع الذي يستلم هدايا وأموال مقابل توظيف أبناء عمومته وأقربائه ومعارفه وهو يعلم تمام العلم عدم كفاءتهم لتلك الوظيفة في الوقت الذي يحرم منها المواطن الكفؤ الذي صرفت عليه الدولة مبالغ طائله لتأهيله لتلك الوظيفة هو مرتشٍ.
وهناك أمثلة كثيرة حول هذه الممارسات والتي تقع أيضا ضمن خانة “الرشوة” ولها دور في نشر الفساد في المجتمع، وهناك من يعتقد بأن مثل هذه الممارسات تدخل ضمن بند إعادة توزيع الثروة حيث يشعر المواطن أن هناك سوء توزيع للثروة وأنه لم يأخذ حقه منها وبالتالي يبرر لنفسه هذه الممارسة فيسعى للحصول على ما يمكن اعتقادا منه أنه بذلك يساهم في توزيع الثروة بين المواطنين. وهناك من يتصور أن هذه الممارسات ضرورية لأنها تسهل الأمور وتجعل العملية الإدارية أكثر فعالية وتحارب البيروقراطية القاتلة. المهم أن هذا النوع من الرشوة أيضا يعمق الفساد بكل أنواعه ويجعله ممارسة مقبولة اجتماعيا وقانونيا. ولذلك فإن دفع أو تلقي الرشوة (كبرت أو صغرت) هي جريمة يشترك فيها الدافع والمستلم وهي معاملة فاسدة ويفترض أن يعاقب عليها القانون. وهناك تسميات كثيرة ابتدعها أصحاب الرشاوي في المجتمع الليبي تدخل كلها في نطاق الرشوة. ولنفترض أننا تجاوزنا تلك الممارسات التي انتشرت بين الموظفين الصغار في المؤسسات الحكومية فكيف لنا أن نبرر ما تحدثه تلك الرشوة على مستوى المسؤولين والموظفين الكبار في القطاع العام. ولذلك نركز في هذا التقرير على رشوة من نوع آخر.
فالرشوة التي تهمنا هنا هو ما يستلمه مسؤول في الحكومة (من أموال وهدايا وغيرها من الأمور والتي تصل قيمتها في بعض الحالات الى مئات الآلاف وربما الملايين)، فمثلا:
– مسؤول يسلتم من ممثل شركة وطنية أو أجنبية مبالغ مالية مقابل تفضيله لملف الشركة عند طرحه للعقود المقدمة .
– مسؤول يستلم رشوة مقابل تمكين شركات محلية وأجنبية من الهروب من الضرائب.
– مسؤول يستلم رشوة من بعض التجار الفاسدين من أجل احتكار سوق مواد غذائية مدعومة من الدولة.
– مسؤول يستلم رشوة من مكاتب استيراد وتصدير للحصول على تراخيص دون اكتمال الشروط القانونية والبيئية لها.
– قاض أو محامي أو كلاهما يستلمان رشوة مجزية من قبل أحد المتورطين في الفساد أو في جريمة أخرى من أجل تجنب الملاحقة القانونية أو تخفيف العقوبة.
– مهندس مسؤول عن إجازة تصاريح تصاميم البناء يستلم رشوة مقابل التغاضي عن عيوب في التصاميم أو غش في مواصفات مواد البناء أو غيرها من المخالفات القانونية.
– مسؤول يستلم رشوة لكي يضغط على لجنة امتحانات لإنجاح طالب راسب في أكثر من مادة.
– مسؤول يستلم رشوة لضمان تنسيب طلبة في كليات معينة (الطب أو الهندسة) أو من أجل ضمان بعثة دراسية للخارج لطلبة معينين بغض النظر عن مستواهم الأكاديمي.
– مسؤول يستلم رشوة من أجل الضغط لإصدار شهادات تخرج أو شهدات عليا مزورة من الجامعات المحلية دون استكمال الشروط لذلك.
– مسؤول يستلم عمولة لإرساء عقود لإنشاء أو صيانة مدارس أو مستشفيات أو أية مباني أخرى رغم ارتفاع قيمة العقد على غيره من المتقدمين وافتقار الشركة للخبرة المطلوبة.
– مسؤول في جهاز الضرائب يستلم رشوة مقابل تزوير أو غض الطرف عن نتائج حسابات الشركة أو التشاركية المخالفة للقانون.
– مسؤول في قطاع الصحة يستلم رشوة مقابل تقديم تقارير طبية للعلاج بالخارج لمرضى لا يستحقونها.
– مسؤول في قطاع الصحة يستلم رشوة من أجل استخراج أدوية من مخازن الحكومة لبيعها في السوق السوداء أو تهريبيها عبر الحدود لدول الجوار.

3- الإحتكار

من الممارسات التي أفرزها مناخ الفساد وكانت لها انعكاسات سيئة على المواطن بروز مجموعات من عناصر متنفذة في شكل عصابات تخصصت في احتكار الحاجات الأولية للمواطن الليبي فقامت باستيرادها والمتاجرة بها مستغلة مناصبها ومكانتها في الدولة ودون أي اعتبار للمصلحة الوطنية، ومنها على سبيل المثال:
ـ عصابات احتكرت استيراد وتسويق بعض السلع التموينية في الداخل وتهريبها عبر الحدود لبيعها في السوق السوداء لدول الجوار.
ـ عصابات احتكرت مواد البناء كالخشب والحديد والطوب والأسمنت والطلاء، وبالتالي تحكمت في الأسعار بدون أية منافسة.
ـ عصابات احتكرت استيراد وتسويق الأدوية في الداخل وتهريبها إلى دول الجوار.
ـ عصابات احتكرت أعلاف الحيوانات واللحوم والمواد الزراعية من مواد كيماوية وأسمدة وغيرها من المستلزمات.

4- الاحتيال والغش

“الاحتيال” هو جريمة تنطوي على نوع من الخداع وقد وُصفَ “القطط السمان” رسميا بأنهم من (الحذّاق). والاحتيال على المال العام هو من أكبر الجرائم التي تتجاوز مجرد ممارسات فردية بأخذ “الرشوة”، فربما تكون الرشوة بمعرفة أجهزة الرقابة والأمن في الدولة وربما تكون هناك عدة أطراف مسؤولة في الدولة على علم بتلك العمولات الكبيرة من الشركات الأجنبية ولها حصة فيها، أما الإحتيال فهو “خداع الجميع”، والحذاقة إذا توفرت لدى شخص على درجة كبيرة من المسؤولية في الدولة فالنتيجة تكون سيئة للغاية. ولعل من أكبر عمليات الاحتيال عندما يشارك مسؤولون في الدولة في التجارة غير المشروعة أو في تهريب السلع المدعومة الى الدول المجاورة. و”الغش” عادة ما يقوم على “حيل قذرة” غير قانونية ولا أخلاقية من أجل الاستيلاء على المال العام.

5- الابتزاز

الابتزاز هو الحصول على المال بشكل قسري وعبر التهديد باستخدام القوة وبطرق غير قانونية وغير أخلاقية، وهي من أهم وسائل “المافيا” في جمع الأموال. ومن المعروف أن المشاريع التجارية والاستثمارية الضخمة لا يمكن الحصول على ترخيص لها إلا بمشاركة أحد عناصر النظام أو أحد المقربين من السلطة الحاكمة.
من المصطلحات التي اشتهرت في أوساط “الثوريين” و”عناصر الأمن” مصطلح “الحماية” ويقصد به أن البعض يحصل على “الحماية” و “الأمان” من عناصر متنفذة ومقربة من السلطة الحاكمة فلا يتم المساس بهم أو التعرض اليهم. هذه الحماية عادة ما تأتي في إطار الابتزاز للحصول على مقابل ما. فكم من رجل أعمال وقع ضحية هذا النوع من الابتزاز من ضابط كبير في الأمن أو في أجهزة النظام الأخرى. وعادة ما تكون عملية الابتزاز مجحفة في حق المواطن حيث مقابل المبالغ المالية التي سيقدمها للحصول على الحماية فإنه لن يحصل على أكثر من مجرد الوعود الفارغة بأنه محمي. في غياب القانون يجد المواطن نفسه مضطرا للانصياع للابتزاز وقد انتشرت ثقافة الابتزاز على جميع المستويات فعلى سبيل المثال:
– ليس غريبا أن يقوم شرطي المرور بإيقاف بعض السائقين ليبتزهم بعد أن يستولى على رخص القيادة وبعض المستندات الخاصة بالسيارة، ويكون الابتزاز في شكل مقايضة رخصة القيادة بمبلغ مالى أو علبة سجاير، أو ساندويتش، أو شفرة الهاتف، …الخ).
– وليس غريبا أن تصدر أوامر عليا تمنع تفريغ حاويات بعض التجار خلال شهر رمضان، ولا يسمح لهم بتسلم بضائعهم إلا بعد دفع مبالغ مالية.
– وليس غريبا أن يقوم ضابط الحرس البلدي والجمارك بابتزاز أصحاب الدكاكين مقابل تقديم الحماية لهم من تعريضهم للمخالفات المالية أو مقابل إخلاء سبيل بضائعهم في المواني أو المطارات.
– وليس غريبا أن يقوم أحد المسؤولين بابتزاز شركات أجنبية تعمل في ليبيا، فلا يسمح لها بالحصول على عقود لتنفيذ أى مشروعات، إلا بعد دفع ملايين الدولارات كرشاوي إلى عناصر من القيادات السياسية الفاسدة أو من يمثلها.
– وليس غريبا أن يقوم مسؤول بالتهديد بإيقاف التراخيص والتصاريح للمواصفات الفنية الخاصة ببعض مشاريع الطرق أو الجسور أو المباني قبل الحصول على نسبة من العقد كعمولة.
– وليس غريبا أن يقوم مهندس مسؤول بفرض غرامة مالية كبيرة بسبب افتقاد بعض الشروط الفنية أو التصاريح الضرورية مقابل الحصول على رشوة لصالحه.
– وليس غريبا أن يقوم مسؤول في الحكومة بتقرير عدم صلاحية إنشاءات جديدة (مبان أو مخازن أو عيادات أو غيرها) باعتباره مخالفا للمواصفات المطلوبة ما لم تدفع له رشوة كبيرة.

6- أنواع أخرى من الفساد

هناك أنواع كثيرة من الممارسات الفاسدة التي سادت معاملات مؤسسات الدولة وأجهزة النظام وهي ممارسات طالت الجميع حيث يعاني منها اقتصاد البلاد أيما معاناة، ومنها: (أ) تزوير الأوراق والوثائق الرسمية و تزييف الأختام والعلامات الرسمية. (ب) تهريب الأرصدة والأموال للخارج تحت رعاية مؤسسات الدولة. (ث) غسل الأموال المسروقة لتحويلها أو نقلها أو ضخها في الدورة المالية داخل البلاد وخارجها.

========================
مواجهة الفساد في الجماهيرية: معركة خاسرة ( جزء 4 )
– ماذا عن المستقبل؟
إعداد فريق الشفافية ليبيا
أفادت التجارب التي خاضتها قوى الإصلاح في العديد من الدول التي عانت من الفساد بأن الاستراتيجية الناجعة للحرب ضد الفساد ينبغي أن تحشد قوى فاعلة ضمن دوائر القيادة السياسية، والأجهزة التنفيذية، والمجتمع المدني، والمعارضة السياسية.

أفادت التجارب التي خاضتها قوى الإصلاح في العديد من الدول التي عانت من الفساد بأن الاستراتيجية الناجعة للحرب ضد الفساد ينبغي أن تحشد قوى فاعلة ضمن دوائر القيادة السياسية، والأجهزة التنفيذية، والمجتمع المدني، والمعارضة السياسية.
وعند النظر إلى هذه القوى ومدى قدرتها على التصدي لظاهرة الفساد في ليبيا، نخلص إلى أن الحرب ضد الفساد خاسرة للأسباب التالية:

أولا: عجز القيادات السياسية .. بسبب افتقادها لشرط مهم وهو أنها إلى حد ما متورطة في الفساد وراعية له. ففي الأنظمة الديمقراطية، فضائح الفساد تكشفها الصحافة الحرة، والأجهزة الرقابية ، وقد يؤدي ذلك إلى إسقاط حكومات وإلى إقالة زعماء سياسيين متورطين، أما في الجماهيرية فرغم أن الفساد عميق الجذور في أجهزة النظام ومؤسسات الدولة، ورغم أن القذافي اعترف بذلك رسميا، ولكننا لم نسمع بإقالة “رئيس حكومة” أو استقالة “وزير” أو تقديم “مسؤول” للقضاء.
لا شك أن الحد من الفساد يحتاج إلى “إرادة سياسية”، فمن خلال مجموعة من القرارات والقوانين والسياسات الصارمة التي تتصدى للفساد، وضمن حملة إنزال عقوبات رادعة بالمفسدين المدانين قانونا يمكن الحد من الفساد وتحجيم المفسدين. ولكن عندما يعترف النظام بتفشي الفساد ويطلب تقديم “إقرارات الشفافية” من قبل المتنفذين في الدولة إلى المحكمة العليا، ولا يحدث شئ في هذا الملف بالمطلق، أليس هذا مدعاة لطرح جملة من الأسئلة؟.
– هل القيادة السياسية هي من يرعى الفساد ويحمي المفسدين؟ ولماذا يتم السكوت عن المفسدين طوال السنوات الماضية؟ هل من أجل شئ ما؟
– وإذا كان الفساد يتم برعاية وحماية القيادة السياسية، فهل يعني ذلك أن القيادة السياسية توظف ذلك للحصول على شئ ما لخدمة أجندتها الخاصة؟ وهل المسألة مرتبطة بما يقدمه رموز الفساد من ولاء للقيادة السياسية؟
– ألا يمكننا أن نخلص إلى أن الفساد في الجماهيرية اصبح أداة من أدوات الحكم؟
الملاحظ أن الشخصيات الرئيسية في كل الإدارات والأجهزة والمؤسسات هي شخصيات مسيّسة وبعضها مؤدلج سواء من الأجهزة الأمنية أو اللجان الثورية أو من العسكريين الذين حُوِّلوا على الحياة المدنية بترتيب الاستخبارات العسكرية أو بترتيب غيرها، كل ذلك من أجل التحكم في الثروة الوطنية وبالتالي يكون الفساد في هذه الحالة ضروريا لإبقاء الوضع القائم في حالة سيطرة كاملة، أي أنه أداة من أدوات السيطرة على الأمور.

ثانيا: عجز الأجزة التنفيذية … بسبب افتقادها لشرط مهم وهو أن العديد من قيادات أجهزة النظام ومؤسسات الحكومة (الأجهزة التنفيذية والأمنية والرقابية) متورط أيضا في ممارسة الفساد، وهذا ما يجعل المسألة في الحالة الليبية في غاية التعقيد. فالجهاز التنفيذي للدولة ينبغي أن يكون على قدر كبير من الروح الوطنية والحرص على المصلحة العامة وعلى أن يحمي الثروة العامة وكل ذلك يعتمد على نوعية القيادات التنفيذية من البيروقراطيين والتكنوقراطيين والإداريين المخضرمين والذين ليسوا بالضرورة من المسيّسين أصحاب الولاء الأعمى للنظام السياسي ، بل ينبغي أن يكون ولاؤهم المطلق إلى الوطن والمواطن.
إن الجهاز التنفيذي مطالب أيضا بمقاومة الفساد والحد منه بفعل السياسات الإدارية وبفعل المؤسسات الرقابية مثل ديوان المحاسبة، والمحاسب العام، والرقيب العام، والمحامي العام. ولكن في الحالة الليبية نجد أن كل هذه المواقع تحت سيطرة عناصر مسيسة ومؤدلجة ومساهمة بشكل كبير في الفوضى الإدارية التي تعيش فيها الدولة وبالتالي يشاركون في رعاية الفساد بهدف إطالة عمر النظام السياسي.
وفي أحد الأوراق القيمة للدكتور بعيرة التي قدمها أمام مؤتمر التنمية المستدامة في ليبيا في يونيو 2008، والتي تناولت بشكل غير مباشر مسألة عجز الدولة في الجماهيرية في مواجهة الفساد، طرحت الورقة مجموعة من الأسئلة حول ما يتوفر لدى ليبيا من إمكانات لقيام إدارة عامة رشيدة قوامة من منظور دولي، وفق عدد من المؤشرات العالمية، وكان من أهمها مؤشري (ضبط الفساد) و (المساءلة العامة). فطرح البحث عدد من الاسئلة منه السؤالين التاليين:
– هل تتوفر لدى الإدارة في الجماهيرية القدرة على ضبط الفساد الإداري وتعزيز الشفافية وصولاً إلى الإدارة الرشيدة القوامة؟
– هل تتوفر للإدارة الليبية فكرة المساءلة والمحاسبة الصحيحة في مؤسسات الدولة وكذلك كافة المؤسسات الأهلية والخاصة بحيث تكون مساءلة شاملة أمام المجتمع والأطراف ذات العلاقة فيما يتعلق ببرامج التنمية المستدامة ؟
وعند النظر إلى مؤشر ضبط الفساد (Corruption Control Index)، يتبين أن الجماهيرية تحتل موقعا متدنيا في العالم (ما بين الربيعين العاشر والخامس والعشرين) مقارنة بمثيلاتها من الدول النامية وخاصة النفطية منها.

المصدر: بحث بعنوان “لا تنمية مستدامة بدون إدارة قوامة” إعداد د. أبوبكر مصطفى بعيرة ، وأ. أنس ابوبكر بعيرة مقدم إلى مؤتمر التنمية المستدامة في ليبيا (28-30 يونيو 2008) مركز البحوث والاستشارات – جامعة قاريونس.

أما عند النظر إلى مؤشر المساءلة العامة (Voice and Accountability Index) فإن الجماهيرية تقع ضمن تصنيف متدني جدا. وهذا التدهور في ثقافة المساءلة العامة له صلة بالاستبداد السياسي وطبيعة النظام السياسي الأمنية. فأجهزة الأمن بدلا من أن تكون راعية وداعمة لثقافة الرقابة والمساءلة العامة لأجهزة الدولة بهدف محاربة الفساد بكل أنواعه تحولت إلى راعية له. والمصيبة الأكبر أن المهارات التي أتقنها ضباط الأمن في الجماهيرية هي مهارات التجسس الرخيص والإيقاع بكل من يفكر في الحرية والديمقراطية والتخلص من جحيم الاستبداد، أما مهارات حماية أمن المواطن والوطن والحفاظ على ثروته فهي ليست من أوليات برامج تدريب وتأهيل الذين ينخرطون في الأجهزة الأمنية.
المفارقة أن “القطط السمان” من القيادات التنفيذية في ليبيا ليس لديها ثقة في الأوضاع السياسية ولا في الاقتصاد الوطني وبالتالي تسعى لأن تحصل على الرشاوي والعمولات خارج ليبيا، وإذا استلموا الرشاوى في الداخل فإنا تسعى إلى تصديرها إلى الخارج في أقرب وقت ممكن. وإذا ما اضطروا إلى استثمارها في داخل البلاد فهي عادة ما تستثمر في مجالات غير منتجة للدورة الاقتصادية (شراء السيارات الفارهة و كميات خيالية من الذهب والفضة بمبالغ خيالية، واقتناء أحدث أنواع الأجهزة الالكترونية، … الخ)، وربما يذهب بعضها الى حد التهور باستثمار تلك الأموال في سوق (المخدرات و الأدوية الفاسدة).
ثالثا: عجز المجتمع المدني والأهلي… بسبب غيابهما أصلا، فلابد أولا أن يكون هناك مجتمع مدني حر، وأن تكون مؤسساته مستقلة عن الحكومة والنظام لكي يستطيع أن يلعب دورا مؤثرا في معركة التصدي للفساد. أما في غيابهما فإنه من المستحيل أن نتوقع إمكانية مساهمة فعالة في الحرب ضد الفساد. فالمجتمع المدني الحر يصر ويدافع ويحمي قيم الشفافية والمساءلة والمسؤولية والفصل بين السلطات وسيادة القانون واستقلالية القضاء وفاعلية الجهاز التشريعي وكلها قيم إنسانية تنسب للنظم الديمقراطية. ومؤسسات المجتمع المدني ضرورية لدفع القيادات السياسية لتحمل مسؤولياتها وللرفع من شان الخدمة العامة ولرصد ومراقبة ظواهر الفساد السياسي والمالي والاخلاقي وكشفها عبر وسائل الاعلام الحرة المرئية والمسموعة والمقروءة، بل عليها أن تطارد المفسدين وتطالب بمحاكمتهم أمام القضاء العادل النزيه المستقل، وعلى الأجهزة القضائية ومكاتب الإدعاء العام ومؤسسات المحاماة أن تكون متفاعلة مع نبض المجتمع المدني والأهلي وأن تتقبل الشكاوي وأن تقوم بمهمة التحري وجمع المعلومات ومتابعتها.
رابعا: عجز المعارضة الليبية… بسبب وجودها خارج البلاد وأيضا لغياب أي هامش للعمل السياسي المعارض داخل ليبيا بصورة قانونية، فالأحزاب السياسية والمنظمات والاتحادات والهيئات المعارضة للسلطة الحاكمة لا حق لها في الوجود في النظام الجماهيري ولذا لا يمكن أن نحملها مسؤولية محاربة الفساد بوسائل الضغط على الجهاز التشريعي أوالتنفيذي المقننة، إلا بالقدر المتاح لها من خارج البلاد.
الخلاصة أن الحرب على الفساد في ليبيا خاسرة ما لم تتوفر لها شروط أساسية أقلها ألا تكون القيادات السياسية والتنفيذية متورطة في الفساد، وأن يكون هناك مجتمع مدني حر ومستقل عن النظام، وأن تكون هناك معارضة سياسية معترف بها وتعمل في العلن حسب ما ينص عليه القانون الأساسي للبلاد (الدستور).

ماذا عن المستقبل؟
إن من أهم الأسباب التي أدت إلى تفاقم ظاهرة الفساد الاقتصادي والإداري في الدولة هي سوء الإدارة وغياب الرقابة والمساءلة وعدم خضوع المسؤولين في الدولة إلى مبادئ الشفافية. فالفساد في ليبيا تجاوز مرحلة الظاهرة وأصبح بمثابة “السرطان الخبيث” الفتاك الذي يحطم أنسجة وألياف الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية في المجتمع، وعامل التدمير للأجهزة الحيوية في جسد المجتمع والدولة. ولما كان كل شئ في ليبيا مرتبط بالقيادة السياسية التي تمارس “السلطة المطلقة .. المفسدة بالمطلق” فإنها ـ أي القيادة ـ هي المسؤول الأول والأخير عن تفريخ “الفساد السياسي” الذي هو أَبو الفساد الاقتصادي والإداري.
إن لأجهزة الحكم دور كبير في زيادة الفساد من خلال تبنيها أجواء ومناخات تدعو وتمارس ثقافة الفساد أرادت بها الحفاظ على التوازنات “السياسية والأمنية والعسكرية والثورية والقبلية” المسيطرة، بهدف الإبقاء الدائم على وجودها في موقع متميز من القيادة السياسية وبما لا يؤثر سلبا على امتيازاتها. أدت تلك السياسات إلى توسيع رقعة الفساد، مع تصاعد سياسات الانفتاح الاقتصادي.
إن أنجع السبل لمحاربة الفساد هو أن تكون الحرب ضد الفساد ضمن خطة استراتيجية شاملة لإعادة الديمقراطية وإنهاء الدكتاتورية في ليبيا، فكما أن الفساد السياسي هو أبو الفساد المالي والإداري فإن الإصلاح السياسي هو أبو الإصلاح المالي والإداري.
لا مجال لتحقيق أي تقدم في محاربة الفساد إلا بتحديد ماهية ودور القيادات السياسية الفاسدة وما تقدمه للفساد ورموزه من رعاية وحضانة. وخلال هذا المسار لا مفر من بذل جهود مستقلة تقوم بالرصد والتحري والمتابعة واستطلاع الأراء وتدوين المعلومات وترتيبها وتقريرها لتوظيفها في الوقت المناسب. ويظل هذا الجهد ناقصا إذا تغافل عن مهمة رصد ودعم العناصر الإصلاحية التي تقف نفس الموقف الإيجابي من الديمقراطية والإصلاح.
على الرغم من صعوبة تحقيق هدف القضاء على الفساد في المرحلة الراهنة وعلى المدى المنظور، إلا أن ذلك لا يعنى التسليم للفساد ورموزه بل ينبغي الاستمرار في محاربته وكشفه وتعرية المفسدين والعمل على تقديمهم لقضاء عادل. والمسألة هنا ليست مجرد رغبة في رفع المزيد من الشعارات التي تطالب بالقضاء على الفساد، فمجرد رفع الشعارات الجوفاء حول ضرورة مكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين، من دون اتخاذ إجراءات تنفيذية صارمة لن يؤدي إلا إلى تكريس لمعادلات الفساد القائمة.
إن أي خطة لمحاربة الفساد لن يكتب لها النجاح دون وجود مناخ سياسي واجتماعي صحي مناسب. وبالتالي ليس هناك مفر من إجراء معالجة متكاملة لإشكالية السلطة والحكم والثروة على صعيد الدولة والمجتمع، وإلا فإننا سنبقى نلف في حلقة مفرغة، ولن تحقق أي خطة لمكافحة الفساد جدواها أو الفائدة المرجوة منها ما لم تعالج أسباب ومقدمات الفساد لا نتائجه فقط وأول تلك المقدمات تكمن في الفساد السياسي. وبالتالي لابد من اتخاذ إجراءات عملية، نحسب أن القيادات السياسية الفاسدة لن تسمح بها أو بمثلها ما دامت على قمة هرم السلطة في الجماهيرية، ومنها:
ـ البدء فورا بمعاقبة كبار المخالفين واللصوص والمفسدين المحترفين العاملين في أجهزة الدولة ومؤسسات القطاع الخاص بما فيهم القيادات السياسية الفاسدة التي يثبت تورطها في الفساد، ومن جهة أخرى لابد من إلغاء أو تعديل القانون رقم 15 بهدف تحقيق زيادة “مناسبة” لدخل الموظف.
ـ إجراء تغييرات سياسية جذرية تتركز حول إصلاح مؤسسات الحكم، وتبني أساليب الحكم المؤسسي الحديث بدلا من الحكم الفردي الذي أوصل الوطن لهذا المنخنق، مما يعني إذعان القيادة السياسية في الجماهيرية للديمقراطية “الحقيقية” كآلية للعمل السياسي الحر، والتنافس السلمي الخلاق، وتداول السلطة وسيادة القانون وتطبيقه.
ـ إنشاء نظام رقابي فعّال مستقل لتنفيذ جملة إجراءات إدارية ورقابية قانونية فعالة. وتفعيل مؤسسات الإعلام “الاستقصائي” لما له من أثر كبير في الكشف عن عمليات الفساد. وأيضا تفعيل دور منظمات المجتمع المدني للمساهمة في الحد من الفساد وأشكاله المختلفة.
هناك شبه أجماع في ليبيا على ضرورة وجود “حكومة صغيرة وفعالة” توفر الأمن والخدمات الأساسية وتسمح للسوق بالازدهار وللناس بأن يعيشوا حياة سعيدة وصحية دون تدخلها في كل شؤونهم اليومية، لكن العقيد القذافي يصرّ على ضرورة التخلص من “نموذج الحكومة” الذي يصورها على أنها نقيض لسلطة الشعب، ويستثنى من ذلك الجزء المهم الذي يحمي النظام والذي يضم “أجهزة الأمن الخاصة” و”الكتائب المسلحة” و”وزارات” النفط والخارجية والاقتصاد”. وبالتالي إذا ما تم في المستقبل القريب التخلص من دور الحكومة في مجال الخدمات العامة (التعليم والصحة والمواصلات …الخ) فإن ذلك سينعكس بشكل سلبي على أي محاولة لنجاح مشاريع التنمية في المستقبل. فالقيادات السياسية الفاسدة في ليبيا هي التي تملك “الثروة النفطية” بامتياز وبالتالي هي صاحبة الدور الأكبر في “رعاية” الفساد في البلاد تحت أي ظرف وخاصة في غياب حكومة مركزية قوية.
لقد تبلور فهم عام في المجتمع الليبي بأن مناخ الفساد أصبح سائدا ومقبولا في جميع مؤسسات الدولة وعلى رأسها المراكز العليا فيها. هذا الفهم يؤكد مقولة “كلما انتشر الفساد زاد القَبول له في المجتمع”. هذا الانتشار المفجع للفساد في مؤسسات الدولة أنهكها، ولكن في المقابل فإن القيادة السياسية ازدادت قوة وسيطرة بضعف “الحكومة”. ولذلك نتوقع أن يزداد النظام قوة ويستمر في ممارسة أقصى درجات التحكم في الفساد، ويوجهه بما يخدم مصالحه، كأي أداة أخرى من أدوات الحكم والسيطرة. هذا على المدى القريب، أما على المدى المتوسط والبعيد فالأرجح أن ضعف الحكومة سيمثل خطرا أكبر على استقرار البلد من خلال إزدياد نسبة أفراد المجتمع الليبي الذين يعيشون تحت خط الفقر، وازدياد نسبة البطالة التي وصلت إلى أكثر من 20 % ، وبالتالي ازدياد نسبة الجريمة بكل أنواعها في المجتمع الليبي.
إن ضخ المزيد من أموال النفط في شريان الاقتصاد الليبي سيؤدي إلى المزيد من الفساد بسبب السرقات والإختلاسات، ولا نتوقع أي نجاح للمشاريع التنموية، أو لإعادة توزيع الثروة بصورة عادلة، أو لإعادة هيكلة الدولة بصورة أكثر فاعلية وخادمة للمواطن، بل ستضل هذه المشاريع والمخططات تُسنَد إلى شخصيات يتم اختيارها بناء على معيار الولاء للقيادة السياسية وليس على معايير الجدارة والاقتدار لإدارة تلك المهام.
النخبة الحاكمة وخاصة التي تملك الثروة والسلطة والسلاح (أجهزة الأمن والكتائب العسكرية الخاصة) والتي تسيطر على مدخرات البلاد اكتسبت قدرة كبيرة للدفاع عن نفسها وتأمين ثروتها المغصوبة، وسلطتها السياسية المفروضة، ومكانتها الاجتماعية المشتراة، وعلاقاتها الأمنية الغادرة. هذه النخبة الحاكمة مستعدة لممارسة أي نوع من أنواع العنف ولو أدى الأمر بها لخوض حربا داخلية من أجل استمرار سيطرتها على مؤسسات الدولة، ونظامها السياسي اللذين يوفران لها إمكانية السيطرة على الموارد العامة وابتزاز الشركات الأجنبية التي تعمل في البلاد. ولذلك لا نتوقع تغيرا ايجابيا لأوضاع البلاد في المرحلة الراهنة، ولكن الأمر الأكثر توقعا هو أن الفساد سيخرج من قبضة القيادة السياسية وأن تكون المجموعات المتنفذة أمنيا وعسكريا واقتصاديا هي المرشحة الأقوى والأقدر على تحقيق أكبر قدر من السيطرة على اقتصاديات البلاد، فالنظام السياسي قد تم اختطافه وأصبح رهينة لهذه المجموعات، فكل إدارة سياسية يمكن شراؤها وكل قرار سياسي يمكن توظيفه أو التأثير فيه، وسيضل هَمُّ القيادة السياسية هو إطالة عمر نظامها بأي وسيلة.
تزداد التكهنات يوما بعد يوم بما سيحدث في حال غياب رأس النظام بشكل مفاجئ، خاصة أن القيادات السياسية الفاسدة ستكون أكثر عنفا للمحافظة على مصالحها وقد تدفع بالبلاد غلى ما يشبه الصراعات العشوائية التي تهدد تماسك الدولة وسيادتها وبالتالي تهدد وحدة البلاد وأمنها. ونحن نتوقع أن البلاد لن تخرج من مأزقها إلا إذا تظافرت جهود قوى وطنية مخلصة من داخل النظام ومن خارجه بالاستعداد لتلك المرحلة القادمة لا محالة. المطلوب هو أن تكون هناك مؤسسات فاعلة وإجراءات واضحة، وضوابط مؤسسية، وسيادة للقانون، وأن تكفل حرية الحصول على المعلومات ونشرها ، وترسيخ ثقافة الشفافية، وحرية النقد، والحق في مساءلة الحكومة، وأن يكون الإعلام مستقلا وقادرا على دوره الإستقصائي، وأيضا أن يكون هناك انفتاح بين صانعي القرار وبين أصحاب الفكر والتجربة والرؤى التي تخرج البلاد من أزمتها.

انتهى التقرير ليلة السابع من أبريل 2009

المحرر: تم إعداد هذا التقرير بمساهمات مهمة لبعض الإخوة وعلى رأسهم الأخوين حسين وعبد الله، مراسلي الموقع، فلهما ولبقية المشاركين في الحوارات التي دارت حول التقرير كل الشكر والتقدير.