– تقرير منظمة العفو الدولية – ليبيا 2009

ليبيا

رئيس الدولة معمر القذافي – رئيس الحكومة البغدادي علي المحمودي – عقوبة الإعدام مطبَّقة – تعداد السكان 6.3 مليون نسمة – متوسط العمر المتوقع 73.4 سنة – معدل وفيات الأطفال دون الخامسة 20 (ذكور) / 19 (إناث) لكل ألف – معدل الإلمام بالقراءة والكتابة لدى البالغين 84.2 بالمئة

أدى بقاء سجل ليبيا في مجال حقوق الإنسان على حاله واستمرار الانتهاكات إلى إلقاء ظلال على تحسن علاقاتها الدبلوماسية الدولية. وظلت حرية التعبير وحرية الاجتماع وتكوين الجمعيات تخضع لقيود مشددة في مناخ يتسم بقمع الأصوات المعارضة وغياب المنظمات غير الحكومية المستقلة المعنية بحقوق الإنسان. وما برح اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرون يُحتجزون إلى أجل غير مسمى ويتعرضون لمعاملة سيئة. وأُعدم ثمانية مواطنين أجانب على الأقل. وما زالت تركة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في الماضي دون معالجة.

خلفية

شهد عام 2008 مزيداً من التحسن في العلاقات الدبلوماسية بين ليبيا والولايات المتحدة والبلدان الأوروبية. وفي سبتمبر/أيلول، قامت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بزيارة طرابلس، بعد أن اتفق البلدان، في أغسطس/آب، على تسوية للتعويضات المتعلقة بقضية تفجير طائرة لوكربي، بالإضافة إلى مسائل أخرى. وفي أغسطس/آب، أقرت الحكومة «معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون» مع إيطاليا، والتي تتضمن بنداً يتعلق بالجهود المشتركة بين البلدين لمكافحة «الهجرة غير الشرعية». وفي نوفمبر/تشرين الثاني، بدأت مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى إطار اتفاقية تشمل قضايا من قبيل التعاون الاقتصادي وسياسة الهجرة. وفي الشهر نفسه، أجرت الحكومة مفاوضات على مستوى عال مع روسيا بخصوص التعاون في مجال الطاقة، والتنمية النووية للأغراض المدنية، والسياسة الخارجية.

وامتنعت الحكومة عن تقديم دعوات لزيارة البلاد إلى «مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب» و«الفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي» التابع للأمم المتحدة، رغم وجود طلبات بهذا الشأن.

“تواترت الأنباء عن تعرض المحتجزين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء للتعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة…”

قمع المعارضةلم تكن الحكومة تتسامح مع الانتقاد أو المعارضة، وواصلت الإبقاء على تشريعات شديدة القسوة لقمعها. ويُذكر أن التعبير السياسي المستقل والنشاط الجماعي المستقل محظوران بموجب قانون العقوبات والقانون رقم 71 لعام 1972 بشأن تجريم الحزبية، وقد تُفرض عقوبة الإعدام على من يمارسون بشكل سلمي حقهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات. وواصلت السلطات اتخاذ إجراءات ضد أي شخص يتناول علناً القضايا التي تُعد بمثابة محرمات، مثل سجل ليبيا السيئ في مجال حقوق الإنسان أو زعامة معمر القذافي.

وظل سجين الرأي فتحي الجهمي محتجزاً في مركز طرابلس الطبي. وكان قد قُبض عليه في مارس/آذار 2004، بعدما دعا إلى الإصلاح السياسي وانتقد الزعيم الليبي في مقابلات مع وسائل إعلام أجنبية. وعندما مثل أمام إحدى المحاكم، في سبتمبر/أيلول 2006، قضت المحكمة بعدم جواز نظر الدعوى ضده لعدم مسؤوليته عن أفعاله بسبب مرضه العقلي. وفي مارس/آذار 2008، قام طبيب مستقل موفد من منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان»، وهي منظمة غير حكومية مقرها في الولايات المتحدة، بفحص فتحي الجهمي وخلص إلى أنه لم يجد أية علامات تدل على اختلال قواه العقلية، بل وجده في حالة صحية سيئة وفي حاجة لجراحة.

وحُوكم إدريس بوفايد و11 شخصاً آخرين أمام محكمة أمن الدولة، التي أُنشئت في أغسطس/آب 2007 لمحاكمة الأشخاص المتهمين بممارسة أنشطة سياسية غير مرخص بها وبارتكاب جرائم ضد أمن الدولة، وهي محكمة لا تفي الإجراءات المتبعة فيها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وقد صدرت أحكام بالسجن لمدد أقصاها 25 عاماً على إدريس بوفايد و10 آخرين، بعد إدانتهم بتهم ذات صياغات غامضة، من قبيل «محاولة الإطاحة بالنظام السياسي»، و«نشر شائعات كاذبة ضد النظام الليبي»، و«التخابر مع قوى معادية». أما المتهم الثاني عشر فبُرئت ساحته. ولم يُسمح للمتهمين بمقابلة المحامين الذين عينتهم المحكمة خارج قاعة المحكمة، ولم يُسمح لجميع المتهمين، باستثناء واحد فقط، من توكيل محامين من اختيارهم. وكان إدريس بوفايد والمتهمين معه في القضية قد اعتُقلوا في فبراير/شباط 2007، بعدما أصدر مع ثلاثة آخرين بياناً أعلنوا فيه عزمهم تنظيم مظاهرة سلمية لإحياء ذكرى مرور عام على مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً خلال مظاهرة في بنغازي، في فبراير/شباط 2006. ولم يُقدم للمحاكمة شخصان قُبض عليهما في الوقت نفسه، وهما جمعة بوفايد، الذي أُطلق سراحه من سجن عين زارة، في 27 مايو/أيار، بعد أن أمضى أكثر من عام محتجزاً بمعزل عن العالم الخارجي بدون محاكمة؛ وعبد الرحمن القطيوي، الذي ظل مصيره ومكانه في طي المجهول. وقد أُفرج عن إدريس بوفايد في أكتوبر/تشرين الأول، كما أُفرج عن ثمانية من المتهمين معه في نوفمبر/تشرين الثاني، ولم يُقدم أي تفسير للإفراج عن هؤلاء جميعاً. وظل في السجن اثنان ممن صدرت ضدهم أحكام في القضية.

حرية تكوين الجمعياتفُرضت قيود مشددة على الحق في حرية تكوين الجمعيات، ولم تسمح الحكومة بإنشاء منظمات غير حكومية مستقلة لحقوق الإنسان. وكانت المنظمة الوحيدة التي سُمح لها بتناول قضايا حقوق الإنسان هي جمعية حقوق الإنسان في «مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية» المعروفة باسم «مؤسسة القذافي للتنمية»، التي يرأسها سيف الإسلام القذافي نجل معمر القذافي. وفي يوليو/تموز، بدأت المنظمة حملة تحمل اسم «نداء القذافي»، وهي عبارة عن مبادرة لتشجيع الأشخاص على تقديم معلومات وشكاوى عن انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي مارس/آذار، قدم عدد من المحامين والصحفيين والكُتَّاب طلباً لتسجيل منظمة غير حكومية جديدة، وهي «مركز الديمقراطية»، بهدف «نشر وتعزيز قيم الثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون في ليبيا»، إلا إنهم سرعان ما تراجعوا عن الطلب. وحسب رئيس اللجنة التأسيسية للمنظمة جاء هذا التراجع بسبب اعتراض السلطات على 12 ممن وردت أسماؤهم ضمن مؤسسي المنظمة، وبسبب الاعتداء على ضو المنصوري، الذي كان يرأس اللجنة التأسيسية «لجمعية العدالة لحقوق الإنسان» في «مركز الديمقراطية». وكان المنصوري قد اختُطف وتعرض لاعتداء، في يونيو/حزيران، على أيدي ثلاثة مجهولين حذروه من إنشاء تلك المنظمة غير الحكومية.
الأمن ومكافحة الإرهاب

في إبريل/نيسان، أعلنت «مؤسسة القذافي للتنمية» أنه أُفرج عن 90 من أعضاء «الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» عقب مفاوضات قادتها المؤسسة مع قادة الجماعة. وقالت المؤسسة إن المفرج عنهم يشكلون نحو ثلث أعضاء الجماعة.

ولم تفصح السلطات عن أية معلومات بخصوص مواطنين ليبيين اعتُقلا لدى عودتهما من المعتقل الأمريكي في خليج غوانتنامو، وهما عبد السلام الصفراني، الذي أُعيد في ديسمبر/كانون الأول 2006، وأبو سفيان إبراهيم أحمد حمودة، الذي أُعيد في سبتمبر/أيلول 2007.

وكان من شأن غياب أية معلومات عن هذين الشخصين أن يثير مخاوف بشأن سلامتهما وسلامة الليبيين الآخرين في حال إعادتهم في ظروف مشابهة. وظلت السلطات الأمريكية تحتجز سبعة مواطنين ليبيين آخرين على الأقل في معتقل خليج غوانتنامو.
الإفلات من العقاب

تقاعست السلطات عن معالجة النمط القائم منذ أمد بعيد، والمتمثل في إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من العقاب. ولم تُعلن أية معلومات عن التحقيق في الأحداث التي وقعت عام 1996 في سجن أبو سليم بطرابلس، والتي لقي خلالها مئات السجناء مصرعهم، حسبما زُعم. وقد أعلنت «مؤسسة القذافي للتنمية» أن تقريراً أولياً يحدد المسؤولية الجنائية والقانونية عن هذه الواقعة سوف يُقدم إلى السلطات القضائية، ولكنها لم تذكر موعداً لذلك. وفي يونيو/حزيران، أفادت الأنباء أن محكمة شمال بنغازي أمرت السلطات بالإفصاح عن مصير حوالي 30 سجيناً يُخشى أن يكونوا قد تُوفوا أثناء احتجازهم خلال أحداث سجن أبو سليم، إلا إن السلطات لم تعلن عن أية معلومات.

وأشارت بعض الأنباء إلى أن السلطات وافقت على دفع تعويضات مالية لعائلات نحو 35 سجيناً ممن تُوفوا مقابل موافقة هذه العائلات على عدم السعي للحصول على إنصاف قضائي.

ولم تتخذ السلطات أية خطوات لمعالجة تركة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في سنوات سابقة، وخاصة في عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، بما في ذلك الاختفاء القسري لمئات من منتقدي الحكومة ومناوئيها قسراً، ويُخشى أن يكون كثيرون منهم قد تُوفوا أو قُتلوا أثناء احتجازهم. كما تقاعست السلطات عن التحقيق على نحو ملائم في واقعة وفاة أحد الأشخاص في ملابسات مريبة أثناء احتجازه في عام 2008.

ففي مايو/أيار، تُوفي محمد عادل أبو علي أثناء احتجازه عقب ترحيله من السويد في وقت سابق من الشهر نفسه، حسبما ورد. وكان قد قُبض عليه لدى وصوله إلى ليبيا. وقالت السلطات إنه انتحر، بينما خلص تحقيق أجرته وزارة الخارجية السويدية إلى استحالة تحديد سبب الوفاة.

اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرونتواترت الأنباء عن تعرض المحتجزين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء للتعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة، ولا تُوفر الحماية للاجئين وطالبي اللجوء حسبما يقتضي القانون الدولي للاجئين. وفي 15 يناير/كانون الثاني، أعلنت السلطات أنها تعتزم ترحيل جميع «المهاجرين غير الشرعيين»، وفيما بعد نفذت عمليات ترحيل لأعداد كبيرة من مواطني غانا ومالي ونيجيريا ومواطني بلدان أخرى. وكان هناك ما لا يقل عن 700 محتجز من مواطني إريتريا، من الرجال والنساء والأطفال، وهؤلاء يتهددهم خطر الإعادة القسرية إلى بلدهم بالرغم من وجود مخاوف من احتمال تعرضهم لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في إريتريا.

ففي 21 يونيو/حزيران، أبلغت السلطات حوالي 230 من الإريتريين المحتجزين في مركز احتجاز في مدينة مصراته، التي تبعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس، أنهم سوف يُنقلون جواً إلى إيطاليا في وقت لاحق من اليوم نفسه لإعادة توطينهم هناك، وطلبت منهم الاستعداد لإجراء الفحوص الطبية والانتقال إلى المطار، إلا إن الأمر لم يكن سوى خدعة، فيما يبدو، إذ كانت السلطات تعتزم إعادتهم قسراً إلى إريتريا. وانتهى العام دون أن يُرحل أي من الإريتريين، على حد علم منظمة العفو الدولية، وذلك بسبب تدخل «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين»، على ما يبدو. ويُعتقد أن كثيرين من هؤلاء كانوا قد فروا من إريتريا سعياً لطلب اللجوء في الخارج.

– عودة الشهيد إلى الكتابة (11)


الشهداء يستقبلون فتحي الجهمي


للأسف لم نصل إلى مقبرة الهواري جنوب بنغازي، عندما دفن الشهيد فتحي الجهمي، ولكننا وصلنا بعد أن انفض العدد القليل من المشيعين، كان معظمهم من أقاربه، وهو ما لم نتوقعه في مدينة عرفت بانتفاضاتها وصلابتها، ولا ندري شيئا عن الإجراءات التي اتخذها النظام ليمنع الناس من المشاركة في تشييع الجنازة. سرنا مثل سنافر صغيرة زرقاء بين القبور حتى وصلنا إلى قبره، مكثنا هناك حتى غابت الشمس، وأنتشر الظلام فوق تلك المقبرة الموحشة. كنا قد تعودنا النوم في المقابر، وخاصة فوق قبر صاحبنا ضيف غزال، منذ أن بترنا من يده الكريمة الشجاعة، بل أننا وجدنا المقابر أكثر أمنا وسكينة من عالم البشر الأحياء، وبينما نصغي لأصوات السيارات ومنبهاتها وهي تأتي من بعيد، انزاح تراب القبر من تحتنا، وتدحرجنا وما أن أزحنا ما تبقى من تراب عنا، وتمكنا من الرؤية من جديد، حتى رأينا الجهمي يقف في قبره، وهو في أفضل أحواله، كانت تحيط رأسه هالة من نور، وكان قد استعاد لون بشرته الطبيعي، وما خسره من وزنه خلال سنوات محنته ومرضه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يستيقظ فيها منذ أن دخل في غيبوبة كاملة يوم الرابع من مايو.قبل أن نستيقظ من المفاجأة رأينا القبور تنفتح ويخرج منها الشهداء، وهم مثل الجهمي بأكفانهم الناصعة البياض، بينما تحيط برؤوسهم هالات مضيئة. لاحظنا أن قبورا كثيرة لم تنفتح ولم يخرج ساكنوها، فاستنتجنا أنهم أموات عاديون ولم يحظوا بالشهادة.وقبل أن يبدأ الشهداء في احتضان الجهمي هبط على المقبرة شهداء آخرون، جاءوا من جميع أنحاء ليبيا، وبينهم من جاء من أصقاع العالم، كان بينهم كل من سقط برصاص القذافي في شوارع أوروبا، كانوا يهبطون مثل طيور بيضاء كبيرة على مقبرة الهواري، وبالرغم من غياب القمر إلا أن الرؤية كانت واضحة، بحيث كنا نرى ملامحهم بوضوح شديد، وأول من رأيناه بوضوح كان صاحبنا ضيف الغزال. هرولنا نحوه مسرعين، فرفعنا بيده اليمنى وقبلنا واحدا واحدا، كانت يده قد استعادت الأصابع التي بترت، فأخذنا نتأمل أنفسنا وكيف كنا قبل أن نتحول إلى كائنات صغيرة زرقاء.رفعنا صاحبنا فوق رأسه فرأينا المشهد كاملا، كان الشهداء يحيطون الجهمي من جميع الأنحاء عندما تقدم منه عمر المختار، بلحيته البيضاء، وبوجهه الضامر، وهو يحتضنه بقوة، ويهنئه بالشهادة، ثم توالى بقية الشهداء الذين كان صاحبنا يردد على ما سمعنا أسماءهم. الفضيل بوعمر، يوسف بورحيل، الباروني، كعبار، بن عسكر، قجة، جعودة، سعدون، البوسيفي، بل كان هناك حتى غومة، وعبد الجليل سيف النصر، مع آخرون قاتلوا الأتراك. لم يكن الجميع في أكفانهم، رأينا قتلى حروب القذافي الخاسرة في ملابسهم العسكرية، ورأينا عمر دبوب وزملاءه اللذين علقوا على أعواد المشانق في الشوارع والجامعات بملابسهم المدنية، كما رأينا شهداء عام 1984 وفي مقدمتهم أحمد حواس، وشهداء بوسليم، ورأينا الأطفال الذين حقنوا بمرض الأيدز، وهم مرفوعين على أكتاف الشهداء، والذين تعلقوا بعنق الجهمي، مما جعله يبكي من التأثر، وفجاءة خرج من بين الجموع، الشهيد علي عبد العزيز الفاخري وقال بصوت جهوري، يشهد الله وأشهدكم أيها الأبرار أنني لم أنتحر في زنزانتي، بل شنقوني فيها. لقد تحملت الأهوال في سجون الأمريكيين، والباكستانيين، والمصريين دون أن أفكر في الانتحار، فكيف أفكر فيه وأنا فوق أرضي.قبيل الفجر عاد الشهداء من حيث أتوا، أما شهداء الهواري فدخلوا مرة أخرى إلى قبورهم، التي انغلقت عليهم، وكأنها لم تفتح منذ أن دفنوا، أما نحن فقد تكومنا فوق قبر صاحبنا، وغرقنا في نوم عميق، بينما المدينة العنيدة المكابرة تستيقظ ليوم جديد لا أحد يعلم كيف سينتهي، ولكن مثلما قال الشهداء في الليلة الماضية، سوف لن يتوقف الأحرار حتى يستعيدوا بلادهم من الفاشيين، مثلما استعادوها من الطليان والأتراك.

أصابع ضيف غزال

– ليبيا وطننا

– بوسليم الليبي .. والموقف الدولي المنافق !

مجزرة سجن ” بو سليم” الليبي … الموقف الدولي المنافق !

لا توجد اي قوة في ليبيا بامكانها كشف ماحدث في السجن او محاسبة القتلةهناك مبدأ قانوني معروف يقول بأن جرائم الإبادة الجماعية ضد الإنسانية لا يشملها التقادم , أي أن ملفات القتل الشامل و إرهاب الدولة الذي يمارسه بعض الأنظمة السياسية في العالم لا يمكن أن تطمر أو تلغى كل محتوياتها أو يتم تجاهلها بسهولة و يسر , بل أنها تظل مفتوحة للتحقيق و التقصي والمتابعة مهما طال الزمن, وبعيدة بالكامل عن الصفقات والتسويات السياسية بين الدول وخصوصا الكواسر منها والتي تتعمد إبراز وإظهار وحجب الملفات وفق مصالحها السياسية والإقتصادية والنفعية, كما هو الحال في الشرق الأوسط أوبؤرة الإرهاب الكبرى في عالمنا المعاصر , ففي الوقت الذي تم فيه محاسبة ومعاقبة النظام العراقي على جرائمه ضد الإنسانية, وعلى قبوره الجماعية وعلى تصفياته الشاملة لمعارضيه, وعلى غزواته ضد الآخرين, وعلى ملفات عديدة أشهرت بوجهه وأدت به للمصير المعلوم بعد حصار قاس وطويل تحمله الشعب العراقي وحده ودفع أثمانه من دمائه ومستقبل أجياله, ومن لحمهم الحي, كنا نعتقد أن القائمة ستتوالى, وإن موسم عقاب الطغاة وحصرهم ومحاسبتهم قد أزف وأقترب! إلا أن الخديعة الكبرى والمأساة العظمى كانت في سياسة الكيل بمكيالين ! وفي تغليب المصالح الأنانية للدول العظمى , بل في حالات النفاق الدولية الكبيرة التي ظهرت بشكل بشع لتشوه كل دعايات وأحلام الديمقراطية وعصر حقوق الإنسان, ولتطوي راية الدفاع عن المظلومين إلى الأبد , فبدلا من أن يكون مصير صدام حسين عظة وعبرة للطغاة! فإن الصورة قد إنعكست بالكامل وأفرزت أبشع ما في سياسات الغرب من نفاق ومصلحية بل وتواطؤ مفضوح مع الدكتاتوريين , صحيح أن نظام “البعث” العراقي كان من الأنظمة المغلقة والقمعية والمتطرفة في ملاحقة المعارضين وتصفيتهم إلا أن ذلك النظام بوسائله المتوحشة لم يكن النظام الوحيد , ولم تكن ملفات إرهابه لشعبه وجيرانه هي الملفات الوحيدة, بل شاطره في ذلك السجل أنظمة أخرى لا زالت حية تسعى تبث سمومها وأراجيفها وتهرب من جرائمها الموثقة والمعروفة بشتى الطرق والوسائل وتخدع الرأي العام بالشعارات الكبيرة وبالحركات الإستعراضية, وتبرع تماما في سياسة الهروب الى الأمام وخلط الأوراق , ولم يحدث في تاريخ الإرهاب الرسمي الدولي أن حصلت مجازر شنيعة وضد الآلاف من الأبرياء والعزل وتجاهلها العالم الذي يدعي أويطلق على نفسه لقب ” العالم الحر” إلا في منطقة الشرق الأوسط المبتلية بشتى أمراض التاريخ وفيروساته الرهيبة والبشعة , فمجازر عظمى مثل مجزرة مدينة حماة في سورية عام 1982 وقبلها مجزرة سجن تدمر الصحراوي عام 1980 ومجازر الإنتفاضة الشعبية التي أعقبت هزيمة جيش صدام حسين في الكويت, التي دمرت قوات صدام فيها المدن العراقية ربيع عام 1991 , كانت من الملفات السوداء على صعيد تعامل السلطة مع المدنيين كأنهم أعداء ومحتلين وحيث عمدت الى سياسة الأرض المحروقة والإبادة الجماعية, وهوما حصل للشعب الكردي في العراق أيضا في مجازر الأنفال عام 1988 وحيث صمت وقتها الرأي العام الدولي, ولم نسمع صوتا ولا شهيقا من أي طرف حقوقي أوسياسي أودولي مؤثر, بل تم طمس الموضوع وقتها ليثار ذلك الملف فيما بعد ووفق ما تقتضي المصالح الأنانية للدول الكواسر التي يتلاعب سياسيوها بمآسي شعوب المنطقة المنكوبين , والنظام الليبي الشهير بمجازره ضد المعارضة الشعبية الليبية منذ أيام متابعة إرهابيي اللجان الثورية في الخارج للمعارضين, وقتلهم هناك له ملفات طويلة وعريضة في مسلسل الإعدامات خارج إطار القانون وتنفيذ العمليات الإرهابية الدولية الكبرى كخطف الطائرات وإسقاطها, أوتغذية المؤامرات ضد الأنظمة السياسية المخالفة, كما حصل مع مصر والمغرب والسودان وتشاد, بل أن له غزواته العسكرية وتورطاته في حروب تشاد وغيرها , وكانت التقلبات السياسية والفكرية للقيادة الليبية تعكس ذاتها وتشرح حالها من خلال الفوضى في إدارة السياسة الخارجية التي لا ضابط ولا رابط لها , وهي حالة فوضى شاملة عرف بها النظام الليبي وتميز , فإثارة المشكلات الإقليمية وجلب الإنتباه وسياسة الزعيق الفوضوي هي السمة العامة للسياسة الليبية , أما ملف الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الليبي المحاصر المجوع المنتهكة سيادته وحتى كرامته فهوواحد من أبشع الملفات التي تركها الزمن وتناساها العالم رغم أن جرائم الإبادة الجماعية فيها من أبرز الملفات , ولعل ملف إبادة معتقلي سجن بوسليم الليبي في ضواحي طرابلس ما زال حيا وطريا يستصرخ الضمائر الحية, أو يحاول إيقاظ الضمائر النائمة, التي ما فتأت اليوم تحاول تجاهل ذلك الملف المفجع بعناصره التي سجلتها أوراق المنظمات الحقوقية الدولية من دون أن تحرك ساكنا للتحقيق والتدقيق في هذا الملف الموجع والمخزي لإنسانية العالم في القرن الحادي والعشرين , فجريمة الإبادة الجماعية في سجن بوسليم الليبي في 29 يونيو 1996 , وهي واحدة من أحدث جرائم الإبادة الجماعية ما زالت جنينا تحبوولا تثير قادة العالم الحر الذين يتسابقون على عقد الصفقات مع النظام الليبي دون أن يأبهوا بمصير المئات من الشهداء الذين سقطوا ضحية مزاج القتلة أونتيجة لأسباب غير معروفة أو معلومة, ومن حق الناس والشعب والرأي العام أن يعرفوا أسبابها الحقيقية , فالقضية ليست سيادة وطنية يتلطى خلفها القتلة, بل أنها معاناة إنسانية أكبر من كل حكايات السيادة وبقية المصطلحات التي لا معنى حقيقي لها , فقد تم قتل 1170 سجينا ليبيا خلال ثلاث ساعات من عمليات الإعدام الشامل دون محكمة ولا أدلة جرمية, ولا حتى وجود أي أسباب واضحة لذلك سوى بعض التكهنات التي قد تكون صحيحة أولا تكون, ولكن في ظل غياب رواية رسمية حقيقية موثقة من الجهات القضائية والقانونية الدولية, فإن كل شيء يظل في حكم المجهول , المهم أن ملف هذه الجريمة المروعة والتي راح ضحيتها زهرة الشباب الليبي شهدت محاولات طمس مروع للحقائق, لدرجة أن مئات الجثث لم تسلم لأهاليها بعد ثلاثة عشر عاما من المجزرة, وقد صرح اخيرا المسؤول الأول عن المجزرة وصهر العقيد القذافي المدعوعبدالله السنوسي لوفد من أهالي الضحايا طالبوه بتسلم جثث أبنائهم بقوله الواضح والصريح لهم ” بأن نجوم السماء أقرب لهم من ذلك “!

وطبعا لا توجد أي قوة في ليبيا بإمكانها كشف ما حدث أومحاسبة القتلة أومعرفة الدوافع الحقيقية الكاملة لتلك الجريمة المروعة, والتي طالب المعدومون قبلها السلطات السجنية الليبية بتحسين ظروف السجن بعد أن تفشت الأمراض المعدية وأنتشر الجوع وزادت المعاناة بين السجناء, وهم في ذلك إنما يطالبون بحقوقهم المعروفة في المواثيق والمعاهدات الدولية , المصيبة أن الضمير الدولي لم يعد في إجازة, بل أنه قد مات بالكامل , فإمام المسلمين وقائد المجاهدين وملك ملوك أفريقيا والهنود الحمر وهو يقرع الحكام العرب ويتهكم على المؤتمرات العربية لم ينبس ببنت شفة عما حصل في سجنه الرهيب ” بوسليم” الذي دخل تاريخ الرعب والإرهاب الدولي, بل وتاريخ الظلم الإنساني المعاصر , كما أن قادة الغرب وهم يستقبلونه ويعيدون تأهيل نظامه لم يتطرقوا أبدا الى هذا الملف المؤلم في واحدة من أبشع حالات النفاق الدولي الإرتزاقي!

من لأهالي المظلومين وهم من يحرمهم النظام حتى من تسلم جثث أبنائهم المعدومين ظلما وعدوانا ? وهل سيتجاوز هذا الملف ملف “لوكربي” ? أم أن نفاق الدول الكواسر سيظل هوالأساس في النظام الدولي المنافق القديم – الجديد..? تلك هي المسألة?

* كاتب عراقي
dawoodalbasri@hotmail.com

السياسة الكويتية

– لماذا غضب ملك ملوك افريقيا

لماذا غضب ملك ملوك أفريقيا على البعث العراقي؟

رفضت قيادة “البعث” العراقي اقتراح الالتحاق بـ “البعث” فكان رد القذافي اتهامها بالطائفية

المتغيرات السياسية “الخرافية” في الشرق الأوسط أضحت من العلامات الواضحة في مسيرة العلاقات الدولية الراهنة التي تعدت في تحولاتها السوريالية كل ما هو متوقع , فتغير التحالفات و تبدل صيغ التعامل , و تحول العدو و الخصم لصديق و حليف, و إعادة طلاء و ترميم بعض الأنظمة السياسية و من ثم إعادة طرحها للاستهلاك رغم انتهاء صلاحيتها المفترضة! تظل واحدة من أكبر علامات التعجب في تاريخ العلاقات الدولية , و نظام ملك ملوك أفريقيا و “أمغار” الصحراء و”إمام المسلمين” في بوركينا فاسو و ضواحيها , يظل على الدوام جاذبا للأضواء , متحديا للصدمات , مغيرا لأزياء الفكر و السياسة و المنهج و اللباس أيضا, و لعل في التغييرات الأخيرة في السياسة الخارجية الليبية يكمن الكثير من المنطلقات و الإشارات الواضحة لفهم طبيعة المرحلة المقبلة, فتعيين السيد موسى كوسا وهو وجه من وجوه الاستخبارات الليبية الشهيرة وأحد المسؤولين المباشرين عن ملف تصفية واغتيال المعارضين الليبيين خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي كوزير للخارجية في الجماهيرية الافريقية العظمى هو تحد واضح لكل لجان حقوق الإنسان الدولية التي تزخر تقاريرها بمختلف لغات الدنيا بالإنجازات “الجليلة” السابقة لرأس الديبلوماسية الليبية الحالية و بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة!, أما إعادة تدوير المناصب و تعيين الوزير السابق السيد عبد الرحمن شلقم “شلغم” كمندوب للجماهيرية في الأمم المتحدة و هو بالمناسبة أيضا ينحدر من المؤسسة الأمنية الليبية فهو رسالة واضحة لمن يهمه الأمر في الإدارة الأميركية الراهنة المثقلة بأعباء سياسات المواجهة الأميركية السابقة , وتطلع نظام ملك الملوك لتأدية دور سياسي فاعل في منطقة الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا يظل الهاجس الدائم لطرابلس, وقد تناقلت الأنباء أخيراً نبأ غريباً في سياقه العام يتعلق بتبادل الاتهامات بين النظام الليبي وحزب “البعث” العراقي الذي يمارس نشاطا سياسيا و عسكريا ملحوظا و بارزا عبر الاتصالات السياسية التي يجريها مع مختلف الفرقاء الدوليين, إضافة لنشاطاته العسكرية في داخل العراق و التي تفاوتت الآراء بشأن مصداقيتها و جديتها و فاعليتها الميدانية , و لكن ثمة حقيقة ميدانية لا مناص منها تقول بأن هناك تسابقا محموما في الاتصالات السياسية و الحوار مع حزب البعث العراقي جناح عزة الدوري مما أدخل النظام الليبي على الخط محاولا على ما يبدو لعب دور ما في قضية ساخنة لها امتداداتها و أبعادها الإقليمية و الدولية , و قد أشاعت الأنباء بأن العقيد القذافي وجه في رسالة إلى عزة الدوري اتهامات للبعثيين العراقيين بشن حرب طائفية ضد الشيعة! وهو اتهام غريب للغاية و لا ينسجم مع طبيعة و تاريخ النظام الليبي و تعاملاته الداخلية خصوصا و أنه لم يزل في حالة صراع معلن مع شيعة لبنان على خلفية ملف خطف واختفاء السيد موسى الصدر و رفيقيه في صيف عام 1978 وهو الملف الساخن الذي لم تبرد صفحاته بعد…! فما سبب غضب ملك الملوك و إمام المسلمين على حزب “البعث” العراقي وحشره للموضوع الطائفي? الجواب سنجده من خلال معلومات خاصة وسرية اطلعنا عليها من مصدر مطلع للغاية تؤكد أن سبب غضب العقيد هو رفض البعثيين العراقيين لاقتراحات كان قد تقدم بها لهم من شأنها فيما لو قبلت إنهاء الوجود المستقل و الميداني لحزب “البعث”.. و إليكم قصة ما حدث بالضبط وفقاً لرواية المصدر المطلع:
في يوم 22 فبراير الماضي وصل موفد ليبي خاص هو السيد الراجي عبد العاطي مفتاح كمبعوث خاص من الدكتورة عائشة القذافي إلى العاصمة الأردنية عمان لتسليم رسالة خاصة من العقيد القذافي لمندوب حزب “البعث” العربي الاشتراكي في العراق لتسليمها للقيادة في الداخل, وقد وصلت الرسالة للعراق بعد أيام و كانت تتضمن عرضا سياسيا غريبا يدعو العقيد فيه البعثيين العراقيين لإعلان حل نفسهم و إنهاء الوجود البعثي المستقل و الارتباط التام و الاندماجي مع القيادة القومية للحزب في سورية! و قد وعد القذافي في رسالته المكونة من 16 صفحة “فولسكاب” بتقديم كل الإمكانات الليبية من أجل انجاح هذا الاقتراح الذي يتضمن أيضا تشكيل قيادة حزبية جديدة في سورية مكونة من 24 عضوا 16 منهم سوريين وثمانية عراقيين على أن تكون الأمانة العامة من نصيب السوريين و نائب الأمين العام من العراقيين, الرسالة و العرض ناقشتهما القيادة العراقية البعثية بتفصيل و قررت إيفاد وفد حزبي خاص لمناقشة العقيد في مضمونهما وقد وصل الوفد البعثي العراقي فعلا إلى ليبيا وتم اللقاء مع العقيد وابنته عائشة في 9 مارس الماضي في مقر سري في طرابلس الغرب , وقد اجتمع العقيد بالوفد طارحا عليه مرة أخرى فكرته واقتراحه وقائلا لهم بالحرف الواحد: يا بعثية.. أنا أحاول جهدي تصحيح المسارات الخاطئة في مسيرة الأمة العربية, واقتراحي هذا هو خلاصة مناقشات مع “ولدي” الدكتور بشار الأسد! و عليكم قبوله لكي أساعدكم في تحرير العراق من الاحتلال الأميركي!
ولم يقدم الوفد البعثي العراقي أي جواب سوى قوله ان الوفد مضطر للعودة للعراق من أجل عرض الموضوع على القيادة هناك لاتخاذ القرار النهائي بشأنه , وفعلا عاد الوفد للعراق و قررت القيادة البعثية الحالية تأجيل النظر في الموضوع لأن القبول به سيضر بجهود البناء الحزبي الداخلي ويقوض البرامج الداخلية المطروحة للتنفيذ خلال هذه المرحلة واقترح الحزب على القذافي إن كان جادا في مسألة المساعدة في حلحلة الموضوع العراقي فتح مكتب للبعثيين في طرابلس!, وهنا جن جنون العقيد الذي اعتبر الرد البعثي بمثابة رفض واضح لفكرته و اقتراحه مما عجل بماكينته الإعلامية باطلاق اتهامات طائفية واضحة للحزب لا تعبر عن حقيقة الموقف الميداني.
وفي الواقع فإن تدخل العقيد في الأزمة العراقية على هذا النحو ومحاولته لإدماج البعث العراقي بالبعث السوري في حزب واحد هو قضية فاشلة سلفا لأن قيادة الحزب السوري القومية هي قيادة فاشلة أصلا ولا وزن لها على مستوى السلطة السورية , و حزب البعث في سورية هو مؤسسة فاشلة أصلا و لا وجود حقيقي لها على مستوى إدارة السلطة هناك كما أن إشاعة الاتهامات الطائفية لن تصب أبدا في خدمة مشروع التهدئة في العراق بل تساهم في تعقيد الموقف و خلق أزمات ولع بها النظام الليبي عبر تاريخه الطويل! وهكذا غضب العقيد الذي لم يتصور أن يرفض البعث العراقي اقتراحاته التي تحاول إعادته بقوة للمشهد السياسي العربي لتختلط كل الأوراق … وللموضوع بقايا و إرهاصات!.

* داوود البصري – كاتب عراقي

صحيفة السياسة

– ملك الاردن باع المعارضين الليبين للقذافي…

ملك الاردن باع المعارضين الليبين للقذافي… فقتلهم القذافي على سلم الطائرة

محمود زويد – عمان (عرب تايمز – 15 مايو 2009)


ذكريات اللاجئين السياسيين الليبيين الى الاردن سيئة خاصة بعد ان سلمتهم الحكومة الاردنية قبل سنوات للقذافي فاعدمهم على مدرجات مطار طرابلس وبمجرد نزولهم من الطائرة ومنهم من كان متزوجا من اردنية وله منها اطفال … وقد تم تسليمهم للقذافي مقابل وعد منه ببناء نهر عظيم في العقبة على غرار نهره المضحك في ليبيا وقام الملك الاردني يومها بتسليمه اللاجئين الذين كانوا يقيمون في الاردن بشكل شرعي وكلاجئين سياسيين ضاربا جلالته عرض الحائط حتى بالتقاليد البدوية الاردنية التي تؤمن الحماية لمن يطلبها حتى لو كان عدوا والملك احترف هذه النوعية من التجارة وكان يبيع رجال المعارضة العراقية لصدام … وقبض ملايين الدولارات من السعودية عندما سلم السعودية الشيخ محمد الفاسي شقيق الاميرة هند الفاسي وعندما هرب اللاجئون من الاردن ولم يعودوا يلجأون اليه لسؤ سمعته فتح الملك سجونه للتأجير ووفقا لما نشر في واشنطن مؤخرا فان عمليات التعذيب في السجون المؤجرة من قبل الملك كانت تتم على قدم وساق.

الا ان هذا لم يمنع القذافي من السماح بنقل المعارض الليبي البارز فتحي الجهمي يوم الاربعاء الى عمان للعلاج وقد نقل الى الاردن فاقدا للوعي .. والجهمي احتجزته مخابرات القذافي منذ عام 2002 وكان سجن الجهمي مصدر توتر في العلاقات الامريكية الليبية التي تحسنت بعد قرار ليبيا في عام 2003 بالتخلي عن برامج اسلحة الدمار الشامل.ومازال المسؤولون الليبيون يشعرون بالاستياء من ان العلاقات لم تتحسن أكثر من ذلك.وقال شقيقه الاصغر محمد الجهمي الذي يقيم في بوسطن بالولايات المتحدة ان فتحي الجهمي – وهو حاكم اقليمي سابق – نقل من مركز طبي في طرابلس في الخامس من مايو ايار الى العاصمة الاردنية عمان حيث أدخل الى المركز العربي الطبي.

وقال محمد الجهمي لرويترز “منذ امس (الثلاثاء) دخل فتحي في غيبوبة. ووفقا للاسرة كان فاقدا للوعي عندما نقل الى خارج ليبيا.”وأضاف “ومن غير الواضح الحالة الطبية أو السياسية الراهنة لشقيقي وما اذا كان حرا في ان يغادر (الاردن) أم لا.”وقال ان الاقارب أبلغوه بأن المعارض السياسي مصاب بجلطة دموية في المخ واجريت له جراحة في المرارة يوم الخميس الماضي وتضغط الولايات المتحدة منذ سنوات على ليبيا للافراج عن الجهمي. ورفعت واشنطن العقوبات الاقتصادية الرئيسية على ليبيا وحذفت ليبيا من قائمة “الدول الراعية للارهاب”.وبعد مقابلة معتصم القذافي ابن الزعيم الليبي ومستشاره للامن القومي قالت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون الشهر الماضي ان قضية الجهمي اثيرت مع المسؤول الليبي حينما كان في واشنطن.

واعتقلت ليبيا الجهمي اول مرة في عام 2002 بعد ان انتقد الزعيم الليبي معمر القذافي ودعا الى اجراء انتخابات علنية والى حرية الصحافة والافراج عن السجناء السياسيين.

وكان نائب الرئيس الامريكي جو بايدن قد أولى اهتماما خاصا لقضية الجهمي وتحدث الى القذافي بشأنه اثناء اجتماع في عام 2004 في ليبيا. وكان بايدن انذاك عضوا في مجلس الشيوخ الامريكي وفي لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.وافرج عن الجهمي بعد نداء بايدن لكنه اعتقل مرة اخرى في مارس اذار عام 2004 بعد ان انتقد الزعيم الليبي.

نقلا عن

– انهيار الاعلام في ليبيا

23أيار/مايو2009

– انهيار الإعلام الإصلاحي في ليبيا يُنهي ربيعا إعلاميا لم يدم أكثر من سنتين

لم تمض أسابيع قليلة على فتح السوق الصحفية الليبية أمام المطبوعات العربية والأجنبية، مما شكل خطوة انفتاح لافتة، حتى أتى إجراء مفاجئ أعاد البلد سنوات إلى الوراء بتأميم وسائل الإعلام المحلية القليلة التي لم تكن تخضع للقطاع العام، واستطرادا للجان الشعبية.
واعتبر مراقبون في ليبيا أن هذا التأميم الذي أعلنه “القائد” القذافي ضربة للتيار الإصلاحي الذي كان يرمز إليه نجله بتقويض المنصة الإعلامية التي كانت تجعل صوته أرفع من أصوات عناصر “النومنكلاتورا” الماسكة بالأجهزة الأمنية وبغالبية الدواليب الحكومية. وكان سيف الإسلام الذي يرأس مؤسسة خيرية تحمل اسم والده، انتقد في كلمة ألقاها في صيف 2007 (أي قبيل إطلاق مجموعته الإعلامية “الغد” في اجتماع شبابي في سيرت (400 كلم شرق العاصمة طرابلس) ما اعتبره “التفافا على النظام الديمقراطي” نافيا أن تكون ليبيا “تحت سلطة الشعب”، خلافا لما دأب والده على إعلانه في خطبه منذ إرساء “النظام الجماهيري” في ليبيا سنة 1976. وذهب الإبن إلى حد انتقاد سجن المعارضين و”بهدلة” المخالفين في الرأي باسم الشعب، وغياب حرية الإعلام، بل أكد أن ” الصحافة معدومة في ليبيا أصلا، إذ هي لا تعني شيئا عندما يسيطر عليها أربعة صحف باهتة وركيكة يكتب فيها عدد محدود من الأشخاص”. على هذا الأساس ركز سيف الإسلام في الفترة الأولى من بروزه على مسرح السياسة الليبية، من خلال اللقاءات التي أجراها مع الأمريكيين والأوروبيين، على إنشاء مشروع إعلامي يعكس دوره المتنامي في السياسة الليبية (قبل أن يُجرده اللاعب الأكبر من هذا الدور) ويكون مثالا على طريق الإصلاحات التي كان يعتزم دفع البلد نحوها. ويمكن القول إن “مؤسسة الغد” الإعلامية AL-Ghad Media التي يقودها عبد السلام المشري استطاعت أن تنقل الإعلام المحلي من عهد التصحر إلى مرحلة المهنية. واعتمدت المجموعة على مطبعة حديثة خاصة بها وشركة توزيع وطواقم من المهنيين، بينما اختار المشرفون على قناة “الليبية” منهجا إعلاميا مختلفا عن القناة الرسمية ذات اللون “الجماهيري”. وفي هذا السياق تكفلت شركة التوزيع بترويج الصحف والمجلات العربية والأجنبية التي ظلت محجوبة عن القارئ الليبي طيلة أربعين عاما اعتبارا من مساء 23 فبراير الماضي.وكان سيف الإسلام يُشدد على ضرورة الإنفتاح الإقتصادي متعمدا مهاجمة البيروقراطية الحزبية والإدارية التي تشكل معاقل المعارضة للإصلاحات والتي سبق أن أطاحت برئيس الوزراء المقرب منه شكري غانم.
طرق ملتوية
وواجهت صحيفتا “أويا” التي تولى رئاسة تحريرها محمود البوسيفي، وزميلتها “قورينا” التي عُين على رأسها رمضان البريكي، محاصرة من أوساط المتشددين، بينما كانتا تقطعان خطواتهما الأولى، إذ حاولوا إعاقة توزيعهما بطرق ملتوية. ونشرت الأولى لدى الإحتفال بإصدار العدد 500 منها تحقيقا مع أصحاب الأكشاك أكد فيه غالبيتهم أن الصحيفة كانت تصلهم بكميات قليلة وتتأخر أحيانا يوما كاملا مما يجعل القارئ يُعرض عن طلبها.وفي هذا السياق قال المُوزع عبد الرحمن الغناي، وهو صاحب كشك بشارع المقريف أحد الشوارع الرئيسية في وسط طرابلس، لمندوب “أويا” عندما سأله في إطار التحقيق الذي قام به “من المشاكل التي تواجهنا بخصوص الصحف المحلية هي أننا عندما نطلب كمية معينة منها، لا تصلنا كاملة (وخص بالذكر صحيفة أويا”)، وعندما نستفسر منهم عن السبب تكون إجابتهم بأن الكمية لا تغطي حاجة مراكز التوزيع..”. وشكا آخرون من أن تأخير وصولها يضطر الجهات العامة (المؤسسات الرسمية) لسحب اشتراكهم مع الموزع.مع ذلك أكد باعة آخرون شملهم الإستطلاع أن الصحيفة تنفد منذ الصباح الباكر، وهذا ما لا يمكن أن ينطبق على صحف القطاع العمومي مثل “الجماهيرية” و”الزحف الأخضر” و”الشمس”. كما أفادوا أيضا أن الطلب يتضاعف في الأيام التي تجري فيها مباريات كرة قدم، أما في الأيام الأخرى فتصل المُرتجعات أحيانا إلى 10 في المئة، وهي نسبة ضئيلة قياسا على المتوسط المتعارف عليه في الصحف.ويمكن القول إن العناصر الخائفة من الإنفتاح، والتي وصفها سيف الإسلام نفسه بكونها تحالفا بين “مجموعة من الموظفين في الدولة وبعض القطط السمان (في القطاع الخاص) في تزاوج غير شرعي لخلق مافيا ليبية”، هي التي اجتهدت لعرقلة التجارب الإعلامية الجديدة الصادرة عن “مؤسسة الغد” حتى وهي تعلم أنها حاصلة على ضوء أخضر من العقيد القذافي.وكان واضحا أن سر تفوق الصحيفتين الجديدتين يكمن في أربعة عناصر أولها أنهما تخلتا عن اللهجة المتخشبة للتقارير التي تنقلها الصحف المحلية الأخرى عن “وكالة أنباء الجماهيرية”، وثانيهما شمولهما لأبواب متنوعة من السياسة إلى الإقتصاد إلى الثقافة والفن والرياضة، وثالثها نوعية الورق الراقية والإخراج الذي يختلف عن بؤس الصحافة الجماهيرية، ورابعها السعر الذي لا يتجاوز 500 درهم، وهي عناصر جعلتهما صحيفتين رائجتين بتفاوت، وإن لم يتسن الحصول على كمية السحب على رغم الإتصال بالمسؤولين عنهما.ومن ضمن روح التجديد هذه “تجاسرت” على إجراء مقابلة صحفية مطولة مع ديفيد وولش عندما زار ليبيا في السنة الماضية بصفته مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية وطرح عليه رئيس تحريرها الذي أجرى المقابلة أسئلة غير مألوفة في الإعلام الليبي التقليدي. هل زال هذا النفس مع قرار القذافي ضم “مجموعة الغد” إلى القطاع العام؟ لا يمكن ملاحظة تغيير كبير، فصحيفة “أويا” ظلت تنفرد بأخبار لا تنشرها الصحف الحكومية منها مثلا خبر اكتشاف خنزير وحشي نافق في السواحل الليبية غرب طرابلس، وهو موضوع شديد الحساسية في هذه الأيام. لكن عيب عليها أنها لم تحصل على معلومات دقيقة عن مصدر الخنزير، فيما كشف تقرير نشرته صحيفة “الوطن ” الألكترونية أن مصدره محمية على الحدود التونسية الليبية.وهذا يعني أن الصحف المحسوبة على سيف الإسلام تخوض في مواضيع وظواهر يسكت عنها الإعلام الرسمي، إلا أنها لا تستطيع الذهاب بعيدا في كشف كل الحقائق المحيطة بالواقعة أو الظاهرة. مع ذلك تنتقدها بعض الأقلام في المواقع والصحف الإلكترونية وتعتبرها دون المستوى المطلوب من الحرية، وعلى سبيل المثال اعتبر الفيتورى مفتاح الفيتورى في تعليق نشرته صحيفة “الوطن” الإلكترونية الليبية أنه من حق أي ليبي أن ينشر في هذه الصحف وليس من حق أي طرف احتكارها. ورأى أنه “ليس من حق أي موظف في تلك الصحف أن يكتب لنفسه وينشر عن نفسه، بل المفروض أن المحرر والطاقم الفني لا يكتبان نيابة عن مشاكل و رأي والناس”.
تضييقات شديدة على الصحف الألكترونية
واللافت أن المواقع والصحف الألكترونية تتكاثر في ليبيا بشكل عجيب وهي تستقطب أعدادا متزايدة من الزوار والكتاب مثلما تدل على ذلك قائمة التعاليق الطويلة التي تنشر تعقيبا على أي خبر أو معلومة تبثها.ولتيار سيف الإسلام نصيب من تلك الصحف الألكترونية من بينها ما يُسمى بالمواقع الإصلاحية الخمسة، وهي الإجدابي من إجدابيا وجلينانة من بنغازي والسلفيوم من البيضاء وفيلادلفيا من درنة والصياد من طبرق. لكنها تتعرض لتضييقات شديدة منها إيقاف التمويل عنها، ومحاولة إقفالها لكونها داعية لهامش من الحرية الصحافية ومحاربة الفساد. ونسبت صحيفة “ليبيا اليوم” لمن وصفتها بـ”مصادر مسؤولة بـ”شركة الغد للخدمات الإعلامية” أن هناك خطة لنقل تبعية تلك المواقع من “مؤسسة القذافي للتنمية” إلى “شركة الغد” التي تعرضت للتأميم.وكشف الشاعر خالد المغربي رئيس تحرير موقع جليانة (تأسس في مارس 2006) بعضا من تلك الضغوط في مقابلة بثتها معه “ليبيا اليوم” وأشار فيها إلى أن جهاز الأمن الداخلي استدعاه وحقق معه بشأن مواد منشورة في الموقع، كما أن أحمد إبراهيم “المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر” طالبه بوجوب إخضاع هذه المواقع إلى “سلطة الشعب” والإنضمام إلى “حركة اللجان الثورية” (الحزب الحاكم) فرفض الإنصياع لتلك الضغوط على ما قال. لكن مشاكله لم تتوقف في هذا المستوى إذ أن الدكتور يوسف صوان المدير التنفيذي للمؤسسة اجتمع مؤخرا مع رؤساء تحرير المواقع وأعلمهم بأنه لا توجد إمكانات لتسديد المستحقات وتسيير المواقع، بل وطلب منهم تقليص الموظفين الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة في كل موقع.وتعجب المغربي من عجز المؤسسة عن سداد المستحقات ووقف الإنفاق على المواقع اعتبارا من شهر مارس الماضي، في الوقت الذي “تُنفق فيه المؤسسة الملايين والمليارات في الخارج و(خاصة) في إفريقيا” مثلما لاحظ. وذهب المغربي إلى التعبير بصراحة عن مخاوفه من أن الإصرار على الطلب الذي قُدم لرؤساء التحرير في الاجتماع الأخير “إنما هو وسيلة تدريجية للقضاء على هذه المواقع بنوع من الحياء والخجل وحجج واهية وذلك لكونها أثارت إزعاجا بتأثيرها الإيجابي والفعلي”.ويمكن القول إن ما تتعرض له الصحف الإلكترونية يختزل المرحلة الجديدة التي انتقل إليها الإعلام الإصلاحي في ليبيا برمته، فلا توجد قرارات مكتوبة ولا وضع قانوني واضح يجعل الصحف الورقية والإلكترونية وقناة “الليبية” التليفزيونية والمحطات الإذاعية تتمتع بمنزلة محددة، وكما قال المغربي “لا يوجد شيء رسمي لدينا يثبت أننا نتبع لها بل لا يوجد أي شيء مختوم وموقع من المدير التنفيذي لـ”مؤسسة القذافي للتنمية”، ونحن نفتقر للإجراءات الإدارية الرسمية في هذا المجال إذ أصبحنا للأسف كالكرة تقذف من جهة لأخرى على الرغم من أن لنا كياننا كأدباء وكتاب ولنا صوتنا الذي يخدم قضايا الدولة”.وهذا الوصف يختزل بدقة حالة المؤسسات الإعلامية للتيار الإصلاحي، الذي يبدو أن العقيد معمر القذافي أنهى دوره فباتت يتيمة تتقاذفها الأمواج، في مقابل منح سلطات واسعة لنجله الآخر المعتصم القذافي، وهو ما تأكد من خلال إيفاده إلى الولايات المتحدة حيث اجتمع مع وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون، فيما تتحدث الدوائر القريبة من سيف الإسلام عن اعتزامه الهجرة والإكتفاء بإدارة مركز دراسات في بلد أوروبي (قيل إنه قد يكون سويسرا).أما قناة “الليبية” فاتسمت هي الأخرى بقدر من الجسارة (بالمقاييس الليبية) وتخلت عن كثير من الطقوس التي تلتزم بها القناة الرسمية التي لا تلهج إلا باسم “القائد” معمر القذافي. لكنها كانت رأس الحربة الإصلاحية التي توجه إليها القذافي الأب شخصيا ليوقد الضوء الأحمر ويُعلن أن اللعبة انتهت. وربما كانت استضافة برنامج “قلم رصاص” هي التي أفاضت الكأس، إذ اختار الإعلامي الجسور حمدي قنديل قبل فترة قليلة قناة “الليبية” الفضائية رغم العروض الكثيرة التي انهالت عليه بعد إيقاف برنامجه الشهير على قناة “دبي” في شهر ديسمبر الماضي، ليطل من خلالها على جمهوره العربي، عارضا له قضاياه ومشاكله وهمومه وأوجاعه. ورغم ضيق هامش حرية الصحافة في ليبيا، حصل على وعد بالمحافظة على سقف الحرية الذي ينشده.وجاءت الصدمة الكبرى التي لم يتوقعها قنديل، وإن تنبأ بها العالمون ببواطن الأمور بإيقاف البرنامج بعد تقديمه ثلاث حلقات، ولم يطاول الوقف برنامجه فقط بل امتد إلى وقف إرسال الفضائية على القمر الصناعي المصري “نايل سات”، وإن استعادته في ما بعد. وفي الوقت الذي ترددت فيه أنباء عن أن العقيد معمر القذافي كان وراء إيقاف البرنامج بسبب تأميمه القناة، ترددت معلومات أخرى تؤكد أن استياء مصريا رسميا كان وراء ما حدث، خاصة بعد تناول قنديل في حلقته الأخيرة من البرنامج للتوتّر بين مصر وحزب الله.
محاربة الفساد
تدل كل المؤشرات على أن ربيع الإعلام الليبي انتهى مع أولى نسائم فصل الربيع، وذلك بسبب تخطيه العلامات الحمراء، وخاصة المواقع الالكترونية التي اعتبر كتاب كثر أنها “تقف في خط المواجهة الأول في مواجهة الفساد مما جعل المشرفين عليها مهددين دائما بسبب ما ينشر في مواقعهم”.وقدم المواطن الذي أبدى هذا الرأي في صحيفة “الوطن” الإلكترونية من دون الكشف عن اسمه الحقيقي، رواية طريفة لسبب إسكات الإعلام الإصلاحي معتبرا أنه مع توسيع هامش الحرية “يقوم المواطن بفتح ملفات ما كانت لتفتح، ويطالب باسترجاع حقوق ما كانت لترد، وأصبح الكتاب ينشرون مقالات كانت كتابتها بمثابة الإقدام على الانتحار في زمن طغيان اللجان الثيرانية، ومن هنا هرعوا وفرحوا وقالوا ألم نقل لكم هذا من قبل؟ ألم نقل لكم إنه لأجل استمرار الحال يجب تجميد كل شيء، وعودة الأحوال إلى ما كانت عليه قبل سقوط صدام و احتلال العراق، سيما بعد ذهاب الرئيس المرعب بوش عن منصة الحكم؟ فالآن صارت الفرصة مناسبة جدًا لاستمرار البطش وتكميم الأفواه ومنع الحريات ومصادرة منابر الحرية وإرهاب القائمين عليها، وإبعاد دعاة الإصلاح واتهامهم بتشكيل الخطر على ثورتهم – ثورتهم هم أي اللجان (الكاتب)- التي حكموا باسمها واستمدوا الشرعنة من الدفاع عنها وعن قائدها من أعداء وهميين يمثلون كل أفراد الشعب..”لكن كتابا آخرين لم يشاطروا هذه الرؤية وإن توقعوا أن تنهار كثير من الصحف الإلكترونية ووجه أحدهم هذا النداء لسيف الإسلام: “لنعمل معاً من أجل أن تبقى هذه المواقع ونعمل من أجل إنشاء مواقع إلكترونية ليبية أخرى: مواقع شباب ليبيا الغد، السلفيوم، الصياد، جليانة، الإجدابي، فيلادلفيا، تناديك يا سيف الإسلام القذافي هل تسمع؟ أجب إن كنت تسمع واعمل من أجل بقاء هذه المواقع”. فهل سيُجيب نجل العقيد؟
رشيد خشانة – تونس – swissinfo.ch

– رحيل المعلم

رحيل المعلم

قالها كما لم يقلها أحد من قبل: “اتحداك أيها الديكتاتور” في عقر دارك.ليس عبر الأقمار الصناعية، ولا عبر العواصم المظلمة، و لا من خلال الفضائيات المرتشية، بل من داخل “حقفة الضبع” وعلى مرمى حجر منها. وعلى مسمع ومقرب من لجان الموت، واجهزة التعسف، وقعقعة السلاح.كان فتحي يدرك تماما ما يفعله، ويدرك تماما تبعاته. أخبرنا عشية تحديه للديكتاتور انه في تجربة سجنه القاسية نذر بعدها نفسه للوطن ومقارعة الديكتاتورية والطغيان. وقال لنا وبيته تحاصره الغوغاء: “اننا نموت بالصمت ولا نموت بالتحدي”. وكانت وصيته التي لم يكتبها: “قارعوا الطغاة ولا تصمتوا”.كان يلهث تعبا ذلك اليوم وهو يملي علينا اسماء المعتقلين المرضى، ويلح ألا نتركهم يموتون في زنازنيهم، فهل تركناك ايها الراحل تموت في زنازين الطغاة. وهل خضع العالم الحر للعالم العبد.لم يذعن فتحي لحظة واحدة للخوف. ولم يقلب دفتر حساباته السياسية قط. ولم يغرق في حمى المصطلحات على الاطلاق. كان قاموسه في بساطة الوطن المصادر “هناك ديكتاتورية طاغية وينبغي مقارعتها بلا هوادة”. فعل ذلك من خلال مسرح النظام نفسه، وعبر الفضائيات، وفي غرف التحقيق القاتمة، ومن على فراش المرض، وحتى في غيبوبته الأخيرة. كان النظام يخشاه في عنفوانه، ويخشاه في مرضه، ويخشاه في غيبوبته، ويخشاه في موته. الم يقل فتحي خلال وقفة العز التاريخية” انني اتحدي الديكتاتور الجبان من طرابلس”.لم يقلها أحد قبله، ولم يقلها أحد بعده. لكن اجيال غامضة غاضبة تخرج من رحم الخوف ستقول كلمتها الفاصلة وافرب من تصوارتنا جمبعا.قبل فتحي كان الصمت، وبعد فتحي انتهي الصمت.بعد هذا الموت المأساوي لبطل وطني نادر لا يستطيع النظام ان يمرر أي كذبة سياسية أخرى. لا يستطيع ان يروج مقدار اصبع من انفه اي حديث توبة عن اقتراف الجرائم.هل قليل ان نطلب تحقيقا دوليا في قتله البطئ…وهل قليل ان نطلب من الادارة الأمريكية التي باعته رخيصا ان تتحمل مسؤلية صمتها المشبوه….وهل قليل ان يدمج ملف فتحي مع ملف بوسليم في حملة تتجمع فيها كل القوى على تنافرها…مع رحيل فتحي يدفن النظام اكاذيبه القديمة الجديدة، لجانه القديمة الجديدة، اصلاحاته القديمة الجديدة، شعاراته القديمة الجديدة، ويقف عاريا تماما كمجرد نظام بدائي متخلف لا يتقن امرا سوى القتل.أيها الرجل الذى كسر حاجز الصمت والخوف. لا يجب ان نودعك بالصمت، لا يجب ان نودعك بالخوف.

محمود شمام

==========

ماذا خسر الجهمي وماذا ربح النظام ؟

لقد عكس المصير الذي لاقاه المناضل المرحوم فتحي الجهمي أخلاقيات النظام الليبي ومنهج وفلسفة السياسة الليبية وكشف عوراتهما؛ وهي أخلاق أقل ما يمكن أن توصف به أنها أخلاقيات اللئام. واللئيم شخص يقتات على الحقد على الآخرين والكيد لهم وتصيدهم والنيل منهم والإيقاع بهم. وهو إنسان سادي لا يمتعه سوى تعذيب الآخرين وصب الملح على جروحهم بحيث تكون معاناتهم مصدراً للذته وسعادته وتشفيه. لقد دأب النظام الليبي منذ تأسيسه للجان الثورية سيئة الذكر على القتل والتصفية والتآمر والزحف ومالا يخطر على بال من المؤامرات التي أدت إلى درجة قصوى من الإفقار والتجهيل وتفريغ منظومة قيم الشعب الأصيلة من مضامينها ، في نفس الوقت الذي يرفع فيها شعارات زائفة خادعة ينفيها الواقع المعيش جملة وتفصيلا، وذلك بدء من مقولة الشعب سيد الجميع إلى آخر مقولات الكتيب الأخضر الذي أورث بلادنا كل بلاء ومحن.

قد تبدو الأمور من وجهة نظر النظام وكأن الجهمي، المعارض الذي تجرأ على إله اللجان الثورية وراهن على قول كلمة الحق بحياته، قد خسر هذه الحياة وانزاح من مسرح الأحداث وتلاشت أقواله وأفعاله بل وكيانه، فخلا المسرح لأعدائه كاملاً غير منقوص.. ولكن الحقيقة التي لن يراها الحمقى هي أن الجهمي قد ربح.. ربح في محنته – بكل تفاصيلها المعروفة وغير المعروفة – الشهادة بإذن الله لأن عدوه حرمه الدواء والحرية ولم يرع فيه إلاًّ ولا ذمة؛ بينما خسر النظام أمام الله والناس كل شيء بالرغم من الألوان التي يحاول أن يحسن بها صورته القبيحة. لقد ربح الجهمي إذ صدع بكلمة الحق التي أوصى بها النبي الكريم حين قال “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، وربح فوق هذا وذاك مما هو من خزائن الرحمن يمنحه من يشاء ويمنعه من يشاء، أن سجل إسمه بمداد من دمه المسفوك وروحه المزهوقة في سجل الأبطال الليبيين الذين سيذكرهم تاريخ النضال الوطني المعاصر.

لقد قاتل أبطالنا القدامي من أمثال عمر المختار ورمضان السويحلي وعبد النبي بالخير والباروني قوة عاتية كافرة معتدية جاءت من خارج الوطن ومن خارج فضاء الجنس والدين؛ ولذلك كان قتالها وتحمل ويلاتها بداهة وطنية وإسلامية لا لبس فيها ولا تردد. أما الجهمي – وغيره من مناضلينا الآخرين- فقد واجه قوة أكثر عتواً وظلماً واستبداداً وأصعب عريكة لأنها نبتت من وفي صميم التربة الليبية، وخرجت منها ثم تمردت عليها وكادت لها وحاربت فيها كل قيم الحق والخير والجمال.. قوة خرجت من رحم القبلية الليبية ومن نفس الثقافة الليبية فادعت أنها جاءت لتبني وتعدل وتحقق الحريات والتقدم والرفاهية، فما لبثت أن أرت الشعب طغيانا أي طغيان وإجحافا أي اجحاف، وحكمت بيد من حديد حيث صارت المقاليد في يد حاكم فرد، مهووس بالسلطة عاشق لذاته، هذه الذات التي ضرب من أجلها عرض الحائط بكل قيم المجتمع وأخلاقياته وأطره ونظمه ، ودمر بحجة “الثورة” (هذا البعبع الذي جعله سيفاً مسلطاً على رقاب الناس وأفكارهم وسلوكهم وأنماط حياتهم) كل جميل وفاضل. ثم اختزل مفهوم ثورته في بعده السياسي والفلسفي والإجتماعي في شخصه حتى صار صنماً يعبد ووثناً يتقرب إليه بالقرابين.

هل الرجولة والشهامة وأخلاقيات الإسلام والعرب والبدو والقبيلة تبرر ما فعل النظام بفتحي الجهمي؟ سجن وتعذيب ثم إطلاق سراح لساعات معدود ثم إعادة للسجن (وتبجح دون خجل بأن ذلك حماية له من الشعب”يقصدون غوغاء النظام المأمورين”) والرجل مريض وضعيف وفي أسوأ حالته الصحية التي عززها السجن؟.. هل الرجولة والشهامة وأخلاقيات الإسلام تسمح باضطهاد ابنه وزوجته وأسرته والإعتداء عليهم وسجن بعضهم وعرقلة حياتهم اليومية؟

لقد برهن النظام الليبي على أنه متجرد من كل الأخلاقيات، ليس الإسلامية وحدها وإنما جميع الأخلاقيات التي تعارف عليها البشر بمختلف أديانهم وثقافاتهم. وإذا قارنا موقفه من معارضيه بمواقف الأنظمة العربية الأخرى كالمصرية أوالمغربية والسعودية أوالبحرينية أوالجزائرية لتبين لنا الفارق الشاسع، فلا رأفة ولا رحمة ولا أي اعتبارات اجتماعية أو إنسانية.. وليس هذا تصرف جديد من قبل النظام بل هو ديدنه منذ أولى مراحله، وطوابيرشهدائنا وخيرة شبابنا والنخبة من جيلنا معروفة ومسجلة وموثقة، لكن وفاة الجهمي في هذه الظروف الجديدة (القرن الواحد والعشرين/ عصر العولمة وحقوق الإنسان/ عصر ثورة المعلومات) تجعلها وفاة متفردة وفارقة ولا يجب أن تمر كما مرّاغتيال الغزال أو اعتقال إدريس أبو فائد وجمال الحاجي وعبد الرزاق المنصوري وباقي المناضلين.

لقد ربح البيع يا باشمهندس!.. فقد فزت حيا وميتا، وكنت رغم مرضك وضعفك ولزومك فراش المرض عملاقا، وكان الآخرون أقزاما يرتعدون مما تقول ويخافون كلماتك الصادعة حتى وصوتك المرتعش يضعفه المرض والأسر.. الدعاء لله أن تكون نيتك قد خلصت للجبار المنتقم وحده، وأن يتقبلك مع الشهداء والضعفاء والمظلومين. لقد شغلت أعداءك حيّاً … وعلى جميع الليبيين الأحرار أن يعاهدوك بأنك ستشغلهم إن شاء الله ميّتاً. فانعم بجوارالرحيم الرحمن، ولترفرف روحك في عليين، ولتردد معك الملائكة “ألا لعنة الله على الظالمين”.

زعيمة بنت الوطن