– القذافي يستكمل انتصاراته الدبلوماسية !

“لو لم يُـغادر عبد الباسط علي المقرحي (57 عاما) سجن غرينوك غرب اسكتلندا، ولم يعُـد إلى أهله في ليبيا، لما تَـركت قبيلة المقارحة الاحتفالات الضخمة التي يستعِـد الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي (69 عاما) لإقامتها في الذكرى الأربعين لوصوله إلى سدّة الحكم”.
هكذا شرح خبير في الشؤون الليبية لـ swissinfo.ch الدّوافع التي حمَـلت الدولة الليبية على وضع كل ثِـقلها المالي والدبلوماسي في الميزان، للإفراج عن مواطنها المقرحي المُـدان بتفجير لوكربي سنة 1988.ويمكن القول أن هذه الخطوة الرّمزية كانت ضرورية لاستكمال الصُّـورة المُـغايرة التي تعتزم ليبيا تكريسها في ذِكرى مرور أربعة عقود على الحركة التي أقدَم عليها الضبّـاط الأحرار بقلب الملكية في الأول من سبتمبر 1969، وهي صورة البلد المُـندمج في المجتمع الدولي، لا بل والمستقطب لمُـمثلي الدول الكبرى التي تسعى لخطب ودِّه، بما فيها الغريمتان اللّـدودتان سابقا، بريطانيا والولايات المتحدة.وكان المقرحي، الضّـابط السابق في المخابرات الليبية، مهّـد لخطوة الإفراج عنه بأن تقدّم إلى المفوضية الاسكتلندية لمُـراجعة القضايا الجنائية، وهي هيئة مستقلّة تتكوّن من مُـحامين وقضاة تنظر في الطّـعون لأحكام سابقة، تقدّم لها بالطعن في الحُـكم الصادر ضدّه في شهر سبتمبر سنة 2003.وفعلا درست المُـفوضية ملف القضية وبحثت عن المعلومات والأدِلّـة وأجرت العديد من المقابلات مع أطراف القضية، وأصدرت قرارها يوم 28 يونيو 2007، الذي أدّى إلى إحالة ملف القضية إلى محكمة الاستئناف من جديد.وفي القانون الاسكتلندي، يحِـقّ للمحكوم بالمؤبّـد أن يتقدّم بالالتماس إلى لَـجنة الالتِـماس، وبعد أن قدّم لهم المقرحي الالتماسات، اقترحوا عليه بأن يقضي 27 سنة في السِّـجن، لكن أُسَـر الضحايا الأمريكية طعَـنت في المدّة مُـطالبة بزيادتها.وأفاد مصدر ليبي مُـطّـلع أن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لعب دورا أساسيا في تسريع الإجراءات من أجل الإفراج عن المقرحي، المحكوم بالمؤبّـد، وإقناع الجِـهات المعارضة لعودته إلى بلده، بأن وضعه الصحي ميْـؤُوس منه، وأن قبول بريطانيا بهذا التّـنازل يضعُـها في موقع مفضّـل في المنافسة مع البلدان الغربية الأخرى على الفوز بالصفقات التجارية مع ليبيا، وخاصة في قطاع الطاقة.ويدُلّ هذا الدّور على أن منطِـق الدولة تغَـلّـب على منطِـق الاستماع إلى مواقِـف الجمعيات غير الحكومية، وخاصة لجنة أسَـر ضحايا لوكربي، التي عارضت الإفراج عن المقرحي. وأشارت صحيفة “ذي غارديان” البريطانية في عددها الصادر يوم الأربعاء 19 أغسطس إلى هذا الأمر، حين أكّـدت أن رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون اتّـهم بالإسراع في إبرام معاهدة مع ليبيا لإعادة المقرحي إلى بلده، كجزء من سعْـيِ لندن لحماية مصالِـح بريطانيا النفطية في ليبيا.
تغيير بزاوية 180 درجة
وظهر هذا التحوّل جلِـيا في تغيير الموقِـف من السّجين المُربك، إذ وافقت السلطات البريطانية على عودتِـه إلى بلده، بعدما عارضت حتى الاستجابة إلى طلبات إنسانية بسيطة تقدّمت بها أسْـرته. وروى المقرحى نفسه في حديثه الأخير إلى صحيفة “أويا” الليبية، التي أسسها سيف الإسلام، أنه وِفق الاتِّـفاقات والمعاهدات المعروفة وطِـبقا للقوانين الاسكتلندية، يحِـق للسّـجين أن يستقبِـل أسْرته، وأمّـنت السلطات الليبية لأسرة المقرحي كل ما تحتاجه لتكون قريبة منه في اسكتلندا، إذ وفّـرت البيت والسيارة وكل الضّـرورات، وأقامت أسرته لمدّة سنة ونصف، لكن السلطات رفضت إعطاءهم تأشيرة إقامة، وكل التأشيرات التي منحتها لهم كانت تأشيرات سياحة فقط، رغم دفع كل الضرائب المطلوبة.وعند زيارة أحد أعضاء البرلمان البريطاني للمقرحي، قدّم له الأخير شكوى، فاستغرب الأمر. كما مُـنِـع أبناؤه من الدِّراسة في المدارس الاسكتلندية، وتمّ ذلك بناءً على رسالة من الحكومة البريطانية، تقول بأنه لا تحِـق لهم الدِّراسة في مدارس حكومية، وإنما في مدارس خاصة، كما أن المدارس الخاصة رفضت أيضاً، مُـبرِّرة رفضها باعتباراتٍ أمْـنية.لكن الظاهر أن هذا الموقف الجديد الذي تبنّـته الحكومة البريطانية بعد اتِّـصالات مُـكثّـفة مع موفدين ليبيين رفيعي المستوى، بينهم سيف الإسلام، لا يحظى بالتفهُّـم من الرأي العام، وكذلك من أجهزة الإعلام وقادة الرأي في بريطانيا، وهو ما تجلّـى من صَـيْـحات الغَـضب التي أطلَـقها المارّة خلال عبور سيارة السِّـجن البيضاء المُـتوجِّـهة إلى مطار غلاسكو، حيث كانت الطائرة الخاصة للقذافي تنتظِـر المقرحي لتقله إلى وطنه.
تصدر الإفراج عن عبد الباسط المقرحي أبرز عناوين الصحف البريطانية يوم 21 أغسطس 2009
أسف أمريكي.. شديد
وفيما برّر وزير العدل الاسكتلندي كيني مكاسكيل الأمر الذي أصدره بالإفراج عن المقرحي بأسباب إنسانية، وهو موقِـف تمّ تنسيقه مع رئيس الوزراء البريطاني براون، التزَمت الحكومة الأمريكية موقِـفا أكثر مخاتلة، إذ كانت في الأساس متَّـفقة مع إيجاد مَـخرج دبلوماسي، من النّـوع الذي أعلن عنه وزير العدل الاسكتلندي، لكنها خشِـيت على سُـمعتها وصِـدقِـيتها لدى عائلات الضحايا والأوساط المرتبِـطة بهم اجتماعيا، فأعلنت تحفُّـظها على الخطوة و”أسفها الشديد” على الإقدام عليها.صحيح أن السيناتور جون ماكين أعلن في أعقاب زيارة قصيرة لليبيا في وقت سابق من الشهر الجاري، أن واشنطن تُـعارض الإفراج عن المقرحي، لكن المفاوضات على تطوير العلاقات الثنائية وصلت في الفترة نفسها إلى مرحلة لم تبلُـغها منذ أربعين سنة في مجالات مُـختلفة، ليس أقلّـها التنسيق الأمني، وهو ما كرّسته الزيارة الأخيرة لمُـساعِـد وزيرة الخارجية الأمريكية جيفري فلتمان إلى طرابلس ولقاءاته مع القذافي وكِـبار المسؤولين اللِّـيبيين. وتجلّـت تلك الازدواجية في المسافة بين تفهُّـم الإدارة الأمريكية، وربّـما تشجيعها لإطلاق المقرحي في اتِّـصالات الكواليس، بينما أعلن البيت الأبيض “أسفه الشديد” لتلك الخُـطوة، مؤكِّـدا في بيانه، أنه يُعرب عن “تعاطفه الشديد مع العائلات التي تعيش يوميا مُـعاناة فِـقدان أحبّـائها”، مضيفا في الوقت نفسه، “نحن نُـدرك التأثير الدائم لمِـثل هذه الخسارة على أي أسرة”.ومن هذه الزاوية، يبدو التّـجاذب بين قوّة تأثير المنظمات الأهلية من جِـهة، وجاذبية مَـنطق الدولة من جهة ثانية، وهو ما لخّـصته عبارة وزير العدل الاسكتلندي القائل: إن قانون بلده ينُـصّ على “تطبيق العدالة، ولكن كذلك إظهار الرأفَـة”، بل وذهب إلى حدِّ القول أن المقرحي أصبح الآن “يواجِـه عدالة من قُـوّة عليا (…) أنه يحتضر”.ومن هذه الزاوية أيضا، يمكن فهْـم الموقِـف السويسري، الذي آثر المُـصالحة مع ليبيا لطَـي صفحة الخِـلاف العاصف، الذي ثار في أعقاب اعتقال نجل الزعيم الليبي هانِّـيبال القذافي في جنيف العام الماضي. وتوعّـدت ليبيا بقطع إمداد سويسرا بالنفط وسحْـب أرصدتها من مصارفها، ونفّـذت وعيدها، بالإضافة لاحتجاز مُـواطنيْـن سويسرييْـن يعملان في ليبيا منعتهما من المغادرة. وأصرّ الليبيون على مطالبة السلطات السويسرية بالاعتذار، عما اعتبروه إهانة لمواطن غير عادي، على الرغم من أن هانيبال معروف بمُـغامراته التي تحدّى فيها القوانين في بلدان غربية عدّة، بينها فرنسا والنمسا.ولم يجد السويسريون بُـدّاً في أعقاب اتِّـصالات معقّـدة مع الجانب الليبي من تقديم الاعتذار على لِـسان الرئيس السويسري هانس رودولف ميرتس، الذي أدّى زيارة مفاجِـئة إلى ليبيا يوم الخميس 20 أغسطس، وأعلن في مؤتمر صحفي عقَـده في طرابلس، عن اعتذاره للشعب الليبي على تلك الحادثة.ووقَـع ميرتس مع أمين اللّـجنة الشعبية العامة (رئيس الوزراء) البغدادي علي المحمودي مذكرة تفاهُـم، اعتذرت بمُـوجبها سويسرا عمّـا تعرّض له نجل القذافي من اعتقال، فيما أقرّ الطرفان استِـئناف الرّحلات الجوية بينهما وتكليف دبلوماسيِـين حلّ جميع المشاكِـل القُـنصلية العالِـقة في غضون ستِّـين يوما، بالإضافة لتشكيل هيئة محكِّـمين من البلديْـن وطرف ثالث تجتمع في لندن، للتحقيق في ملابَـسات اعتقال هانيبال القذافي ومحاسبَـة من تثبت ارتكابه مخالفات جزائية أو جنائية من الموظفين السويسريين، كذلك تعهّـد الجانب السويسري بعدم العودة إلى تلك الممارسات مع المسؤولين والمواطنين الليبيين.
مؤشِّـران رئيسيان
وسيبدو في النهاية، أن الإفراج عن المقرحي بات إجراءً شكليا ورمزِيا، باعتبار أن السَّـجين الأشهر في العالم يُـعاني من مرحلة متقدِّمة من سرطان البروستات، وقدّر الأطباء أنه لن يعيش أكثر من ثلاثة أشهر، وإن كانت الأعمار بيد الله. لكن اللاّفت في الأمر، مؤشِّـران عميقا الدّلالات:أولهما، جنوح حكومات الدّول الكبرى إلى منطِـق الدولة وتغليب مصالحها العُـليا على حِـساب بعض المبادِئ التي تتأسّـس عليها المجتمعات الديمقراطية. وثانيهما، تتّـصل بالشأن الدّاخلي الليبي، إذ كشفت ظروف الإفراج عن المقرحي أن سيف الإسلام القذافي لم يعتزِل السياسة، مثلما قيل، وأنه لعِـب دورا وراء السِّـتار قد يكون حاسما في قرار الإفراج، ممّـا يعني أن ابتِـعاده عن الرّكح السياسي مؤقّـت، وربما عاد بأكثر قوّة بعد طَـي والِـده أربعة عقود من الجلوس على “عرش” ليبيا، ممّـا يستدعي التفكير في مُـستقبل النِّـظام واستطرادا انتِـقاء الخليفة القادِر على المحافظة على وِحدة الحُـكم واستمراره.

تونس – رشيد خشانة – swissinfo.ch
——————————
——————————
قضية لوكربي الحقيقة الضائعة بين الضحية المكبلة والجاني الطليق
الليبية 2009/08/31
لا أخفي أنني شعرت بالألم والشفقة على الرجل عندما طالعتني صورته في اليورونيوز صباح اليوم 31 أغسطس 2009 وهو على فراش المستشفي، لقد بدا في حالة من المرض والمعاناة بدرجة لم أستطع معها إلا أن أشعر بالشفقة عليه. ولقد كان برفقته صحفي إنجليزي يحاول أن ينتزع منه الحقيقة، ولكن المقرحي أصرَّ على أن يلتزم الصمت حتى وهو في حالته هذه.ما هو السر الذي سيدفنه هذا الرجل معه؟ وهل سيمهله الزمن بضعة أيام أو أشهر ليبرئ نفسه أمام القضاء أم أنه سيحمله معه إلى الأبد؟ الأرجح أنه لن ينطق حتى لو كتب له عمر جديد، فهو يعلم جيدا أنه إذا نطق فإن زوجته وأبناءه من بعده، بل قبيلته بأكملها سيدفعون الثمن. ومن جديد شعرت بالكره الشديد للقذافي، هذا الآثم الذي لم يسلم من بطشه أي ليبي، حتى من أثبت له الولاء كهذا الرجل الذي دفع عمره ثمنا لإخلاصه وتفانيه. إن المقرحي مثال قوي “للمغرر بهم” من قبل هذا النظام الظالم، وسيتولاه الله بعدالته قريبا، ولا ندعو له بغير هذا. آمل أن يجد أمثال المقرحي فيه درسا ليستيقظوا وليصححوا من مسارهم رأفة بهذا الوطن الممزق تحت هذا الحاكم الآثم المدمر.لم يسمع الكثيرين منا بالمقرحي إلى أن ظهر علينا فجأة كمُتَّهم في جريمة هزت أركان العالم وخلخلت تماسك دول كثيرة طوال مجريات أحداثها حتى في مراحلها الأخيرة، وبالرغم من هذا كله فإننا لم نسمع بتصريحات مباشرة من الرجل نفسه. لو نظرنا إلى القضية ومجريات أحداثها منذ بدايتها، لرأينا أننا لم نسمع تصريحا واحدا من الرجل نفسه. لقد زُجَّ به في هذه “الهلمة” وغطى الضجيج حوله على صوته، هكذا أراد له القذافي وهكذا رضى. كم بودي أن يأتينا أحد القراء ممن يعرفون المقرحي شخصيا، بسيرته الذاتية إنصافا له ولنا. ولست بكلامي هذا متعاطفة معه حيث أنه إلى هذه اللحظة لا يزال أمام القانون مذنبا، ولكن للإنصاف فقط، وبالرغم من كونه رجلا خدم النظام سواء بعلم أو بغير علم بفداحة خطأه، إلا أن هذا لا يمنع أن يكون فعلا ضحية أخرى من ضحاياه تضاف إلى طابور الجثث التي سار عليها القذافي ليصعد إلى القمة. لا يجب علينا أن ننسى أن المقرحي ظل أكثر من عشر سنوات بين محاميين ومحققين سكوتلنديين، أي أنه بالتأكيد قد تعرض لمحاولات لإقناعه بالإدلاء بالحقيقة، وقد يكون قد فعل ذلك مع أحدهم، ولكن لا شئ يظل سراً، وإن كان هذا صحيحا فإن القذافي ونظامه هم أول من يعرف هذا. مما يؤكد ظني هذا، تلك الملابسات الكثيرة التي صاحبت القضية والتي إختصرها والد إحدى الضحايا، الدكتور جيم سواير، عندما أعلن صراحة أنه مقتنع ببراءة المقرحي، وأنه مقتنع بأن القنبلة قد زُرِعت في الطائرة في مطار هيثرو بلندن. *إن الإهتمام الكبير من القذافي باسترجاع المقرحي على وجه السرعة وبأي ثمن، يجعلنا نشك بأن وراء هذا الإصرار أمرا أكبر من مجرد الوفاء بالوعد الذي قطعه على المقرحي، ولو قَرَنِّا ما تردد في الآونة الأخيرة بأن المقرحي يُعِدُّ تقريراً ليثبت فيه براءته، لرأينا أنه ليس من الغريب أن يكون القذافي قد وصل إلى حالة من القلق مما قد يأتي في هذا التقرير، وبالتالي فإن عودة المقرحي بأسرع وقت وبأي ثمن بالنسبة له هي أفضل الحلول للحيلولة من أن يُنشر تقرير المقرحي، هذا بالإضافة إلى أن وفاة المقرحي ستكون مضمونة قبل أن يتم هذا التقرير وبالتالي سينتهي هذا التهديد. إن المستفيد الأول من إتفاقية تبادل المساجين هو القذافي، فأي مساجين أوروبيين يمكن أن يقعوا في يد النظام الليبي سوى من يحتجزهم للمقايضة أمثال السويسريين في قضية هانيبال-سويسرا؟ أما الجانب الآخر، والأكثر ظلاما، فهو أن المساجين الذين قد تحتجزهم بريطانيا من الليبيين سيكونوا إما مساجين سياسيين، أو ينتمون إلى تنظيم ديني-سياسي وبالطبع “المقرحي”، وفي كل الأحوال فإن هؤلاء مطلوبين من النظام الليبي، وما تسليمهم للسلطات الليبية إلا تواطؤ من السلطات البريطانية حيث أن سلامتهم ستكون في كفة الشيطان. إذا سُئل هؤلا المساجين عن رأيهم في نقلهم إلى ليبيا سيكون ردهم بالنفي حيث أنهم يعلمون جيدا أن مصيرهم في السجون الليبية قاتم وأن جميع حقوقهم ستنتهك على عكس ما يحدث لهم في السجون الأوروبية بالرغم من كل ما يمكن أن يقال عنها. عندما أذيعت صور المقرحي لدى خروجه من السجن أو حينما كان بجانب سيف في الطائرة وحتي عندما خرج من الطائرة في مطار طرابلس وعندما إلتقى بالقذافي لينحني مقبلا يده وعندما جلس بقربه في اللقاء الصحفي، كانت تعابير وجهه طوال الفترة لا تدل على أدنى شعور بالسعادة، بل كان يبدو عليه القلق وقد لا أبالغ إذا قلت شئ من الخوف أيضا.. كان رجلا منهكا، وبدا وكأنه كبر عشرون عاما أو أكثر في هذه الأعوام العشرة التي قضاها في سجون سكوتلندا.. ولم تظهر على وجهه إبتسامة واحدة. فهل هذا هو التعبير المتوقع من رجل منتصر؟ أدعو القارئ أن يراجع الصور المنشورة وأن يتمعن في أسارير الرجل وليتصور نفسه مكانه، لا أعتقد أن أحدا سيخالفني الرأي. لقد كان يعرف حينها أنه وصل إلى نهاية المطاف في معاناته التي دامت عقدين. أما التصريحات التي صدرت من سيف، أو الإستقبال الحافل في المطار أو “ليالي المزار” التي نُظمت له، فقد كانت كلها لذر الرماد في العيون، وللتشويش على ما أعده له القذافي في القريب العاجل، ألا وهي إتمام المهمة، وإقفال الملف قبل أن يُشار باصبع الإتهام إلى متهم جديد. وهكذا، بموت المتهم الوحيد، ستنتهي القضية وسيُسدل الستار. لم يكن في إسترجاع المقرحي إلى ليبيا أي تخطيط لحماية المقرحي أو لحماية ليبيا، ولكن لا يحتاج الأمر إلى ذكاء سياسي لنستنتج أن هذا كله كان ولا يزال لأجل حماية المستفيد من كل هذه الأحداث، فهل من الصعوبة معرفة من إستفاد منها؟ لننظر إلى الوراء، سنرى أن المستفيدين كثيرين، أبرزهم الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، والقذافي نفسه، بينما الخاسر بمرتبة الإمتياز فهو شعب ليبيا المنكوب. مما لا شك فيه أن المقرحي أيضا ضحية من ضحايا هذا النظام الظالم، ولكنه شارك في مصيبته بيده بالمضي في الدرب الذي رسمه له القذافي، وبعد أن تورط، لم يجد طريقا للعودة حيث أنه لا يمكن له أو لغيره كفرد أن يسير ضد كل هؤلاء. ولا غرابة إذن في صمته، حيث أنه إن نطق، لن يرى النور أما بصمته فقد يرحمه الخالق. ولكنه للأسف ها هو اليوم يصارع الموت بينما العالم ينظر إليه كقاتل جماعي وسيموت بهذه الصفة. قد يستنكر القارئ شعوري بالشفقة تجاه الرجل ولكنى أرى أن من يملك ذرة من الإنسانية في قلبه لا يمكنه سوى أن يشعر بهكذا شعور عند مشاهدة حتى أعتى العتاة وهم يصارعون الموت، ليس حبا فيهم ولكن لأن منظرا كهذا يذكرنا بأن ما الحياة الدنيا إلا متاع إلى حين، وأننا لا نخلف وراءنا سوى صيتنا، وياله من صيت سيخلفه هذا البائس عندما يلفظ أنفاسه الأخيرة.إن كان فعلا بريئا وبعلم السلطات الليبية، فإن إتهامه وسجنه وحده يُعتبر جريمة لا تغتفر بحقه وبحق أهله وبحق شعب ليبيا بأكمله أيضا، جريمة شارك فيها القذافي مباشرة ويتحمل مسؤوليتها أمام الله وأمام العبد. وكذلك، فإن مماته الآن بدون أن يبرئ سمعته، سيستوجب على من يعرفون الحقيقة أن يتقدموا بها للإنصاف له أمام وجه الله.أما إذا كان فعلا قد تسبب في جريمة لوكربي، فإنه قريبا سيكون أمام الله وسينال عقابه العادل في السماء، ولكن عدل الأرض سيضيع، وأرى في هذا أيضا ظلم فوق ما لحق جميع المتضررين من ظلم.إن المتضررين من جراء ما نُسِب إلى المقرحي ليسوا ضحايا الطائرة أو المنازل التي وقعت فوقها الطائرة فقط، بل الشعب الليبي بأكمله أيضا، ولن يُشفِي غليل أيٍ من الضحايا أن ينال الجاني عقاب السماء بدون أن ينال قبلها عقاب الدنيا، إن هذا ليس كفرا بإرادة الخالق ولكني أراه حقا لنصرة المظلوم، وهو مطلب يفهمه جيدا كل من ظُلِم ويرجو القصاص.ولكن أن نرتضي ضياع الحق كاملا هكذا بينما يظل إسم ليبيا مقرونا بهذه الجريمة النكراء، فإني أرى أننا بهذا نعزز لونا جديدا من الظلم يفوق بمراحل جميع ألوان الظلم التي رأيناها طوال مدة الحصار وما تبعها من إهدار للخزينة الليبية. وعليه، فإني أرى، سواء كتب للمقرحي الحياة أو توفاه الله برحمته، أن نظم أصواتنا لبقية ضحايا هذه الجريمة كضحايا أيضا، لننقب عن الحقيقة وليمثل الجاني الحقيقي أمام العدالة ولتكون هذه أولى الخطوات نحو إسترجاع سمعتنا كشعب مسالم يطمح للأفضل، ولنبدأ بهذه الخطوة بإزالة وصمات الإرهاب التي رسمها هذا النظام الآثم على جبين كل فرد منا.
والله المستعان.
———————-
———————–
بمناسبة مرور أربعين سنة على انقلاب سبتمبر
الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا 2009/09/01
لن تستطيع بهارج الزينة التي ينشرها حكم القذافي احتفالا بمرور أربعين سنة على استيلائه على الحكم في ليبيا عبر انقلاب عسكري مشبوه، لن تستطيع هذه البهارج أن تخفي ما اقترفه القذافي وزبانيته من الحماقات والتجاوزات، وما ارتكبه من الانتهاكات والجرائم في حق بلادنا وفي حق شعبها، وفي حق مقدّساتها، وفي حق إمكانياتها وثرواتها، وفي حق سمعتها وعلاقاتها، وفي حق مستقبل أجيالها.لن تستطيع البهارج أن تخفي مظاهر الحزن التي تلف مدننا وقرانا ولا ان تخفي خيام العزاء في مآتم شهداء مجزرة سجن بوسليم البشعة التي اقترفها أعوان القذافي المقربون بأوامر مباشرة منه، وقتلوا فيها في يوم واحد أكثر من ألف ومائتي سجين سياسي.لن تستطيع احتفالات القذافي أن تنسي الشعب الليبي سجلا إجراميا حافلا وأربعين سنة من حكم همجي مارس القهر والقمع، ومارس الإرهاب والإجرام، ومارس الفساد والدجل، ومارس التعذيب والقتل، ومارس نهب المال العام وحرمان الشعب الليبي وإفقاره وتجهيله وتعريضه لشتى الأوبئة والأمراض.لن تستطيع الوفود التي استقدمها القذافي لمشاركته احتفالاته وفرش طريقها بمليارات من أموال الشعب الليبي، لن تستطيع هذه الوفود مهما كثرت وبلغت أن تقدم للقذافي صكوك البراءة من الملاحقات القانونية التي مازالت تطارده، ولا أن تعطيه الشرعية التي لم يحز عليها في يوم من الأيام، ولا أن تمحو من الذاكرة الوطنية سجلاته القذرة وخياناته وجرائمه النكراء.لن تستطيع بهارج الزينة أن تخفي حقيقة أنه لم تعد هناك في ليبيا دولة، بل غدت تحكمها عصابات، يقوم على رأسها القذافي وأولاده الذين نهبوا أموال الدولة وسيطروا على كل مفاصلها.لن تستطيع بهارج الزينة أن تخفي مظاهر البؤس والفقر والتخلف التي تتبدى للعيان في كل المرافق وفي حياة كافة الليبيين وفي جميع أنحاء ليبيـا ومناطقها.في هذا الوقت الذي يحتفل فيه القذافي بمرور أربعين سنة على استيلائه على الحكم في ليبيا، يقف شعبنا ليتذكر ما عاناه خلال هذه السنوات العجاف من استبداد وقهر، ومن انتهاكات للحقوق والحرمات، ومن مصادرات للحريات والممتلكات، ومن تضييع لفرصة الدهر التي كانت مشرعة أمام ليبيا للتقدم والنماء والازدهار والتي أهدرها القذافي.إن مناسبة مرور هذه السنوات العجاف هي تذكار حقيقي مؤلم لما واجهته بلادنا من تضييع وهزائم في كل المجالات على أيدي القذافي وأعوانه، وعلى ما واجهه مواطنونا من تنكيل وتقتيل، وما آلت إليه الأحوال في ليبيا من تردي.كما أنها مناسبة تغتنمها الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا لإعادة التأكيد على حقائق الصراع بين الشعب الليبي وحكم القذافي الهمجي؛ والتي تتلخص فيما يلي:1. أن القذاقي قد اغتصب السلطة بقوة السلاح، وظل حاكماً مطلقاً لليبيا طوال هذه السنوات. لم يجر انتخابه من قبل الشعب الليبي بأيّ صفة من الصفات، حتى يستطيع أن يدّعي أن وجوده على رأس الحكم يستند إلى إرادة شعبية وشرعية وطنية.2. أن إنقلاب سبّتمبر ظلّ مسيطراً على الأوضاع في ليبيا طوال هذه السنوات مستندا إلى القوة وبفضل الحماية والرعاية والخدمات الأمنية التي تسابقت في تقديمها له عدة أطراف عربية وغربية.3. أن ممارسات النظام الانقلابي على الصعيدين الداخلي والخارجي ظلّت على إمتداد السنوات الأربعين الماضية بعيدة عن أماني الشعب الليبي وتطلعاته، كما ظلّت هذه الممارسات في خدمة المصالح والأطماع الأجنبية وعلى حساب الأماني الوطنية والقومية والإنسانية لليبيين.4. إن هذا النظام فوّت على الشعب الليبي فرصة الدهر في استثمار عائدات النفط الليبي الهائلة استثماراً راشداً من أجل بناء إقتصاد وطني منتج وقويّ، وأضاع العائدات على مغامرات طائشة مجنونة، ومشروعات فاشلة غبيّة، وبناء أوهام مجد كاذبة، ومن ثمّ فقد كان هذا النظام وما يزال يشكل كارثة وطنية وقومية وإسلامية وإنسانية على ليبيا وعلى شعبها وعلى الأمة العربية والإسلامية وعلى العالم أجمع.5. إن الشعب الليبي لم يكن سوى ضحية للصرّاع والتآمر والتواطؤ والابتزاز الذي مارسته أطراف دولية. وفضلاً عن ذلك فقد قدم الشعب الليبي بكافّة فئاته المدنية والعسكرية، وفي كافة مناطقه ومن داخل ليبيا ومن خارجها، كل ما كان بمقدوره تقديمه من الجهود والتضحيات من أجل التخلّص من سلطة انقلاب سبتمبر، وإن عدم تمكّن هذه الجهود والمحاولات من بلوغ أهدافها ليس راجعاً بالضرورة إلى سلبية الليبيين وقصورهم بقدر ما يمكن إرجاعه إلى الحماية والخدمات الأمنية الخطيرة التي قدمتها هذه الأطراف لسلطة إنقلاب سبتمبر وما تزال.6. إننا في الوقت الذي نعتبر فيه العقيد القذافي المسؤول الأول والرئيسي عن كافة الجرائم والشرور والتجاوزات والانتهاكات التي وقعت على امتداد هذه الحقبة المذكورة من تاريخ بلادنا المعاصر، فإننا لا نستطيع أن نعفي هذه الأطراف المذكورة من هذه المسؤلية بحكم دورها في تدبير هذا الانقلاب وفي محافظتها عليه. 7. إن إنهاء حكم القذافي هو ضرورة ومطلب أساسي وحيوي من أجل إنقاذ ليبيا من واقعها المأساوي المتخلّف الذي تحياه، ومن أجل تقدّم واستقرار وسلامة المنطقة، وهو مطلب تجمع عليه الأغلبية الساحقة من أبناء وبنات شعبنا الليبي. وإن الجبهة لا تملك إلا أن تستنكر ما ترددّه بعض الدوائر الإقليمية والدولية وحتى الليبية من أن بقاء حكم القذافي هو ضروري لاستقرار المنطقة أو أن غيابه سوف يؤدّي إلى الأضرار بالوحدة الوطنية الليبية، أو قيام حرب أهلية أو إلى بديل متطرف. إن الذين يرددون مثل هذه الأراجيف فوق أنهم يتغافلون عن حقيقة ما يمثّله نظام حكم القذافي، فإنهم يصّرون على قراءة واقع وتوجّهات الشعب الليبي قراءة مغلوطة، كما أنهم يتعاملون مع قضية الشعب الليبي من منظور أناني نفعي بحت يخلو من كافة الاعتبارات الانسانية. وفيما تؤكد الجبهة يقينها بأن استمرار القذافي في حكم ليبيا هو وحده الذي يعرّضها لشتى أنواع المخاطر والمهالك الخارجية والداخلية، وأن إبعاد هذه المخاطر لايتمّ إلا بإنهاء هذا الحكم وليس بالإبقاء عليه وبالتصالح معه.وإزاء هذا كله فإن الجبهة تحث الشعب الليبي بكل قواه في الداخل والخارج، عسكريين ومدنيين، أن يستشعروا مسؤولياتهم تجاه الوطن وأن ينفذوا المهمة التاريخية التي تنتظرهم بإنقاذ الوطن وتخليصه من هذا الحكم الهمجي. إن من حق الشعب الليبي أن يستخدم كافة الوسائل المشروعة والممكنة في نضاله ضد حكم التخلّف والإرهاب القذافي، وأن هذا إنما يمثل ممارسة حق مشروع في النضال والكفاح، في مواجهة حكم مارس الإرهاب على المستويين الداخلي والخارجي وارتكب أفدح الجرائم بحق الشعب الليبي.إن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا تناشد كافة دول العالم المحبة للخير، المدافعة عن حقوق الإنسان، الحريصة على الأمن والسلم أن تقف المواقف المبدأية التي تمليها شرعة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مؤازرة الشعب الليبي وأن تمتنع عن ما من شأنه عرقلة إرادة الشعب الليبي في استعادة حريته وبناء دولته على أسس دستورية ديمقراطية حضارية.إن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيـا لتستذكر شهداءها وكافة شهداء الوطن الأبرار الذين سقطوا في معارك الجهاد الوطني أو ضحية الممارسات الإرهابية المجرمة لحكم القذافي، وتستمطر على أرواحهم الطاهرة شآبيب رحمة الله ورضوانه. كما تحيّ صمود وكفاح مناضليها وكافة مناضلي ومجاهدي شعبنا داخل معتقلات القذافي وفوق كل شبر من ثرى أرضنا الغالية وخارج أرض الوطن، وتجدد العهد لله ومعهم على المضيّ قدماً على طريق الإنقاذ وعلى مواصلة الجهاد والنضال.لن تزيد أبناء الجبهة وكافة أحرار ليبيـا وحرائرها ممارسات القذافي وجرائمه ومناوراته إلا إصراراً على المطالبة والنضال من أجل الإطاحة بهذا النظام وتقديم القذافي وأعوانه إلى المحاكمة عن الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب الليبي وعلى رأسها جريمة سجن أبوسليم.ولن يزيدنا صمت كثير من الأطراف الإقليمية والدولية بل وتواطؤ البعض منها مع نظام حكم القذافي ضد حرية شعبنا وأمنه ووحدته الوطنية إلا تمسكاً بالعمل والجهاد من أجل إنهاء هذا الحكم ومن أجل استرداد حرية شعبنا وأمنه وتحقيق رخائه وتقدمه، وصون وحدته الوطنية وحمايتها.كما لن يزيدنا طول محنتنا ومحنة شعبنا.. واشتداد الحلّكة والظُلمة، إلا تفاؤلاً وأملاً بدنوّ ساعة الخلاص والإنقاذ.. وإلا تطلّعاً إلى نصر الله وإلى فجر ليبيـا القادم الذي ينزاح فيه عنها حكم الظلم والإرهاب والفوضى والتخلف والخيانة، ويتمكّن فيه أبناؤها وبناتها من كافة أرجائها من بناء دولتهم العصرية على أسس وطنية دستورية ديمقراطية راشدة، تصون الحقوق والقيم والمقدسات، وتكفل الحرية والعدل لكافة مواطنيها، وتتوخى التقدم والرخاء والإزدهار، وتسهم بكل فاعلية في الجهود الإقليمية والدولية للتعاون المثمر البناء، وصيانة السلام والأمن العالميين.عاش نضال شعبنا الليبيالجنة والخلود لشهداء ليبيـا الأبرار..” ولينصرّن الله من ينصره إن الله لقويّ عزيز
“الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا10
رمضان 1430 هـ31 أغسطس/ آب 2009م
———————
———————
القذافي… عالم من التناقضات ورجل الأضواء والمفاجئات
رودولف كيميلي
قنطرة 2009/09/01
لقد فاقَ معمر القذافي الجميع تقريباً فيما يتعلق بطول فترة حكمه، إذ يحكم الآن فترة أطول مما حكم كل الحكام الطغاة في القرن العشرين، وفترة أطول من كافة الحكام العرب الآخرين، ومن كل سياسي منتخب ديمقراطياً في أي مكان من عالمنا. رودولف كيميلي يسلط الضوء على “ظاهرة القذافي”. عندما يحتفل قائد الثورة الليبية في الفاتح من سبتمبر/ أيلول بالذكرى الأربعين للثورة التي أزاحت الملك إدريس من عرشه بقيادة العقيد المجهول آنذاك البالغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، فلن يستطيع أن ينافسه أحد في طول مدة الحكم سوى فيدل كاسترو الذي سبقه بعامين إلى دفة الحكم في بلده. غير أن القذافي لم يكن يوماً رئيساً بالمفهوم التقليدي أو زعيم حزب حاكم. ولكنه استطاع منذ أربعة عقود أن يجمع بين يديه كل الخيوط في ليبيا.لن تكون الدائرة التي سيحتفل القذافي في وسطها دائرة صغيرة، غير أنها لن تضم أولئك الضيوف المشهورين كما كان يأمل. الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، الذي أُعلنت مشاركته في الاحتفال على عجل، نفي حضوره الحفل. كما أعلنت ليبيا مشاركة الروسيين، ديمتري ميدفيديف وفلاديمير بوتين، غير أن الزعمين لم يؤكدا المشاركة في الاحتفال والشيء نفسه ينطبق على الملك الإسباني وقرينته.كل هؤلاء يخشون أن تقع عينهم على مقعد خلفي من مقاعد الضيوف يجلس عليه عبد الباسط المقراحي، منفذ اعتداءات لوكربي العائد إلى وطنه. ولكن في مقابل غياب أولئك، سيحضر عشرات من الرؤساء الأفارقة والرئيس الفنزويلي هوغو شافيز وعديد من عتاة مناهضة الإمبريالية.الخروج من عنق الزجاجة…ومناهضة الإمبريالية هي الشيء الثابت في حياة العقيد الليبي، حتى وإن كان الزعيم الليبي قد هذّب تلك المناهضة حتى يعود إلى السيرك السياسي نجماً محتفى به من قبل “كلب رونالد ريغان المسعور”. لقد حقق القذافي تقدماً كبيراً على هذا الدرب. وها هي ليبيا تستعيد علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة بعد أن رُفعت كافة العقوبات عليها منذ وقت طويل، كما أن رؤساء الحكومات الأوروبية لا ينفكون التوافد إلى خيمة القذافي. إنه الآن رئيس الاتحاد الأفريقي، ويشعر بالسعادة عندما يُطلق عليه “ملك ملوك أفريقيا”. بل إن ليبيا ترأس لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كما أنها في الوقت الحالي عضو في مجلس الأمن. وفي الشهر المقبل سيسافر القذافي لأول مرة إلى نيويورك لحضور اجتماع اللجنة العمومية وإلقاء خطاب هناك. بطل الاستفزازات والمفاجئات….لقد بيّن عناق القذافي للمقراحي في أثناء استقباله له أن مشاعر الرجل الثوري المسن لم تتغير. ولم يفقد العقيد رغبته في الاستفزاز وما زال يحب المزايدة، حتى وإن كان يدفع تعويضات مقابل الاعتداءات. فهو منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 يضع في خدمة الأمريكان معارفه الجيدة الخاصة بالنشطاء العرب السريين، لأن الإسلامويين يريدون رقبته هو أيضاً. ولكن أمام مواطنيه لا يريد القذافي بأي حال من الأحوال أن يظهر في مظهر الدمية التي تحرك خيوطها بلاد الغرب.ولهذا يصور القذافي الأمور على نحو زائف: ألم يصدر في ليبيا حكم بالإعدام بحق الممرضات البلغاريات؟ ألم يتم الاتفاق بعد صفقة إطلاق سراحهم على أن يقضوا فترة العقوبة في وطنهم؟ ألم يتم استقبالهم استقبالاً بهيجاً من قبل رئيسهم وكبار الأوربيين بصفتهم ضحايا الظلم الليبي؟ “هل نحن حمير وهم بشر؟”، هكذا علق القذافي علناً على الاستياء الذي أبداه الغرب عندما استقبلت ليبيا المقرحي باعتباره رمزا وطنياً.كل إنسان يعيش شمال البحر المتوسط أو غرب المحيط الأطلسي يعرف أن التشبيهات التي يستخدمها القذافي خاطئة. غير أنها تترك أثراً إيجابياً في ليبيا. ومثل القذافي انتهز ابنه سيف الإسلام فرصة استقبال المقرحي في سكوتلاندا والعودة به إلى الوطن لكي يرسخ صورته أمام الجمهور باعتباره خليفة والده وليضعف موقف أخيه ومنافسه المعتصم بالله.قصة فشل….لم تكن “الجماهيرية” التي أسسها القذافي وقضى نصف حياته على رأس السلطة فيها قصة نجاح. هذا البلد الذي لا يقطنه سوى ستة ملايين ونصف يصدر من البترول ما لا يقل عن السعودية، غير أن الفوارق هائلة بين البلدين في مستوى المعيشة والبنية التحتية والتنمية. لا أحد يموت من الجوع في ليبيا، هذا صحيح، ولكن الأجور في مستوى متدنٍ للغاية، أما البطالة بين الشبان فهي تقريباً القاعدة لا الاستثناء. لا أحد يكاد يجد عملاً سوى في القطاع الحكومي غير المنتج. أما دخل البترول فقد تم تبذير جزء كبير منه على مشاريع استعراضية ضخمة ومشتريات السلاح وشراء أصدقاء وهميين. لقد تبخر طموح قائد الثورة في أن يكون محرك الوحدة العربية. إذ وقّع القذافي نحو عشر اتفاقيات وحدة، مع دول مجاورة مثل مصر وتونس، أو مع دول لا تربطه معها حدود مشتركة مثل المغرب أو سوريا. ولكن سرعان ما انفكت عرى تلك الوحدة، إذ لم يرغب رئيس دولة عربي في القبول بأن يتولى القذافي قيادة البلد المتحد. ومن ناحيته فهو لم يكن في يوم من الأيام مستعداً لأن يلعب دوراً ثانوياً. أكثر من مرة كان القذافي على وشك الخروج من جامعة الدول العربية، فهو لم يقبل قط أن يرى أخوانه العرب يقدرون الإمكانات الحضارية والثقافية في ليبيا تقديراً متدنياً. كما أنه منذ توجهه إلى أفريقيا لا يريد أن يدرك أن الحلفاء الجدد لا يكنون الإعجاب سوى بنقوده. وبفضل القذافي يسكن اليوم البدو السابقون في بيوت خرسانية قبيحة، بها ثلاجات ويأكلون طعاماً مستورداً من الدرجة الثانية. وعما قريب قد يصبح الرومانسي الأخير الحالم بالصحراء الذي ما زال ينام في خيمة ويشرب حليب الناقة.
رودولف كيميلي خبير بشؤون الشرق الأوسط ومراسل صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” منذ سنوات طويلة.
———————–
———————-
القذافي يحتفل والليبيون يتأملون
2009/08/31 BBC
اتسمت احتفالات الزعيم الليبي معمر القذافي بمرور اربعين عاما على وصوله للسلطة بزخم كبير من الاحتفالات التي ستستمر لستة ايام لتشمل عروضا موسيقية فاخرة، وحفلات، واعمال مسرحية ومعارض.ولكن، ليس جميع سكان ليبيا يرون سببا للاحتفال.وقد تحولت ليبيا بشكل تدريجي خلال السنوات القليلة الماضية الى ورشة عمل لتنفيذ اعمال انشائية.ويقول سامي زابطية، المستشار في قطاع الاعمال ان “الشقق السكنية تبنى في كافة ارجاء ليبيا”.واضاف “اننا نتوقع ان يعلن مع بداية سبتمبر اسماء من سيحصل على هذه المنازل”.الا انه اشار ان من غير الواضح الكيفية التي سيتم بها توزيع هذه الوحدات السكنية وما هي المتطلبات التي يجب على الناس توفيرها للحصول على منزل.عقلية القلعةيبدو ان حالة عدم اليقين التي اصابت عقول الناس في ليبيا على مدى السنوات الاربعين الماضية سيصعب التخلص منها.ويقول رجل ليبي في الاربعين من عمره رغب في عدم الكشف عن اسمه لبي بي سي “لقد مرت اربعون عاما حاملة ذات الاشياء. لربما كنا نسير الى الخلف وليس الى الامام”.واضاف “اذهب الى المستشفيات او المدارس الحكومية، ان ذلك دليل بحد ذاته على ما حصلنا عليه”.وقال الرجل “لا يتجاوز تعدادنا ستة ملايين شخص ونتمتع بثروات غير محدودة من الموارد الطبيعية والاستثمارات الاجنبية ، ولكن لحد الان، لم نرى اي شيئ”.ولا يتردد المسؤولون الليبيون في لوم الحصار الاقتصادي الدولي على ليبيا الذي استمر على مدى عقد من الزمان خلال تسعينات القرن الماضي بانه المسؤول عن الوضع القائم.الا ان سامي زابطية يقول ان الحصار اسهم في عقلية القلعة وسياسة الانفاق المحافظة”.تجنب المخالفاتواضاف زابطية “في نهاية المطاف، مع رفع العقوبات وتحول العلاقات مع الغرب، فان الموقف قد تغير”.الا ان زمن العزلة اعتبر عذرا مقبولا لدى الكثير من الناس في ليبيا.الا ان البعض في ليبيا يقولون “الا ان قائدنا يقول ان هناك فساد وانه يرغب في التخلص من الحكومة وتوزيع الثروة النفطية على الشعب”.ويرى الليبيون املا في مستقبل مكانة بلادهم في العالم.ويقول شاب ليبي في حديث لبي بي سي شارحا لماذا من الافضل ان يكون الشخص ليبيا في الوقت الراهن “اننا اغنياء، والغرب بحاجة لنا، فهم يأتون الان للعمل هنا”.واضاف “هناك فرص عمل هنا، فنحن لا نواجه مصاعب او اقتطاعات في الوظائف او اي من تلك المصاعب التي سجلت في الخارج”.يشار الى ان نسبة البطالة في ليبيا تبلغ 13 في المائة.تقلبويقول مراقبون ان سياسات العقيد معمر القذافي التي تستند الى اسس اشتراكية جعلت ليبيا تعتمد بشكل كبير على الحكومة، مزيلة الحوافز للبحث عن العمل.ويقول شخص “في يوم ما، امتلك كل منا مشروعا صغيرا، وفي اليوم التالي تحول هذا الامر الى ما يشبه المخالفة للقانون، وانه يجب عليه ان يغلق هذا المشروع”.واضاف “قمنا بتاجير مساكننا للناس ثم صدرت سياسة ان كل بيت هو ملك لساكنه. في سنة، كان اطفالنا يتعلمون اللغات الاجنبية في المدارس فيما تم منعها في السنة اللاحقة”.الا ان ليبيا قطعت شوطا طويلا منذ فترة الاضطرابات وان البلاد تحاول تعديل السياسات التي وصفت بانها تجارب فاشلة تعود للماضي.ان هناك علامات بديهة على الازدهار، ونمو الاقتصاد التنافسي، مع نمو عدد الاشخاص الذين يديرون مشاريع خاصة، وبدأت المحلات والمطاعم في النشوء لتلبية رغبات شعب متعطش للحداثة.عالم النسيانتشهد ليبيا علامات على الاتجاه نحو اللامركزية في التعامل مع القضايا الدولية مثل الاستقبال الحماسي بعودة عبدالباسط المقراحي، المدان بتفجير طائرة فوق مدينة لوكربي البريطانية.وفي حين من المبكر الحكم على النتائج، فان هناك بقايا من التقلب في وضع السياسات والتي اتسمت بها السنوات الاربعون الماضية.ويتهم العقيد القذافي الحكومة بالتسبب بهذه المشاكل.اما سيف الاسلام القذافي، ابن الزعيم الليبي الذي يتسم بنزعة اصلاحية، والذي يعتقد الكثيرون بانه سيخلف والده برغم نفيه هو لذلك، فيلوم المتمردين الذي يريدون ليبيا ان تسير الى الوراء.وفي الوقت الراهن، فان المستثمرين الاجانب يبقون في حالة من الضياع في حال استمرار حالة عدم اليقين بشان مستقبل البلاد.اما بالنسبة لليبيين، فانهم قد تجاوزوا المرحلة التي يلقون فيها باللوم او وضع مسؤوليهم في موضع المسائلة.ويقول العديدون في ليبيا ان الرئيس القذافي يتحفض بمكانة خاصة في البلاد وانه سيستمر النظر اليه نظرة تقدير.وتقول سيدة عجوز “لقد كان شابا وسيما وطموحا يحمل احلاما كبيرة لنا جميعا عندما تقلد مقاليد السلطة”.وتضيف “الا ان الامور تغيرت، ربما بسبب الاشخاص الذين يحيطون به، من يدري؟”.الا ان الامور كما وصفها سائق سيارة اجرة “لا نتهم بمن هو المسؤول عن ماذا، نحن فقط نريد ان نعمل ونسير نحو المستقبل”.
———————
———————
خلفاء القذافي وورثة سلطة الشعب
اذاعة هولندا
عمر الكدي 2009/09/01
منذ أربعة أعوام وبالتحديد منذ أن أطلق الابن الثاني للعقيد القذافي، سيف الإسلام أفكاره الإصلاحية، من خلال الروابط الشبابية، وإنشاءه لشركة الغد الإعلامية، التي تدير قناة الليبية الفضائية، وصحيفتي أوياء وقورينا، أصبح الحديث عن احتمال أن يخلف سيف الإسلام والده أكثر علنا في ليبيا، بالرغم من أن النظام الرسمي أو الشكلي هو سلطة الشعب، ولكن بعد أن قرر سيف الإسلام التخلي عن العمل السياسي، وبعد أن قرر والده تأميم قناة الليبية، ضعفت حظوظ سيف الإسلام لخلافة والده، وبرز أسم أخيه المعتصم بالله، الذي يشغل منصب مستشار الأمن القومي، قبل أن يلمع اسم سيف الإسلام مرة أخرى الأسبوع الماضي عندما تمكن من الإفراج عن المقرحي، والعودة معه إلى ليبيا في طائرة خاصة.أنجب القذافي ثمانية أبناء من زوجتين، وثمة من يقول إذا كانت مشكلة ليبيا في العهد الملكي أن ملكها لم ينجب على الإطلاق، فإن مشكلتها في عهد القذافي أنه أنجب أكثر مما يجب.البكر لاحظ لهأكبر أبناء القذافي هو محمد (38 عاما)، من زوجته الأولى فتحية نوري خالد، ابنة الزعيم نوري خالد حكمدار البوليس في العهد الملكي، وشقيقة آمر الشرطة العسكرية في عهد القذافي خيري خالد، ولم يستمر الزواج طويلا، نظرا لاختلاف الطبائع بين الاثنين، فالسيدة فتحية تنتمي لعائلة عريقة من أصول تركية، عاشت طوال تاريخها في طرابلس، بينما ينتمي العقيد لأكثر العشائر بداوة في ليبيا. تزوجا عام 1970، وحظر عقد القران الرئيس جمال عبد الناصر خلال زيارته إلى ليبيا. وينظر الليبيون لمحمد باعتباره الأكثر تواضعا ودماثة بين أبناء القذافي، ربما لأنه ترعرع في حضن والدته وأخواله، ولكنه سرعان ما أدرك مبكرا أنه لا حظ له في خلافة والده، وذلك لأن حظوظ أخوته من الزوجة الثانية لوالده صفية فركاش أكثر قوة، لذلك اختار منذ البداية بعد تخرجه من كليه الهندسة التفرغ لإدارة البريد، وهو يحتكر حاليا كل ما له علاقة بهذا النشاط في البلاد، بما في ذلك شبكة الهواتف المحمولة، والانترنت، كما يترأس اللجنة الأولمبية، وفي التسعينات أشرف على نادي اتحاد طرابلس لكرة القدم، وهو ما أدى إلى حدوث مصادمات بينه وبين أخيه الأصغر الساعدي، الذي كان يترأس اتحاد كرة القدم، ويشرف على النادي الأهلي الطرابلسي، المنافس التقليدي لنادي الاتحاد.الإصلاحيسيف الإسلام القذافي (36 عاما) يأتي في الترتيب الثاني، وهو الابن البكر للسيدة صفية فركاش. درس الهندسة المعمارية في جامعة الفاتح، قبل أن يتحول لدراسة الاقتصاد والأعمال في فيينا ولندن. عرف بميوله الفنية وهواية الرسم، كما اشتهر في الصحافة العالمية بتربيته لنمرين آسيويين، وخاصة عندما اصطحبهما معه إلى فيينا. أسس مؤسسة القذافي للتنمية والجمعيات الخيرية، التي تضم جمعية للدفاع عن حقوق الإنسان، والتي تولت التعامل مع ملفات معقدة وصعبة، من إنقاذ الرهائن الغربيين في الفلبين، إلى ملف لوكربي، الأطفال المحقونين بفيروس الإيدز في بنغازي، وأخيرا ضحايا مذبحة سجن بوسليم، وسيف الإسلام له علاقات واسعة في الغرب، من خلاله حضوره لمنتدى دافوس، وهو من فاوض على تسليم البرنامج النووي الليبي مقابل رفع العقوبات عن ليبيا، وشطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولكن أفكاره الإصلاحية بما في ذلك وضع دستور للبلاد، وإطلاق حريات الصحافة والتعبير، تثير حفيظة ما يسمى بالحرس القديم، المسيطر على القوات المسلحة والأمن، بالإضافة إلى اللجان الثورية، والذين يفضلون المعتصم على شقيقه ذي التوجهات الغربية. اشترى مؤخرا سيف الإسلام بيتا بعشرة مليون جنيه استرليني في منطقة هامستيد في لندن، وهو الحي الذي يوصف بحي المليونيرات، كما نقل قناة الليبية إلى لندن، ويبدو أنه سيستمر في الدعوة إلى الانفتاح والإصلاح، وبناء مجتمع مدني قوي، ويرى بعض المراقبين أنه بعد نجاحه في استقطاب الإصلاحيين في الداخل، يسعى لاستقطاب المعارضين لنظام والده في الخارج، الذين قبل بعضهم العمل معه في إمبراطوريته الإعلامية.من الكرة إلى السينمايحتل الساعدي الترتيب الثالث ولكنه مستبعد من الخلافة لاعتبارات عديدة، وبالرغم من دراسته العسكرية، ويحمل رتبة عقيد منحه له العاهل الأردني، بعد أن تسبب الجمهور الليبي في حالة شغب في إحدى المباريات التي شهدتها عمان، إلا أنه يعشق كرة القدم حتى تمكن من الاحتراف في الأندية الإيطالية، وبالرغم من أنه كان يلعب لفترة قصيرة، وقضى معظم الوقت وهو جالس على مقاعد الاحتياطيين، إلا أنه ثبت تناوله للمنشطات، ومنذ ذلك الوقت ترك الكرة وعاد إلى ليبيا، ليتفرغ الآن للسينما بعد أن اسس شركة سينمائية في هوليوود بقيمة مائة مليون دولار. والساعدي متزوج من ابنة اللواء الخويلدي الحميدي، وهو من بين الأعضاء الثلاثة لمجلس قيادة الثورة الذين بقوا إلى جوار القذافي. ويمكن اعتبار الساعدي النسخة الليبية من عدي صدام حسين، وخاصة عندما أشرف على المنتخب الليبي لكرة القدم، كما ارتبط في فترة من حياته بالجماعة السلفية الليبية.المستشاريعتبر المعتصم الوحيد الذي يشغل منصبا رسميا بين أبناء القذافي، فهو مستشار الأمن القومي، وكان قد تخرج من كلية الهندسة العسكرية، ومنحه الرئيس المصري رتبة عقد، أثناء لجوءه إلى مصر بعد خلاف مع والده، وهو الخلاف الذي ترتب عليه حل الكتيبة التي كان يقودها المعتصم، والتي كان الوالد يخشى تمردها. يوصف بأنه عنيف وقاس، وخاصة مع رفاق والده من كبار القادة، أمثال اللواء مصطفى الخروبي، واللواء أبوبكر يونس جابر، بما في ذلك كبار قبيلة القذاذفة أمثال اللواء خليفة حنيش. ولكن بعد بروز سيف الإسلام حسن علاقته مع كبار رجالات القبيلة، ومع مسئولي الأمن والكتائب المسلحة، ويستطيع المعتصم أن يحكم السيطرة على البلاد إذا توفي والده فجاءة، ولكن عليه أن يضمن ولاء أخطر أخوته على الإطلاق “خميس”. وهو يميل للعمل بعيدا عن الأضواء، ويشبه إلى حد ما قصي ابن صدام حسين.الأميرةعائشة (33 عاما) هي الابنة الوحيدة للعقيد القذافي والأقرب إلى قلبه، تخرجت من كلية القانون بجامعة الفاتح، وعرفت بتقليدها لكلوديا شيفر، قبل أن تضع الحجاب فوق رأسه، وتؤسس جمعية وأعتصموا التي تتولى العمل الخيري، درست لفترة قصيرة في جامعة السوربون، قبل أن تقطع دراستها احتجاجا على غزو العراق عام 2003، ومنحتها إحدى الجامعات المحلية درجة الدكتوراة في القانون. قابلت الرئيس العراقي السابق صدام حسين قبل سقوط نظامه، وشكلت فريقا من المحامين للدفاع عنه بعد القبض عليه. حظوظها في الوراثة قليلة، ولكنها ستبقى مؤثرة مهما كان الوريث القادم.تزوجت ضابطا من قبيلتها، وتفرغت لإدارة جمعيتها الخيرية، ولكنها الأعلى صوتا والأسرع مبادرة إذا تحرش أحدهم بأشقائها، وهو ما حدث عند اعتقال هانيبال وزوجته في جينيف، فقد سافرت إلى هناك لتعود بشقيقها وزوجته.البحارهانيبال (32 عاما) درس الهندسة البحرية، وكان يحلو له التجول بين موانئ المتوسط في الباخرة طليطلة أو غرناطة. متزوج من عارضة أزياء اللبنانية، وعرف عنه القسوة والنزق. وأصبح أكثر شهرة بعد أن تسبب في أزمة سياسية مع سويسرا، بعد اعتقاله مع زوجته العام الماضي في جينيف، حيث ذهبت لتضع حملها. حظه في الوراثة قليل بسبب تخصصه البحري، فمعركة الخلافة ستكون على البر، بالإضافة إلى عدم إلمامه بالشئون السياسية، وهو ما أتضح عندما أجرت قناة الجزيرة معه لقاء خلال اجتياح إسرائيل لغزة، فهدد بإرسال باخرة مفخخة إلى غزة.العسكريخميس درس العلوم السياسية إلى جانب العلوم العسكرية، وهو يعتبر أكثر أبناء القذافي تمكنا من الناحية العسكرية، وبالرغم من أنه يحمل رتبة نقيب إلا انه يقود المناورات العسكرية، بما في ذلك المناورات المشتركة مع الجيش الجزائري، وبرز دوره القيادي في انتفاضة فبراير 2005 في مدينة بنغازي، عندما حضر على رأس قواته إلى المدينة التي شهدت مصرع عدة أشخاص، وتدمير القنصلية الإيطالية. وإذا لم يتمكن من أن يكون الوريث، فسيلعب دورا حاسما في ترجيح كفة أحد أخويه نظرا لسيطرته الميدانية على قطاع واسع من القوات المسلحة.آخر العنقودسيف العرب هو آخر العنقود، يدرس حاليا في مدينة موينخ الالمانية، وكتبت عنه الصحافة الالمانية عندما صادرت الشرطة سيارته الفيراري، بسبب الضجيج الذي يسببه عادم السيارة، وأيضا بسبب السرعة التي يقودها بها السيارة، ولكن الشرطة الالمانية تتحاشى اعتقاله حتى لا تتسبب في أزمة سياسية مع ليبيا. من المستبعد أن يكون الوريث بسبب حداثة سنه، إلا إذا تمكن من القيام بنفس الدور الذي قام به يوسف باشا القرهمانللي في أواخر القرن الثامن عشر، عندما انتزع الحكم من شقيقيه الأكبرين، وهو من هذه الناحية لا يختلف في نزقه عن يوسف باشا وخاصة في رعيان شبابه. (عن اذاعة هولندا العالمية – اضغط هنا للمصدر)

– عشر سنوات مقرحية لمعمر

كان يجب أن يكون إسم سجين قضية لوكربى فى سكوتلاندا خلال العشر سنوات الماضية هو معمر القذافى، وليس عبدالباسط المقرحى. ولكن …

مما لا شك فيه، هو أن عبدالباسط المقرحى ليس أول ليبى صدّق مقولات القذافى حول الثورية، والوطنية، والعملاء الذين يريدون بيع الوطن للإستعمار .. ثم يكتشف بأنه لم يكن إلا مجرّد ضحية فى لعبة قذرة لا علاقة لها بما آمن به. وما كان نعيق القذافى منذ الأيام الأولى لإنقلابه المشؤوم، بالمقولات (حرية ـ إشتراكية ـ وحدة)، و(مكافحة المحسوبية والإستغلال)، وما شابه ذلك من مقولات ليس لها أية قيمة لديه، إلا للتعتيم عن أهدافه الحقيقية، التى بدأت فى الوضوح عندما أعلن فى خطابه فى مدينة زوارة فى ابريل 1973، عن “الثورة الشعبية” بنقاطها الخمس:

1ـ تعطيل القوانين المعرقلة للتحول “الثورى” ـ أى المعرقلة لعدم شرعيته (الدستور الليبى).
2ـ تطهير البلاد من المرضى ـ أى تصفية أغلبية من كان لهم علاقة بالحكم الملكى.
3ـ “الحرية كل الحرية لجماهير الشعب ولا حرية لأعداء الشعب” ـ لتصفية معارضيه.
4ـ إعلان “الثورة الإدارية” ـ أى إعلان الفوضى الإدارية.
5ـ إعلان “الثورة الثقافية” ـ أى تجهيل الشعب.

أدوات تمكن بها القذافى من تحكيم سلطته على الدولة .. سلطته هو وحده .. فقط لا غير. لذلك قام بقتل زملائه فى الإنقلاب، الذين اكتشفوا مبكرا جنونه بالعظمة، وعشقه للتسلط. ولذلك جاء بالمقولات “لا نيابة عن الشعب و التمثيل تدجيل” و “من تحزب خان” ومسرحية “سلطة الشعب” المتمثلة فى المؤتمرات الشعبية، ولا حاجة لترشيح من يمثله ـ أى لا منافس له على السلطة .. ثم أصبحت نظرته للدولة بشعبها وثروتها، على أنها مجرد آداة مسخرة له، لتحقيق أهدافه التى كانت دائما تفرضها عليه نفسيته المريضة فى حاجتها للتسلّط، والحصول على حقنة جديدة للشعور بالعظمة.

لقد كان مكان القذافى منذ البداية، على أريكة الطبيب النفسى، وليس على كرسى الحكم فى ليبيا. ولا يستطيع أن ينكر أحد من أزلام القذافى، أو من المقربين إليه معرفته بمرضه .. لذلك كان يجب عليهم إبعاده بشتى الوسائل عن كرسى الحكم. ولكنهم بدلا من ذلك، صفقوا له، وركعوا له، ومدحوا كل أعماله خيرا كانت أو شرا، وجنوا بذلك على الشعب الليبى، وجنوا عليه هو أيضا .. فازداد جنونا بنفسه، وإعتقاده بعظمته، وإبتعد نهائيا عن أرض الواقع.

عندما سألت الصحفية الإيطالية ميريلا بيانكو القذافى أثناء حديثها معه الذى نُشر فى كتاب”القذافى رسول الصحراء”: يا رسول أكنتم راعى غنم ؟ فأجابها : نعم. فلم يكن نبى لم يفعل ذلك!

ولم يكتف بذلك، بل قال فى حديثه أثناء (مجلس إتحاد الجامعات العربية) فى مدينة بنغازى فى عام 1990:

” كلمة كن فيكون لا تعنى الآن، قد تحصل بعد مليون سنة، مثلا: أيتها السحابة الكونية كونى كواكب سيارة من الشمس إلى الأرض بعد 400 مليون سنة. ما دام الله قرر هكذا، ففعلا بعد 400 مليون سنة ستكون بهذا الشكل، كن فيكون، يعنى كونى هكذا فكانت حسب المدة، لا تعنى السرعة، لا تعنى الآن، أنا قلت فلتكن ثورة بعد عشرين سنة وعملت من أجلها .. فقامت .. نعم قلت: فلتكن ثورة، فكانت ثورة !!!

ومن يعتقد بأن القذافى قد إكتفى بتحدى الخالق سبحانه وتعالى فى قدرته على الخلق، فهو مخطئ .. فقد زاد فوق ذلك بمحاولته لتخليد نفسه عن طريق الإستنساخ (cloning) .. وعرض لذلك على اخصائى الإستنساخ الإيطالى Severini Antinori دعمه الكامل لإستنساخ إنسان ـ كتبت الصحيفة البريطانية Sunday Express فى أغسطس 2001 ـ وأراد أن يعطيه جناحا فى أفضل مستشفى فى طرابلس .. بالإضافة لتكفل القذافى (الشعب الليبى) بتكاليف السفر، والإقامة له ولفريقه، ومكافأة بعدة ملايين من الدولارات فى حالة نجاحه فى استنساخ انسان. وقال Guiseppe Del Barone رئيس نقابة الأطباء الإيطاليين، بأنه لا يمكن منع Antinori من الذهاب إلى ليبيا، ولكنه يخاطر بأن لا يجوز له بعد ذلك العودة إلى العمل فى مهنة الطب.

محاولات القذافى لتوسيع سلطته، وتركيز الأنظار عليه بشتى الوسائل ( حتى بالعمليات الإرهابية)، جعلته يحول ليبيا إلى سوق حرة للمخابرات العالمية مثل الـ CIA، والـ KGB، والـ MOSSAD، والـ SISMI ..إلخ، إلى جانب المنظمات الإرهابية من جميع أنحاء العالم. جماعات حرفتها التجسس، والسرقة، والقتل، والتجارة بالأسلحة وبالمخدرات، وغسل الأموال، وكل ما يتصوره ولا يتصوره العقل الإنسانى من أنواع الإجرام. جماعات دنّس بها القذافى أرض الوطن الطاهرة .. وأصبحت الدولة الليبية، كتابا مفتوحا أمام العالم يقرأ فيه كما يشاء .. فلم يعد بإمكان الشعب الليبى إخفاء سرا. ولم تخل حتى خيمة القذافى يوما .. من الـ CIA أو الـ MOSSAD .. ولم تقلع به طائرته الخاصة يوما بدونهم.

بالمناسبة ! الـ MOSSAD هى التى أعلمت نقابة الأطباء الإيطالية عن المكالمة الهاتفية التى أجراها القذافى شخصيا مع أحد زملاء أخصائى الإستنساخ Antinori لعرض دعمه لهم.

لقد كان فتح الساحة الليبية لهذه الجماعات القذرة، بلا شك أحد الأخطاء الأولى الفادحة التى ارتكبها القذافى. وخاصة إعتقاده (نتيجة لغروره بنفسه المريضة) بأن وجودها فى ليبيا، ليس بسبب العامل المالى فحسب، وإنما هو بالدرجة الأولى لإعجابها به وبأفكاره المريضة .. فهو سيّد الموقف، ويستخدمهم لصالحه. فالإستفادة من هذه العلاقة الإجرامية كانت إلى حد ما متبادلة، ولكن أكبر إستفادة، كانت لتلك الجماعات (المخابرات والمنظمات الإرهابية) التى كانت متفاهمة ومتفقة فيما بينها .. تتاجر فيما بينها بالمعلومات، وبالأسلحة، وبالمخدرات .. وإذا احتاج احد أجهزة المخابرات العالمية فى إطار أحد برامجه الشيطانية، لمن يقوم له بعملية إرهابية معينة فى بلد ما، فيتم التنسيق لها على ساحتهم المفضلة ليبيا مع إحدى المنظمات الإرهابية بعد تزويدها بكل المعلومات اللازمة، و يدفع القذافى (الشعب الليبى) ثمنها لإعتقاده بأنهم يقومون بها (العملية الإرهابية) من أجله.

وهكذا كانت عملية تفجير طائرة الـ PanAm الأمريكية فوق لوكربى .. فبعد أن وضع العالم (مع الشكر للقذافى) ليبيا على قائمة الدول الإرهابية، بدأت المخابرات العالمية فى توجيه مسئولية عملياتها الإرهابية، أو الخارجة عن القانون إلى الشعب الليبى المغلوب على أمره. ولماذا لا ينظر العالم إلى ليبيا على أنها دولة إرهابية ؟ فتاريخ القذافى حافل بمحاولات التدخل والتخريب فى الدول الأخرى .. منها على سبيل المثال 130 محاولة إنقلاب فاشلة .. وقطعت 35 دولة علاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا، أو قامت بطرد أعضاء بعثاتها الدبلوماسية، ومن بينها 14 دولة عربية. ناهيك عن دعم القذافى العلنى للمنظمات الإرهابية مثل بادر ماينهوف، والألوية الحمراء، ومجموعة كارلوس (الذى أراد قتله فى وقت لاحق بواسطة الـ CIA)، والجيش الجمهورى الأيرلندى، وغيرها من المنظمات الإرهابية فى الفليبين، ونيكاراجوا …إلخ.

تبرهن لنا قضية لوكربى صحة المثل الشعبى الليبى القائل ” حط روحك فى النخالة ايبربشك الدجاج “.. فلا لعبدالباسط المقرحى بصفة خاصة، ولا للشعب الليبى بصفة عامة، علاقة بتفجير طائرة الـ PanAm فوق لوكربى .. ولا يوجد دليل قاطع يثبت العكس .. والمسئول الوحيد على توريط ليبيا فى هذه القضية هو القذافى. فهو الذى وضعها فى “النخالة” .. ولم تكن ليبيا المتهمة الأولى منذ البداية .. فقد وجهت الـ CIA أول إتهاماتها إلى إيران، على أنها المسئولة عن عملية لوكربى، إنتقاما للطائرة الإيرانية التى أسقطها الأمريكان فى عام 1988.. ثم تراجعت عن إتهامها لإيران معلنة بأن لديها أدلّة قاطعة تثبت مسئولية سوريا عن عملية لوكربى .. ثم تراجعت مرة أخرى لتتهم ليبيا.

ولكن أغلبية أجهزة المخابرات العالمية مُقتنعون، بأن المسئولية عن عملية لوكربى، هى فى الحقيقة عند الـ CIA نفسها. فقد كان المخبرون Matthew Gannon، و Major Chuck McKee، و Daniel O’Connor، و Ronald Lariviere ومخبر خامس مجهول الإسم (أعضاء وحدة أمريكية لمكافحة الإرهاب كانت متواجدة فى لبنان) أيضا على متن طائرة الـ PanAm التى تفجرت فوق لوكربى، فى طريقهم إلى الولايات المتجدة الأمريكية، للكشف عن ملفات فى غاية السرية كانت فى حوزتهم، تحتوى معلومات عن تورّط مجموعة للـ CIA (كانت متواجدة فى مدينة فيزبادن بألمانيا)، مع السورى منظر القصار أو الكسار(رئيس عصابة لتهريب المخدرات والأسلحة) فى عمليات لتهريب المخدرات، والأسلحة، ولغسل الأموال السوداء. معلومات قد يسبب وصولها للرأى العام الأمريكى، فى تفجير الـ CIA. الأمر الذى فشل فيه سابقا J.F.Kennedy عندما حاول ” تمزيق المخابرات إلى ألف قطعة “. وحتى هذه المرة دافعت الشركة (CIA) عن نفسها، وعملت على أن يتفجر شئ آخر .. تلك الطائرة لشركة الـ PanAm الحاملة للمخبرين المنشقين.

لقد كان عبدالباسط المقرحى، مجرد ضحية ـ لخلق ثقب يتنفس منه حكم القذافى الذى كان مهددا بالإختناق .. قُدّم قربانا، ولم تجديه محاولة جلود، أو المقارحة بصفة عامة لحمايته شيئا .. وأود هنا أن أسرد للقارئ الكريم موجزا عن الأحداث التى صاحبت تسليم عبدالباسط المقرحى آنذاك:

“عندما أشّرت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بسبّابها على ليبيا، وطالبتا بتسليم المقرحى وفحيمه، هدّد عبدالسلام جلود بتدمير محطات حقول النفط فى المناطق التى تستوطنها قبيلة المقارحة، فى حالة القرار بتسليمهم. ولكن خوفه من إحتمال إنحناء القذافى أمام الضغط المتزايد من الدول الغربية، جعله يأمر رجاله فى سبتمبر 1992 بإخراج عبدالباسط من طرابلس، وتخبئته فى سبها. ا

حتدّ الصراع فى الوقت اللاحق بين جلود والقذافى حول الإتجاه السياسى للدولة، وبعض القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية، وإنتهى فى مايو 1995، بعد إطلاق بعض من رجال جلود النار على القذافى فى طرابلس، فى محاولة كادت تنجح لإغتياله .. وأدت لوضع جلود تحت الإقامة الجبرية، وإعتقال 44 من ضباط الجيش.

وصل اضطراب الطقس السياسى فى الفترة اللاحقة داخل ليبيا ذروته. وكانت فى نظرى أحرج فترة مر بها حكم القذافى، والتى كادت أن تقضى عليه .. كانت فترة إنهيار اقتصاد الدولة، وعزلتها جراء الحصار الناتج عن قضية لوكربى .. وفترة الإنتفاضات، والإشتباكات المسلحة مع الأمن الداخلى .. وفترة الإعتقالات والقتل الجماعى وعلى قمتها مجزرة أبوسليم. وكان القذافى بين فكّى الكمّاشة ـ بين الإنتفاضات الداخلية وزيادة خطورتها لزيادة تعاطف عناصر من الأمن والجيش معها، وبين الضغط الخارجى والحصار الإقتصادى .. وإختار الخضوع للغرب بدلا من الخضوع لشعبه .. وقام فى 05.04.1999 بتسليم عبدالباسط المقرحى والأمين فحيمة للمحاكمة.

لم يُعجب رجال الأمن تصرف القذافى، ولم يتوقعونه منه .. واتهموه بالخيانة. كما قاموا فى ديسمبر 2000 بمحاولة فاشلة لإغتياله بتفجير خيمته ـ أدت إلى إعدام 170 من رجال الأمن والجيش. ازداد استياء رجال الأمن بعد قبول القذافى للحكم بالمؤبّد على المقرحى، ورجوع فحيمة إلى ليبيا فى 01.02.2001، واتهموا القذافى بالتخلى عن مناضل ضد الصهيونية و الإمبريالية .. كما هدد معضم القياديون من المخابرات العسكرية، ومن المقربين له من الأمن بسحب ولائهم له، وطالبوه بالعمل فورا على ترجيع زميلهم إلى أرض الوطن.”

وأخيرا رجع عبدالباسط .. ولكن بعد أكثر من 10 سنوات. الأعمار بيد الله، ولكن ربما كانت فعلا آخر سنوات من حياته .. آخر سنوات من حياته كان بإمكانه أن يقضيها مع عائلته، سنوات لا تقدر بثمن سرقها منه القذافى. قد يكون هذا عبرة لبقية رجال الأمن فى ليبيا ـ لمعرفة قيمة كل واحد منهم عند الذى يحمون حياته بحياتهم يوما بعد يوم.

لا أعرف عبدالباسط المقرحى، ولا أعرف شيئا عنه سوى أنه ضحية فى صفقة تجارية قذرة اشترى بها القذافى رأسه. وكونه ضابط فى المخابرات لا يجعله تلقائيا عدوا للشعب الليبى .. وإذا لم يشارك يوما فى قتل أو سجن أبناء وبنات ليبيا، فإنى أتمنى له (إذا كان فعلا مريضا) أن يهون الله عليه مرضه وأن يطيل فى عمره ـ ليقضى أطول مدة ممكنة مع عائلته.

لماذا قبل القذافى بالحكم على المقرحى بالسجن المؤبّد !؟ فقد بدأ تفكيك الحصار الإقتصادى على ليبيا، على الأقل من قبل الأمم المتحدة بعد تسليم المقرحى وفحيمة. عدا الولايات المتحدة الأمريكية، التى لم تقبل بأية تسهيلات على الرغم من الإتفاق على رفع الحصار بعد تسليم المتهمين. ولكن ما يهم القذافى ذلك ؟ فقد دخلت الشركات الأوروبية إلى ليبيا، وبدأ التبادل التجارى. فلم يكن من اللازم قبول القذافى بالحكم المؤبّد على المقرحى، أو إعلانه فى 15.08.2003 بتحمل ليبيا للمسئولية عن عملية لوكربى.

الجواب بسيط جداً .. إنه الخوف على رأسه. فلم يغادر مصير صدام حسين أفكار القذافى. وعلى عكس العراق، لا يحتاج جورج بوش لتلفيق حجة لضرب ليبيا .. فالقذافى يعلم، بأنه لدى بوش حجج لا تعد لضرب ليبيا، جمعتها له مخابراته عن كثب .. وأحد شروط جورج بوش لقبوله بإنبطاح القذافى، هو إخراج الـ CIA من الورطة التى وقعت فيها .. فعلاقة عائلة بوش بالـ CIA، طويلة وعميقة ـ منذ أن كان بوش (الأب) رئيسا لها .. وعلاقة بوش (الأب) والـ CIA مع القذافى أيضا قديمة، وترجع إلى سبعينات القرن الماضى .. عندما استلم بوش (الأب) رآسة الـ CIA فى يناير 1976 ، جاء صديقه Francis Terpel إلى ليبيا. وقام مع زملائه Edwin Wilson، و William Weisenburger، و David Christ، و Thomas Clines، بتزويد القذافى بالمتفجرات و الساعات لتوقيتها، بالإضافة إلى الأسلحة، وصواريخ الـ Redeye عن طريق الـ CIA. كما جاء Terpel و Wilson بأعضاء الـ Green Berets المتقاعدين إلى ليبيا لتدريب مجموعات القذافى الإرهابية. فسجل القذافى الإرهابى منذ سبعينات القرن الماضى، بكل أسراره المتعلقة بليبيا، والوطن العربى، وأفريقيا، وبقية العالم، محفوظ بأكمله مع الأدلة القاطعة (صوت، وصورة) فى خزانة الـ CIA.

وهكذا اشترى القذافى رأسه ـ بآخر سنوات من عمر عبدالباسط المقرحى + تلبيس ليبيا أمام العالم جريمة لوكربى + 10 مليون دولار لكل ضحية + بعض المليارات الأخرى لترضية الأمريكان. فهل يساوى رأس هذا الرجل الجبان الذى دمّر ليبيا وشعبها، فعلا هذا الثمن !؟ ناهيك عن مطالب الشعوب الأخرى التى أخطأ فى حقها القذافى وارتفع صوت أولها .. فهاهم أهالى ضحايا الجيش الأيرلندى يطالبون الشعب الليبى بأول تعويضات. وستبقى جرائم القذافى تلاحق مستقبل أجيال ليبيا.

لقد كان أجدر بالقذافى أن يقف وقفة رجل. وأن يتخلى عن الحكم .. وأن يقدم نفسه للمحاكمة بدلا من عبدالباسط المقرحى .. وأن يصر على الإستئناف حتى تثبت براءة دولته، ويغسل بذلك سمعتها، ويوفر المليارات على خزينتها .. ولا يحتاج إلى الإنبطاح إلى بوش ولا إخفاء أسرار مخابرات بوش .. ولا يستطيع بوش ان يجد حجة يهاجم بها ليبيا، ولكن تمسّك القذافى بكرسى الحكم، وخوفه على رأسه، جعل منه أكبر نقطة ضعف فى الكيان الليبى.

السؤال الذى فعلا يحيرنى هو: لماذا لا يطالب القذافى بتعويض ليبيا عن الحصار الإقتصادى، الذى عان منه الشعب الليبى ما يقارب عن 10 سنوات !؟ فقد كان رفض تسليم المقرحى وفحيمة للولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا، شئ مسموح به قانونيا .. وتسليم المقرحى وفحيمة للقضاء الأسكوتلندى، كان إقتراح ليبيا منذ البداية .. ورفضته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا .. ثم قبلوا به بعد 10 سنوات من الحصار. لك الله يا شعب ليبيا، ولكن سيأتى اليوم الذى ستأخذ فيه حقك، وتطهر فيه أرضك، وتكنس القذافى وكل قذر معه إلى زبالة التاريخ .. فلقد مررت بالجحيم، ولم يعد أمامك إلا الجنّة.

عاشت ليبيا وعاش الشعب الليبى.

الكاتب الليبي : الشرقاوى

– الديكتاتور المعمر ليبيا 40 عام

الديكتاتور المُعمّر تقرير جديد للشبكة العربية بمناسبة مرور 40عاما على حكم القذافي لليبيا القاهرة في 29 أغسطس 2009. حثت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان اليوم، كل مواطن حر في العالم أن ينحني تقديرا واحتراما للشعب الليبي، بسبب احتماله لقمع ندر أن يواجهه شعب آخر لمدة 40 عاما، تحت حكم العقيد القذافي، الذي يكمل عامه الأربعين في الحكم بعد أيام، في أول سبتمبر 2009.وقالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في تقريرها الذي يصدر اليوم تحت عنوان “الديكتاتور المُعمّر: ليبيا 40عاما تحت سيطرة القذافي” والذي يقع في 17 صفحة “أن الشعب الليبي بات ضمن شعوب قليلة جدا في العالم المعاصر التي لم تشهد أية انتخابات أو تداول للسلطة على مدار أربعة عقود، هي فترة حكم القذافي، فضلا عن غياب أية صحافة حرة أو حياة حزبية أو مؤسسات مدنية حقيقية، اللهم سوى المؤسسات التي أنشأها القذافي لتمجد في شخصه وتخلد مؤلفه الساذج المعروف بالكتاب الأخضر”.ويأتي تقرير الشبكة العربية اليوم، قبيل أيام من ضجيج هائل ومصطنع متوقع، بمناسبة الذكرى الأربعين لما يطلق عليه “ثورة الفاتح من سبتمبر” حينما سيطر القذافي على حكم ليبيا في عام 1969، عقب الإطاحة بالنظام الملكي فيها، ودشن عهدا مظلما امتد حتى اليوم، استخدمت فيه أموال النفط في تمويل مشاريع وأفكار العقيد القذافي الداخلية والخارجية بدلا من إنفاقها على مشاريع تنموية تفيد الشعب الليبي، ساعده فيها جهاز أمني شديد البطش والوحشية، طال أغلب معارضيه في الداخل والخارج. كما ساعده أيضا مئات الكتاب والصحفيين وأنصاف المفكرين العرب والأجانب، الذين إغترفوا من أموال الشعب الليبي بزعم عمل دراسات عن عبقرية الكتاب الأخضر، وعمق فكر الزعيم والمفكر الأممي، كما يحب القذافي ان يطلق علي نفسه.ويتضمن التقرير جزءا من القضايا التي لاحق بها القذافي عددا من الصحفيين العرب والأفارقة بسبب انتقادهم له، في نفس الوقت الذي يتخذ فيه القذافي موقفا وديعا ومتسامحا تجاه الصحافة الغربية والأمريكية التي تصفه بأوصاف أقلها “ديكتاتور”، فضلا العديد من الألقاب التي خلعها القذافي على نفسه من عينة “ملك ملوك أفريقيا، إمام المسلمين، عميد الحكام العرب … وغيرها”.كما يتضمن التقرير إشارة سريعة للازدواجية المشبوهة التي تتعامل بها بعض الحكومات الأوروبية والحكومة الأمريكية على وجه الخصوص، والتي سرعان ما راحت تثني على نظام القذافي المستبد، عقب سنوات من المقاطعة والحصار، في مقابل مئات الملايين من الدولارات التي ضخها لهذه الدول، أو وعوده ببعض المشاريع فيها، مما كان له أكبر الأثر في ترك مزيد من الإحباط لدي الشعب الليبي، الذي بات وحيدا في مواجهة هذا القذافي.وتأسف الشبكة العربية وهي تعلن تقريرها اليوم، أن تؤكد أنه ما من ضوء يبدو في الأفق يشير لقرب انتهاء هذه الفترة المظلمة من تاريخ الشعب الليبي، حيث أفرغ العقيد القذافي ليبيا من المعارضين، ومن أي حزب معارض عقب إطلاقه لمقولة “من تحزب خان”، فضلا عن وجود عدد كبير من أبنائه الذين يعدون العدة لخلافته، وإن لم يتضح بعد من سيكون وريثه القادم في الحكم .

———————
———————

الديكتاتور المُعمّرليبيا : 40 عام تحت سيطرة العقيد

مقدمة

يعد الأول من سبتمبر عام 1969 بمثابة بداية جديدة لتاريخ دولة ليبيا عندما قامت حركة “الضباط الوحدويين الأحرار” في الجيش الليبي بقيادة الملازم أول معمر القذافي”1 ” بالاستيلاء على السلطة بعد أن تحركت قوات من الجيش ونجحت في الإطاحة بالنظام الملكي ، حيث أسرع ممثله حسن الرضا -ولي العهد- في التنازل عن العرش، بينما كان الملك إدريس الأول في زيارة استجمام بتركيا واليونان، وأذاع القذافي أول بيان لحركته على الشعب الليبي .وقد عانت ليبيا من مرارة الاستعمار لسنوات طويلة حيث سلمتها الدولة العثمانية عام 1912 إلى إيطاليا بموجب معاهدة “أوشي” واستمر الاحتلال الإيطالي إلى عام 1932م ورافقه هذه الفترة ثورة ومقاومة وجهاد من قبل الليبيين. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 ونتيجة لتقاسم الدول المنتصرة للعالم تم تقسيم ليبيا بين كل من بريطانيا وفرنسا ، حيث حكم البريطانيين “طرابلس وسرنة” أما منطقة “فزان” فكانت من نصيب الفرنسيين ، وبعد صدور قرار من الأمم المتحدة عام 1949 ينص على استقلال ليبيا وتشكيل لجنة دولية تشرف على الاستقلال في مدة أقصاها سنتين حتى 24ديسمبر 1951 ،بحصولها على استقلالها كمملكة اتحادية وتسلم الملك “محمد ادريس السنوسي” الحكم .وعند تسلم السنوسي الحكم عمل على توقيع معاهدات مع دول أجنبية ومنها بريطانيا ، حصلت الأخيرة بموجبها على نفوذ وسيطرة واسعة على بعض المناطق الليبية مما أدى الى عدم رضاء الشعب الليبي على هذة المعاهدات التي أعتبرها إعادة للسيطرة الأجنبية التي ناضل طويلاً للتخلص منها وفي يناير 1964اجتاحت المظاهرات ليبيا احتجاجا على سياسة الملك الذي اعلن تنحيه عن الحكم الا انه تراجع عن قراره فيما بعد واستمرت حالة المناوشات والمظاهرات المتكررة حتى قيام الثورة والتي غيرت اسم ليبيا إلى (الجمهورية العربية الليبية).”2 ” وفى حين لم يتبلور شكل النظام الجديد لليبيا طيلة السبع سنوات التالية لقيام الثورة فإن بداية عام 1977 شهدت تغيرات رئيسية دفعت باتجاه شكل جديد للنظام السياسي مخالفا للنظام الملكى والسنوات الاولى من ثورة الجيش حيث الغاء المؤسسات الحكومية بأطرها البيروقراطية التقليدية ، وحلت محلها ما سمي بـ” سلطة الشعب ” التي ينص إعلانها على ان السلطة الشعبية المباشرة هى أساس النظام السياسي للشعب يمارسها عن طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابات والاتحادات والروابط المهنية ومؤتمر الشعب العام .”3 ” ثورة الفاتح واستيلاء القذافي على الحكم : بعد تشكيل حركة الضباط الوحدويين الأحرار في الجيش الليبي بقيادة الملازم أول – وقتها- معمر القذافي تم الإستيلاء على السلطة في الأول من سبتمبر عام 1969، وقام القذافي بإجلاء القواعد الأمريكية والانجليزية من ليبيا ، ثم حاول العمل على الوحدة العربية و لكن محاولاته الاندماجية فشلت ، سواء في ما سيمي بـ ” اتحاد الجمهوريات العربية ” بين مصر وليبيا وسوريا ، أو اندماج ليبيا مع مصر و تونس .وقد نصب القذافي زعيما للبلاد في هذا الوقت ، وعلى الرغم من أنه لا يحمل لقباً رسميا حيث يُشار إليه أحياناً بلقب “الأخ القائد” وأحياناً أخرى بلقب “قائد الثورة” فإنه يسيطر على كل الجوانب الرئيسية للحياة السياسية والاقتصادية في البلاد . ” 4 ” وقد حاولت الثورة إضفاء الطابع الإسلامي على حكمها حتى لا تصطدم بمشاعر الشعب الإسلامية التي غرستها فيهم الحقبة السنوسية التي بدأت مع حصول ليبيا على استقلالها عام 1951 وانتهت بالثورة ؛ لذا أصدرت حكومة القذافي قانوناً يمنع تعاطي الخمور، وعملت على تطبيق فريضة الزكاة، وأعلن القذافي توجهه الإسلامي ،ورسمت الثورة سياسة نفطية جديدة لوضع حد للاحتكار الأجنبي للثروات الوطنية، فقام القذافي بتأميم شركة النفط البريطانية، عندما قامت بريطانيا بتسليم ثلاث جزر عربية في الخليج لإيران، كما قام بسحب رصيد ليبيا الضخم من نطاق منطقة الجنية الإسترليني في 6 أبريل 1973م.السلطة الشعبية الشكلية طبقا للكتاب الأخضر الذي ألفه العقيد معمر القذافي عام 1975 م فإن القذافي رفض فكرة التمثيل النيابي بإعتبارها تمثل حاجزا شرعيا بين الشعب وممارسة السلطة التي تصبح حكرا على النواب ، وطرح إلية المؤتمرات الشعبية للمشكلة الديمقراطية فى جانبها التمثيلي التشريعي فتم تنظيم سكان ليبيا في إطار عدد من الهيئات واللجان والمؤتمرات الشعبية الأساسية ومن الناحية النظرية تمثل هذه المؤتمرات مركز القوة وصنع القرار حيث تنتقل قراراتها الى مؤتمر الشعب العام الذي يقوم بصياغة القرارات ، ومنذ عام 1992 وجد مستويات من المؤتمرات الشعبية ” الأساسية ومؤتمر الشعب العام ” ويصعب تقدير عدد اعضاء مؤتمر الشعب العام الذي يترواح بين عدة مئات وألوف فى فترات مختلفة ، وتعاقب على أمانة مؤتمر الشعب العام العديد من القيادات ولكن المعروف عمليا انه منذ الثمانينات تقلصت صلاحية أمانة مؤتمر الشعب الأساسية واعطيت لمؤتمر الشعب العام ، وبناحية اكثر عملية فالمؤتمر العام غير فعال لانه يجتمع اسبوعا كل عام ولا يكون لدى اعضائه معلومات او مهارات كافية للقيام بواجباتهم وتكررت اكثر من مرة ان تراجع المؤتمر عن قرارات اتخذها لاختلافها مع رغبات القذافي لدرجة انه عندما حاول المؤتمر تخفيض الضرائب فى عام 1990 رد القذافي “هذه ليست قرارات الشعب الذي اعرفه” فما كان من المؤتمر إلا أن ألغى القرار “5 “.القذافي وسيل القوانين المقيدة للحريات عقب الثورة تعد ليبيا أول دولة عربية ينضبط فيها التشريع بصدور أول قاعدة بيانات تشريعية تاريخية فيها على مستوى دول العالم العربي في موسوعة التشريعات الليبية، وهي تتكون من أربعين مجلدا (كلاسيرا) تغطي المرحلة من الاحتلال الايطالي وحتى المرحلة المعاصرة ويضاف إليها الملاحق بشكل دوري. ولقد كانت هذه الموسوعة التاريخية سباقة في دعم نظم الحكم في بعض الدول العربية مثلما هو الحال في النظام الفيدرالي في دولة الإمارات العربية المتحدة الذي تم استقائه من التجربة الفيدرالية في ليبيا في الفترة ما بين (1951-1963) “6 ” وقد سن النظام الليبي بقيادة معمر القذافي منذ وصوله الى السلطة المئات من القوانين في مختلف المجالات، ومنها ما له علاقة مباشرة بالحريات العامة وممارسة النشاط السياسي والثقافي ‏والاقتصادي غالبيتها كانت تعكس حرصه على تحصين نفسه بسد ‏الثغرات وصد الأبواب أمام أي رأي أو تيار آخر منافس لسلطته وبالتالي ايجاد ‏المبررات القانونية الجاهزة لقمعه واقصائه. ، فإلى جانب ان هذه القوانين لم تصدر عن السلطة التشريعية المنوط بها ذلك وانما صدرت من سلطة تنفيذية ممثلة فى مجلس قيادة الثورة ، فقد استخدمت هذه القوانين كسيف مسلط على رقاب الليبيين لحرمانهم من حقوق ‏أساسية مشروعة ،ولعل إلغاء دستور 1951 الذي أسّس وجسّد الشرعية الدستورية التي قامت عليها الدولة كان اولى خطوات القذافي لتشديد قبضته على الدولة حيث انهالت القوانين الداعمة لذلك والتى تسير فى ذات الاتجاه المعاكس لاتجاه الديمقراطية والحرية . “7 ” ومن هذه القوانين:
القانون رقم 45 لسنة 1972 والذي يحرم الإضرابات والإعتصامات ‏والمظاهرات
قانون رقم 71 لسنة 1972 بشأن تجريم الحزبية والذي اعتبرت إحدى مواده ممارسة الحياة الحزبية خيانة في حق الوطن والتي أطلق عليها مقولة ” من تحزب خان ” ورتبَت المواد الثالثة والرابعة منه عقوبات الإعدام والسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات لكل من دعا إلى إقامة أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل محظور
قانون حماية الثورة في 11 ديسمبر 1969م. والذي نصَّت المادة الأولى منه على أنه يعاقب بالإعدام كل من رفع السلاح في وجه النظام الجمهوري لثورة الفاتح أو اشترك في عصابة مسلحة لهدا الغرض .
وثيقة الشرعية الثورية في 9 مارس 1990 ، التي جاءت إمعانا في كبت الحريات وإهدار حقوق الإنسان وأعطت لقائد النظام حصانة من أي مسائلة قانونية. ومن بين توجيهات قائد الثورة الواجبة النفاذ وفقاً لمقالة الأمين العام للاتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الإنسان “شارف الغريانى ” ( نعدم حتى الأبرياء بقصد إرهاب الجاني الحقيقي الذي قد لا يكون معروفاً في تلك اللحظة .. من يريد أن يتحدى الثورة إذا كان في الداخل هذا أمر مفروغ منه سنداهم هذا الموقع وندمره حتى لو كان مسجداً ، وإذا كان في الخارج علينا أن ننتقل إليه في الخارج فنهاجمه وننفذ فيه حكم الإعدام…..! “8 ” وقد تم وضع هذا القانون – وثيقة الشرعية الثورية- المسمى ” ميثاق الشرف ” وجاء في مرحلة لاحقة للثورة عندما تنامت حالة الرفض الشعبي للنظام بهدف إرهاب اى صوت معارض، وذلك بتطبيق عقوبات جماعية ليست ضد من يرتكب فعلاً يعتبره النظام مضاداً له، بل ضد أولئك الآخرين من أقارب وعائلات وقبائل وحتى الأصدقاء المقربين للجناة …! “9 “
قانون رقم 75 لسنة 1973 بشأن تأميم ‏الصحف والدوريات الخاصة المستقلة أو الأهلية وأيلولتها بالكامل الى الدولة وكان من بينها آنذاك ‏صحف: “البلاغ.، الرائدا ،الحرية ، الشوري ، الجهاد ، الرأي ، الميدان ، الحقيقة.. ‏”.
قانون رقم ( 10 ) لسنة 1993 م.بشأن التطهير ، والتي تعني تقطيع أطراف المخالفين له.
قانون رقم 52لسنة 1974 م في شأن إقامة حد القذف ، والذي يعني جلد المتهم بالقذف والتشهير عدد ثمانون جلدة.
قانون رقم (5) لسنة 1991 بشأن تطبيق مبادئ الوثيقة الخضراء الكبرى ،وهي المستمدة من الكتاب الأخضر والتي جاء بمقدمتها أن الكتاب الأخضر دليل البشرية نحو الخلاص النهائي من حكم الفرد والطبقة والطائفة والقبيلة والحزب من أجل إقامة مجتمع كل الناس فيه أحرار متساوون في السلطة والثروة والسلاح واستجابة للتحريض الدائم للثائر الأممى معمر القذافي صانع عصر الجماهير” “10” ، وغيرها من القوانين التي لا تمت للإنسانية المعاصرة بأي صلة. سلطات القذافي في مرحلة التثويرتولي القذافي العديد من المناصب التي تجعله متفردا بالسلطة منذ قيام الثورة وحتى نهاية مرحلة ما يسمى بمرحلة التثوير في عام 1977 العديد من المناصب منها:
رئيس مجلس قيادة الثورة.
قائد عام القوات المسلحة الليبية (وفيما بعد قائد أعلى).
وزير الدفاع ورئيس مجلس الأمن القومي.
رئيس مجلس القضاء الأعلى.
رئيس مجلس التخطيط الأعلى.
رئيس المجلس الأعلى للإرشاد القومي.
رئيس التنظيم السياسي الوحيد المتمثّل في الاتحاد الاشتراكي العربي ومؤتمره الوطني (ثمّ القومي) العام. وفضلاً عن ذلك، فقد شغل القذافي منصب رئيس الوزراء خلال الفترة من 13/9/1970 وحتى 6 أبريل 1972 “11 ” الحريات المدنية والسياسية في ظل حكم القذافي :أولا: حرية الإعلام 1- الصحافة:يطرح الأخ العقيد قائد الثورة الليبية رؤيته للصحافة عبر رائعته الخالدة الكتاب الأخضر فيقول في القسم الخاص بالصحافة: ” أنا أشهد بنفسي أن كل الصحف الحرة هي صحف مرتشية وبذلك تكون صحفاً فاسدة”وهكذا لخص الزعيم الملهم واقع الصحافة في هذه المقولة الخالدة!! ولكن ماذا عن الصحافة التي نعرفها جميعا؟!!يعود تاريخ الصحافة في ليبيا إلى عام 1827 حين انشأ عدد من قناصل الدول الأوربية فى طرابلس صحيفة ” المنقب الإفريقي ” باللغة الفرنسية لتعبر عن حال المستعمرين هناك ، تبعها إنشاء أول صحيفة باللغة العربية تحت اسم ” طرابلس الغرب ” والتي أنشأها الوالى العثمانى محمود نديم باشا ، ورغم كم الاستبداد الذي شهدته ليبيا اثناء الحقبة العثمانية الا ان البلاد شهدت ظهور العديد من الصحف والمجلات ، ولابد من الإشارة هنا إلى أن المادة الثانية من قانون المطبوعات العثماني عام 1909 ينص على “أحقية كل شخص بلغ عمره 21 عاما في إصدار صحيفة يومية أو أسبوعية أو مستقلة”، كما شهدت البلاد إدخال مطابع خاصة. ،ومع دخول الإستعمار الإيطالي لليبيا عام 1911 دخلت الصحافة في ليبيا حقبة سوداء، حيث تمت مصادرة المطابع، واستولت السلطات العسكرية عليها.. كما استبدلت جريدة “طرابلس الغرب” بـ “إيطاليا الجديدة” ، وبعد خروج الاستعمار الإيطالي عام 1943ودخول ليبيا تحت الإدارة البريطانية شهدت الصحافة في ليبيا بداية تأسيس جديد، وعلى أسس أقرب إلى الصحافة المعاصرة اليوم، وقد صدر في هذه الفترة ما يقرب من 20 صحيفة، وذلك بسبب نشاط الأحزاب والقوى السياسية، نشاطا لم تعهده ليبيا طوال تاريخها المعاصر، ومع حصول ليبيا على استقلالها في ديسمبر 1951 وعلى الرغم من ان حكومات الملك إدريس السنوسي ألغت الأحزاب السياسية، إلا أن الأرقام التالية تعكس مدى نشاط الصحافة في ذلك الوقت: فقد صدرت 14 صحيفة يومية وأسبوعية، و13 مجلة شهرية أو نصف شهرية و8 صحف ناطقة باللغة الانجليزية و3 صحف ناطقة باللغة الايطالية. وكانت نسبة الصحف المستقلة تبلغ 65 في المائة، بينما لا تتعدى نسبة الصحف الحكومية 35 في المائة ، وفي عام 1969 ومع قيام “ثورة سبتمبر ” ودخول البلاد تحت حكم مجلس قيادة الثورة الذي ترأسه العقيد معمر القذافي، بدأ ضباط الثورة بمصادرة الصحف الخاصة وتقليص الصحف الصادرة عن الهيئات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء صحف ذات “لون ثوري موجه”، ودخلت الصحافة في ليبيا مرحلة “تثوير الجرائد وأدلجتها ولم يعد المجال مسموحا بإنشاء صحف خاصة أو مستقلة”، وصدرت أول صحيفة يومية في 20 / 10 / 1969 تحت اسم “صحيفة الثورة”. “12 ” أعقبها تقديم عدد من الصحافيين الليبيين للمثول “أمام محكمة الشعب”، بسبب كتاباتهم “المخالفة لتوجهات الثورة الليبية”، كما اعتقل عشرات من الصحافيين الليبيين ضمن 700 مثقف وكاتب تم اعتقالهم في عام 1973 ، ومنع المواطنون الليبيون من ممارسة حقهم في إصدار الصحف الخاصة، كما منعوا من الكتابة والتعبير عن آرائهم التي قد لا تتفق مع رؤى النظام السياسي القائم، وأصبحت مثل هذه الكتابات سببا كافيا للاعتقال والسجن، والمثول أمام محاكم لا تمتلك أبسط معايير وأسس المحاكم العدالة. ومع عام 1973 وإعلان ما يعرف “بالثورة الثقافية”، تم إعلان “سلطة الشعب” في 1977 وإنشاء حزب “حركة اللجان الثورية” على الرغم من منع الأحزاب في ليبيا، بات مشهد الصحافة في ليبيا أكثر تضيقا وقمعا.”13 ” أما اليوم فِإن المشهد الصحافي الليبي وصل إلى حالة من الفشل والتراجع، على مستوى القوانين وعلى مستوى الواقع، فاليوم ليبيا لا يوجد بها سوى 4 صحف رئيسية فقط، ثلاثة منها (الجماهيرية والشمس والفجر الجديد) تابعة للمؤسسة العامة للصحافة، وواحدة (الزحف الأخضر) تتبع حزب “حركة اللجان الثورية”، الجهة الوحيدة التي من حقها أن تصدر الصحف. ولا تتعدى مبيعات هذه الصحف في رأي البعض 4 آلاف نسخة، بل إن بعضها تقلص إلى 1500 نسخة، يتم توزيعها على المؤسسات الحكومية بشكل إلزامي ، ومهمة هذه الصحف تتمثل في الترويج لأفكار الكتاب الأخضر، والدعاية لثورة 1969، وتمجيد العقيد القذافي، الذي لا يمكن نقده أو نقد أفكاره بأي حال من الأحوال، كما لا يمكن نشر أي أفكار أو رؤى “تخالف توجهات الثورة ومبادئها” ،ورغم التطورات الهائلة التى عرفتها حرية الصحافة واستقلال قطاع الإعلام فى أغلب دول العالم لا زالت الصحافة فى ليبيا تعانى من هيمنة السلطة (النظام السياسى) الكاملة عليها وعدم وجود أي هامش لحرية الصحافة خاصة فيما يتعلق بالمواضيع والقضايا الهامة والمتعلقة مباشرة بحقوق المواطنة و بممارسة السلطة وتركيبتها والنظام السياسى وتجاوزاته القانونية والإدارية فى إدارته للشأن العام، كل هذه المواضيع التى تناقش فى أغلب دول العالم بكل حرية على صفحات الجرائد و فى منابر إذاعية وتلفزيونية حرة لا زالت تعتبر فى ليبيا حتى الآن “خطوط حمراء” لا يسمح بالكتابة فيها أو النشر حولها تحت غطاء “حماية الثورة” وتارة بوضع “خطوط حمراء” تحتكر بموجبها جميع أدوات النشر وتتحكم حتى فى تحديد المواضيع التى يمكن تناولها والمواضيع الممنوع الخوض فيها.”14 ” 2- الإنترنتعلى الرغم من غياب أى إطار قانونى محدد لآليات رقابة وحجب المواقع المختلفة إلا أن السلطات الليبية تفرض رقابتها على المواقع المعارضة، وفى بعض الحالات تقوم بتدميرها تماما، ويقول أحد الناشطين من ليبيا أن جميع مواقع المعارضة محجوبة داخل ليبيا ولا يمكن تصفحها إلا عن طريق تخطى البروكسى، ومن هذه المواقع المحجوبة “أخبار ليبيا”
http://www.akhbar-libya.com و”ليبيا وطننا” http://www.libya-watanona.com و”ليبيا المستقبل” http://www.libya-almostakbal.com وأنه عندما يحاول أحدهم تصفح هذه المواقع من داخل مقاهى الإنترنت ربما يتعرض للطرد أو ما هو أسوأ من ذلك (28)، بينما يقول مواطن آخر أن هناك حجب واضح لبعض المواقع خاصة مواقع المعارضة وأن الدولة هى المسئولة عن الحجب، وأن الأجهزة الأمنية قامت فى الآونة الأخيرة باستقدام مجموعة من الخبراء من روسيا فى هذا المجال من أجل زيادة قبضتها على تصفح الانترنت ورغم الرقابة والتضييق الذى تفرضه السلطات الليبية على استخدام شبكة الإنترنت إلا أنها أثبتت نجاحا ملحوظا كوسيلة إعلام مؤثرة خاصة فى حالة مظاهرات بنغازى التى اندلعت فى 17/2/2006، وقامت السلطات الليبية بفرض حالة من التعتيم الإعلامى الشديد على هذه الأحداث ولكن الانترنت أفلتت من هذا الحصار كما قالت بيانات الجماعات الحقوقية الليبية، وذكر بيان أن السلطات الليبية قامت بإغلاق عدد من مقاهى الإنترنت كما قامت بمراقبة المقاهى الأخرى، وتم اعتقال العديد من رواد هذه المقاهى للتحقيق معهم بتهمة زيارة “مواقع مشبوهة”. ورغم ذلك فإن الأخبار التى تسربت حول الأحداث نشرتها مواقع المعارضة الليبية من خلال رسائل إلكترونية من الداخل.”15″3- المحطات التليفزيونية والفضائياتولا توجد في ليبيا أية محطات إذاعية أو تلفزيونية ذات ملكية خاصة، بل تقع جميعها تحت سيطرة الحكومة عبر “الهيئة العامة لإذاعات الجماهيرية العظمى”، ، التي تضع بصرامة برامج للترويج لما تحققه من نجاحات.وحتى وقت قريب كان عدد القنوات التليفزيونية فى ليبيا محدود للغاية سواء فضائية او أرضية منها :الجماهيرية والفضائية الليبية . ليبيا الشبابية .المنوعة . التواصل . الهداية . وقناتي ليبيا الرياضية .وقناة البديل .وكان لمدينة طرابلس نصيب الأسد منها.ولعل قيام معمر القذافى بتأميم قناة الليبية المستقلة ، وتحويلها الى قناة حكومية ، وتسليمها لرئيس هيئة الإذاعة الليبية ، في شهر ابريل 2009 ، بسبب اعتراض البعض على برنامج الاعلامى المصري الشهير حمدى قنديل الذى بدأ عرضه على القناة في مارس 2009 ، يوضح بجلاء مدى سهولة إتخاذ القرارات للأخ العقيد ، الذي يزعم عدم سيطرته على أي شيء وأن الأمور كلها في يد اللجان الثورية في ليبيا.4- شئون النشر والكتبوعلى صعيد السماح بنشر وتداول الكتب والمجلات والصحف على ليبيا، لا تزال سلطات الرقيب الجمركي تمنع دخول أغلب الصحف العربية والدولية، ولا تسمح إلا بدخول صحيفة “العرب الدولية” بسبب إنحيازها الواضح للنظام الليبي وآرائها المؤيدة له، كما لا تزال “مجلة عراجين”، وهي مجلة ليبية ثقافية تصدر من القاهرة، ممنوعة من الدخول إلى البلاد.ولم تكن دعوة أحد أنجال القذافي (سيف القذافي) لإلغاء وزارة الإعلام مناديا بـ ” إلغاء وزارة الإعلام بشكلها المعتاد، معتبرا أنه عندما تكون هناك وزارة إعلام في أي دولة معناه ليست هناك حرية، لأنه ستكون هناك رقابة على المطبوعات والنص وعلى الصحافة والرقيب”.”16 ” سوى درب من الدعاية الجوفاء لمؤسسته التي افتتحها بإسم مؤسسة الغد التابعة لمؤسسة القذافي التي يرأسها ، اذ لم تمض عدة أيام حتى جاءت تصريحات السيد أحمد إبراهيم ـ الذى يمثل الخط الذى يوصف بالثوري ـ أثناء توليه لرئاسة ” المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر ” فى 13 مايو 2008 .. التى قال فيها ، بعد تأكيده أن حرية التعبير خدعة غربية ( ..إن الصحافة الديمقراطية هي التى ينص عليها الكتاب الأخضر ، أي التى تصدرها لجنة شعبية ممثلة لكل فئات المجتمع ..)..”17 “ثانيا : التظاهر والتجمع السلمي : تم حظر التظاهرات والإعتصامات والإضرابات السلمية كصوره من صور التعبير الجماعي من قبل القطاعات والفئات الشعبية والمهنية والطلابية، بعد أن كانت جميع القطاعات الشعبية والمهنية تتمتع بهذا الحق في ظل الحكم الملكي، حيث شهد عقدي الخمسينات والستينات عدداً من التظاهرات والمسيرات والاحتجاجات السلمية والإضرابات العمالية العفوية، إلا أن هذا الأمر توقف تماماُ بعد ثورة 1969بدعوى أن كل المطالب الشعبية تحققت أو سوف تتحقق على يد قادة ثورة الفاتح ، وأصبح التعبير عن الرأي والتوجهات والآراء السياسية بالصورة التي كانت تتم في السابق بمثابة “الخيانة العظمى” ، ومنعت كافة المظاهرات المعارضة لثورة الفاتح او لسياسة القذافي وسمح فقط بالمظاهرات المؤيدة للثورة من اجل استجداء التأييد والمساندة . ” 18 “وفي عام 1972 أصدر “العقيد” القذافى أمرا شفهياً ثم كتابيا عمم على سائر الدوائر والمؤسسات والشركات والإدارات الحكومية في ليبيا ينص على ” إخراج العاملين والموظفين في المسيرات والتظاهرات التى تنظمها السلطة ، ومعاقبة المتخلفين عن ذلك والرافضين للمساهمة فيها “، وكذلك الحال بالنسبة للنقابات العمالية والمهنية المختلفة، ووصل الأمر في معظم الأحيان الى حد دفع مبالغ مالية للمتظاهرين سواء كانوا ليبيين أو عرب أو أجانب ، ووفقا لما نشره موقع ليبيا الحرة على منتدى الحوار به فإن المظاهرات التى خرجت لتعبر عن رأي القطاعات الشعبية المختلفة والطلابية الحرة رافضة لنظام القذافي وممارسته بداية من عام 1972 وحتى 1976 فقد تعرض المشاركون فيها إلى أبشع صور القمع واعتقل الألاف من عناصرها وأودعوا السجون والمعتقلات، وتعرض عدد كبير منهم الى التعذيب، وقتل بعضهم أو شنق في الميادين والساحات، وشرد الكثيرون منهم فى المنافى ، ولا ننسي هنا ان القذافى لم يتوانى عن اطلاق أوامره الشخصية فى ابريل 1984بإطلاق النار على المتظاهرين الليبيين الذين تظاهروا أمام مكتبه الشعبي بالعاصمة البرطانية حيث سقطت شرطية إنجليزية. وفى فبراير 2007 حاول عدد من أصحاب الرأى والناشطين السياسين القيام باعتصام سلمى فى ميدان الشهداء بطرابلس فقامت سلطات الأمن واللجان الثورية بالإعتداء عليهم وعلى ذويهم ووجهت لهم تهم كاذبة . “19 ” ثالثا : تجريم حق تكوين الأحزاب تصنف ليبيا على انها من أبرز دول العالم التى تمنع إقامة أحزاب سياسية ، فوفقا للوثيقة الصادرة عن مؤتمر الشعب العام ” الهيئة التشريعية ” فالاحزاب السياسية ممنوعة ويعتبر كل من يمارس الحياة الحزبية خائن وعميل ويقف امام نهضة وتطور البلاد ، ورغم ذلك ظهرت عددا من الحركات السياسية المعارضة، وكان تيار الجماعة الإسلامية ” الاسم الليبي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا” هو الاكثر ظهورا على الساحة .”20 ” .وفي لقاء مع قناة الجزيرة الفضائية عام 2005 ،قال سليمان عبد القادر ، المراقب العام للإخوان المسلمين في ليبيا “ما عندنا الآن هم الإخوان الموجودين داخل السجن.. خارج السجن لا ليس عندنا أي عدد من الإخوان، كل الإخوان اعتُقلوا وموجودين داخل السجن””21 ” أما عن القوى الأخرى مثل اليسار فليس هناك أوضح مما قاله العقيد القذافي في 15/4/1973م في مقدمة إعلانه عن قيام ما أسماها بالثورة الشعبية ” أنا لا أقبل أن واحد يسمم أفكار الناس وهو ليس بقادر على قبول التحدى… هذه حصلت فى الجامعة وحصلت فى الشارع،… وعليه أنا اقول لكم أى واحد نجده يتكلم عن الشيوعية أو فكر ماركسى أو إلحادى سوف يوضع فى السجن. وسأصدر الأمر لوزير الداخلية بتطهير أى مجموعة من هؤلاء الناس المرضى… وإذا وجدنا أى شخص من الإخوان المسلمين أو حزب التحرير الإسلامى يمارس نشاطاً سرياً إعتبرناه يمارس نشاطاً هداماً مضاداً للثورة التى قامت من أجل الشعب سنضعه فى السجن… وهناك أناس اعرفهم سكتُ عنهم وسامحتهم، ولكن لا يمكن أن نسمح لهم بعد اليوم بتسميم أفكار الشعب… معنى هذا أن هناك أناس عليهم أن يجهزوا أنفسهم من الأن لأنى سأضعهم فى السجن.” ولا يجب ان ننسي هنا الواقعة الشهيرة للعقيد القذافى اثناء زيارته إيطاليا مؤخرا حين نصحها بإلغاء كافة الاحزاب السياسية قائلا ” لو كان الامر بيدى لألغيت الأحزاب السياسية ومنح الشعب الايطالي السلطة المباشرة ووقتها انه لن يكون هناك يمين ولا يسار ولا وسط فالنظام الحزبي يجهض الديمقراطية” .”22 ” إهدار الأموال الليبية وفقا لما أورده الدكتور محمد يوسف المقريف رئيس ديوان المحاسبة الأسبق وسفير ليبيا في الهند فى مقالته عن مأساة ليبيا ومسئولية القذافي في عام 2002 ، فقد أنفق النظام الليبي بعد الثورة ما لا يقلّ عن 40% من عائدات ليبيا النفطية على شراء السلاح وتكديسه وعلى الإنفاق العسكري!! و أن الرائد عبد السلام جلود أورد في خطاب ألقاه بمدينة سرت خلال ما عُرف بعيد الوفاء الذي أقيم في الذكرى العشرين للانقلاب اوائل ابريل عام 1989 أنّ النظام أنفق منذ قيام الانقلاب وحتى ذلك التاريخ ما نسبته 22% من عائدات ليبيا النفطية (أي نحو 44 مليار دولار) على تمويل ودعم ومساندة حركة الثورة العالمية وحركات التحرّر مضيفا أن القذافي لم يكن سعيداً بإنفاق هذا المبلغ على حركات التحرّر ، حيث يجده أقل من اللازم “23 ” و حسبما يشير نفس المصدر ، فقد ساعد القذافي في تمويل ورعاية عمليات وحركات فى اكثر من 40 دولة عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية ، ونحو (127) عملية.”24 ” وهو ما أسفر عن قيام قرابة (50) دولة عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية وأمريكية بقطع أو تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الأخ العقيد قائد الثورة.”25″ وفي 16 أغسطس 2009 ، نقلت شبكة ال”بي بي سي” عن جريدة التيليجراف مقالا للكاتب ديفيد بلير قال فيه” أن القذافي عمل خلال السبعينات والثمانينات كممول لعدد من الجماعات الارهابية بما في ذلك الجيش الجمهوري الايرلندي، وأن العديد من القادة الملطخة أيديهم بالدماء تمتعوا بدعم القذافي بما في ذلك عيدي أمين في اوغندا وشارلس تايلور في ليبريا” “26” الفائدة الأساسية للكتاب الأخضر، التربح والثراء السريع شرع القذافي في تأليف “الكتاب الأخضر” في عام 1975 ، و صدر الجزء الأول منه في 3 يناير1976، ويتناول ما أطلق عليه “مشكلة الديمقراطية – سلطة الشعب”، وأصبحت مقولات هذا الكتيّب منذئذ المرجعية السياسية لنظام الحكم في ليبيا ، ويضم الكتاب ثلاثة فصول الأول تناول الركن السياسي عن مشاكل السياسة والسلطة في المجتمع ، والثاني الركن الاقتصادي فيه حلول المشاكل الاقتصادية التاريخية بين العامل ورب العمل ، و الثالث الركن الاجتماعي وفيه اطروحاته عن الأسرة والأم والطفل والمرأة والثقافة والفنون .”27 “. وقد أنشئ المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 1485 بتاريخ 9 اكتوبر عام 1981 ، بناءً على قرار “جماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية” أيماناً والتزاما منها بضرورة تسخير المعطيات الفكرية والمفاهيم الإستراتيجية والأساليب الديمقراطية الكامنة بفكر النظرية الجماهيرية (الكتاب الأخضر).ووفقا لتعريف المركز له فالكتاب الأخضر ليس الا المحصلة النهائية لكفاح الشعوب ونضالها ضد أنظمة الاستغلال والعبودية وتقديماً لكل الحلول والأفكار الجذرية (التطبيقية) لجميع المشاكل والإشكاليات المجتمعية على صعيد الساحة المحلية والإقليمية والعالمية”28 ” ومنذ صدور الكتاب الأخضر ، وما أعقبه من نشأة المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر بتمويله الهائل، فقد أصبح هذا الكتاب مصدرا للرزق والثراء السريع للآلاف من الكتاب والصحفيين وغيرهم في الوطن العربي أو العالم ، سواء عبر إنشاء مراكز تتبع هذا المركز ، أو تناول الكتاب نفسه بالبحث والدراسة ، رغم علم الجميع أنه قد يزيد قليلا عن كتب الأطفال ، لكنه لا يرقي لكونه كتاب جاد.وحول العائد المالي الضخم الذي يحصل عليه أي مشارك في أحد أنشطة المركز يقول جمال عيد”خمسمائة دولار حصلت عليها نتيجة محاضرة متواضعة عن حرية التعبير على الانترنت في مؤتمر هزيل حول الإعلام الإليكتروني عقد بمقر المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، كنا أكثر من مائة مشارك ، إقامة وتذاكر سفر ، ومقابل مادي ضخم ، ماذا لو كنت كتبت مقالا يمدح أو يثني على هذا الكتاب الساذج””29 “. ووفقا لما نشرته جريدة الرياض السعودية فقد حفل الكتاب بعدد من الملاحظات التي اقل ما يمكن أن توصف بها بالسذاجة حيث انه يوضح في مقطع منه حينما يتحدث عن الاختلافات بين المرأة والرجل فيقول «الرجل لا يحمل» إلى الآراء المتعصبة وذلك حين ادعى بأن السود في العالم يتكاثرون بلا حدود لأنهم «يمارسون الخمول في جو حار دائم» و تصل المقالة إلى نتيجة مؤداها أن “عدداً قليلاً من الناس خارج ليبيا وعدداً متناقصاً داخل ليبيا نفسها يحملون الكتاب محمل الجد. ومثل العديد من الأشياء هنا يحاول المركز تغيير النظرة للكتاب” .”30 ” وسوف يفاجأ المتصفح لقائمة المتربحين من الكتابة حول الكتاب الأخضر والمشاركين في أنشطة المركز المسمى بضخامتها ويفزع من كم الأسماء والمؤسسات التي أثرت بشكل كبير ، حيث ضمت القائمة اسماء أكاديميين من أغلب بلدان العالم ، ونشط العديد من الكتاب والصحفيين والمنافقين بإفتتاح فروع للمركز في بلدانهم ، أو المشاركة بأورق بحثية ، بحيث باتت الكتابة عن الكتاب الأخضر مهنة مربحة أكثر في بعض الأحيان عن العمل في بلدان النفط ، ويمكن مراجعة أنشطة المركز والمتعاونين معه عبر موقعه على شبكة الانترنت.”31″. سياسة ليبيا تجاه المعارضين : استمر اغتيال المواطنين الليبيين فى داخل وخارج ليبيا وإعدام السجناء المحتجزين فى ليبيا تنفيذا كما يبدو للسياسة الرسمية الداعية الى التصفية الجسدية لخصوم الحكومة السياسيين ، ومن المعتقد ان هناك المئات من السجناء السياسيين وسجناء الرأى محتجزين دون توجيه تهم اليهم ، وقيل ان بعضهم سجنوا بعد محاكمات غير عادلة او ظلوا فى السجن رغم تبرئتهم او انقضاء فترة حكمهم ، ويقال ان هناك سجناء كثيرين محتجزين فى مراكز اعتقال سرية وانهم عرضة للتعذيب ،وتعرض المنفيون الليبيون للاعتداءات المتكررة ومنهم محمد فهيمة الذي اغتيل فى اثينا ويوسف خربيش فى روما ونجا سفير ليبيا السابق من محاولة لاغتياله فى فيينا كل هذا عام 1987 فقط ، ولم يعرف ما اذا كان المسؤولون عن هذه الاعتداءات يتصرفون بناء على اوامر مباشرة من السلطات الليبية ، الا ان حوادث الاغتيال بدت متناسقة مع نمط من الاعتداءات على مناوئي الحكومة سبق وادعت السلطات الليبية مسئوليتها عنها . “32 “. وفى 17 فبراير 1988 شاهد الشعب الليبي بعض مشاهد إعدام تسعة مواطنين ، حيث إعدم 6 منهم بالإعدام شنقا و3 رميا بالرصاص وقيل ان معظمهم ينتمون الى مجموعة معارضة باسم ” الجهاد “،و ورد ان محكمة ثورية فى بنغازي حكمت عليهم بالإعدام بعد اتهامهم باغتيال مواطنين ليبيين ومحاولة اغتيال خبراء سوفيت ، وكان ذلك بعد ان دعت المؤتمرات الشعبية الأساسية فى جميع إنحاء ليبيا فى أكتوبر 1986 الى التصفية الجسدية لثمانية اشخاص وصفوا بأنهم ” اعداء الله ” ، ووصف القذافى فى خطبته امام المؤتمر الشعبي عمليات الاعدام بأنها دروس مفيدة جدا .” 32″. ومنذ أوائل السبعينات تم احتجاز اكثر من 199 مواطن ليبي وزاد عددهم الى 400 مواطن منذ اوائل عام 1989 بالاضافة الى اعتقال العديد من المدنيين والعسكريين فى اعقاب التمرد العسكرى فى اكتوبر 1993 وعزلهم فى مكان مجهول .”33 “. وعندما أعلن القذافى عن عمليات التطهير عام 1996 القي القبض على العديد من رجال الاعمال واصحاب محلات الذهب وشركات الاستيراد والتصدير وشكل القذافى لجان ” البركان ” من الشباب الثوريين لمداهمة محلات الاغذية ومصادرة البضائع بحجة بيعها بسعر اعلى ووصل عدد المعتقلين خلال هذه الفترة الى اكثر من 1200 شخص .”35 “واعتقل غير الليبيين المقيمين فى ليبيا لأسباب غير قانونية فعقب صدور قرار محكمة العدل الدولية فى لاهاى فى فبراير 1994 بحسم الخلاف على شريط اوزو الحدودى مع تشاد لصالح الاخيرة اعتقلت ليبيا اكثر من 400 تشادى فى طرابلس وحدها وعدد كبير من نيجيريا والاردن والصومال لأسباب ادعت انها تتعلق بتصاريح العمل .”36 “وفى منتصف عام 1995 نشرت الرابطة الليبية لحقوق الانسان قائمة بأسماء 21 شخص تم خطفهم قسرا ولم يعرف مصيرهم ومنهم الامام ” موسى الصدر ” الزعيم الشيعي والذي اختفي اثناء زيارته ليبيا اواخر أغسطس 78 وقالت ليبيا انه غادر الى روما ، بينما اتهمت حركة ” أمل ” الشيعية فى لبنان ليبيا باختطافه فرد القذافي باتهام “نبيه برى” زعيم حركة أمل باختطافه ليحل محله فى زعامة الحركة الشيعية في لبنان”37 “. ويعتبر ملف السجناء السياسيين والمفقودين والمغيبين في داخل السجون الليبية من أهم الملفات التي تبين حجم الانتهاكات التي ترتكبها الدولة الليبية في حق مواطنيها وبالرغم من أن ليبيا وقعت على أغلب الاتفاقيات المتعلقة بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإنها من أكثر الدول التي تنتهك حقوق السجناء السياسيين ورغم النفي المطلق من قبل السلطات لوجود سجناء رأي ، فقد انتشر في ليبيا مجموعة من السجون والمعتقلات أقدمها وأكبرها : سجن أبوسليم طرابلس / سجن عين زارة طرابلس / سجن الكويفية بنغازي كما ينتشر مئات من مراكز الحجز المؤقتة ومكاتب التحقيق التابعة لأجهزة الأمن المختلفة ، وتتضمن وسائل التعذيب الضرب بالأيدي والأقدام والأحزمة والعصي والأسلاك الكهربية، والتعليق في أوضاع ملتوية ومؤلمة مع الضرب، واستخدام الصدمات الكهربية، والاغتصاب والعنف الجنسي والتهديد باغتصاب زوجات المعتقلين وبناتهم لإجبارهم على الاعتراف فضلا عن المعاملة غير الإنسانية التي يعامل بها السجين داخل السجن كأن يجبر في مرات عديدة على شرب بوله ، ونتيجة غياب الرقابة من قبل الدولة أو منظمات حقوق الإنسان على السجون والمعتقلات في ليبيا فان العشرات من ذوي وعائلات المسجونين السياسيين قد فقدوا الأمل في حياة أبنائهم وأقاربهم ويعتقدون بأنهم قد ماتوا إما تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الصحي أو قتلوا في حادثة القتل الجماعي في سجن ( بوسليم ) والتي عرفت بمذبحة سجن بوسليم .”38 ” ابرز النقاط السوداء فى سجل القذافي : مذبحة سجن أبو سليم تعتبر مذبحة سجن أبو سليم من ضمن الجرائم الأشد ضد الإنسانية ، ففي 29 يونيو عام 1996 وقعت المذبحة التي راح فيها نحو 1200 سجين سياسي .ارتكبت السلطات الليبية مجزرة في أكبر معاقلها السياسية ( سجن بوسليم )عام 1996 وذلك عندما فتحت فوهات أسلحتها الخفيفة والثقيلة في حق سجناء عزل ذنبهم الوحيد أنهم أعلنوا تمردا وإضرابا داخل السجن نتيجة الأوضاع الصحية السيئة والمعاملة الغير إنسانية واحتجاجا على أصناف التعذيب والاهانة واستمرار حبسهم دون تقديمهم لأي محكمةو بعد عملية تفاوض مع السجناء الذين كانوا قد احتجزوا أحد حراس السجن لساعات طويلة اشترط فيها السجناء أن يسمح لهم بالاتصال الخارجي وأن يقدموا الى محاكم بدلا من الاستمرار في حبسهم دون أي تهم وتحسين المعاملة ووقف التعذيب فوافقت السلطات مقابل اطلاق سراح الحارس المحتجز . وبعد اطلاق الحارس جاءت الاوامر من الجهات العليا بإنهاء التمرد بطريقة وحشية بعد أن تم جمعهم في باحة كبيرة واطلق عليهم الرصاص بشكل عشوائي حصد أرواح المئات منهم وقد قامت مؤسسة الرقيب بتسجيل وتوثيق الحادثة كاملة عن طريق أحد الشهود على هذه المجزرة وحتى تاريخ هذا اليوم فإن السلطات الليبية وبالرغم من اعتراف العقيد معمر القذافي بالحادثة لم تقم حتى هذه اللحظة بأي خطوات جادة لمعالجة ملف هذه القضية كما لم تقم بتقديم أي اسم من أسماء الضباط الذين أشرفوا على العملية للعدالة وفي الوقت الذي تقوم السلطات الليبية بتعويض جميع الضحايا الغربيين والامريكان فان عائلات ضحايا مذبحة سجن بوسليم والذين يقدر عددهم بالمئات ( قرابة 800 ) لايزالون ينتظرون أن يمارس المجتمع الدولي كل مايملك من وسائل الضغط المتاحة على النظام الليبي كي يقوم بالتحقيق في ملابسات هذه الحادثة المأساوية ونشر نتائجه وأسماء القتلى على الرأي العام وتعويض أهالي الضحايا ومعاقبة المسؤولين.” 39″ القذافي و الاختفاء القسري لليبيين لعل قصة رواها أحد ابناء العقيد القذافي توضح لنا البساطة التي يختفي بها المواطنين في ليبيا ، وكيف يتم قتلهم بدم بارد ، يقول السيد سيف القذافي ” في أحد الأيام من عام 1986 أو 1987 ، حينما كان في المدرسة الثانوية جاءه مواطن وأخبره أن الأمن الليبي قد القى القبض على والده ، وكل مايرغبه المواطن أن يعرف هل والده حي أو ميت ، وبعد أكثر من عشرين عاما ، أجاب السيد سيف القذافي ببساطة ، عندي إجابة الآن لهذا الشخص ، أن والدك ميت أولا ، وتم قتله أو إعدامه بشكل غير قانوني وغير شرعي وقتل في غابة وفي قبر مجهول”40″ هكذا ببساطة ، إختفى مواطن ، وظلت أسرته أكثر من 20عاما دون أن تعرف مصير عائلها ، ليجيب السيد القذافي أنه ميت !!إنها قصة الألاف من المواطنين الليبيين الذين أختفوا أو قتلوا بدم بارد سواء في غابة أو قبر مجهول ، من يهتم في ليبيا بحياة المواطن الليبي؟!! مازالت هذه مشكلة الإختفاء القسري قائمة بالرغم من المطالب المتكررة بضرورة الإفصاح عن أماكن المحتجزين بشكل صريح وواضح، ومن أشهر هذه الحالات -وذلك على سبيل المثال لا الحصر- اختطاف واختفاء كلا من: منصور الكيخيا ، عزت المقريف ، جاب الله مطر، الشيخ موسى الصدر ورفاقه .”40 “. وقد سجلت منظمات حقوق الإنسان الليبية والدولية أكثر من 300 حالة موثقة قامت السلطات الليبية بإبلاغ ذويهم بوفاة أبنائهم في ظروف غامضة ولم تسلمهم الدولة شهادة للوفاة أو الجثة كما أن الدولة الليبية ترفض أن تبلغ عن سبب الوفاة كما أن منظمة التضامن من أجل حقوق الإنسان / جنيف أصدرت قائمة بأسماء 258 سجيناً فقد أقاربهم الاتصال بهم منذ اعتقالهم. وفي بعض الحالات، اعتُقل السجناء كما يبدو بدون تهمة أو محاكمة طوال أكثر من عقد من الزمن. وفي حالات أخرى، يعتقد أنه حتى الأشخاص الذين برأت ساحتهم المحكمة ما زالوا معتقلين رغم أن عائلاتهم لم تسمع أخباراً عنهم منذ سنوات ، ومن أبرز الشخصيات المختفية قسرا في سجون النظام الليبي والتي يعتقد بأنه قد تمت تصفيتهم داخل المعتقلات الليبية ومراكز الحجز والشرطة :* منصور الكيخيا دبلوماسي ليبي وناشط بارز لحقوق الإنسان والأمين العام للتحالف الليبي الوطني، اختفى في القاهرة بمصر العام 1993. عندما كان يحضر المؤتمر العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة وشوهد للمرة الأخيرة مساء 10 ديسمبر/كانون الأول 1993 في فندق السفير.* جاب الله حامد مطر وعزت يوسف المقريف، اثنان من الأعضاء البارزين في الجماعة الليبية المعارضة “جبهة الإنقاذ الوطني لليبيا” وقد “اختفيا” في القاهرة في مارس/آذار 1990. ومكان وجودهما منذ ذلك الوقت غير معروف، على الرغم من ورود أنباء تؤكد أنهما قد سُلما إلى السلطات الليبية.* “اختفى” الإمام موسى الصدر، وهو رجل دين شيعي بارز إيراني المولد ويحمل الجنسية اللبنانية، مع شخصين آخرين ، خلال زيارة قاموا بها إلى ليبيا في العام 1978.وفي 1 سبتمبر 2002. وفي خطاب مشهور اعترف العقيد بان الصدر قد اختفى في ليبيا* عمرو خليفة النامي أستاذ الدراسات الإسلامية والحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة كمبردج اختفى في سجون النظام الليبي منذ اعتقاله الأخير سنة 84 م وتشير بعض الأنباء الغير مؤكدة بأن الدكتور عمرو قد مات تحت التعذيب وحتى تاريخ اليوم أي بعد 25 عاما لا تزال أسرته وأولاده بانتظار مصير والدهم . “41 ” محكمة الشعب الإستثنائية محكمة الشعب : أداة من أداوت القمع السياسي وهي محكمة تصنف بأنها استثنائية ( غير شرعية ) ولا تتقيد بالمعايير الدنيا للمحاكمات العادلة وقد أنشئت محكمة الشعب بموجب القانون رقم “5” لسنة 1988 إلاّ أن التعديلات اللاحقة للقانون المذكور خاصة التعديل الذي أدخل بموجب القانون رقم “3” لسنة 1997 قد جعل من هذه المحكمة وذراعها مكتب الإدعاء الشعبي أداة من أدوات الحكم وتحقيق رغبة السلطة التنفيذية الحاكمة وليس أداة من أدوات تحقيق العدالة ومن خلال متابعة القضايا التي يتولاها مكتب الإدعاء الشعبي ومحكمة الشعب يمكن استخلاص ما يلي:-
حاول مكتب الإدعاء الشعبي دائماً تغطية الممارسات التعسفية للسلطة التنفيذية من حيث قيامه شكلا بالإفراج عن المتهم الذي يُجلب إليه محبوسا بطريقة قانونية لمدة طويلة (وصلت إلى سنين عديدة) ثم القبض عليه في ذات الوقت من جديد.
تقوم دوائر محكمة الشعب بعرض أحكامها قبل صدروها وخاصة في القضايا الهامة لأخذ موافقة السلطة التنفيذية الحاكمة عليها وهو ما يُخل باستقلالية وحيادية المحكمة.
صدرت أحكام ببراءة متهمين مما أسند إليهم وبالرغم من ذلك فقد ظلوا رهن الحبس مدة طويلة .
عدم وجود ضمانات للمحامين من مزاولة واجبهم تجاه موكليهم وذلك بمنعهم من ممارسة هذه الحقوق من قِبل مكتب الإدعاء الشعبي مما يُعد إخلالاً بالضمانات الأساسية للدفاع أمام محكمة الشعب.
عدم تمكين الدفاع من الإطلاع على ملفات موكليهم الأمر الذي يعتبر إنتهاكا وخرقا لحقوق موكليهم. إن القواعد القانونية لمحكمة الشعب تجعل من تحقيق العدالة أمرا مستحيلا لذلك يطالب المحامون دائما والقانونيون ومنظمات حقوق الانسان بضرورة إلغاء محكمة الشعب واستبدالها بقضاء عادل قادر على الحكم في القضايا المعنية”42″ وقد اتخذ مؤتمر الشعب العام قراره في 12 يناير 2005 بإلغاء محكمة الشعب ، وكانت منظمة العفو الدولية في زيارتها إلى ليبيا في فبراير 2004 طالبت بإلغاء هذه المحاكم التي ابتدعها العقيد القذافى لإضفاء الشرعية القضائية على مطارداته لمعارضيه وجاء إلغاء هذه المحكمة نتيجة ضغوط دولية لما روج عن هذه ‏المحكمة من جور ٍ وأحكام لحقها الظلم والبُهتان أدت إلى انتهاك صارخ لحقوق الإنسان. وبدلا ً من ‏نظر هذا النوع من القضايا أمام القضاء العادي وتحويلها إليه , والتي اضطلعت بها محكمة الشعب ‏بالسابق تم إنشاء محكمة أمن الدولة ونيابة أمن الدولة لتحل محل محكمة الشعب كنوع من ‏التحوير لأدوات النظام القمعية ، والغريب في الأمر أن إلغاء محكمة الشعب أعقبه بفترة قصيرة جدا إنشاء محكمة تحت اسم ” محكمة امن الدولة وذلك أواخر 2007 تنظر ذات القضايا التي كانت محكمة الشعب تنظرها مثل قضايا تجريم الحزبية وحماية الثورة وترويج أفكار ونظريات ضد نظام الدولة ، لتكون هذه المحكمة باختصار أداة من أدوات النظام للدفاع عن نفسه بإصداره قوانين لحمايته و بتفعيل القوانين الخادمة لمصالحه فقط وإهدار القوانين الكافلة لحق المواطن. “43 ” القذافي و الصحافة العربية والأفريقية بذل العقيد القذافي كل جهد من أجل أن يسكت أصوات الصحافة المعارضة له في أنحاء العالم العربي كما نجح في إسكاتها داخل ليبيا، ومؤخرا نجح القذافي في مقاضاة ثلاثة صحف مغربية هي ” المساء ،الجريدة الأولى والأحداث المغربية” يتهمها بإهانته و التعدي على كرامته وذلك على خلفية بعض المقالات التي تناولته بالنقد ،وقد حكمت المحكمة في هذه القضية بتغريم الصحف الثلاثة 370 ألف دولار” وكأن القذافى بعد أن أطاح بحرية الصحافة في ليبيا ، بدا يوجه خبراته في ملاحقة الصحافة والصحفيين العرب بشكل عابر للحدود . “44” وقائمة الصحفيين الذين لا حقهم الزعيم القذافي لاسيما في العالم العربي أو في افريقيا طويلة جدا منهم : 1- قضية ضد الصحفي المصري إبراهيم عيسى ، رئيس تحرير جريدة الدستور وبلال فضل الصحفي بذات الجريدة ،بسبب مقاله عن الرجل الأخضر في أكتوبر 2006 ، ونفي إبراهيم عيسى الاتهام المنسوب إليه بأنه اشترك في الإساءة لرئيس دولة صديقة، مؤكداً أن المقال ،ينتمي إلي الكتابة الساخرة، ويندرج تحت النقد المباح . 2- وفى نهاية عام 2003 أقام القذافى دعوى قضائية ضد 14 صحفي مصري بعد حملة صحفية هاجمته فيها الصحف المصرية بالتخلي طواعية عن إنتاج كافة أسلحة الدمار الشامل واتهمهم القذافى بسبه وقذفه وبعض هذه القضايا ذهبت الى النائب العام المصري مطالبة بإحالة المشكويّن على المحاكمة الجنائية، وحينها علق وزير الإعلام المصري السابق صفوت الشريف قائلا ” إن الحكومة الليبية لا تعترض على الحوار الموضوعي، لكنها تعترض على بعض الألفاظ التي تسيء للأشقاء في ليبيا معرباً عن رفضه تلك الممارسات قائلاً إنها تسيء إلى مهنة الصحافة وتمثل خروجا على ميثاق الشرف الصحفي ” ، لكن مصير هذه القضايا سرعان ما دخل زاوية النسيان إلي حين إشعار آخر. 3- بسبب مقال تحت عنوان “كلام في الهواء” للصحفي سليم عزوز في جريدة الأحرار تمت محاكمة الصحفي ورئيس التحرير بتهمة الإساءة والإهانة للشعب الليبي ولشخص قائده وزعيمه العقيد معمر القذافي. وطالبت الدعوى التي أقامها رئيس ادارة قضايا الدولة في «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى» بوصفه النائب القانوني عن الدولة الليبية ومؤسساتها، بتعويض مليون جنيه مصري على ان يتم التبرع بهذا المبلغ الى مستشفى سرطان الاطفال الجديد في مصر. إلا أن المحكمة قضت في ابريل 2004 ،برفض الدعوى وألزمت القذافي بالمصاريف، وجاء في حيثيات حكمها ان العبارة السابقة كانت مجرد مدخل في المقال الذي جاء دفاعا عن الصيادين المصريين الذين قامت السلطات الليبية بالقبض عليهم بتهمة اختراق المياه الإقليمية الليبية.4- فيما قضت إحدى المحاكم الجزائرية في الدعوى القضائية التي أقامها القذافى ضد جريدة “الشروق اليومي” بحبس مدير الجريدة “علي فضيل” والصحفية “نائلة برحال” لمدة 6 أشهر حبس نافذة وغرامة مالية قدرها 20 ألف دينار جزائري وكذلك دفع تعويض مالي لصالح القذافى قدره 500 ألف دينار جزائري، إلى جانب توقيف الجريدة عن الصدور لمدة شهرين كاملين ، ويشار إلى أن الصحيفة الجزائرية كانت أشارت في تقريرين نشرا في 12 و13أغسطس 2006 استنادا لزعماء قبائل الطوارق في الجزائر والنيجر ومالي طالبوا عدم كشف هويتهم إلى خطة مفبركة أعدها العقيد القذافي لزعزعة استقرار الجزائر باستخدام جماعات من الطوارق ذات “نزعة انفصالية. 5- ولم يتورع القذافي حتى عن مقاضاة وكالة أنباء فلسطينية لنشرها خبراً عن إعتلال صحته ، حيث أعلنت وكالة الأنباء الفلسطينية على الانترنت (معا) ان الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي كلف محاميا فلسطينيا رفع دعوى قضائية ضدها وضد رئيس تحريرها ناصر اللحام، لنشرها خبرا غير صحيح حول تعرض القذافي لجلطة دماغية في مايو 2007. 6- وفي يوليو 2004 قام العقيد القذافي برفع دعوى قضائية ضد جريدة الوطن السعودية بعد أن نشرت الجريدة مقالة افتتاحية بعنوان ” عقدة نقص ” علقت فيها على اقتراح العقيد بتغيير اسم فلسطين إلى ” اسراطين ” وقبول عضوية إسرائيل في جامعة الدول العربية. 7- وفي عام 2004 تقدم القذافي بدعوى قضائية لدى المحكمة الابتدائية بالرباط ضد “مصطفى العلوي” مدير تحرير صحيفة “الأسبوع” الأسبوعية، وذلك بسبب رسم كاريكاتوري للقذافي صدر على الصفحة الأولى للجريدة عقب إعلان ليبيا التخلي عن برامجها النووية. 8- و في فبراير 2009 أقام السفير الليبي بأوغندا دعوى قضائية بالتعويض ضد صحيفة “ذا رد بيبر” الاوغندية وقال رئيس التحرير الأوغندي أن محامي القذافي رفعوا دعوى تطالب بتعويض مليار دولار ضد صحيفته نتيجة تقارير الصحيفة التي ذكرت أن هناك علاقة حب تربطه بالملكة الأم في مملكة تورو وهي ارملة تدعى “بيست كيميجيشا”.والقتل مصير الصحفيين المنتقدين:1- محمد مصطفى رمضان ، صحفي عمل مذيعا في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية وكان مقيما في لندن ، وفي يوم الجمعة 11 أبريل 1980 وبعد فراغه من أداء صلاة الجمعة في مسجد لندن المركزي، وبينما هو يغادر ساحة المسجد ليلتحق بزوجته وإبنته اعترض طريقه شخصان أطلقا عليه الرصاص من مسافة قريبة في وضح النهار وأمام مرأى ومسمع المصلين والمارة. وأعلنت اللجان الثورية مسؤوليتها عن الجريمة بكل فخر واعتزاز. ومنعت أهله من استقبال جثمانه وإقامة جنازته أو دفنه في بلده فأعيد الجثمان للدفن في لندن. وتبجح موسى كوسا في مقابلة مع صحيفة التايمز اللندنية بتاريخ 10 يونيو 1980 بأن اللجان الثورية هي التي نفذت اغتيال محمد رمضان ومحمود نافع مؤكدا أن التصفيات ستتواصل على الساحة البريطانية. وفي مـحاكمة لم تستغرق أكثر من 44 دقيقة في لندن اعترف كل من بلحسن محمد المصري (28 سنة) ونجيب مفتاح القاسمي (26 سنة) – وكلاهما ليبي – بارتكاب تلك الجريمة النكراء “تنفيذا لحكم الشعب”. وصدر حكم على كل منهما بالسجن مدى الحياة.”45″ 2- ضيف الغزال ” ربما طعنة سكين غادر أتعرض لها جزافاً من مسجون حصل على أعلى وأدق شهادات الإجرام. صار طليقاً لحسن سيرته وسلوكه..، أو خنجر مسموم لزنجى إجتاز الحدود بلا أوراق أقلها ما يثبت لياقته الصحية…!!؟؟ ربما حادث مروري أليم ومروع وغريب أتعرض له فجأة فى شوارع بلادنا المسروقة أو على طرقاتها الصحراوية من قبل ( شاحنة) يقودها صاحب رتبة عسكرية كبيرة…!!” كانت هذه فقرة من مقال كتبه الصحفي ضيف الغزال قبيل اغتياله ففي 21 – 5 – 2005 حيث اختطف ضيف من قبل شخصين مسلحين ادعوا انهم من الأمن الداخلي الليبي ، فى طريق عودته من منزل احد الأصدقاء غربي مدينة بنغازي وكان برفقة الاعلامى محمد المرغني ، وقد صدقت نبؤه ضيف الغزال ، حيث تم العثور على جثته مهشمة الأصابع ومصابة بطلق ناري ومقيد اليدين. بعد تسعة ايام من اختفائه.ونتيجة لرد الفعل الواسع سواء بداخل ليبيا أو خارجها على هذه الجريمة الوحشية ،” فقد تم القبض علي الجناة” وتمت محاكمتهم ،والحكم بإعدامهم في يوليو 2007 ، في محاكمة غامضة أثارت من الشك في الأمر أكثر مما أزالته ، ولم ينفذ الحكم ، مما خلق تفسيرات عديدة ، سواء ما تعلق منها بتهديد المحاكمين “كلمة المحاكمين بسبب كثرة الشكوك في حقيقة ارتكابهم للجريمة” بكشف الحقيقة ، أو بسبب ما أعلنه نجل القذافي وأحد المسيطرين على ليبيا من ترك الأمر بيدي أسرة ضيف الغزال ليقبلوا بالدية والصفح.ولكن يبقى أن هذه الجريمة تمت ضد صحفي بنفس الوسائل التي يعاقب بها الصحفيين المنتقدين في ليبيا، وكان تهشيم أصابعه التي يكتب بها أوضح الأدلة على ذلك.الصمت أمام الصحافة الدولية يمكننا القول أن القذافي لم يدع اى كلمة نقد تكتب ضده في الصحف العربية إلا وقام بملاحقة و مقاضاة من كتبها ، ولكن العكس تماما كان مع الصحف الأجنبية التي تنتقده بأساليب اقوي وكلمات لاذعة ورغم ذلك لم يتحرك إزاءها وكأنها عبارات مدح .1- ومن هذه الصحف جريدة الواشنطن بوست الامريكية التي أطلقت عليه لقب ” الديكتاتور ” حيث أورد التقرير السنوي الذي تصدره الجريدة لعام 2007 عن أسوأ حكام العالم تضمنت بعض الرؤساء والملوك العرب إلى جانب القذافي الذي وصفته بالديكتاتور ، وقال التقرير إن القذافي الذي وصل إلى الحكم وهو في السابعة والعشرين، قضى ما يقرب من عقد من الزمن في عداء مستحكم مع الولايات المتحدة، ولفترة طويلة كانت ليبيا ضمن القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وكما جاء في التقرير فإن الرئيس الليبي قد توقف في عام 2006 لمدة ستة أشهر عن تمويله للإرهاب، وكنتيجة لذلك قرر الرئيس الأمريكي جورج بوش في يونيه من نفس العام إزالة اسم ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبدأ النظام الليبي في السنوات الأخيرة جني ثمار التحول في سياساته اقتصاديا من خلال الاستفادة من الاستثمارات الجديدة في حقول النفط الضخمة ، والانفتاح النسبي مع الدول الغربية.”46″. 2- وفى 10-06-2004 ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الزعيم الليبي معمر القذافى صادق على خطة أعدتها الاستخبارات الليبية لاغتيال ولي العهد السعودي الأمير عبد الله لزعزعة امن المملكة ، وقالت الصحيفة أن اثنين من المشاركين في خطة الاغتيال وهم عبد الرحمن العامودي، احد قادة الجالية الإسلامية في أميركا المعتقل حاليا في الولايات المتحدة و محمد إسماعيل، ضابط استخبارات ليبي معتقل في السعودية أدلوا بمعلومات تفصيلية حول العملية للمحققين مؤكدين أن العقيد القذافى صادق شخصيا على الخطة ، وكان رد ليبيا من خلال سيف الإسلام القذافى نفى الاتهامات قائلا أنها “مجرد هراء” .”47 ” 3- قالت منظمة “هيومان رايتس ووتش” في تعليقها على اعلان إيطاليا عن عزمها إعادة بعض المهاجرين الى ليبيا بمناسبة زيارة القذافي الى إيطاليا في يونيو 2009 أنها تمثل “احتفالا بصفقة وسخة بموجبها اتفق البلدان على ضرب حقوق اللاجئين والمهاجرين عرض الحائط”. وهو وصف قد يعرض حياة أي صحفي عربي إلى فقدان حياته أو حريته وأمواله على اقل تقدير اذا وصف به القذافي.”48″ 4- فيما قالت منظمة العفو الدولية لساركوزي إنه يستقبل “ديكتاتورا” في تعريفها للقذافي ، وهو التعبير الذي تم الحكم بالتعويض ضد الصحفيين المغاربة حين وصفوه به.”49″ مؤسسة القذافي الخيرية وحقوق الإنسان: قد لا يوازي حجم التمويل المنفق على ما يسمي” بالمركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر” سوى حجم التمويل الهائل الذي ينفق على ما يسمي بـ ” مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية” ، حيث تصل تقديرات البعض لحجم ميزانية هذه المؤسسة ما يعادل ميزانية دول صغيرة أو توصيل المياة والمرافق الأساسية لكل مواطني ليبيا المحرومين من هذه المرافق رغم أموال النفط الهائلة.ويصدق على هذه المؤسسة قول الشاعر العراقي مظفر النواب ” يدافع عن كل قضايا الكون ، ويهرب من وجه قضيته1″.فسوف تجد على موقع هذه المؤسسة ومن خلال تصفح الأنشطة التي قام بها ، مساعدات مالية لمواطنين وأنشطة في تشاد ، الفلبين ، النيجر ، السودان ، تايلاند ،سنغافورة ، باكستان ، بوركينافاسو ، سيراليون ، أفغانستان .. الخ ، لكن السيد سيف القذافي الذي يدير هذه المؤسسة ، الذي يشعر بالفخر بنفسه ، ويسعد بإطلاقه التصريحات “فقط تصريحات” مختلفة عن ممارسات والده ، لا يحرك ساكنا حينما تغلق جريدة أو يعتقل صحفي أو تؤمم قناة أو يختفي مواطن قسريا ، لاسيما وأن المؤسسة تستضيف نشاط حقوق الإنسان الذي تروج له أكذوبة جائزة القذافي لحقوق الإنسان ، ويبدو أن هذه المؤسسة تهتم فقط بحقوق الإنسان ، غير الليبي. أما دورها في ليبيا فيقتصر على إنتقاد المؤسسات الحقوقية الليبية في الخارج ، ومهاجمة تقاريرها. ألقاب القذافي في أخر إجتماع قمة للرؤساء والحكام العرب في الدوحة 2009 ، توجه العقيد القذافي بالنقد للملك السعودي قائلا ” انا قائد أممي وعميد الحكام العرب وملك ملوك افريقيا وإمام المسلمين. مكانتي العالمية لا تسمح لي ان انزل لأي مستوى آخر. وشكرا”إلا أن الألقاب التي اطلقها العقيد القذافي على نفسه في هذه الجملة لا تتضمن ألقابه الوحيدة ، فقد جمع القذافي وأختار أن يمنح نفسه العديد من الألقاب سواء المرتبطة بحدث نظمتها إحدى اللجان الثورية أو حسب ما ترائي له و التي تنم عن شعوره بالعظمة والتفرد منها :
“ملك ملوك أفريقيا”
” ألأخ العقيد قائد الثورة”
” أمين القومية العربية”
“عميد الحكام العرب”
“إمام المسلمين”
” رئيس تجمع دول الساحل والصحراء”
” قائد القيادة الشعبية الإسلامية”
” المفكر والقائد الأممي”
“قائد ثورة الفاتح من سبتمبر”
“أمغار” أو قائد الطوارق
“الزعيم”
” الأخ معمر القذافي قائد الثورة الليبية‏” الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى : ولم يكن منطقيا أن يمنح القذافي نفسه هذه الألقاب وهو يدير ويسيطر على دولة صغيرة مثل ليبيا ، فكان أن قام بتغيير اسم ليبيا من ” الجمهورية العربية الليبية ” إلى “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى” حتى تتلاءم مع شعوره بالزعامة والعبقرية. خاتمة نجح نظام العقيد القذافي خلال 40 عاما نجاحا باهرا في إسكات أي صوت قد يتجرأ ليس على انتقاده أو انتقاد سياسته ، بل وإسكات أي منادي أو مطالب بدولة مؤسسات حقيقية ، بدلا من الأشكال الكاريكاتورية التي أبتدعها ، وقد نهج في سياسة الإسكات التي يتبعها كل الدروب والأشكال ، بداية من الملاحقة القانونية ، وحتى السجن والتعذيب ، وصولا إلى الإغتيالات والتصفية الجسدية ، ساعده في ذلك العائد النفطي الضخم لليبيا ، والذي تعامل القذافي معه تعامل الإنسان العادي في ثروته الخاصة ، وقد أسفرت هذه السياسات عن تفريغ شبه كامل لليبيا من الصحافة المستقلة أو المعارضة ، بحيث باتت المعارضة الليبية في الخارج هي المنافس الأكبر للمعارضة العراقية أثناء حكم صدام حسين للعراق من حيث الحجم والتأثير، على الرغم من قلة عدد سكان ليبيا مقارنة بالعراق. وفي حين تحول العقيد القذافي إلى نصف إله ونصف ديكتاتور ، فقد أصبح ابنائه يسيطرون على مقاليد الحكم في ليبيا وثروتها بشكل يضاهي تصرف أبناء الإقطاعيين في أوربا العصور الوسطى .وعلى الرغم من وجود مؤسسات حديثة من حيث الشكل ، مثل المؤسسات البحثية والوزارات التي سميت “أمانات” وتصديق ليبيا على أغلب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ، إلا أن حقيقة الأمر جعلت أنه ما من قانون يطبق في ليبيا سوى رغبات القذافي ، وما من دستور يلزم سوى الكتاب الأخضر الذي لا يتجاوز في افضل تقدير له كتاب أطفال في المدارس الابتدائية. وكان لدور المجتمع الدولي ، سواء بالحصار الذي فرضه على ليبيا لسنوات طويلة ، أو نفاقه لنظام العقيد القذافي بعد دفع مليارات الدولارات كتعويضات عن عمليات ارهابية مارسها نظام القذافي لفترات طويلة ، فضلا عن أعداد هائلة من الكتاب والصحفيين والأكاديميين الذي شاركوا في إذكاء نزعة العظمة والسيطرة لدي هذا العقيد ، بمقابل مالي تم دفعه من أموال الشعب الليبي ، سواء عبر دراسات مزيفة عن عظمة الكتاب الأخضر أو تأسيس فروع له في الخارج ، أو إعلانات عن القذافي وإنجازاته الوهمية في ليبيا وفي الصحف العربية والدولية.كل هذه ساهمت في صعوبة أن تتحول ليبيا لدولة حقيقية تحكمها المؤسسات وليس العقيد وابنائه.ولا تجد الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، بديلا عن نضال سلمي وقانوني يقوده المواطنين الليبيين لفرض دولة القانون ، والمؤسسات ، تكون الأحزاب والصحافة المستقلة والسلطة القضائية والبرلمان هي أدواته الرئيسية ، فضلا عن فضح كل من اغترف من أموال الشعب الليبي في الداخل أو الخارج، وأن تتوقف الحكومات الغربية والأوروبية عن النفاق الذي تمارسه مع هذا النظام من أجل عقود نفطية او تجارية ، حيث تتم هذه التعاقدات من نظام يفتقد لأدني مصداقية أو شرعية. أما الحكومات العربية ، فتأسف الشبكة العربية أن تعلن أن أغلبها لا يختلف كثيرا عن نظام القذافي ، وانه من المنطقي والطبيعي أن تؤيده هذه الحكومات ، حتى مع بعض الاختلافات الثانوية بين هذه الحكومات وحكومة القذافي ، فهي لا تغير في جوهر الطبيعة المشتركة بين حكومات غير ديمقراطية ، سواء أكانت ملكية أو جمهورية.

هوامش

“1” عقب انقلاب الفاتح من سبتمبر “ثورة الفاتح من سبتمبر” منح القذافي لنفسه رتبة عقيد.

“2” كان إسم ليبيا قبيل ثورة الفاتح من سبتمبر هو “المملكة الليبية المتحدة”.

“3 ” حقوق الإنسان في ليبيا ..حدود التغيير ، تقرير للكاتب أحمد المسلمان ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان .. 1999 .. ص 6 .

” 4 ” تقرير صادر عن منظمة ” هيومان رايتس ووتش ” بعنوان ” الأوضاع في ليبيا ” صادر في 12 سبتمبر 2006 .. ص 122

“5 ” انظر المرجع السابق “3 ” ص 18

“6 ” المزيد على قسم قانون ليبيا في :http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86_%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7″7 ” موقع ليبيا ، ( حدث فى ليبيا .. الغاء الدستور الليبي ) ، بتاريخ 6 مارس 2009 http://www.libya-al-mostakbal.org/articles0309/alleebia_hadath06_060309.html زيارة تاريخ 26 يوليو 2009

“8 ” موقع الاتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الانسان ، مقالة الامين العام للاتحاد الشارف الغريانى ، نشرت بتاريخ 3 ابريل 2008 ،http://www.libyanhumanrights.com/bayan21.htm ،زيارة تاريخ 28 يوليو 2008

“9 ” انظر المرجع السابق .

“10 ” موقع اللجنة الشعبية للعدلhttp://www.aladel.gov.ly/main/modules/sections/item.php?itemid=33 زيارة 4أغسطس 2009.

“11 ” شبكة انا المسلم للحوار الاسلامى ، مقالة ” مأساة ليبيا..ومسئولية القذافي ” ، الدكتور محمد يوسف المقريف رئيس ديوان المحاسبة الأسبق و سفير ليبيا الأسبق لدى الهند ، بتاريخ 5 فبراير 2007 ، http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=206230 ، زيارة تاريخ 4 اغسطس 2009

“12 ” موقع التضامن لحقوق الانسان ، الصحافة فى ليبيا تاريخها وابرز محطاتها ، 3 يناير 2006http://www.libya-watanona.com/libya ، زيارة تاريخ 27 يوليو 2009

“13 ” انظر المرجع السابق .

“14 ” بيان صادر عن المؤتمر الوطنى للمعارضة الليبية بعنوان” اليوم العالمى لحرية الصحافة فى ليبيا توجد صحافة ولكن بدون حرية” ، بتاريخ 3 مايو 2009 ، http://www.libya-nclo.com/LinkClick.aspx?link=617&tabid=36&language=en-US ، زيارة تاريخ 30 يوليو 2009

“15 ” خصم عنيد الإنترنت والحكومات العربية ، تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، في ديسمبر 2006 ،http://www.openarab.net/ar/node/104 زيارة 28يوليو 2009.

“16 ” جريدة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ 26ابريل 2008.http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=468434&issueno=10742 زيارة 2أغسطس 2009.

“17 ” عـناوين من المشهد الإعـلامي الليبي ، مقال عيسى عبدالقيوم ، في موقع ليبيا وطننا في 20يونيو 2008.http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea20068a.htm زيارة 11 أغسطس 2009.

“18 ” موقع ليبيا وطننا ، مقالة الخطوط الحمراء.. الدستور والقوانين ، الكاتب بقـلم : فوزي عـبدالحميد ،بتاريخ 10 مارس 2008 ،http://www.libya-watanona.com/adab/forfia/fo10038a.htm ، زيارة تاريخ 30 يوليو 2009

“19 ” موقع ليبيا الحرة ، مقالة “النظام الليبي مستمر في التضليل وتزييف الحقائق ” صادر عن جبهة التبو لانقاذ ليبيا ، بتاريخ 21 نوفمبر 2008 ،http://www.libya-alhora.com/forum/showthread.php?t=37140 ، زيارة تاريخ 27 يوليو 2009 “

20 ” موقع الجزيرة الاخبارى ، ملف خاص عن الاحزاب فى الوطن العربي ، بتاريخ 3 اكتوبر 2004 http://www.aljazeera.net/in-depth/power_in_arab_world/2001/8/8-19-2.htm زيارة تاريخ 27 يوليو 2009

“21 ” قناة الجزيرة في 7 أغسطس 2005http://www.aljazeera.net/channel/archive/archive?ArchiveId=132071 ، زيارة تاريخ 3 اغسطس 2009

“22 ” موقع الجزيرة نت ، القذافي ينصح الإيطاليين بنبذ الأحزاب ، بتاريخ 12 يونيو 2009 ، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/48C60017-AB86-4A3D-89AC-FF0CAF33D6E1.htm ،زيارة 1 اغسطس 2009

“23 ” مأساة ليبيا ومسئولية القذافي ، موقع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في 23أغسطس 2002 http://www.libyanfsl.com/مقالات/tabid/59/mid/417/newsid417/656/language/en-US/Default.aspx زيارة 1أغسطس 2009

24 ” المصدر السابق”25″ المصدر السابق”26″ موقع البي بي سي العربي في 16 اغسطس 2008http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2009/08/090816_om_press_tc2.shtmlزيارة 18أغسطس 2009.”27 ” ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، الكتاب الاخضر ، http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B6%D8%B1 ، زيارة تاريخ 2 أغسطس 2009

“28 ” المركز العالمى لدراسات وابحاث الكتاب الاخضر ، نبذة عن المركز ، http://www.greenbookstudies.com/ar/center.php ، بتاريخ 3 اغسطس 2009

29 ” جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، معقبا على حصوله على مبلغ 500دولار نتيجة محاضرة في ليبيا في 4نوفمبر 2007.”30 ” جريدة الرياض السعودية ، مقالة (الكتاب الأخضر.. حتى القذافي لم يعد يأتي ) ، 6يناير 2005 العدد 13345 ، “

31 ” مركز درسات الكتاب الأخضرhttp://www.greenbookstudies.com/ar/index.phpزيارة تاريخ 3 أغسطس 2009

32 “تقرير منظمة العفو الدولية لعام 1988 ، ليبيا ، صـ 248 “33 ” انظر المرجع السابق

34 ” طبقا لتقديرات تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن الأوضاع فى ليبيا الصادر عام 1995 ، صـ 231 و232 .”35 ” انظر المرجع رقم “3 ” وكالات الانباء 16 نوفمبر 1996

36 ” انظر المرجع رقم “3 ” ، تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان لعام 1995 ، اوضاع حقوق الانسان فى ليبيا، صـ233.”37 ” انظر المرجع رقم ” 3″

“38 ” ، موضوع صادر عن مؤسسة الرقيب لحقوق الانسان عام 2004، السجناء السياسيين والمفقودين داخل السجون الليبية ، منشور على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان http://www.anhri.net/libya/lw/pr041100.shtml ، زيارة تاريخ 26 يوليو 2009

“39 ” السجناء السياسيين والمفقودين داخل السجون الليبية ، تقرير منشور على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان في يوليو 2004http://www.anhri.net/libya/lw/pr040700.shtml زيارة 24يوليو 2009

40 ” كلمة سيف القذافي مدير مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية ، منشورة على الموقع في 26يوليو 2008http://www.gdf.org.ly/index.php?lang=ar&CAT_NO=114&MAIN_CAT_NO=9&Page=105&DATA_NO=251 زيارة 3أغسطس 2009.

– لقاء نادر مع الامير ادريس السنوسي . جريدة المصور .

لقاء نادر مع الأمير محمد إدريس السنوسي جريدة المصور
2009/08/29
* لقاء أجرته جريدة المصور المصرية بتاريخ 27 نوفمبر 1942م* السيد السنوسى يقول: لست طامعا في الملك ولكني أريد تحرير بلاديكان للحواث الأخيرة صدى عظيم فى العالم الديمقراطى. واغتبط به انصار الديمقراطية وزعماء الامم العربية التى تؤيد الديمقراطية. وقد قابلنا الزعيم العربى الكبير السيد محمد ادريس السنوسى، وسألناه رايه فى هذه الحوادث فقال سيادته:لقد اغتبط كل عربى، وكل محب للديمقراطية بانتصار الحلفاء فى ليبيا، واندحار الأعداء، وشاء الله أن ينجى مصر من هؤلاء القوم الذين يستبدون بالامم، ويسومونهم الذل والهوان، وسوء الاستعمار فنحن الليبيين قد شهدنا من ظلم الطليان، واغتصابهم حقوقنا ما لو عرفه المصريون لازداد مقتهم للدول الديكتاتورية المستبدة التى لايهمها الا مصلحة أبنائها، وسيادتهم، واستعباد غيرهم. فانتصار الحلفاء فى هذه المعركة العظيمة ازال عن مصر خطرا كبيراً، كما ازال عن جزء كبير من بلادنا هذه الغمة. وانى آمل أن تزول عن سائر بلاد افريقية قريباً.* هل كان للجيش السنوسى نصيب فى هذا الانتصار الذى أحرزه الحلفاء فى ليبيا؟ – إن الليبيين لم يدخروا وسعا فى العمل للنصر على جيش المحور. وقد تكوُن منهم جيش تولى البريطانيون تدريبه. وقد قام قبل المعركة، وأثنائها بأعمال هامة كلفته بها القيادة البريطانية كما ساهم فى الاعمال الحربية. ولما كان بعض هذه الاعمال من الأسرار الحربية، فانى لا أستطيع الافضاء بها وحسبى أن اقول إنه لقى تقدير ضباط الجيش البريطانى.* هل كنتم تعتقدون أن جيش الحلفاء فى الصحراء سينتصر على الأعداء؟ – نعم. فمنذ توقف روميل عن دخول مصر عند العلمين بعد ماقطع أكثر من خمسمائة ميل، وصار على بعد سبعين ميلا من الاسكندرية، ثم مضت الأسابيع والأشهر، ولم يستطيع التقدم أيقنت أن جيشه سينهزم أمام جيش الحلفاء الذى استعد استعداً قوياً. ولقد كانت هزيمة روميل كارثة له. ولكن توقفه فى العلمين وصد الجيش البريطانى له بعد ماقطع هذه المسافة الطويلة كان كارثة أعجب من تلك الكارثة التى منى بها.* وهل ستقبلون حكم ليبيا إذا عرض عليكم بعد تطهيرها من الطليان؟ – لست طامعاً فى الملك، ولكنى أريد تحرير بلادى، وسعادة أبناء شعبى فقد تحملوا الكثير من بلاء الطليان، واستعمارهم منذ دخلوا بلادنا، ثم حولوها الى وطن إيطالى، وأخذوا يستغلون مواردها، وينشرون فيها لغتهم ومذاهبهم وعاداتهم وتقاليدهم ليقضوا على لغة البلاد، وعاداتها وتقاليدها العربية المجيدة. وأصبح الليبيون غرباء فى بلادهم. فلما قامت هذه الحرب حشدوهم فى مقدمة جيشهم كرها، فقتل منهم كثيرون، وخربت الحرب كثيراً من مدنهم وقراهم بما أتاه الطليان من فظائع. فأمنيتى لهم أن يعود العمران الى بلادهم وأن يسود العدل بينهم، وأن يعيشوا أحراراً.
من أرشيف مؤسسة المنار.Almanar1one@yahoo.co.uk
===========

الإسم : ملكي

2009/08/29
الله الله ياسيدي ادريس يا وجيهنا طيب ياصاحب قلب وسع كل ليبيا كم نحن جبناء اذا تركنا (…) تنهش فيك حيا وميتا ..

الإسم : عبد السلام فرج

2009/08/29
هذا درس بسيط فى الكلمات كبير فى المعنى والمفهوم وحسن النوايا من ملك ليبيا السيد محمد ادريس السنوسى رحمة الله وعوض ليبيا وشعبها فية خير .. هذا اللقاء والحديث الطيب الذى من المفروض ان يراة اكبر عدد من ابناء الشعب الليبى (جرى ربما قبل ان يولد (…) المعمر ) ونحس فية بمفاهيم الحرية والاستقلال وتمنى الخير الى الشعب الليبى ….. انا اقول قدر الله ما شاء وفعل …. نعم زرع لنا الاستعمار مستعمر بلون وشكل أخر تابع له وبثوب جديد ورغم عن انفه وانف اسيادة لم يستطيع مهما حاول تحريف ديننا وعقيدتنا والتأثير فيها وتخريبها ربما نهب وسرق وقتل وسجن وعذب وطرد واستخف واستهزاء وسفة وتفه وكذب وزور وزيف وقمع الشعب الليبى لكنة لم يتمكن بعد من تدمير كل شىء ولم يبنى شىء طيب وحميد يذكر به تاريخ مظلم اسود مشوة قذر وثق فى عصر المعلومات الخطير وما أخفى سيكون بالطبع عند عرضة اعظم. لو اخذت اعلق على هذة الكلمات الانسانية ساعات وساعات لن اتمكن من اعطاء هذا الحاكم الورع الصالح او افية حقة ….. نسأل الله تعالى ان يغفر لنا جميعا بما فرطنا واسئنا وتخاذلنا فى مساعدة ومعاونة الملك ادريس الى بناء طريق الخير التى نفتقدها اليوم بشكل كبير .

الإسم : البدر / ليبي حر

2009/08/29
نسأل الله العالي القدير ان يدخله في فسيح جنات الخلد مع النبين والصدقين والشهداء … امين يارب العالمين

الإسم : محمد علي

2009/08/29
فال صلى الله عليه وآله وسلم: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أئمتكم الذين يبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم

الإسم : خالد الجهاني المصراتي- بنغازي الخالدة

2009/08/29
رحم الله البطل المجاهد الملك ادريس ورحم الله كل المجاهدين وفتح الله على ابطال السنوسية والأمير الحسن

الإسم : ليبى حزين

2009/08/29
هذا هو ملك الملوك الحقيقى ..وزعيم ومحقق استقلال ومؤسس دوله ليبيا مع رفاقه الابطال من الغرب والشرق والجنوب ..عاشت ليبيا كما ارادها الملك محمد ادريس السنوسى الاول طيب الله ثراه لا كما ارادها الصعاليك سارقى السلطه فى 1969 ..انظرو الى محل اقامه سارق السلطه فى 1969 مسيج بأسوار بينه وبين الناس كحائط اليهود ..وانظرو الى قصر الخلد العامر ..ليس بينه وبين الناس الا شباك حديدى وكان الملك رحمه الله يصلى مع الناس فى مسجد القصر سواء فى طرابلس او طبرق ..رحمه الله عليه ..ايها الليبيون ضعو صورة الملك فى بيوتكم ونقالاتكم واى مكان واروه لاولادكم لان هذا تاريخ ليبيا الحقيقى وهو الاب الحقيقى لليبيا.

الإسم : التواتى

2009/08/29
دخل الى الملك فقيرا ومات فقيرا ولكن غنى بحسناته عند الله..رحمك الله ياسيدى ادريس وادعوا الله تعالى فى هذا الشهر الفضيل ان يسامحنا ويمكن ذريته لاسترداد حقهم المغتصب امين يارب العالمين

الإسم : طرابلسى حر

2009/08/29
بالله ياجماعة شوفوا وجه الملك الصالح وكيف النور يتلالا منه وشوفوا كيف كان يلبس الزى الليبى الاصيل وموش كيف )(…) ايلى كل مايشوف ستارة او مفرش طاولة يفصلها ويلبسها…عليك الف الف الف مليون رحمه ياملك ادريس يايلى ماعرفش الشعب الليبى قيمتك وقيمة عائلتك الشريفة

الإسم : ليبى يحبه

2009/08/29
هل لاحظتم ان الملك ادريس لا يتحدث عن نفسه ابدا بل كل كلامه عن الشعب الليبى وتضحياته وذلك فى كل خطاباته

الإسم : واحد

2009/08/29
عطبك علينا يوم ..يوم فراقه ..بوكاط زيتى ..بوعصى طقطاقه.يا شباب ليبيا فى كل مكان –فى طرابلس وفزان وبنغازى والكفرة والبيضا وطبرق ومصراته وغريان وزوارة وكل مدن ليبيا الحبيبه الغاليه ..هذا هو الاب الروحى لليبيا بحق وعداله ..رجل مناضل شريف من اسرة شريفه مجاهدة ..اسس ليبيا الحديثه ..رد الجميل هو بذكره طيب الذكر والتاريخ وبنشر صوره وصور علم ليبيا علم الاستقلال وحفظ النشيد الوطنى الليبى (بلادى يا بلادى)..اذكروه بخير ليرضى عنكم الله والتاريخ والا ستبقون مع هذا يسومكم العذاب الى ان تقولو كلمه الحق.

الإسم : ل

2009/08/29
كم من حوار وحوار وخطاب يمكنكم أن تجدوا فيه القذافي يتمنى الخير والرخاء وديمومة الكراسي للشعب الليبي؟ إذا كان القياس هكذا.. لا يعلم بالسرائر إلا الله الواحد القهار .. أنا مازلت مصراً أن المشكلة في الشعب الليبي نفسه وليس فيمن يحكمه. الحكام إفراز الشعوب .. وكيفما تكونوا يولى عليكم.!

– قراءة في الحالة الليبية خلال اربعة عقود

إن رصد الواقع الليبي على امتداد سنوات طويلة، يؤكد أن الشعب دفع ثمنا غاليا من امنه واستقراره وحياة ابنائه ومن تنميته وتطوره وتقدمه، وضاعت فيها للاسف الشديد على هذاالشعب فرصا عديدة، لو جرى استثمارها وتوظيفها، بعيدا عن الاهداف الشخصية والطموحات النرجسية، بعقلانية وحرية ووطنية واخلاص للوطن والشعب، لكان بامكانها ان تصل به الى وضعية ومستوى متقدم على ماهو عليه الان ربما بعشرات السنين.يبقى السؤال المهم فى هذا الامر هو، هل يمكن ان يتحقق الاستقرار السياسى اذا ما استمر الحال على ما هو عليه فى الحاضر والمستقبل ؟سؤال استفهامى ومعرفى لانه يتعلق بمصير ووجود الشعب الليبي فى حاضره ومستقبله.فى الواقع كان واضحا أن الذين قاموا بالانقلاب العسكري سنه 1969 لم يهمهم ولم يقدروا المعنى الحقيقي والجوهري للاستقرار السياسي، خاصة في ظل الظروف التي كانت تحيط بالبلاد آنذاك، ولم يعطوا أهمية للمؤسسات التي نشأت منذ الاستقلال، وبدأت تأخذ تركحها التاريخي التدريجي، مهما كانت أوجه قصورها، ومهما شاب عملها وحركتها من عثرات في تلك الفترة، كما لم يقدر ربما غالبية الجيل الجديد انذاك من المثقفين والمتعلمين، حق التقدير ذلك الهامش النسبي من الحرية المتاحة لكل فئات المجتمع الليبي، ولم يعوا القيمة الحقيقية للعدالة والرفاهة النسبية التي تمتع بها الشعب في ذلك الوقت، ولعل عدد كبير من الليبيين لم يثمن درجة اللين والتسامح التي طبعت أساليب تعامل العهد الملكي مع أبنائه خصوما ورافضين أو من حاولوا الانقلاب عليه.قام القذافي ومن معه بالتغيير دون أن ينضج وعيهم ويستقر فكرهم، واصروا على إعادة تشكيل الواقع الليبي من خلال بعض التجارب السياسية التي اقتبسوها من هنا وهناك، أو من خلال شعارات تدغدغ المشاعر حول الحرية أو حتى من خلال لافتات دعائية تغذي أحلام الجماهير في الازدهار والتطور. ولكن لم تمض سوى سنوات قليلة جداً حتى تبين إفلاس كل هذه الشعارات، وفراغ الأحلام حيث ظهر الواقع على حقيقته. لقد بدأت تبرز شيئا فشيئا التناقضات التي اخذت تنخر في المجتمع الليبي، بسبب ممارسات نظام القذافي العسكري الخاطئة والظالمة، مما طرح الكثير من الشكوك حول شرعية حكمه ومدى مشروعية ممارساته. وبدأ واضحاً من بداية السنوات الأولى للانقلاب أن هناك اتجاه لتكريس حكم فردي ديكتاتوري، يجمع كل السلطات في يديه ويخلق أشكالا وهياكلا كرتونية لإدارة شؤون الدولة، يتحكم فيها بصورة مطلقة، ويتم اختيار القائمين عليها على أساس معيار وحيد هو الولاء للحاكم و”نظامه”. وبالفعل نجح القذافي في تركيز كل السلطات في يديه دون رفاقه في الانقلاب الذين تخلص من معظمهم، وبدأ في تأسيس حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي فى طول البلاد وعرضها، من خلال سياسة الصدمات الفجائية التي استهدفت خلخلة المجتمع وإفقاده عناصر التماسك والمقاومة، وقلب توازناته وتركيباته الاجتماعية وتشتيت أوضاعة القبلية، على امتداد فترة وصلت حتى الآن إلى أربعة عقود.لقد بدأ الاستقرارالسياسى يفقد معناه الحقيقى في ظل توجيه القذافي وأجهزته الأمنية، ضربات متتالية لكل قطاعات وفئات المجتمع الواحدة تلوى الأخرى، بحيث تم الانتقال من ضرب فئة إلى أخرى ومن ضرب قطاع إلى أخر، دون أن يدرك المجتمع متى ستكون الضربة القادمة ولمن سوف توجه، وكان البعض يتساءل ما هو مصير المجتمع الليبي في ظل هذه الوضعية، وهل يمكن ان يتحقق نوع من الاستقرار فى الحاضر والمستقبل القريب تحت هذا الحكم؟ سؤال استفهامي ومعرفي، لأنه يدور حول مصير ووجود الشعب الليبي.ولعله فى هذا السياق علينا أن نحدد ماهو الاستقرار السياسى الذى نقصده، انه الاستقرار الذى يتضمن مشروعية السلطة السياسية الحاكمة، التى عليها أن تستمد وجودها وبقائها من المجتمع ككل، والقبول والرضا بها يعنى انها قامت على اسس استوجبت القبول بها من قبل الشعب، سواء تم ذلك عبر العملية السياسية أى بالانتخابات العامة أو الاختيار، أو تم عبر الاجماع والتعيين، كما ان الاستقرار السياسى يتطلب وجود مؤسسات واطر واجهزة ذات اختصاصات وصلاحيات محددة، وأن اعمال السلطة وممارساتها تبقى مشروعة فى اطار القوانين والمعايير التى تعارف عليها المجتمع، كما يحددها الدستور أو التعاقد الذى ارتضاه الشعب.أيضا الاستقرار يتضمن انسياب الحياة العامة، من خلال اطلاق حرية العمل السياسى والنقابى والمهنى ومؤسسات المجتمع المدنى، وأن الصراع السياسى أو التنافس السياسى لايقوم على العنف واستخدام القوة، بل على التدوال السلمى الذى يسمح بادارة شؤون الدولة دون احتكار أو اضطراب يخل بالاستقرار.* فى الحالة الليبية:إذا تم استبعاد الأحكام الذاتية والعاطفية جانبا والنظر إلى الواقع المعاصر، لنشأة الدول والأنظمة نظرة موضوعية علمية، فلا يمكن تصنيف “نظام” القذافي بأي حال من الأحوال على أنه نظام سياسي، يقوم على المؤسسات والأطر بالمعنى المتعارف عليه في المجتمع الدولي، فضلا عن غياب الآليات الدستورية التى تؤسس للدولة فتحدد اختصاصات وصلاحيات المؤسسات، وتنظم اسس المجتمع، وهي الآليات التي يقودها العقل وتعمل لخدمة المجتمع المدني في ظل قوانين وضوابط محددة ومعروفة ومتفق عليها من المجتمع.إنما يمكن تصنيف “نظام” القذافي على أنه حكم فردي، يقوم على الأجهزة الأمنية التي تقع في دائرة السلطة، وتلك التي أوجدها خارج أطار السلطة للمزيد من أحكام السيطرة وهى الأخطر، مثل اللجان الثورية وما شابهها من قوى تابعة مباشرة للقذافي وحده، وتعتمد على استخدام القوة والعنف والإرهاب النفسي، لفرض السيطرة السياسية وتكريس الهيمنة وإقصاء الجميع من دائرة الفعل السياسي، مما اوجد شكلا ظاهريا للاستقرار.والملاحظة الجديرة بالذكر فى هذا الاطار بعد مضى كل هذه السنوات، ان الاستقرار الموجود فى ليبيا،لا يمكن ان يطلق عليه استقرار سياسى حقيقى، انماهو سيطرة وهيمنة مفروض بالقوة وليس بالاختيار ولكن كأمر واقع، لم ولن يكتسب الشرعية مهما مضى عليه الزمن، مثله مثل التواجد الاستعمارى أو الاستيطانى يأخذ مداه ثم ينتهى. وفي هذا السياق يمكن التعرض لبعض إشكاليات عدم الاستقرار السياسي في ليبيا، و التى لا يمكن ان يتحقق أى استقرار بدون التعاطى معها ووضعها فى سياقها الطبيعى الذى ينبغى ان تكون عليه. * إشكالية الحرية: إن أولى الإشكاليات التي استهدفت الاستقرار السياسي في ليبيا، كما هو الحال في كل الأنظمة الديكتاتورية، تمت باغتيال الحرية بكل صورها وأشكالها، فالحرية كانت أولى الضحايا التي تم وأدوها، ودفنها في المهد دون شعائر الدفن “حرية الإنسان في أفعاله واختياراته وقراراته، حرية خلاص الإنسان من كل صور القهر والطغيان السياسي”.لم يعط القذافي أي معنى للحرية إلا من خلال مفهومه الخاص “ونسى أن التاريخ البشري هو عبارة عن تحرر الشعور الإنساني من كل القيود التي تمنع حريته الطبيعية والسياسية، حرية تقوم على العقل وتعبر عن الإدراك والفعل”.لقد فقد الشعب الليبي حريته في التعبير عن نفسه وعن آراءه بشتى وسائل التعبير، وفقد حريته في التجمع السياسي، وفى ممارسة حقه في الاختيار السياسي والاقتصادي، وفقد معرفة حقه في التخطيط لحاضره ومستقبله، بل وصلت الأمور به إلى درجة سلب حريته في التمتع بآدميته وإنسانيته، كأي إنسان آخر في هذا الكون يعيش وسط مجتمع مدني متحضر.وكانت ومازالت الشعارات المفرطة بالتبشير بالحرية و الإنعتاق تعكس في حقيقة الأمر التضليل الدعائي الذي يخفى الشرخ الخطير الذي حدث في الواقع التطبيقي، حيث يبرز الفارق الشاسع بين “النظرية” والممارسة، وبين القول والفعل، وبين الوعود المحلقة فى سماء الوهم وبين الموجود في الواقع، إن الشكل الوحيد الذي عرفه الشعب الليبي لهذه الحرية التي جاء بها الانقلاب، تمثل في انحصار هذه الحرية وممارستها من قبل شخص القذافي فقط، باعتباره “قائدا لا يخطئ ولا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه”.وهكذا أصبح القذافي هو الشخص الوحيد الحر في ليبيا في أن يفعل ما يشاء، وأن يتصرف كيفما يشاء دون حساب أو عقاب ودون حدود أو ضوابط.وفي هذا السياق فقد نشرت موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية التصنيف العالمي لأقل وأكثر الدول في مجال الحرية السياسية والديمقراطية وقبع فيها “النظام” الليبي ضمن قائمة اللون الأحمر لأقل دول العالم في الحرية والديمقراطية أسوة بالانظمة الشمولية التى يظللها اللون الاحمر كما هو واضح وفق الشكل التالي:
* إشكالية العدل:العدل قيمة جوهرية في أي نظام سياسي ومتى غاب العدل أو تم التلاعب به فإن البديل بكل بساطه سيكون سيادة الظلم والجور في كثير من مناحي الحياة. وأهمية العدل تنبع من كونه عنصرا أساسيا لاستتباب السلام الاجتماعي، في أي مجتمع من المجتمعات، وبالتالي فإن أي استقرار لا يقوم على العدل فهو لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال السيطرة السياسية، القائمة على فرض الأمر الواقع أو هو تعبير عن استقرار مدعوم بالقوة والعنف.هذا الشكل من أشكال الاستقرار لا ينتج إلا حالات متكررة من الاحتقان السياسي، ولا يفرز سوى الاضطراب الاجتماعي، وعدم الاستقرار الأمني سواء تم ذلك بصور متقطعة أو على فترات متباعدة نسبيا.وفي الحالة الليبية بعد أن غابت كل صور الحرية، فإن العدل بدوره قد اختل اختلالا شديدا، فقد جرى منذ البداية إلغاء الدستور الليبي، وتعطيل المؤسسات القضائية والقانونية باسم الشرعية الثورية، وأصبح رجال القضاء والقانون من قضاة ووكلاء نيابة ومحامين، مجرد موظفين في بيروقراطية السلطة الحاكمة، ولم تعد الأجهزة القضائية تتمتع بأي نوع من أنواع الاستقلالية، ولم تعد هناك ضمانات قانونية أو قضائية لحماية الأفراد والجماعات، في مواجهة جبروت وعنف السلطة وأجهزتها الأمنية القمعية، ولم تعد هناك أيضا إجراءات قانونية أو حتى إدارية، يتم إتباعها أثناء عمليات الحجز أو الاعتقال.وحتى بعد أن وجد هامش بسيط للمحامين لترك العمل في بيروقراطية السلطة، جرى تهميش دورهم بالكامل، وبعد أن تم إفساد النظام القضائي وعدد من العاملين فيه من خلال المحسوبية والرشوة، وعمليات الترهيب والترغيب التي تعرض لها الكثيرون منهم، وإدخال عناصر دخيلة لا علاقة لها بالعمل القضائي والقانوني، حتى أصبحت السلطة نفسها خصما وحكما بنفس الوقت.وباختصار شديد غياب العدل في ليبيا يعنى أيضا غياب المساواة، التي طالت كل شيء من توزيع الثروة إلى الحصول على الامتيازات من السلطة، ومن تقلد المناصب إلى الحصول على الوظيفة، ومن التمتع بحقوق المواطنة إلى التمييز القبلي والجهوى، الذي شمل كل المؤسسات و القطاعات، في الصحة من حيث الحصول على الخدمات الصحية أو العلاج،و في التعليم حتى أضحت المدارس والمعاهد والجامعات في حالة يرثى لها من التفسخ وانهيار المنظومة التربوية والتعليمية، و في الحصول على القروض من البنوك أو في توزيع الأراضي، وفى السفر إلى الخارج للعلاج أو العبتاث الدراسية، وفى كل مناحي حياة المواطن الذي اضطر في كثير من الأحيان، إلى التفنن في كيفية التحايل للحصول على ابسط حقوقه ومستلزماته في ظل إحساسه بغياب العدل والمساواة، بل الأخطر من كل هذا أن يرتبط الحصول على الحقوق بالتزلف والنفاق للسلطة وأشخاصها و بمدى اظهار الولاء للقذافي وليس للوطن.* إشكالية العنف:عندما فشل نظام القذافي في تحقيق ذلك القدر المطلوب من القبول السياسي من الشعب الليبي، وفشل أيضا في الحصول على التأييد الشعبي لسياساته وممارساته، لجأ رأس السلطة إلى فرض سيطرته السياسية من خلال الأجهزة والأطر،التى اوجدها فى داخل فى الجهاز الرسمي للدولة وخارجه، وهي تخدم في النهاية هدفا واحدا هو سيطرة القذافى على كل شيء في البلاد.وتأتي على رأس هذه الأجهزة مختلف الجهات الامنية الرسمية وتلك غير الرسمية أو ما يسمى باللجان الثورية، وأخواتها مثل الحرس الثوري، والراهبات الثوريات، والوحدات الخاصة، والحرس الخاص، لجان التصفية وغيرها، فضلا عن التوسع في الأجهزة التقليدية من مخابرات وأمن داخلي وخارجي.إن القذافي لم يتردد منذ البداية في جعل العنف الوسيلة الوحيدة للتعامل مع المجتمع، وقد وضحت هذه الصورة من خلال الإجراءات القمعية والتعسفية، التي واجه بها القذافي الحركة الطلابية في بداية السبعينات (73 /74 /75 /76 )،حتى أصبح العنف وسيلة من صفات السلطة للتنكيل بالطلاب والأساتذة الغير مرغوب فيهم في سبعة أبريل من كل عام.ومع مرور الوقت أصبحت ظاهرة العنف التي رسخها” نظام” القذافي متأصلة في المجتمع، فبعد سلسلة من الصدامات مع المؤسسات والنقابات الطلابية والعمالية والمهنية وتمكنه من تصفيتها، جعل القذافي من العنف سياسة رسمية من خلال خطاباته الرسمية ومن خلال الأجهزة التي أوجدها دون قوانين أو ضوابط أو معايير ودون الأسس الأخلاقية والإنسانية.لقد شهدت سنوات الثمانينات عمليات قتل وتصفية جسدية داخل البلاد وخارجها، ومشانق نصبت لأول مرة منذ تاريخ الغزو الفاشستي الإيطالي في الميادين والساحات والجامعات، بل وفي القرى والمناطق المختلفة من البلاد، وغصت السجون والمعتقلات المرة تلو الأخرى بالنشطاء السياسيين من مختلف التوجهات الفكرية، ولم تخلو فترة الثمانينات التسعينيات أيضا من عمليات الاعتقال العشوائي الذي طالت أعداد كبيرة من أبناء المجتمع الليبي، لكي تنتهي بمأساة إنسانية لم يعرف لها تاريخ البلاد ولا المنطقة مثيلا من قبل وهي مذبحة سجن سجن أبوسليم.وهكذا لا تكاد تمضى سنة منذ أن جاء القذافي إلى الحكم دون أن تشهد ليبيا، في هذه المنطقة أو تلك حوادث عنف موجه ضد فرد أو عدة أفراد من الشعب الليبي، فالسلطة ظلت تسعى لضمان استمرار سيطرتها السياسية واحتكار استخدام العنف، لصالح القذافى ضد بقيه فئات وقطاعات المجتمع الليبي.لقد تحولت الأوضاع في البلاد إلى حالة من الاحتقان والتوتر الدائم وعدم الرضا والاضطراب والتسيب والفوضى، وفي أطار هذه الفوضى أصبح كل شيء مباحا، فالمعايير الدينية والأخلاقية والعلاقات الاجتماعية فقدت فاعليتها في إيقاف التردي والانهيار العام، ولم يكن أمام أفراد المجتمع فى غياب القانون والامن سوى العودة إلى الهياكل التقليدية القبلية والجهوية، في محاولة لجعلها مكانا للحماية ومصدرا لحل الاشكاليات ووسيلة للحصول على الحاجات الضرورية.وفي ظل هذه الحالة المتردية اتخذ المجتمع وسائل متناقضة للمقاومة، تتراوح بين الاستسلام الذريع بما يصدر عن السلطة خوفا من بطشها وقمعها، مرورا بحالة عدم المبالاة وفقدان الاهتمام، وانتهاء باستخدام البعض للعنف المسلح للرد على السلطة وأعوانها.في الحقيقة أن ما يعيشه الشعب الليبي لوحة سوداوية قاتمة رسمت خطوطها منذ البداية بالقتل والتصفية الجسدية، ولعلها وصلت في مرحلة ما إلى الصدام مع مجموعات ذات توجهات وطنية و إسلامية تم القضاء على الكثير من عناصرها والتمثيل بأجسادهم.لوحة سوداوية لشعب صغير زجت السلطة بالآلاف من أبنائه ورجاله، في السجون والمعتقلات لعشرات السنين دون محاكمات أو إجراءات قانونية، ثم في عام 1996 وفى اقل من 24 ساعة وقعت مذبحة معتقل ابوسليم حيث جرى قتل أكثر من 1200 معتقل.* إشكالية الثروة: (الاحتكار واختلال التوزيع)لم تمض سوى سنوات قليلة على وقوع الانقلاب حتى ادرك القذافى اهمية السيطرة الكاملة على الثروة الليبية بالكامل ليحقق له هدفين هامين هما، القدرة على التحكم فى البيئة الداخلية، والمناورة فى الخارج من اجل كسب النفود.وقد استطاع بالفعل، بعد الغاء كل اشكال الرقابة المالية والمحاسبية، من تحقيق الاحتكار شبه الكامل للثروة الليبية الممثله فى الداخل النفطى للبلاد، واحداث الاختلال فى التوزيع بما يضمن المزيد من السيطرة والتحكم، بحيث تم اعادة تشكيل المجتمع الليبي بصورة تضمن الولاء من قبل العناصر الموالين له بأعطائهم العديد من الامتيازات المالية والصلاحيات الاقتصادية، فى غياب تام لاى رقابة أو متابعة أو محاسبة، وحرمان بقية الفئات والقطاعات من ابسط الحقوق المالية والاقتصادية.وزادت معانأة الشعب الليبي بعد العقد الاول من الانقلاب بسبب الاجراءات االتعسفية التى جردت القطاع الخاص من كافة الامكانيات المالية والتجارية والممتلكات العقارية مما كان له اكبر الاثر فى شل قدرة قطاع مهم من المجتمع ومنعه من اداء دوره فى التطور الاقتصادى الوطنى.إن تمكن القذافى وابنائه واعوانه من السيطرة الاقتصادية والمالية الكاملة خلق خللا كبير فى المجتمع الليبي، ادى الى افراز طبقة طفيلية فاسدة تمتلك جزء من ثروة الشعب الليبي وتؤثر فى الكثير مناحى ادارة حياته الاقتصادية، وهى طبقة غير مؤهله بأى معايير علمية وموضوعية أو حتى وطنية للمساهمة فى قيام اقتصاد حقيقى يخدم الشعب الليبي ويعمل لصالحه، وكان من نتيجة ظهور هذه الطبقة الناهبة هو تهميش غالبية المجتمع وشل دوره فى تنمية حياته المعيشية والاقتصادية.ان الكارثة الحقيقية للاحتكار واختلال توزيع الثروة، افرزت عنصرا اخر فى غاية الخطورة على مستقبل استقرار البلاد وربما الوحدة الوطنية، تمثل فى حرمان الكثير من المدن والمناطق الليبية من التنمية المتساوية، على كافة الاصعدة التنموية الاقتصادية والاجتماعية، والتعلمية والثقافية، والصحيه والبيئية، وعلى مستوى الخدمات والتسهيلات، وزاد من حدة هذه الوضعية الشاذة المركزية الشديدة فى ادراة كافة شؤون المجتمع، مما حمل سكان الكثير من المدن والمناطق الليبية اعباء لاقدرة لهم على تحملها، وتجبرهم يوميا على دفع ثمنا باهضا لانجاز ابسط واقل المهام الحياتية.لوحة سوداوية لمجتمع يعيش ولمدة أربعة عقود، في حالة من الاحتقان السياسي وغياب ابسط صور العدل والمساواة وتحت الترويع والإرهاب المستمر، ويتم إفقار أبنائه يوما بعد يوم وتجويعهم في حين تذهب ثروتهم إلى الغير، دون أن يستطيع هذا الشعب أن يوقف هذا النزيف الذي استهدف الإنسان الليبي فى كل شىء، أو يوقف عمليات السطو أو النهب المستمر لمقدراتهم.هذه الوضعية غير الطبيعية والشاذة، قد تدفع في مرحلة ما إلى فقدان الأمل في أي تغير سلمى، ولا يبقى أمام الناس سوى وسيلة واحدة هي العنف، ذلك العنف الاعمى الذي قد يفرق بين ابناء الوطن العزيز فى المدن والمناطق والجهات المختلفة، بسبب تزايد درجة الاحتقان وغياب العدل والأمان وانعدام الحرية، وفقدان الحقوق وضياع ثروة البلاد، واستمرار حكم الاستبداد ومحاولات التوريث غير المشروعة، وانسداد الأفاق أمام المستقبل.
عبدالمنصف البوري

– بل نكبة ليبيا بين المؤامرة .. ونخبتها

بل نكبة ليبيا بين المؤامرة.. ونخبتها 1 من 2

محمد أمين العيساوي 2009/08/28

في مطلع هذا الشهر أطل علينا الاستاذ يوسف المجريسي، وهو أحد الاقلام التي أكن لها كل تقدير وأحترام لما تتميز به من شجاعة الرأى وصلابة الموقف في ساحة المعارضة الليبية، أطل علينا بمقالة أراد من خلالها أن يصف النكبة التي تعيشها ليبيا منذ أربعين سنة ويحلل لنا أسبابها حسبما أملته عليه قناعاته، فرسمها لنا نكبة مركبة قدمها في “القصر الملكي” والأخرى في “خيمة مافيا السطو” التي نصبت على الارض الليبية ليلة الأول من سبتمبر من عام 1969م، محملا مسؤلية وقوعها على النظام الملكي وعلى رجال دولة الإستقلال [1].

ثم أردفها بمقالة أخرى جاءت ردا على تعقيب الاستاذ نوري الكيخيا على مقالته تلك [2]، وفي الوقت الذي حملت فيه المقالة التانية نوع من التجني على دستور دولة الإستقلال الذي تبنى الملكية الدستورية أداة للحكم – وهو في تقديري تجني إنفعالي غير مقصود – جاءت بكتلة من المغالطات سواء في قراءتها للواقع أو في قراءتها لنصوص الدستور التي تم الإستشهاد بها، وهو ما دفعني الى كتابة هذه المقالة التي أحسبها ليست ردا على قناعات الاستاذ يوسف، فتلك قناعته في أن يقبل النظام الملكي ام لم يقبله، وإنما لفك هذه الكتلة من المغالطات التي صخبت وعجت بها مقالته، فأن تكون من مناصري الملكية الدستورية أو الجمهورية البرلمانية أو الرئاسية هذا أمر يخصك كشخص، أما أن تسقط عدائك الشخصي لهذه الأداة من الحكم على واقع تطوعه أنت بقراءتك له قراءة إنتقائية وفق نظرتك العدائية الحادة في بعض الأحيان وبعيدا عن التجرد والموضوعية، فهذا تجني يستلزم التصدي له وليس الى قناعاتك الشخصية، فمن أسس الموضوعية في البحت عن حقائق الأشياء أن يجرد الباحث الواقع من رؤاه وافكاره المسبقة، فيقرأ الواقع كما هو، ليصل الى نتيجة هي الحقيقة التي يمليها عليه ذلك الواقع بكل ماله وما عليه وليس رأيه الشخصي الممزوج عادة بمناخه النفسي.

***

لا أحد ينكر بساطة ومحدودية تعليم وثقافة رجال دولة الإستقلال الذين بحق تميزوا بعصاميتهم رغم الظروف السيئة جدا التي عايشوها، ومع بساطة تعليمهم ومحدودية ثقافتهم فإن تجربتهم السياسية الخصبة تظهر بوضوح عمق وصلابة إرادتهم في تتويج جهادهم وجهاد آبائهم بإنشاء دولتهم المستقلة رغم المؤامرات الإقليمية الدنيئة قبل المؤامرات الدولية! واستطاعوا بحنكة وواقعية أن ينشأوا دولة ليبيا، وان يسيروا بها في خطى مدروسة نحو الكمال ليصلوا بها الى مصاف الدول المتمدنة مستثمرين كل الامكانيات المتاحة – وهي على نذرتها – لتحقيق حلمهم الذي نسجوا خيوطه في دستور الدولة، فهم بحق النخبة في مجتمع قبلي بمستوى تعليمه وثقافته بمعنى نخبة القبيلة ووجهائها الحقيقيون، فلا ينبغي ان نحمل المصطلح بمفاهيم ثقافتنا الحالية.لقد عقد رجال دولة الإستقلال الأمل في نمو دولتهم على ابنائهم الذين وفروا لهم كل سبل التعليم وهيئوا لهم مناخ المعرفة.قبل إنشاء دولة الإستقلال، كانت المدارس مقفلة بسبب الحرب، وبدخول الجيش الثامن في يناير 1943م فتحت المدارس، واستأنفت عملية التعليم في مدارس محدودة واستعانت الادارة البريطانية بخريجي المدرسة الإسلامية العليا (هذا في طرابلس التي اخبرها جيدا ولا شك ان نفس الحال كان في بنغازي)، كمدرسين في تلك المدارس، كان هؤلاء المدرسون الشباب حريصون على تسريع عملية التعليم في مراحله الاولية أي الابتدائية ولم يكن لهم منهج تعليمي محدد ولا كتب لديهم تدرس سوى السبورة والطباشير، حسب تعبير أحدهم من رجالات تعليم تلك المرحلة، ولقد أفرزت عملية التعليم القائمة على السبورة والطباشير، نخبة من رجالات الوطن الذين عرفتهم فترة الستينات من القرن الماضي من بينهم في منطقة طرابلس الاستاذ المرحوم عبد الحميد البكوش والاستاذ المرحوم كامل المقهور والشاعر المرهف المرحوم علي الرقيعي والاستاذ ابراهيم الغويل ونصر الدين هامان وعبد الله شرف الدين وهؤلاء من مدرسة الظهرة والاستاذ المرحوم علي وريت من مدرسة المركزية بشارع ميزران،هؤلاء نماذج أتيت على ذكرهم لأعرض الواقع كما هو، وحينما أنطلقت دولة الإستقلال، كان جهازها الإداري من أولائك المدرسين الذين قادوا بجد ومثابرة تسريع عملية التعليم.كان الجميع رجال دولة الإستقلال “أعضاء الجمعية التأسيسية” ورجال الإدارة في بداية نشأة الدولة رغم بساطة تعليمهم ومحدودية ثقافتهم، كان الوطن يسكن قلبهم،وعشق الوطن هو الوقود الذي يحركهم، كانوا بحق ينظرون الى دولتهم التي أنشأوها بنظرة حالمة الى ان تكون في مصاف الدول المتمدنة تنعم برفاهية مدن أوروبا، وهي نظرة حضارية متأصلة فيهم إذ كان سقف حلمهم وطموحهم سقف راقي، يدلل على ذلك برامج التعليم المعتمدة في تلك الفترة، ومنظومة القوانين، وخطط التنمية التي شرع في تنفيدها مع ظهور الثروة النفطية.هؤلاء الرجال بمليكهم، وبرغم الأخطاء التي وقعوا فيها أثناء مسيرتهم في تأسيس دعائم الدولة، لم يكونوا بممارسة سياساتهم سببا في ما حل من كارثة سبتمبر، كما جاء على لسان السيد محمد عثمان الصيد رحمه الله، فهو وان كان من رجالات عهد النشأة، الا ان رأيه ليس مسلمة وحقيقة لا يزايد عليها !! ذلك رأي شخصي يعبر عن وجهة نظر صاحبه، وليس حقيقة واقعية يركن اليها لاستخلاص نتيجة منها، فمن الرجال ممن عاصروه وهم من رجالات نِشاة الدولة وأوسع منه ثقافة وتعليما لم يروا ما ذهب اليه، وأذكر هنا مشهدا لا أنساه للسيد محمود المنتصر رحمه الله، انه في مساء يوم 1سبتمبر 1969م او 2سبتمبر، عرض التلفزيون الليبي عدد من رجال الدولة كان من بينهم السيد محمود المنتصر الذي كان جالسا على يمين الشاشة والفريق نوري الصديق، فجميع اؤلائك الرجال سجلوا إعترافهم بألامر الواقع عدا السيد محمود المنتصر لم ينطق بحرف واحد، علمت بعدها أنه رفض بإصرار عدم الاعتراف بالإنقلاب بقوله ” كيف أعترف بسقوط نظام كنت قد ساهمت في بنائه “،كما عرفت فيما بعد من أحد أعضاء مكتب الإدعاء الذي تولى التحقيق مع رجال دولة الإستقلال، أن محمود المنتصر رحمه الله الذي أمتاز بصلابته وحنكته السياسية والإدارية قد قال لعمر المحيشي رئيس مكتب الإدعاء في ذلك الوقت ” يا عمر سيأتي يوما وتنصبوا ثمتالا في ميدان الشهداء لمحمود المنتصر “.

لقد أتيت على هذا المشهد لأوضح بأن الواقع لا يسلّم بما ذهب اليه السيد محمد عثمان الصيد، ولا يصح أن نبني على كلامه حقائق لا يؤيدها الواقع ونعتبرها كمسلمات نبني عليها مواقفنا، فالتاريخ جملة من الأحدات والوقائع، وأطراف الحدث هم ليسوا رواته الحقيقيون، إذ تظل رواياتهم جزء من رؤاهم، والتاريخ لا يقرأه إلاّ من كان خارج الحدث، سألت ذات يوم الاستاذ علي الذيب رحمه الله، عن رأيه في السيد محمود المنتصر بعد أن كتب عنه عمودا في جريدة ” لواء الحرية ” لصاحبها الاستاذ علي رجب المدني، بعنوان ” ليتك كنت محمودا فقط.. ” متهجما فيه على السيد محمود المنتصر أثناء توليه رئاسة الوزارة عقب إعلان الاستقلال، فأجابني رحمه الله بعد أن قرأ عليا ذلك العمود من ذاكرته المتقدة بعد تلاثون سنة من كتابته، باننا يابني كنا داخل الحدث نتصارع، وذلك كان رأى في لحظته، وأنتم البعيدون عن مناخ الحدث تستطيعون تقييمه، والآن أقول لك أنه كان رجل دولة.نعم كانوا أولائك الرجال رجال دولة بتفاوت مستوياتهم التعليمية والثقافية المحدودة، وكان الوطن يسكن قلبهم، وكانت عملية بناء الوطن نصب أعينهم، وكانت النكبة أو المؤامرة سمها ما شيئت أكبر منهم، وأدوات السطو الذي حصل على دولتهم كانت أمضى حدة من أدوات تصديهم لها، فلا يعقل أن يفرط رجل في بيته الذي شيده لعملية سطو، بل ويمهد لها الطريق، إن لم تكن تلك العملية قد هيئت لها ظروف هو لم يضعها في الحسبان كي يتصدى لها.هكذا هي حال ليبيا، هيئت الظروف للسطو عليها وسرقتها. ليس لرجال دولتها يد فيها،وفي إعتقادي أن من يعيد قراءة الحدث سيكتشف حقيقة المؤامرة التي حيكت ضد الدولة وأنها لا تحتاج الى ” إنقلاب بقيادة مخبر ” أو كيف فرط عبد العزيز الشلحي فيها !!.

كانت ليبيا محكوم عليها بعملية السطو من قبل مافيا دولية ما في ذالك شك، تلك المافيا هي التي كانت مستأجرة أراضيها يوما ما ولظروف موضوعية لست في وارد لسردها.لقد كانت المنطقة بعد استهلاك عبد الناصر في حاجة الى صعلوك يتربع على بير نفط قادر على ان يضبط حركة دكاكين القضية الفلسطينية، ويضبط عملية مواجهة تلك الدكاكين مع اسرائيل، وأترككم لمراجعة الأحداث مع مطلع السبعينات وعلاقة الصعلوك مع الفصائل اليسارية الفلسطينية، وكانت أيضا المنطقة في حاجة الى صعلوك يرتدي ثوب اليسارية المزيف ليقف أمام المد الشيوعي في أفريقيا، وتلوين جبهات التحرر بلون صعلكته لتكن منضبطة لدى غرفة عمليات المافيا الدولية، كانت المنطقة في حاجة الى ضخ الأموال لتنفيد تلك البرامج، إن موقع ليبيا مع قلة عدد سكانها والثروة النفطية التي تزخر بها جعلت منها كويت أخرى في نظر إدارة جون كندي سنة 1963م، هذه الكويت الأخرى كانت جغرافيا مهيأة للقيام بذلك الدور المقزز والقبيح والذي عشنا فصوله طيلة السنوات الأربعين الماضية، ومن ثم كانت إرادة الصعلكة أقوى من إرادة رجال الدولة البسطاء حقا الذين لم يتمكنوا من قراءة بواطن الأمور مثلهم مثل النخبة الشابة والمثقفة في منتصف الستينات، والتي أكتسبت ثقافتها بفضل المناخ الصحي التي وفره لها رجال دولة الاستقلال وعلى رأسهم مليكهم. ومقصد القول اننا إذا قرأنا الواقع قراءة موضوعية سيتبين لنا أن الانقلاب الذي سطى على الشرعية ليلة أول سبتمبر 69 لم يكن بسبب سلوك سياسة رجال الدولة ولم يكن نتيجة حتمية لسياسات رجال المملكة الليبية، وإن كانت هناك أخطاء فهي ليست بالحدة التي تفضي الى عملية السطو.

***

إن الشارع الذي خرج مؤيدا للإنقلاب، هو الشارع الذي تم تخديره عمدا بالإفيون الناصري، وما ذكره الاستاذ يوسف في هذا الشأن صحيح، ولكن لم يسأل من الذي حرك الشارع، هل خرج بتلقائية، هل عامة الناس خرجت بتلقائية أم أن الجميع كان متأملا لما حدث الى أن حركته ونظمته قوة فاعلة في المجتمع ؟.

إن الذي حرك الشارع يا سيدي هم النخبة وهي نخبة أفرزها المناخ النقي لدولة الإستقلال إلا أنها وللاسف الشديد أرتبطت بعقد زواج مع خارج حدود الوطن وليس مع الوطن، هم – وأنا هنا أتحدث عن مدينتي طرابلس ألتي أخبرها – أعضاء المؤتمر الشعبي الذي انعقد بعد هزيمة يونيو67 م الذين دون وعي منهم في تلك المرحلة كانوا بتوجيه البوق الناصري يحيّون ميتا قد أنتهى وهو ” جمال عبد الناصر ” هم ياسيدي الناصريون والقوميون ولا سيما الجناح اليميني منهم، وهم أيضا الأخوان المسلمون، عدا البعث الذين كان لقيادتهم وجهة نظر في صعاليك الانقلاب، هؤلاء هم من كانوا يمثلون الخريطة السياسية، وهؤلاء هم النخبة التي عقدت زواجها مع خارج الوطن، حيت تزوجوا القومية وقضايا التحرر التي كانت تعج بها أدبيات تلك المرحلة، وهم المؤطرون في النقابات الأهلية، فهم من حرك الشارع، وهم من تعامل مع النظام الإنقلابي،منهم من بقي معه الى الآن ومنهم من آثر الانسحاب والمعارضة حينما أكتشف حقيقة الصعاليك، فالشعب يا سيدي لا يتحرك من تلقاء نفسه وانما يتحرك بفعل نخبته، الشعب الفرنسي لم ينطلق في ثورته الى سجن الباستيل من تلقاء نفسه، ولكن هناك نفر صاح في الجموع هيا الى الباستيل، ونحن لا نعرف من هو ذلك النفر الذي صاح بتلك الصيحة التي هدمت سجن الباستيل، ولذلك إذا قرأنا الواقع جيدا سنكتشف أن الذي غرر بالشعب هم النخبة التي أينعت في ظل دولة الإستقلال وكانت بمثابة الابن العاق لأبيه الذي وفر له كل سبل الراحة وأستبدلها بشقاء ربما بدون وعي منه.لقد كانت تلك النخبة تفكر، نعم، ولكن أظن انها كانت تفكر بغباء، وآمل ان لا يتكرر تفكير الغباء لدينا مرة أخرى !

لقد أشار الاستاذ يوسف في مقالته الى من أنبهم ظميرهم ممن الآن يرون في سلامة النظام الملكي، وان كنت لست ممن يقصدهم السيد المجريسي، إلاّ أنني لا أرى فيما ذهب اليه بحقهم منقصة لهم، فالمرء يظل في مراجعة ذهنية مع أفكاره والرجوع عنها متى ما ثبت عدم صحتها وبالتالي توجهاته التي بنيت عليها وهذا ليس عيبا في سبيل تحري الحقيقة والخروج من سجن الأفكار حتي لا يكون عقله معتقلا برؤى وأفكار قد لا تنسجم مع واقعه، فأولائك الذين أنبهم ظميرهم إن صح التعبير، هم من النخبة التي ذكرت، كانوا في غيبة مع مفهوم الدولة الوطنية وعقلهم منجذب الى تيار خارج مفهوم الدولة الوطنية، ثارة بإسم القومية العربية، وثارة بإسم الخلافة والدولة الإسلامية، وثارة بإسم الحركة اليسارية والثورة الدائمة… الخ من التيارات التي كانت تعج بها الساحة، ثم لمّا اكتشفوا وهم ما كانوا يلهتون خلفه والذي كان كالسراب، وأكتشفوا أنهم أضاعوا الوطن الذي أحتضنهم عادوا اليه مجددين عقد زواجهم معه، فما الذي يضيرهم إن اكتشفوا أنهم كانو على خطأ وخلعوا توب العقوق وعادوا الى أحضان آبائهم المؤسسون. وتذكروا فضل الوجود الذي منحه لهم الاباء والاجداد، وأرادوا أن يردموا الهوة التي كانت بينهم كنخبة يعوّل عليها في بناء الوطن وبين الأباء المؤسسون رجال دولة الإستقلال.

إننا يا سيدي لم نحنّ الى الماضي ولكننا نحنّ الى الحق الذي أفتقدناه، إننا لم نتباكى على سقوط دولة ونظام، ولكننا وعينا واكتشفنا المؤامرة وزيفها، وذقنا طعم مرارتها، ولكننا لم نبتلع سمّها، نعي جيدا ان الدولة التي أنجبها آباؤنا من رحم الدستور الذي أسأت قرائته،لم تسقط، وأن دستورها الذي هو شهادة ميلادها لم يسقط لتطويه صفحات التاريخ، بل هو حي فينا باقي ما بقينا نطوره بما يستوعب حاضرنا ومستقبلنا وليس مفروض علينا ان نقنن أمر واقع، ولا أن ندستر السطو والاغتصاب، سمه ذلك غلوا، سمه تقديسا، ونعم التقديس، ومن منا لم يقدس شهادة ميلاده، فما عرفت ليبيا إلا بوثيقة ميلادها يا سيدي.

***

إن رجال دولة الإستقلال وهم النخبة أعضاء الجمعية التأسيسية، أثناء صياغتهم ووضعهم للدستور لم يطمحوا الى نقل النظام الرئاسي الامريكي ولم يطمحوا أيضا الى نقل النظام البرلماني البريطاني، وانما أختاروا من النصوص ما ينسجم مع معطيات شعبهم ذو السمة القبلية وظروفه، وهي السمة القائمة حتى الآن، مع العلم ان النظام الرئاسي الامريكي القديم والحديث هو وليد بيئته التي نشأ فيها ولم ينجح في الدول التي استعارته وتحول في تلك الدول وأعني بها اميركا اللاتينية الى أعتى الدكتاتوريات، هل علمت لماذا ؟ لأن ذلك النظام يقوم على سلطة الفرد المطلقة، هل سمعت بمجلس وزراء في الولايات المتحدة الامريكية ؟ كما يقوم على عدم مسؤولية الرئيس أمام الكنغرس “البرلمان الامريكي”.

إن الديمقراطية التي يولدها ذلك النظام قائمة يا سيدي على ركنين أساسيين هما عنوان نجاح النظام الرئاسي في أي بلد، قوة رأي عام ناضج وواعي، ورقابة قضائية دستورية على القوانين فعالة تحفظ التوازن بين سلطات الرئيس والكونجرس، ولذا نجد الرئيس الامريكي يخشى الرأي العام، إن من أسقط نيكسون الرأي العام وليس الكونجرس !!كما ان النظام البرلماني البريطاني لم ينجح خارج بيئته سوى بنسبة معقولة وفي الهند فقط، أما بقية الدول فهي خليط من الأنظمة بين هذا وذاك، فالنظام البرلماني الاوروبي ” لا اقصد به الاتحاد الاوروبي وانما مجموع الدول الاوروبية ” هو مزيج بين الملكية الدستورية الإنجليزية والجمهورية الدستورية ” البرلمانية الفرنسية “، والدستور الليبي يا سيدي لم يخرج عن إطار النظامين، ولم يتبنى سلطات مطلقة للملك كما ذهبت اليه في معرض إستشهادك بالنصوص التي أستشهدت بها، ولم يأت بجديد حينما تبنى الملكية الدستورية والنظام النيابي وهذا بإذن الله ما سأتناوله في المقالة القادمة، وكنت قد وعدت القراء ببحث حول مؤسسة الملكية الدستورية والتي حالت الظروف دون اتمامه وسأشرع في نشره لا حقا بإذن الله وليعذرني إخواني وأحبابي من تواصلت معهم بمحبة الوطن.

[1] نكبة ليبيا بين القصر الشعبي والخيمة الملكية، نشرت بصفحة ليبيا وطننا بتاريخ 8/8/2009 م.

[2] لا لجحيم سبتمبر ولا لرميم ديسمبر، من جزئين نشرت بصفحة ليبيا وطننا بتاريخ 18/8/2009 و20/8/2009م.

– خيار المكبل

ليست الحرية بأن يقال لك حر؛ إنما الحرية هي القدرة على الاختيار.
إن كل ما يطرح على الشعب الليبي اليوم، ما لم يسبقه إستعادة الشعب الليبي لكامل حريته المسلوبة، فهو زيف وتضليل وإمتداد للظلم والإكراه.
نحن شعب مغصوب الحرية، وأي خطوة تتعلق بمصير ليبيا ومستقبلها لا يسبقها استعادة الشعب الليبي لكامل حريته المسلوبة فهو زيف وإلتفاف على حق وحرية هذا الشعب، وأخص هنا مشروع ما يسمى “مسودة دستور” مثلاً، أو تلميع ما يسمى “سلطة الشعب” أو “التوريث”.
ان الظلم والتخلف والفساد في ليبيا سيبقى على ما هو عليه ما بقي الشعب الليبي مغصوب الحرية، لأن التحول بهذا البلد من الواقع الهلامي والفراغ السياسي الراهن لا يتم بدون المساهمة الفعلية للشعب الليبي بإستعادة هذا الشعب لحريته، حيث الحاجة إلى قيم وأخلاق وإنسانية المثقفين من النخب والمخلصين من أبناء هذا الوطن.
إن ما نراه اليوم من توزيع مقدرات وأموال الأجيال القادمة، أو بعض المشاريع من ترميم وبناء أبراج وفنادق، وما يسمى بنى تحتية وغيرها من أعمال متأخرة من أربعين سنة لا تعني الكثير للشعب الليبي، وما الغريب في الأمر لشعب ثرواته بمئات المليارات!.
إن صرف هذه المليارات في هذا الوضع الهلامي الراهن دون رقيب على يد من لا صفة شرعية لهم، وأناس مشبوهة، أمر لا يثير تساؤلات فقط وإنما يؤكد ما آلت اليه الأوضاع في ليبيا من فساد ودمار وغياب للقانون وتأكيد على الهلامية والفراغ السياسي! الأمر الذي ترتب عليه كل هذا التصعيد في الفكر والثقافة الأمنية “الدولة البوليسية” كما هو الحال الراهن لقمع الرافضين لهذه الأوضاع المشينة والمطالبين بالحريات وترسيخ دولة المؤسسات الحرة، والقانون.
ومن المزعج والمؤسف أيضاً إنها تبنى بها الأبراج والقصور والفنادق والحدائق والمنتزهات في مدينة طرابلس بينما تبقى مدننا وقرانا الأخرى في أمس الحاجة إلى الطرق، والمستشفيات، والمدارس، والمواصلات العامة، والمساكن الصحية، وحتى غير الصحية للعزاب من أبنائنا وبناتنا الحيارى من المستقبل المجهول.نحن شعب مغصوب الحرية على يد جلادينا، وهم يعلمون بأننا لا نطالب بغير الحرية بديلا، نريد أن نتنفس حرية، ونأكل ونشرب حرية، ونرمم حرية، ونبني حرية!.ما يطمح إليه الشعب الليبي كخيار لا السياحة ولا الطرق ولا الفنادق والقصور ولا توزيع أموال أجيالنا القادمة فيما يمكن أن نسميه “رشاوى” وشراء ذمم، نحن شعب كفر بالظلم، والكذب، والنفاق، والحكم المطلق للعائلة، والحزب الواحد الحاكم. وخيارنا الحرية أولاً، والعودة المشرفة الى حظيرة المجتمع الدولي ومجاراة العالم بالعلم والرقي والمعرفة في إطار قيمنا.
أما ما يفرض على الشعب الليبي بإسمه وحتى اللحظة مثل المسمى “سلطة الشعب” الذي لم يستفت عليها الشعب الليبي، والتي تم فرضها على أعواد المشانق في حرم الجامعات والميادين والشوارع، وانهار من دماء الشرفاء والأبرياء في عواصم العالم، ونتيجة ذلك ما آلت إليه الأوضاع في ليبيا من دمار، وتأخر وتخلف بشهادة مسئولي المرحلة، والشعب الليبي، والعالم.
الخلاصة
إن التحول المرجو عن هذا، يتطلب عملا سلميا حضاريا من قبل النخب والمثقفين من الداخل والخارج لا غنى عنه من أجل مستقبل هذا الوطن ومستقبل الأجيال القادمة.وليس علي أن أقنع الناس برأيي هذا، ولكن علي أن أقول ما أعتقد أنه الحق.
جمال الحاجي – كاتب ليبي وسجين رآى سابق لمدة 12 عاما
jamalalhaggi@yahoo.com
————-
تعليفات القراء
————-
الإسم : محمد بن احميدة

2009/08/27
أخي وصديقي المناضل من أجل الديمقراطية في ليبيا جمال الحاجي..ان ما سطرته اليوم ليست مقالة وإنما مانيفست عنوانه “من أجل البديل الديمقراطي”. انني أدعوا مخلصا كافة الديمقراطيين الليبيين في الداخل والخارج الى دراسته ومناقشته وتطويره وتبنيه وتحويله الى برنامج عمل من أجل غد أفضل حقيقي نابع من ارادة الشعب الليبي.. ان التطور الديمقراطي الحقيقي في المجتمعات لا يأتي عن طريق فرمانات السلطة مدعومة بفتاوي دراويش السلطان وانما تأتي من القاعدة الآساسية لتلك المجتمعات مثمتلة في نخبة المثقفين أصحاب الضمائر الحية والتي تعيش وتعايش أمل والام عامة الشعب. أخي المناضل جمال الحاجي واخواني ابناء الشعب الليبي سنكون معا بإذن الله في مسيرتنا نحو الانعتاق ولن نخدلكم مهما كان الثمن.

الإسم : نجيب كربون

2009/08/27
ان بيادق ملك الملوك الملوثة ايديهم بدماء الليبيين ستبقى مترصدة والاصبع على الزناد .. فهي لا تعرف سوى لغة الرصاص والمشانق ..ولا تطمئن لغير هذا .. فماذا عسى ان يفعل المثقف .. واكثرهم جره العوز والفقر الى خيار اللقاقة والمداهنة

الإسم : مختصر

2009/08/27
لعلى تقييم جمال الحاجي لواقع البلاد والعباد يجعل امثاله، المعروفين على مستوى شعب اليوم بكامله، يعدون على الاصابع. فمن غيره يدرك أن البلاد محتلة ومستعمرة، أي سليبة من الحرية والاستقلال، ومن ثم يستحيل عليها البناء والنمو والتقدم مالم تتحرر وتنال استقلالها؟ على مدى اربعين عاما من التدمير الشامل الممنهج الذي طال كل شيء وكل احد، ماديا وعقائديا وفكريا، داخل الوطن وعلى امتداد الوطن العربي، رغم كل ذلك الانهيار والضياع والتشتت القبلي والجهوي والقطري والقومي، لم يتفطن ولم يشكك إلا القليلين في نوياهم واهدافهم بدليل أننا نسمع عن معارضين ولا نسمع عن دعاة مقاومة وجهاد وتحرير.