– رسالة الاتحاد الدستوري

رسالة من رئيس الاتحاد الدستوري الليبي محمد بن غلبون

إلى رئيس الجالية اليهودية الليبية في بريطانيا رافائيل لوزون …

المنظمات الصهيونية تسعى للسيطرة على ليبيا بعد تسوية القضية الفلسطينية

الحيـاة – 09/01/2006


أعرب رئيس الإتحاد الدستوري الليبي محمد بن غلبون عن خشيته من ان نفوذ المنظمات الصهيونية داخل الأجهزة الأميركية المسؤولة عن سياسة الشرق الأوسط يجند لتحقيق الأطماع الصهيونية في السيطرة على ليبيا سياسيا واستغلالها اقتصاديا بمجرد ان تسوى القضية الفلسطينية. وعرض بن غلبون في رسالة مفتوحة إلى رئيس الجالية اليهودية الليبية في المملكة المتحدة رافائيل لوزون تعليقاً على خطاب ألقاه الأخير أمام مؤتمر الأقباط العالمي في واشنطن في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ملابسات هجرة الجالية اليهودية من ليبيا الى اسرائيل اثر حرب الايام الستة العربية – الاسرائيلية في حزيران (يونيو) 1967، وتطرق الى «الأطماع الأميركية والصيونية بالاستيلاء على ليبيا منذ اكتشاف النفط فيها. وفي ما يأتي نص الرسالة:

السيد رافائيل لوزون

تحية طيبة وبعد…

لقد عبّر خطابكم أمام مؤتمر الأقباط العالمي الذي انعقد في واشنطن بين 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 و19 منه عن شوق مواطن ليبي لبلاده وحنين طبيعي يقدّره كل من ذاق مرارة الإغتراب عن وطنه، وقاسى معاناة الغربة الجبرية.

وإننا في الإتحاد الدستوري الليبي نتمنّى أن تتحقق أمنية والدتك في زيارة بنغازي مسقط رأسها في أقرب وقت ممكن، كما نؤيد مطالبك المشروعة لاستلام رُفاة أقاربك المغدورين أثناء الإضطرابات الأمنية التي اجتاحت مدن ليبيا، في ما بدا و كأنه رد فعل عفوي لنبأ اندلاع حرب الأيام الستة في حزيران (يونيو) 1967، كما نؤيد تمكينك من دفنهم بالطريقة المناسبة.

رئيس الوزراء الليبي حسين مازق-حزيران(يونيو) 1967

ليللو أربيب زعيم طائفة اليهود الليبيين – 1967

وقد سبق أن عبرّنا عن رأينا، على صفحات جريدة «الحياة» الموقرة، في شأن كافة ما حدث لكم عام 1967 من قبل أن تفتح ملفّات هذه القضية وتُفرض من جانب الولايات المتحدة على سطح الأحداث الليبية وتجعل تسويتها من شروط تمديد عمر النظام الليبي وإعادته إلى الحظيرة الدولية بعد عزله لفترة طويلة من الزمن. (نسخة مصورة من المقال الذي نشر في 9 آذار (مارس) 1995 محفوظة في الصفحة المخصصة لهذا الموضوع في موقع أرشيف الإتحاد الدستوري الليبي على الرابط التالي:

http://www.lcu-libya.co.uk/libjews.htm

ثم كرّرنا التعبير عن رأينا في رسالة مفتوحة لك بتاريخ 10 حزيران 2005 نشرت في غالبية المواقع الليبية على الإنترنت، مما يغنينا الآن عن التكرار. وما زلنا نشاطركم الآلام والأحزان ونتفهم مأساتكم. إلا أنه قد جانبك الصواب عندما قارنت قضيتكم بالقضية الفلسطينية وساويت بين معاناتكم ومعاناة الفلسطينيين. كما جانبك الصواب أيضا عندما وصفت الصراع العربي – الإسرائيلي بأنه صراع بين الديموقراطية والديكتاتورية.

ولا أريد أن أُسهب في هذا المجال لأنني أرغب في حصر تبادل وجهات النظر بيننا دائما في حُدود القضية الليبية، علّنا نوفّق إلى بناء جسر ودّي مادّته الحقائق وحسن النيات يعبر الهُوّة المؤسفة التي بيننا.

لقد جاء في خطابك أنه صدر قرار عام 1967 بطرد الجالية اليهودية من ليبيا والسماح لكل شخص منها باصطحاب حقيبة صغيرة ومبلغ 20جنيهاً فقط.

وهنا أرى أن من مصلحة الجميع تصحيح هذه المعلومات. فقد كان الخروج بهذا المبلغ النقدي الزّهيد بناءً على قانون مراقبة النقد المعمول به في ليبيا في ذلك الوقت، والذي يمنع أي مواطن ليبي من حمل أكثر من عشرين جنيهاً ليبياً نقداً، ولم يطبق على اليهود حصراً.

ولكن يمكن تحويل أي مبلغ في الحالات التي ينص عليها القانون عن طريق «بنك ليبيا» على شكل شيكات سياحية أو اعتمادات مصرفية أو خطابات ضمان.

قرار المغادرة

أما قرار مُغادرة ليبيا على عجل فقد اتخذه زُعماء الجالية اليهوديـة، ولم تطردهم الحكومة الليبية. وجـاء في كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي «يـهـود في أرض عــربية» الذي صدر في الأصل باللغة الإيطالية عام 1978 تحت عنوان: Ebri in un paese arabo ويُعد من أهم المصادر اليهودية في هذا الخصوص، في الصفحة 278 من الترجمة الإنكليزية ما يأتي:

«جاءت الخطوة الرسمية الأولى من ليللو أربيب (زعيم طائفة اليهود الليبيين وقتئذ) في اليوم السابع عشر من حزيران، فقد بعث برسالة إلى رئيس الوزراء حسين مازق طلب فيها بالسماح بالسفر لليهود الراغبين في مغادرة البلاد حتى تهدأ الأمور ويتفهّم الشعب الليبي وضعيّة اليهود الليبيين الذين كانوا وسيبقون دائما مخلصين للدولة وفي تعايش سلمي مع السكان العرب. وافقت الحكومة على ذلك بسرعة وبدأت دائرة الهجرة أعمالها في 20 حزيران وحضرت الوثائق المتعلقة بالسفر».

ولكي يكون جميع قراء «الحياة» معنا في هذا الحوار سأقدم لمحة مختصرة لموضوعه:

كانت تقطن ليبيا طائفة يهودية يقدر عددها بحوالى 40 ألفاً (طبقاً للمصادر اليهودية). بعضهم كان متجذّرا في التربة الليبية، كما ذكر المستر لوزون في كلمته المشار إليها أعلاه، من قبل الفتح الإسلامي، وبعضهم هاجر إليها من دول شمال أفريقيا الأخرى، فيما لجأ بعضهم الآخر إليها من الأندلس هربا من محاكم التفتيش الكاثوليكية.

وعاشت هذه الطائفة آمنة معزّزة مكرّمة مع بقيّة طوائف الشعب الليبي المسلمة حتى تمكنت الدعوة الصهيونية من التغلغل فى نسيجها، لتنشر بينها فكرة الهجرة إلى «أرض الميعاد»، ثم إعمارها وتأسيس الدولة اليهودية على أركانها. ونتج عن ذلك أن تلونت تصرّفات شباب الطائفة اليهودية في ليبيا بما -لا يفيد أية أقلّيّة كانت – من رعونة وتحدٍّ للمجتمع.

فتيان جماعة هرتزل الصهيونية في بنغازي خلال الاربعينات

وكان أول تصادم تشهده ليبيا بين سكانها من المسلمين واليهود في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1945 فيما كانت موجة من الإضرابات تجتاح العالم العربي في ذكرى وعد بلفور، ثم تكرّر الصدام عام 1948، كنتيجة للأخبار الدموية الواردة من فلسطين. وكان تحرك المسلمين عفويا وتلقائيا بلا ترتيب مبيّت ولا تخطيط واعداد مسبق استُعملت فيه الحجارة والعصيّ، وفي المقابل كان التحرك اليهودي مخطّطاً اذ جهزت له الأسلحة والذخائر، وذلك كما هو موثّق في التقارير السرية للحكومة البريطانية التي كانت تحكم ليبيا أثناء فترة الإنتداب، والتي يُفرج عنها بموجب القانون البريطاني بعد مضي 30/50 سنة من وقت حدوثها. وهي شهادة شاهد مستقل ومحايد ومسؤول ممن لا يُتهم بحب المسلمين ولا عداء اليهود، وقد سبق أن كتبنا بالتفصيل في هذا الموضوع ونشرنا تلك الوثائق على صفحات هذه الصحيفة في سلسلة وثائقية من ثلاث حلقات متوالية بين 21 أيلول (سبتمبر) 1997 و23 منه (يمكن الإطلاع على نسخة مصورة لتلك السلسلة على الرابط التالي:

http://www.lcu-libya.co.uk/documentary.htm

وبعد صدامات 1948 «شجّعت» السّلطات البريطانية يهود ليبيا على الهجرة إلى إسرائيل بعد تصفية ممتلكاتهم ونقل أمتعتهم القليلة معهم، اذ كانت ليبيا آنذاك شبه معدومة الموارد يعاني سكانها بجميع طوائفهم من فقر مدقع وجهل ومرض من جرّاء سنوات الإستعمار الإيطالي الطويلة، والحروب الطاحنة بين قوات الحلفاء والمحور التي كانت تدور رحاها على أرضها.

وعلى رغم فقر الوطن وحال المرض والجهل المتفشيين فيه، وعدم وجود أية مؤشرات للإنفراج في حالته، تمسّك به نحو سبعة آلاف من يهوده لم يتأثروا بالدعوة الصهيونية ولا بـ «التشجيع» البريطاني على الهجرة. وموقفهم ذلك يُغني عن أية مقالات مطولة للتدليل على انتمائهم وتجذّر الوطن في قلوبهم.

ثم جاءت المفاجأة واكتُشِف البترول في ليبيا بعد الإستقلال، فانتشر الرخاء وازدهر حال الجميع، ورافق ذلك اهتمام مريب للمنظمات الصهيونية العالمية بليبيا، استخدموا فيه بخبث وجود تلك الأقلية اليهودية الصغيرة فيها. وكان على رأس تلك المنظمات وأكثرها نشاطا في هذا الصدد «الهيئة الأميركية اليهودية» التي زار رئيسها لويس كابلن ليبيا صيف 1961، ليرفع ـ على إثرها ـ زعماء الطائفة اليهودية الليبية (ليللو أربيب، وهاي جلام، وكليمنتي حبيب، وأنجلو ناحوم، وبنحاس نعيم) عريضة إلى رئيس الحكومة الليبية محمد عثمان الصيد تطالبه بالمزيد من الحقوق لليهود.

ونجحت هذه المنظمات الصهيونية العالمية في إقناع الممثل السابق لهيئة الأمم المتحدة إدريان بلت أثناء زيارته إلى ليبيا لحضور الإحتفالات بالذكرى العاشرة للإستقلال ببعض التحريات السرّية لمصلحتها. إلا أن التقرير السرّي الذي قدمه لها، والمنشور في الصفحة رقم 230 من كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي السالف ذكره جاء مخيبا لآمال تلك المنظمات، اذ جاء فيه:

«إن العداء للسامية كما هو مفهوم عند الغرب لم يكن له أساس في ليبيا. إلا أن شعور الناس بالعداء ضد إسرائيل قوي جدا (…) وعلى مستوى العلاقات الشخصية لم تكن هناك مشاعر موجهة ضد اليهود، وكانت هناك لقاءات شخصية بين العرب واليهود (…)».

الملك ادريس السنوسي مستقبلاً وفداً من الجالية اليهودية في يوم الاستقلال عام 1951

وعلى رغم ذلك، مارست المنظمات اليهودية العالمية ضغوطاً مكثفة ومدروسة على الدولة الليبية الوليدة بدعاية تظهرها وكأنها معادية للسامية ـ كما ذكر دي فيليشي ـ مما دفع الحكومة الليبية للجوء الى زعماء الطائفة اليهودية فى ليبيا لإصدار بيان رسمي موجه للأمم المتحدة يكذّبون فيه الإتهامات الموجهة اليها بمعاداة السامية، إلا أنهم رفضوا تلبية طلب الحكومة.

وحتى نجعل من هذه الرسالة وثيقة يُعتدّ بها في ملف هذه القضية المهمة، نرى أن من الجدير الإشارة إلى رسالة وزير خارجية كندا إلى السفير البريطاني في طرابلس بعدما كثُرت تقارير المنظمات اليهودية إلى الحكومة الكندية عن وجود اضطهاد لليهود في ليبيا.

والرسالة مؤرخة 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1964 ومحفوظة في مكتب أرشيف الوثائق الوطني البريطاني في الملف الرقم: (FO371 / 178894)، وثيقة رقم: ( VT1571 / 2)، طلب فيها الوزير الكندي من السفير البريطاني رودّ سارل أن يوافيه مشكورا بمعلومات واقعية عن وضعية اليهود في ليبيا. وجاء رد السفير سارل عليه في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 1964، وها نحن ننقل مقتطفات منه إلى قرّاء «الحياة» كما يأتي:

«لنا الشرف أن نرد على رسالتكم المؤرخة في 15/10/1964 بخصوص وضع اليهود في ليبيا:

إن عدد اليهود في ليبيا يتراوح بين 6500 و7000، والغالبية تعيش في طرابلس. وباستثناء عدد قليل ممن يشتغلون بالأعمال اليدوية كالنجارة وتحضير الأطعمة والخمور الخاصة باليهود، فإن معظمهم من التجار وأصحاب المحلات التجارية ومعتمدي الوكالات والعمولات التجارية. ولا نعدو الصواب إن قلنا إنهم يتمتعون، في الوقت الحاضر – كما هي الحال في كل ليبيا – بانتعاش اقتصادي لم تر مثله طائفتهم في تاريخها الطويل كله.

شغب مُعاد لليهود

ليس هناك تمييز رسمي ضد اليهود. لكن وضعية التوتّر بين الدول العربية وإسرائيل تؤدي بين الحين والآخر إلى ظهور بعض التهجمات في الصحف المحلية متهمة بعضهم بالعمالة للصهيونية، وينتج عن ذلك انتشار للشغب المعادي لليهود في بعض المناسبات. (…) ولكن من الإنصاف أن نذكر بأن جزءاً كبيراُ جداً من الأعمال المحلية بيد اليهود، ومن ضمنها كثير من أثمن الوكالات التجارية البريطانية.

ولهذا السبب، ولأن يهود ليبيا يعتبرون من شعوب البحر الأبيض المتوسط، ولهم تاريخهم العريق والذي يعود إلى زمن الرومان، فإن من المستبعد أن يرغب كثير منهم في الهجرة إلى كندا ما لم يكونوا تحت ضغوط قاهرة (…) وفي الحقيقة هناك 300 شخص يهودي له الحق في المطالبة بالجنسية البريطانية باعتبار أن أسلافهم ولدوا في جبل طارق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبطبيعة الحال فإنه يحق لهؤلاء (الـ 300) أن يطلبوا الحصول على تأشيرة الهجرة إلى كندا وفقا للقوانين الجارية. وربما يوضح كيف يُنظر إلى موضوع الهجرة أن الطلب الوحيد الذي تعاملت معه قنصليتنا أخيرا هو المتعلق بعائلة حبيب – موضوع رسالتكم لنا بتاريخ 30 آب (أغسطس) 1963- والذي أسفر عن هجرة فرد واحد من العائلة إلى كندا على رغم تمتع باقي أفراد العائلة بالحق نفسه».

إن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف ولماذا يتّخذ زعماء الطائفة اليهودية هذا القرار نيابة عنها بمغادرة البلاد؟ وهو القرار الذي لم تتخذه هذه الأقلية من الطائفة عام 1948 وهي تعاني الفقر والجهل والمرض من جهة، وتتعرض لإغراءات المنظمات الصهيونية العالمية و»التشجيع» البريطاني من جهة أخري؟ مع العلم بأن ما عانته من نتائج الصدامات الدموية مع المسلمين في تلك السنة كان أضعاف ما تعرضت له في 5 حزيران 1967.

وكيف، ولماذا اتخذوا ذلك القرار والطائفة اليهودية الليبية هي أول من أثرى فور اكتشاف النفط في ليبيا، ولم يكن ذلك إلا بداية الطريق لمزيد من الثراء.

وهنا نأتي بشهادة رينزو دي فيليشي الذي وصف أحوال الطائفة اليهودية في ليبيا على الصفحة رقم 269 من الترجمة الإنكليزية لكتابه السالف الذكر بالقول: «بعد مرور أقل من ست سنوات (على اكتشاف البترول الليبي) تحوّلت وضعية الطائفة اليهودية الإقتصادية من كونها مأسويّة إلى وضع أصبح فيه نصف أعضائها من الأغنياء، كما أصبح من بينهم من يُعتبرون من الأثرياء حقا».

يكمن في جواب هذه التساؤلات السرّ في الإنقلاب الليبي ويشرح أسباب شذوذ سياسته التي حيّرت العالم لأكثر من ثلاثة عقود.

ولنتدرج في الإجابة ينبغي أن نبدأ بذكر قضية أخرى ذات ارتباط مباشر بهذه التي بين يدينا:

في بداية القرن العشرين كانت منظمات يهود العالم منقسمة على نفسها في اختيار وطن قومي لليهود. ففي وقت كان جزءُ منهم لا يقبل أي بديل عن خيار فلسطين والقدس وجبل صهيون، كان هناك جزءُ آخر مُساوٍ في الوزن والأهمية يتخوّف من هذا الخيار، ويعتقد بأنه حلم غير قابل للتحقيق، ويحاول أن يجد وطناً بديلاً عنه يسهل على اليهود إستعماره وإقناع العالم بأحقيّتهم التاريخية فيه، وتكون فيه المقاومة أقل وأسهل بعيداً عن الصراع الديني.

ووقع اختيار هذا الجزء ـ بعد رحلات استكشافية، ودراسات وبحث وتدقيق ـ على ليبيا لتكون ذلك الوطن القومي الذي يحلمون به. وكان صاحب الفكرة اليهودي البريطاني الرّحالة المشهور السير هاري جوهانستين الذي تقدّم بها إلى اسرائيل زانجويل رئيس «جمعية الأراضي اليهودية» Jewish Territorial Organisation (مقرها لندن)، فأرسلت الجمعية بعثة علمية إلى ليبيا عام 1906 برئاسة ناحوم سلاوش الأستاذ في السوربون ثم ألحقتها ببعثة أخرى عام 1908. وكانت تقارير البعثتين مشجعة جدا لليهود حتى ان اسرائيل زانجويل ذهب إلى حد القول ان برقة (اقليم في شرق ليبيا) تفضل فلسطين نفسها في تحقيق الموطن القومي لليهود.

وللمزيد حول هذا الموضوع ولمعرفة أسباب هذا التفضيل يمكن الرجوع إلى الكتاب الوثائقي «المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا» للأستاذ مصطفى عبد الله بعيو، والذي نشر في أذار 1975. كذلك نشرت «الحياة» في 20 أيلول 1997 مقالة مختصرة حول هذا الموضوع بعنوان «هجرة اليهود إلى فلسطين وقصة الوطن البديل»

تم الإتصال بالسلطنة العثمانية التى وافقت على طلب اليهود فى هذا الخصوص، إلا أنها اشترطت أن تقتصر الهجرة إلى ليبيا على يهود السلطنة وحددت لهم منطقة سرت (منطقة على الساحل الليبي الغربي سبق أن لجأ إليها يهود برقة بعد ثورتهم على الإمبراطورية الرومانية سنة 115م) وما حولها في وقت كانت المنظمات الصهيونية تصرّ على برقة كلّها، وقد خطّطت لنقل يهود السلطنة إلى برقة حتى يزيد عددهم في وقت قصير على عدد سكان ليبيا كلها من المسلمين بأضعاف، وكان عدد السكان في ذلك الوقت أقل من مليون نسمة، وذلك لتخلق واقعاً جغرافياً جديداً على الأرض لا تملك السلطنة إلا الإذعان إليه، ثم يُفتح بعد ذلك الباب على مصراعيه لهجرة يهود أوروبا وروسيا. وقد عرضوا تسهيلات مالية وسياسية كان الباب العالي في أمسّ الحاجة إليها لتليين موقفه بخصوص برقة بدلاً من سرت، وكانت المفاوضات تسير في اتجاه مصلحة اليهود، وعريكة السلطنة قد لانت بتأثير التسهيلات المعروضة، وعندها حدث الإنقلاب في تركيا فأطاح بالخلافة العثمانية، وكان بلا شك سيوافق على جميع الطلبات اليهودية بلا قيد ولا شرط. إلا أن تحرّك إيطاليا السريع وغزوها لليبيا سنة 1911 بدّد أحلام اليهود في استيطانها، فاجتمع الرأي وتوحّدت الكلمة على استيطان فلسطين.

رئيس الوزراء الليبي محمود المنتصر يستقبل مستر دوفدوفاني، ممثل الوكالة اليهودية عام 1951

إننا في الإتحاد الدستوري الليبي على قناعة تامّة بأن الثقة الصهيونية بالنفس – بعد استيطان فلسطين واحكام السيطرة على الرأي العام العالمي وتأكد الغلبة على العرب في كل مجال وميدان – قد جدّدت الحلم في امتلاك ليبيا وأجّج اكتشاف البترول فيها الأطماع.

وذلك يفسر تآمر المنظمات الصهيونية العالمية على المملكة الليبية واستعداءها للعالم ضدها وإحراجها على كل صعيد منذ اكتشاف البترول، ويبدو أن هذه المنظمات نجحت في استقطاب ولاء بعض زعاماتكم الذي يدلل عليه رفضهم لنجدة الحكومة بشهادة حق عندما احتاجتها منهم.

إصبع الإتهام

وأنني هنا لا أتّهمكم بأي تآمر أو خيانة ولكنني أوجه إصبع الإتهام إلى بعض زعمائكم، فإن ليبيّتكم تم التدليل عليها في خياركم الصعب عام 1948 كما أشرت سالفا.

إننا نخشى من أن نفوذ المنظمات اليهودية داخل الأجهزة الأميركية المسؤولة على سياسة الشرق الأوسط جند لتحقيق الأطماع الصهيونية في السيطرة على ليبيا سياسيا واستغلالها اقتصاديا بمجرّد أن تُسوّى القضية الفلسطينية ويصل الطرفان إلى صيغة من التفاهم تُرضي العرب وتفرض سلماً بينهم وبين اسرائيل، فكان الإنقلاب في ليبيا بمثابة الخطوة الأولى ليجهّز بضيق أفقه المناخ المطلوب لتنفيذ المخطط، فقوّض البنية التحتية في البلاد وعمّم الفوضى والإرتباك والرعب بين الشعب وأساء إلى سمعة الوطن حتى نُبذ من المجتمع الإنساني وفقد كل احترام وتعاطف من الجميع.

وبحس أميركي عميق بالتاريخ وأهميّته، ومعرفة بأن الأسرار السياسية وقتيّة، والتزاماً بسمعة أميركا، خططت تلك الأجهزة لأن يظهر تآمرها عندما يُكتشف، على أنه ردّ فعل انتقامي غاضب ضد شعب همجي نكّل بأقليّة من أهل الكتاب ضد كل المعايير الإنسانية والشريعة الإسلامية نفسها وطردهم من وطنهم ولم يسمح لأي منهم بالخروج إلا «بحقيبة صغيرة ومبلغ 20 جنيها فقط لا غير». فهذه غضبة مبرّرة لن تجد من يشجبها لمصلحة دولة أفقدها الإنقلاب الشاذ كل صدقية واحترام وصداقة يُعتدّ بها، ولا لمصلحة شعب أعاده ذلك الإنقلاب إلى الخلف أكثر من قرن في المجالات الحضارية كافة.

وحتى لا يكشف التاريخ أن أمريكا كانت تتآمر – بلا مبرر- على دولة موالية وعلى شعب صديق، تمت التضحية بكم عزيزي لوزون لخلق هذا الغطاء وتأديبكم على تفضيلكم ليبيا على أرض الميعاد عام 1948، ثم لاستعمالكم في الرجوع بالطريقة التي يرجونها، منظّمين ومدرّبين ومترابطين، وقد غسلت أدمغة الكثيرين منكم وربّت أجيال منكم على تفضيل اسرائيل وأولوية الولاء لها ولمصالحها وأُقنِعتم كما اقتنعنا نحن بأنكم أبرياء مظلومون – وهي حقيقة أُريد بها باطل- من أجل الرجوع بكم ومن خلالكم لمجتمع تعمّه الفوضى والجهل ويتخبّط في ارتباك واضح، فتكونوا طبقة عُليا في ذلك المجتمع تتمتّع من دون بقية طوائفه بالإحترام الدولي والتعاطف الإنساني، ويفضّل العالم التعامل معها ومع ذلك المجتمع اقتصاديا وسياسيا من خلالها، وتسهر أجهزة الإنقلاب على حمايتها وخدمتها بعد أن تيقّن أن بقاءه واستمراره مرتبطان باستمرار رضى تلك الطبقة وأمنها.

ولمزيد من الإيضاح يستطيع من يهمه الأمر الرّجوع إلى مقال «القذافي والدستور المعطّل»

إن العلاقات لا تبنى ولا تستمر إلا على العدل الذي قامت عليه السموات والأرض، لذلك فإنني آمل يا رافائيل أن تضمّ جاليتكم صوتها إلى صوتنا في المطالبة بتحقيق دولي في القضية لإجلاء غموضها قبل البت فيها بأي قرار، فربما تفتضح أخسّ مؤامرات القرن الماضي فتنجو طائفتكم من أن تكون «مخلب القط» الصهيوني، وتعرفون سبب غربتكم وتشردكم، وتساهمون في انقاذ استقلال الوطن من دون أن يخاطر ذلك بحقكم في العودة المشرفة.

محمد بن غلبون

رئيس الإتحاد الدستوري الليبي

lcu@lcu-libya.co.uk


المصادر:

1- النسخة الإنكليزية من كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي:

Jews in an Arab Land: Libya, 1835-1970. Austin: University of Texas Press, 1985

2- الأرشيف الوطني البريطاني للوثائق.

3- كتاب «المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا» للأستاذ مصطفى عبد الله بعيو، الدار العربية للكتاب:1975.

– رسالة الاتحاد الدستوري

رسالة من رئيس الاتحاد الدستوري الليبي محمد بن غلبون

إلى رئيس الجالية اليهودية الليبية في بريطانيا رافائيل لوزون …

المنظمات الصهيونية تسعى للسيطرة على ليبيا بعد تسوية القضية الفلسطينية

الحيـاة – 09/01/2006


أعرب رئيس الإتحاد الدستوري الليبي محمد بن غلبون عن خشيته من ان نفوذ المنظمات الصهيونية داخل الأجهزة الأميركية المسؤولة عن سياسة الشرق الأوسط يجند لتحقيق الأطماع الصهيونية في السيطرة على ليبيا سياسيا واستغلالها اقتصاديا بمجرد ان تسوى القضية الفلسطينية. وعرض بن غلبون في رسالة مفتوحة إلى رئيس الجالية اليهودية الليبية في المملكة المتحدة رافائيل لوزون تعليقاً على خطاب ألقاه الأخير أمام مؤتمر الأقباط العالمي في واشنطن في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ملابسات هجرة الجالية اليهودية من ليبيا الى اسرائيل اثر حرب الايام الستة العربية – الاسرائيلية في حزيران (يونيو) 1967، وتطرق الى «الأطماع الأميركية والصيونية بالاستيلاء على ليبيا منذ اكتشاف النفط فيها. وفي ما يأتي نص الرسالة:

السيد رافائيل لوزون

تحية طيبة وبعد…

لقد عبّر خطابكم أمام مؤتمر الأقباط العالمي الذي انعقد في واشنطن بين 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 و19 منه عن شوق مواطن ليبي لبلاده وحنين طبيعي يقدّره كل من ذاق مرارة الإغتراب عن وطنه، وقاسى معاناة الغربة الجبرية.

وإننا في الإتحاد الدستوري الليبي نتمنّى أن تتحقق أمنية والدتك في زيارة بنغازي مسقط رأسها في أقرب وقت ممكن، كما نؤيد مطالبك المشروعة لاستلام رُفاة أقاربك المغدورين أثناء الإضطرابات الأمنية التي اجتاحت مدن ليبيا، في ما بدا و كأنه رد فعل عفوي لنبأ اندلاع حرب الأيام الستة في حزيران (يونيو) 1967، كما نؤيد تمكينك من دفنهم بالطريقة المناسبة.

رئيس الوزراء الليبي حسين مازق-حزيران(يونيو) 1967

ليللو أربيب زعيم طائفة اليهود الليبيين – 1967

وقد سبق أن عبرّنا عن رأينا، على صفحات جريدة «الحياة» الموقرة، في شأن كافة ما حدث لكم عام 1967 من قبل أن تفتح ملفّات هذه القضية وتُفرض من جانب الولايات المتحدة على سطح الأحداث الليبية وتجعل تسويتها من شروط تمديد عمر النظام الليبي وإعادته إلى الحظيرة الدولية بعد عزله لفترة طويلة من الزمن. (نسخة مصورة من المقال الذي نشر في 9 آذار (مارس) 1995 محفوظة في الصفحة المخصصة لهذا الموضوع في موقع أرشيف الإتحاد الدستوري الليبي على الرابط التالي:

http://www.lcu-libya.co.uk/libjews.htm

ثم كرّرنا التعبير عن رأينا في رسالة مفتوحة لك بتاريخ 10 حزيران 2005 نشرت في غالبية المواقع الليبية على الإنترنت، مما يغنينا الآن عن التكرار. وما زلنا نشاطركم الآلام والأحزان ونتفهم مأساتكم. إلا أنه قد جانبك الصواب عندما قارنت قضيتكم بالقضية الفلسطينية وساويت بين معاناتكم ومعاناة الفلسطينيين. كما جانبك الصواب أيضا عندما وصفت الصراع العربي – الإسرائيلي بأنه صراع بين الديموقراطية والديكتاتورية.

ولا أريد أن أُسهب في هذا المجال لأنني أرغب في حصر تبادل وجهات النظر بيننا دائما في حُدود القضية الليبية، علّنا نوفّق إلى بناء جسر ودّي مادّته الحقائق وحسن النيات يعبر الهُوّة المؤسفة التي بيننا.

لقد جاء في خطابك أنه صدر قرار عام 1967 بطرد الجالية اليهودية من ليبيا والسماح لكل شخص منها باصطحاب حقيبة صغيرة ومبلغ 20جنيهاً فقط.

وهنا أرى أن من مصلحة الجميع تصحيح هذه المعلومات. فقد كان الخروج بهذا المبلغ النقدي الزّهيد بناءً على قانون مراقبة النقد المعمول به في ليبيا في ذلك الوقت، والذي يمنع أي مواطن ليبي من حمل أكثر من عشرين جنيهاً ليبياً نقداً، ولم يطبق على اليهود حصراً.

ولكن يمكن تحويل أي مبلغ في الحالات التي ينص عليها القانون عن طريق «بنك ليبيا» على شكل شيكات سياحية أو اعتمادات مصرفية أو خطابات ضمان.

قرار المغادرة

أما قرار مُغادرة ليبيا على عجل فقد اتخذه زُعماء الجالية اليهوديـة، ولم تطردهم الحكومة الليبية. وجـاء في كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي «يـهـود في أرض عــربية» الذي صدر في الأصل باللغة الإيطالية عام 1978 تحت عنوان: Ebri in un paese arabo ويُعد من أهم المصادر اليهودية في هذا الخصوص، في الصفحة 278 من الترجمة الإنكليزية ما يأتي:

«جاءت الخطوة الرسمية الأولى من ليللو أربيب (زعيم طائفة اليهود الليبيين وقتئذ) في اليوم السابع عشر من حزيران، فقد بعث برسالة إلى رئيس الوزراء حسين مازق طلب فيها بالسماح بالسفر لليهود الراغبين في مغادرة البلاد حتى تهدأ الأمور ويتفهّم الشعب الليبي وضعيّة اليهود الليبيين الذين كانوا وسيبقون دائما مخلصين للدولة وفي تعايش سلمي مع السكان العرب. وافقت الحكومة على ذلك بسرعة وبدأت دائرة الهجرة أعمالها في 20 حزيران وحضرت الوثائق المتعلقة بالسفر».

ولكي يكون جميع قراء «الحياة» معنا في هذا الحوار سأقدم لمحة مختصرة لموضوعه:

كانت تقطن ليبيا طائفة يهودية يقدر عددها بحوالى 40 ألفاً (طبقاً للمصادر اليهودية). بعضهم كان متجذّرا في التربة الليبية، كما ذكر المستر لوزون في كلمته المشار إليها أعلاه، من قبل الفتح الإسلامي، وبعضهم هاجر إليها من دول شمال أفريقيا الأخرى، فيما لجأ بعضهم الآخر إليها من الأندلس هربا من محاكم التفتيش الكاثوليكية.

وعاشت هذه الطائفة آمنة معزّزة مكرّمة مع بقيّة طوائف الشعب الليبي المسلمة حتى تمكنت الدعوة الصهيونية من التغلغل فى نسيجها، لتنشر بينها فكرة الهجرة إلى «أرض الميعاد»، ثم إعمارها وتأسيس الدولة اليهودية على أركانها. ونتج عن ذلك أن تلونت تصرّفات شباب الطائفة اليهودية في ليبيا بما -لا يفيد أية أقلّيّة كانت – من رعونة وتحدٍّ للمجتمع.

فتيان جماعة هرتزل الصهيونية في بنغازي خلال الاربعينات

وكان أول تصادم تشهده ليبيا بين سكانها من المسلمين واليهود في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1945 فيما كانت موجة من الإضرابات تجتاح العالم العربي في ذكرى وعد بلفور، ثم تكرّر الصدام عام 1948، كنتيجة للأخبار الدموية الواردة من فلسطين. وكان تحرك المسلمين عفويا وتلقائيا بلا ترتيب مبيّت ولا تخطيط واعداد مسبق استُعملت فيه الحجارة والعصيّ، وفي المقابل كان التحرك اليهودي مخطّطاً اذ جهزت له الأسلحة والذخائر، وذلك كما هو موثّق في التقارير السرية للحكومة البريطانية التي كانت تحكم ليبيا أثناء فترة الإنتداب، والتي يُفرج عنها بموجب القانون البريطاني بعد مضي 30/50 سنة من وقت حدوثها. وهي شهادة شاهد مستقل ومحايد ومسؤول ممن لا يُتهم بحب المسلمين ولا عداء اليهود، وقد سبق أن كتبنا بالتفصيل في هذا الموضوع ونشرنا تلك الوثائق على صفحات هذه الصحيفة في سلسلة وثائقية من ثلاث حلقات متوالية بين 21 أيلول (سبتمبر) 1997 و23 منه (يمكن الإطلاع على نسخة مصورة لتلك السلسلة على الرابط التالي:

http://www.lcu-libya.co.uk/documentary.htm

وبعد صدامات 1948 «شجّعت» السّلطات البريطانية يهود ليبيا على الهجرة إلى إسرائيل بعد تصفية ممتلكاتهم ونقل أمتعتهم القليلة معهم، اذ كانت ليبيا آنذاك شبه معدومة الموارد يعاني سكانها بجميع طوائفهم من فقر مدقع وجهل ومرض من جرّاء سنوات الإستعمار الإيطالي الطويلة، والحروب الطاحنة بين قوات الحلفاء والمحور التي كانت تدور رحاها على أرضها.

وعلى رغم فقر الوطن وحال المرض والجهل المتفشيين فيه، وعدم وجود أية مؤشرات للإنفراج في حالته، تمسّك به نحو سبعة آلاف من يهوده لم يتأثروا بالدعوة الصهيونية ولا بـ «التشجيع» البريطاني على الهجرة. وموقفهم ذلك يُغني عن أية مقالات مطولة للتدليل على انتمائهم وتجذّر الوطن في قلوبهم.

ثم جاءت المفاجأة واكتُشِف البترول في ليبيا بعد الإستقلال، فانتشر الرخاء وازدهر حال الجميع، ورافق ذلك اهتمام مريب للمنظمات الصهيونية العالمية بليبيا، استخدموا فيه بخبث وجود تلك الأقلية اليهودية الصغيرة فيها. وكان على رأس تلك المنظمات وأكثرها نشاطا في هذا الصدد «الهيئة الأميركية اليهودية» التي زار رئيسها لويس كابلن ليبيا صيف 1961، ليرفع ـ على إثرها ـ زعماء الطائفة اليهودية الليبية (ليللو أربيب، وهاي جلام، وكليمنتي حبيب، وأنجلو ناحوم، وبنحاس نعيم) عريضة إلى رئيس الحكومة الليبية محمد عثمان الصيد تطالبه بالمزيد من الحقوق لليهود.

ونجحت هذه المنظمات الصهيونية العالمية في إقناع الممثل السابق لهيئة الأمم المتحدة إدريان بلت أثناء زيارته إلى ليبيا لحضور الإحتفالات بالذكرى العاشرة للإستقلال ببعض التحريات السرّية لمصلحتها. إلا أن التقرير السرّي الذي قدمه لها، والمنشور في الصفحة رقم 230 من كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي السالف ذكره جاء مخيبا لآمال تلك المنظمات، اذ جاء فيه:

«إن العداء للسامية كما هو مفهوم عند الغرب لم يكن له أساس في ليبيا. إلا أن شعور الناس بالعداء ضد إسرائيل قوي جدا (…) وعلى مستوى العلاقات الشخصية لم تكن هناك مشاعر موجهة ضد اليهود، وكانت هناك لقاءات شخصية بين العرب واليهود (…)».

الملك ادريس السنوسي مستقبلاً وفداً من الجالية اليهودية في يوم الاستقلال عام 1951

وعلى رغم ذلك، مارست المنظمات اليهودية العالمية ضغوطاً مكثفة ومدروسة على الدولة الليبية الوليدة بدعاية تظهرها وكأنها معادية للسامية ـ كما ذكر دي فيليشي ـ مما دفع الحكومة الليبية للجوء الى زعماء الطائفة اليهودية فى ليبيا لإصدار بيان رسمي موجه للأمم المتحدة يكذّبون فيه الإتهامات الموجهة اليها بمعاداة السامية، إلا أنهم رفضوا تلبية طلب الحكومة.

وحتى نجعل من هذه الرسالة وثيقة يُعتدّ بها في ملف هذه القضية المهمة، نرى أن من الجدير الإشارة إلى رسالة وزير خارجية كندا إلى السفير البريطاني في طرابلس بعدما كثُرت تقارير المنظمات اليهودية إلى الحكومة الكندية عن وجود اضطهاد لليهود في ليبيا.

والرسالة مؤرخة 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1964 ومحفوظة في مكتب أرشيف الوثائق الوطني البريطاني في الملف الرقم: (FO371 / 178894)، وثيقة رقم: ( VT1571 / 2)، طلب فيها الوزير الكندي من السفير البريطاني رودّ سارل أن يوافيه مشكورا بمعلومات واقعية عن وضعية اليهود في ليبيا. وجاء رد السفير سارل عليه في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 1964، وها نحن ننقل مقتطفات منه إلى قرّاء «الحياة» كما يأتي:

«لنا الشرف أن نرد على رسالتكم المؤرخة في 15/10/1964 بخصوص وضع اليهود في ليبيا:

إن عدد اليهود في ليبيا يتراوح بين 6500 و7000، والغالبية تعيش في طرابلس. وباستثناء عدد قليل ممن يشتغلون بالأعمال اليدوية كالنجارة وتحضير الأطعمة والخمور الخاصة باليهود، فإن معظمهم من التجار وأصحاب المحلات التجارية ومعتمدي الوكالات والعمولات التجارية. ولا نعدو الصواب إن قلنا إنهم يتمتعون، في الوقت الحاضر – كما هي الحال في كل ليبيا – بانتعاش اقتصادي لم تر مثله طائفتهم في تاريخها الطويل كله.

شغب مُعاد لليهود

ليس هناك تمييز رسمي ضد اليهود. لكن وضعية التوتّر بين الدول العربية وإسرائيل تؤدي بين الحين والآخر إلى ظهور بعض التهجمات في الصحف المحلية متهمة بعضهم بالعمالة للصهيونية، وينتج عن ذلك انتشار للشغب المعادي لليهود في بعض المناسبات. (…) ولكن من الإنصاف أن نذكر بأن جزءاً كبيراُ جداً من الأعمال المحلية بيد اليهود، ومن ضمنها كثير من أثمن الوكالات التجارية البريطانية.

ولهذا السبب، ولأن يهود ليبيا يعتبرون من شعوب البحر الأبيض المتوسط، ولهم تاريخهم العريق والذي يعود إلى زمن الرومان، فإن من المستبعد أن يرغب كثير منهم في الهجرة إلى كندا ما لم يكونوا تحت ضغوط قاهرة (…) وفي الحقيقة هناك 300 شخص يهودي له الحق في المطالبة بالجنسية البريطانية باعتبار أن أسلافهم ولدوا في جبل طارق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبطبيعة الحال فإنه يحق لهؤلاء (الـ 300) أن يطلبوا الحصول على تأشيرة الهجرة إلى كندا وفقا للقوانين الجارية. وربما يوضح كيف يُنظر إلى موضوع الهجرة أن الطلب الوحيد الذي تعاملت معه قنصليتنا أخيرا هو المتعلق بعائلة حبيب – موضوع رسالتكم لنا بتاريخ 30 آب (أغسطس) 1963- والذي أسفر عن هجرة فرد واحد من العائلة إلى كندا على رغم تمتع باقي أفراد العائلة بالحق نفسه».

إن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف ولماذا يتّخذ زعماء الطائفة اليهودية هذا القرار نيابة عنها بمغادرة البلاد؟ وهو القرار الذي لم تتخذه هذه الأقلية من الطائفة عام 1948 وهي تعاني الفقر والجهل والمرض من جهة، وتتعرض لإغراءات المنظمات الصهيونية العالمية و»التشجيع» البريطاني من جهة أخري؟ مع العلم بأن ما عانته من نتائج الصدامات الدموية مع المسلمين في تلك السنة كان أضعاف ما تعرضت له في 5 حزيران 1967.

وكيف، ولماذا اتخذوا ذلك القرار والطائفة اليهودية الليبية هي أول من أثرى فور اكتشاف النفط في ليبيا، ولم يكن ذلك إلا بداية الطريق لمزيد من الثراء.

وهنا نأتي بشهادة رينزو دي فيليشي الذي وصف أحوال الطائفة اليهودية في ليبيا على الصفحة رقم 269 من الترجمة الإنكليزية لكتابه السالف الذكر بالقول: «بعد مرور أقل من ست سنوات (على اكتشاف البترول الليبي) تحوّلت وضعية الطائفة اليهودية الإقتصادية من كونها مأسويّة إلى وضع أصبح فيه نصف أعضائها من الأغنياء، كما أصبح من بينهم من يُعتبرون من الأثرياء حقا».

يكمن في جواب هذه التساؤلات السرّ في الإنقلاب الليبي ويشرح أسباب شذوذ سياسته التي حيّرت العالم لأكثر من ثلاثة عقود.

ولنتدرج في الإجابة ينبغي أن نبدأ بذكر قضية أخرى ذات ارتباط مباشر بهذه التي بين يدينا:

في بداية القرن العشرين كانت منظمات يهود العالم منقسمة على نفسها في اختيار وطن قومي لليهود. ففي وقت كان جزءُ منهم لا يقبل أي بديل عن خيار فلسطين والقدس وجبل صهيون، كان هناك جزءُ آخر مُساوٍ في الوزن والأهمية يتخوّف من هذا الخيار، ويعتقد بأنه حلم غير قابل للتحقيق، ويحاول أن يجد وطناً بديلاً عنه يسهل على اليهود إستعماره وإقناع العالم بأحقيّتهم التاريخية فيه، وتكون فيه المقاومة أقل وأسهل بعيداً عن الصراع الديني.

ووقع اختيار هذا الجزء ـ بعد رحلات استكشافية، ودراسات وبحث وتدقيق ـ على ليبيا لتكون ذلك الوطن القومي الذي يحلمون به. وكان صاحب الفكرة اليهودي البريطاني الرّحالة المشهور السير هاري جوهانستين الذي تقدّم بها إلى اسرائيل زانجويل رئيس «جمعية الأراضي اليهودية» Jewish Territorial Organisation (مقرها لندن)، فأرسلت الجمعية بعثة علمية إلى ليبيا عام 1906 برئاسة ناحوم سلاوش الأستاذ في السوربون ثم ألحقتها ببعثة أخرى عام 1908. وكانت تقارير البعثتين مشجعة جدا لليهود حتى ان اسرائيل زانجويل ذهب إلى حد القول ان برقة (اقليم في شرق ليبيا) تفضل فلسطين نفسها في تحقيق الموطن القومي لليهود.

وللمزيد حول هذا الموضوع ولمعرفة أسباب هذا التفضيل يمكن الرجوع إلى الكتاب الوثائقي «المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا» للأستاذ مصطفى عبد الله بعيو، والذي نشر في أذار 1975. كذلك نشرت «الحياة» في 20 أيلول 1997 مقالة مختصرة حول هذا الموضوع بعنوان «هجرة اليهود إلى فلسطين وقصة الوطن البديل»

تم الإتصال بالسلطنة العثمانية التى وافقت على طلب اليهود فى هذا الخصوص، إلا أنها اشترطت أن تقتصر الهجرة إلى ليبيا على يهود السلطنة وحددت لهم منطقة سرت (منطقة على الساحل الليبي الغربي سبق أن لجأ إليها يهود برقة بعد ثورتهم على الإمبراطورية الرومانية سنة 115م) وما حولها في وقت كانت المنظمات الصهيونية تصرّ على برقة كلّها، وقد خطّطت لنقل يهود السلطنة إلى برقة حتى يزيد عددهم في وقت قصير على عدد سكان ليبيا كلها من المسلمين بأضعاف، وكان عدد السكان في ذلك الوقت أقل من مليون نسمة، وذلك لتخلق واقعاً جغرافياً جديداً على الأرض لا تملك السلطنة إلا الإذعان إليه، ثم يُفتح بعد ذلك الباب على مصراعيه لهجرة يهود أوروبا وروسيا. وقد عرضوا تسهيلات مالية وسياسية كان الباب العالي في أمسّ الحاجة إليها لتليين موقفه بخصوص برقة بدلاً من سرت، وكانت المفاوضات تسير في اتجاه مصلحة اليهود، وعريكة السلطنة قد لانت بتأثير التسهيلات المعروضة، وعندها حدث الإنقلاب في تركيا فأطاح بالخلافة العثمانية، وكان بلا شك سيوافق على جميع الطلبات اليهودية بلا قيد ولا شرط. إلا أن تحرّك إيطاليا السريع وغزوها لليبيا سنة 1911 بدّد أحلام اليهود في استيطانها، فاجتمع الرأي وتوحّدت الكلمة على استيطان فلسطين.

رئيس الوزراء الليبي محمود المنتصر يستقبل مستر دوفدوفاني، ممثل الوكالة اليهودية عام 1951

إننا في الإتحاد الدستوري الليبي على قناعة تامّة بأن الثقة الصهيونية بالنفس – بعد استيطان فلسطين واحكام السيطرة على الرأي العام العالمي وتأكد الغلبة على العرب في كل مجال وميدان – قد جدّدت الحلم في امتلاك ليبيا وأجّج اكتشاف البترول فيها الأطماع.

وذلك يفسر تآمر المنظمات الصهيونية العالمية على المملكة الليبية واستعداءها للعالم ضدها وإحراجها على كل صعيد منذ اكتشاف البترول، ويبدو أن هذه المنظمات نجحت في استقطاب ولاء بعض زعاماتكم الذي يدلل عليه رفضهم لنجدة الحكومة بشهادة حق عندما احتاجتها منهم.

إصبع الإتهام

وأنني هنا لا أتّهمكم بأي تآمر أو خيانة ولكنني أوجه إصبع الإتهام إلى بعض زعمائكم، فإن ليبيّتكم تم التدليل عليها في خياركم الصعب عام 1948 كما أشرت سالفا.

إننا نخشى من أن نفوذ المنظمات اليهودية داخل الأجهزة الأميركية المسؤولة على سياسة الشرق الأوسط جند لتحقيق الأطماع الصهيونية في السيطرة على ليبيا سياسيا واستغلالها اقتصاديا بمجرّد أن تُسوّى القضية الفلسطينية ويصل الطرفان إلى صيغة من التفاهم تُرضي العرب وتفرض سلماً بينهم وبين اسرائيل، فكان الإنقلاب في ليبيا بمثابة الخطوة الأولى ليجهّز بضيق أفقه المناخ المطلوب لتنفيذ المخطط، فقوّض البنية التحتية في البلاد وعمّم الفوضى والإرتباك والرعب بين الشعب وأساء إلى سمعة الوطن حتى نُبذ من المجتمع الإنساني وفقد كل احترام وتعاطف من الجميع.

وبحس أميركي عميق بالتاريخ وأهميّته، ومعرفة بأن الأسرار السياسية وقتيّة، والتزاماً بسمعة أميركا، خططت تلك الأجهزة لأن يظهر تآمرها عندما يُكتشف، على أنه ردّ فعل انتقامي غاضب ضد شعب همجي نكّل بأقليّة من أهل الكتاب ضد كل المعايير الإنسانية والشريعة الإسلامية نفسها وطردهم من وطنهم ولم يسمح لأي منهم بالخروج إلا «بحقيبة صغيرة ومبلغ 20 جنيها فقط لا غير». فهذه غضبة مبرّرة لن تجد من يشجبها لمصلحة دولة أفقدها الإنقلاب الشاذ كل صدقية واحترام وصداقة يُعتدّ بها، ولا لمصلحة شعب أعاده ذلك الإنقلاب إلى الخلف أكثر من قرن في المجالات الحضارية كافة.

وحتى لا يكشف التاريخ أن أمريكا كانت تتآمر – بلا مبرر- على دولة موالية وعلى شعب صديق، تمت التضحية بكم عزيزي لوزون لخلق هذا الغطاء وتأديبكم على تفضيلكم ليبيا على أرض الميعاد عام 1948، ثم لاستعمالكم في الرجوع بالطريقة التي يرجونها، منظّمين ومدرّبين ومترابطين، وقد غسلت أدمغة الكثيرين منكم وربّت أجيال منكم على تفضيل اسرائيل وأولوية الولاء لها ولمصالحها وأُقنِعتم كما اقتنعنا نحن بأنكم أبرياء مظلومون – وهي حقيقة أُريد بها باطل- من أجل الرجوع بكم ومن خلالكم لمجتمع تعمّه الفوضى والجهل ويتخبّط في ارتباك واضح، فتكونوا طبقة عُليا في ذلك المجتمع تتمتّع من دون بقية طوائفه بالإحترام الدولي والتعاطف الإنساني، ويفضّل العالم التعامل معها ومع ذلك المجتمع اقتصاديا وسياسيا من خلالها، وتسهر أجهزة الإنقلاب على حمايتها وخدمتها بعد أن تيقّن أن بقاءه واستمراره مرتبطان باستمرار رضى تلك الطبقة وأمنها.

ولمزيد من الإيضاح يستطيع من يهمه الأمر الرّجوع إلى مقال «القذافي والدستور المعطّل»

إن العلاقات لا تبنى ولا تستمر إلا على العدل الذي قامت عليه السموات والأرض، لذلك فإنني آمل يا رافائيل أن تضمّ جاليتكم صوتها إلى صوتنا في المطالبة بتحقيق دولي في القضية لإجلاء غموضها قبل البت فيها بأي قرار، فربما تفتضح أخسّ مؤامرات القرن الماضي فتنجو طائفتكم من أن تكون «مخلب القط» الصهيوني، وتعرفون سبب غربتكم وتشردكم، وتساهمون في انقاذ استقلال الوطن من دون أن يخاطر ذلك بحقكم في العودة المشرفة.

محمد بن غلبون

رئيس الإتحاد الدستوري الليبي

lcu@lcu-libya.co.uk


المصادر:

1- النسخة الإنكليزية من كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي:

Jews in an Arab Land: Libya, 1835-1970. Austin: University of Texas Press, 1985

2- الأرشيف الوطني البريطاني للوثائق.

3- كتاب «المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا» للأستاذ مصطفى عبد الله بعيو، الدار العربية للكتاب:1975.

– رسالة الاتحاد الدستوري

Libyan Constitutional Union

http://www.libyanconstitutionalunion.net

&

http://www.lcu-libya.co.uk

Advertisement

Gaddafi’s American Constitution

An Open Letter to Dr Benjamin R. Barber

(Published in the Guardian on 24th December 2008)

Sir,

We follow with great interest the Libyan regime’s latest attempts to consolidate the rule of the Gaddafi clan and grant it the legitimacy it lacks through drawing up a “constitution” for Libya. And we note your involvement in the process.

The Libyan regime’s intentions must be seen as suspect, if it continues with establishing a constitution that ignores the existence of the Nation’s Constitution which was drawn under the auspices of the United Nations prior to the country’s independence in 1951. The 1951 Constitution remains the only legal document for Libya, not only on the grounds of national consensus but also according to international convention. Ignoring this momentous document is unjustifiable.

The Libyan Constitution was summarily annulled by the same force that is now composing a new one, when it seized power (and thus forced itself on the Libyan people) by a military coup d’état in 1969. It is elementary that disabling the Nation’s Constitution in such a manner is not to be sanctioned by those who value the principles of legality such as yourself.

Yours faithfully

Mohamed Ben Ghalbon

chairman@libyanconstitutionalunion.net


Issued by the Libyan Constitutional Union

The Guardian: 24th December 2008





Arabic Translation




Libyan Constitutional Union

http://www.libyanconstitutionalunion.net

&

http://www.lcu-libya.co.uk

بسم الله الرحمن الرحيم

دستور القذافي الأمريكي

رسالة مفتوحة إلى الخبير الأمريكي د. بنجامين باربر

نشرت بصحيفة الجارديان* اللندنية بتاريخ 24 ديسمبر 2008

(مترجمة من اللغة الانجليزية)

سيادة الدكتور بنجامين باربر،

نتابع باهتمام بالغ آخر مساعي النظام الليبي لتكريس حكم آل بومنيار لليبيا وإضفاء صبغة الشرعية على هذا الحكم عن طريق صياغة دستور لحكم البلاد. كما نتابع الدور الذي تقومون به في هذا الصدد.

لا بد وأن ينظر إلى نوايا النظام الحاكم في ليبيا بعين الريبة إن استمر في مسعاه لإصدار دستور يتجاهل وجود دستور الشعب الأصلي الذي تمت صياغته تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة قبيل نيل ليبيا استقلالها في سنة 1951. فدستور 1951 يظل الوثيقة الوحيدة المستوفية لشرطي القبول الشعبي والشرعية الدولية على حدٍ سواء، ولا يوجد أي مبرر لإلغائه أو تجاهله.

إن السلطة التي تستعين بكم اليوم في صياغة دستورها الجديد هي نفسها التي قامت بإلغاء دستور الأمة بمجرد اغتصابها للحكم في ليبيا بقوة السلاح عن طريق انقلاب عسكري في أول سبتمبر 1969. ومن نافلة القول بأنه من غير المقبول أن تتم المصادقة على مثل ذلك الإجراء التعسفي من قِبل قانونيين بحجم سيادتك.

تفضل بقبول فائق التقدير

محمد بن غلبون

رئيس الاتحاد الدستوري الليبي

24 ديسمبر 2008

chairman@libyanconstitutionalunion.net


*اعتمد الاتحاد الدستوري الليبي في الفترة ما بين سنة 1985 وسنة 1992 وسيلة نشر بعض من بياناته أو تصريحاته بطريقة الإعلانات مدفوعة الثمن في صحيفة الجارديان اللندنية وذلك لضمان إيصال وجهة نظره للجهات المراد مخاطبتها علناً بدون تعديل أو اختصار من قبل محرّري الصحف.

بالإمكان الاطلاع على بقية هذه الاعلانات باتباع هذا الرابط : http://www.lcu-libya.co.uk/adsarbi.htm

تم نشر نسخة من هذا الاعلان كذلك في المواقع الليبية التالية بتاريخ 24 و25 ديسمبر 2008

ليبيا المستقبل و ليبيا وطننا و المنارة

– رسالة الاتحاد الدستوري

Libyan Constitutional Union

http://www.libyanconstitutionalunion.net

&

http://www.lcu-libya.co.uk

Advertisement

Gaddafi’s American Constitution

An Open Letter to Dr Benjamin R. Barber

(Published in the Guardian on 24th December 2008)

Sir,

We follow with great interest the Libyan regime’s latest attempts to consolidate the rule of the Gaddafi clan and grant it the legitimacy it lacks through drawing up a “constitution” for Libya. And we note your involvement in the process.

The Libyan regime’s intentions must be seen as suspect, if it continues with establishing a constitution that ignores the existence of the Nation’s Constitution which was drawn under the auspices of the United Nations prior to the country’s independence in 1951. The 1951 Constitution remains the only legal document for Libya, not only on the grounds of national consensus but also according to international convention. Ignoring this momentous document is unjustifiable.

The Libyan Constitution was summarily annulled by the same force that is now composing a new one, when it seized power (and thus forced itself on the Libyan people) by a military coup d’état in 1969. It is elementary that disabling the Nation’s Constitution in such a manner is not to be sanctioned by those who value the principles of legality such as yourself.

Yours faithfully

Mohamed Ben Ghalbon

chairman@libyanconstitutionalunion.net


Issued by the Libyan Constitutional Union

The Guardian: 24th December 2008





Arabic Translation




Libyan Constitutional Union

http://www.libyanconstitutionalunion.net

&

http://www.lcu-libya.co.uk

بسم الله الرحمن الرحيم

دستور القذافي الأمريكي

رسالة مفتوحة إلى الخبير الأمريكي د. بنجامين باربر

نشرت بصحيفة الجارديان* اللندنية بتاريخ 24 ديسمبر 2008

(مترجمة من اللغة الانجليزية)

سيادة الدكتور بنجامين باربر،

نتابع باهتمام بالغ آخر مساعي النظام الليبي لتكريس حكم آل بومنيار لليبيا وإضفاء صبغة الشرعية على هذا الحكم عن طريق صياغة دستور لحكم البلاد. كما نتابع الدور الذي تقومون به في هذا الصدد.

لا بد وأن ينظر إلى نوايا النظام الحاكم في ليبيا بعين الريبة إن استمر في مسعاه لإصدار دستور يتجاهل وجود دستور الشعب الأصلي الذي تمت صياغته تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة قبيل نيل ليبيا استقلالها في سنة 1951. فدستور 1951 يظل الوثيقة الوحيدة المستوفية لشرطي القبول الشعبي والشرعية الدولية على حدٍ سواء، ولا يوجد أي مبرر لإلغائه أو تجاهله.

إن السلطة التي تستعين بكم اليوم في صياغة دستورها الجديد هي نفسها التي قامت بإلغاء دستور الأمة بمجرد اغتصابها للحكم في ليبيا بقوة السلاح عن طريق انقلاب عسكري في أول سبتمبر 1969. ومن نافلة القول بأنه من غير المقبول أن تتم المصادقة على مثل ذلك الإجراء التعسفي من قِبل قانونيين بحجم سيادتك.

تفضل بقبول فائق التقدير

محمد بن غلبون

رئيس الاتحاد الدستوري الليبي

24 ديسمبر 2008

chairman@libyanconstitutionalunion.net


*اعتمد الاتحاد الدستوري الليبي في الفترة ما بين سنة 1985 وسنة 1992 وسيلة نشر بعض من بياناته أو تصريحاته بطريقة الإعلانات مدفوعة الثمن في صحيفة الجارديان اللندنية وذلك لضمان إيصال وجهة نظره للجهات المراد مخاطبتها علناً بدون تعديل أو اختصار من قبل محرّري الصحف.

بالإمكان الاطلاع على بقية هذه الاعلانات باتباع هذا الرابط : http://www.lcu-libya.co.uk/adsarbi.htm

تم نشر نسخة من هذا الاعلان كذلك في المواقع الليبية التالية بتاريخ 24 و25 ديسمبر 2008

ليبيا المستقبل و ليبيا وطننا و المنارة

– دعم الديمقراطية والمصالح الامنية

دراسة أمريكية: “دعـم الديمقراطية ضروري للمصالح الأمنية”

مع تأكيد الرئيس أوباما على زيف الخِـيار الأمريكي بين المصالح الأمنية وبين دعم سيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، خلصت أحدث دراسة لمعهد السلام الأمريكي إلى توصيات تؤكِّـد ضرورة استمرار الجهود الأمريكية لدعم الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، خاصة في الدول التي تعتمِـد الولايات المتحدة عليها في تيْـسير المصالح الأمنية والدبلوماسية والإستراتيجية، مثل مصر والسعودية والأردن.

أشرف على الدراسة وإصدار التقرير عنها دانيال برومبيرغ، مدير مبادرة العالم الإسلامي بمعهد السلام، والرئيسان الشرفيان للدراسة البروفيسور لاري دايموند، مدير مركز التنمية والديمقراطية وحُـكم القانون بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا، والبروفيسور فرانسيس فوكوياما، أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب نهاية التاريخ، وشارك فيها أكثر من ثلاثين باحثا عربيا وأمريكيا.

وتوصي الدراسة بأن التصدّي للتّـهديدات الأمنية، سواء التي يشكِّـلها إرهابيون ينتمون إلى تنظيم القاعدة أو الناشئة عن التوتّـرات بسبب صراعات إقليمية، كالصراع العربي الإسرائيلي، لابد أن يتصدّر أولويات إدارة الرئيس أوباما وأنه لتحقيق المصالح الأمنية والإستراتيجية وصُـنع السلام، يتعيّـن تعزيز الالتزام الأمريكي بدعم عملية التحوّل الديمقراطي التّـدريجي والحُـكم الرشيد.

التقت swissinfo.ch بالدكتور دانيال برومبيرغ، المُـشرف على الدراسة وسألته عن السبب الذي من أجله ربطت الدراسة بين المصالح الأمنية وبين دعم التحوّل الديمقراطي في الشرق الأوسط فقال: “المشكلة في الشرق الأوسط وفي العالم العربي بشكل خاص، هي أن الأنظمة العربية التي تتعاون بشكل وثيق مع الولايات المتحدة، هي أنظمة تنظر إليها شعوبها بشكل مُـتزايد على أنها إما أنظمة غير شرعية أو أنظمة قمْـعية مُـنفصلة عن الشعوب، التي تدّعي تلك الأنظمة أنها تُـمثلها. فإذا أرادت الولايات المتحدة صِـيانة مصالِـحها الأمنية والإستراتيجية في المنطقة، فيتعين عليها المساعدة في التحوّل التّـدريجي، لكي تُـصبح الأنظمة الحليفة لها في العالم العربي أكثر تمثِـيلا وشرعية وكفاءة في الحُـكم الرشيد في إطار ديمقراطي، ليُـمكنها مواصلة علاقاتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة بشكل يحظى بالتأييد الشعبي”.

دانيال برومبيرغ، مدير مبادرة العالم الإسلامي بمعهد السلام

دانيال برومبيرغ، مدير مبادرة العالم الإسلامي بمعهد السلام (Keystone)

لا لبقاء الحال على ما هو عليه

ويؤكِّـد الدكتور برومبيرغ أن الدراسة حذّرت من مواصلة الولايات المتحدة الاعتِـماد على بقاء الحال على ما هو عليه وعلى الأخَص في الدول العربية الرئيسية التي تتعاون، استراتيجيا وأمنيا ودبلوماسيا مع واشنطن، مثل مصر والمملكة العربية السعودية والأردن، حيث يربط المواطن بين التعاون الوثيق لتلك الأنظمة مع الولايات المتحدة وبين سياساتها القمْـعية، مما يُـغذِّي المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، خاصة وأن أنظمة مثل النظام المصري درج على خلق نوْع من الخيار الزائف بين استمرار النظام في الحُـكم لقُـرابة ثلاثين عاما وبين استِـيلاء الإسلاميين، مثل جماعة الإخوان المسلمين على الحُـكم وقال: “تعمد هذه الأنظمة على طرح ذلك الخيار على الولايات المتحدة لتأمين مُـساندتها لها بدلا من التعامل مع البديل، وهو كما تصور تلك الأنظمة “الإسلاميون”، بينما يجب أن تُـدرك الإدارة الأمريكية أن ذلك الخيار هو من صُـنع الأنظمة التي تُـضيِّـق الخناق بممارساتها القمْـعية على جماعات المعارضة الأخرى وتحُـول دون وجود بدائل عِـلمانية وليبرالية”.

وتدعو دراسة معهد السلام الأمريكي إلى تلافي السماح للأنظمة العربية بما أسمته “الإصلاحات الليبرالية التكتيكية”، التي تُـديرها بنفسها للظهور بمظهر مَـن يقوم فِـعلا بالإصلاح، بينما هي تستخدِمها لتجنّـب الانخِـراط في إصلاحات سياسية فِـعلية ولتجنُّـب الضغط الخارجي، وأوصت الدِّراسة إدارة الرئيس أوباما بالدّخول في حِـوار جادٍّ وصريحٍ مع أنظِـمة الحُـكم الأوتوقراطية في العالم العربي، من أجل بدء “عملية تحَـوُّل إستراتيجي نحو الليبرالية السياسية” ووقف العمل بكل القوانين الاستثنائية وقوانين الطوارئ والشروط المُـقيدة لنشاط وتكوين الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، وكل ما يعوق حرية التعبير والتجمّـع.

كذلك أوصت دراسة معهد السلام الأمريكي بأن يسير العمل من أجل دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان يدا بِـيَـد مع جهود أمريكية نشِـطة لتسوية الصِّـراع العربي الإسرائيلي، الذي طالما استغلّـته أنظمة الحُـكم العربية لتسويف الإصلاح السياسي والتحوّل نحو الديمقراطية.

البروفيسور لاري دايموند، مدير مركز التنمية والديمقراطية وحُـكم القانون بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا

البروفيسور لاري دايموند، مدير مركز التنمية والديمقراطية وحُـكم القانون بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (Keystone)

إجراءات التكيّـف السّـلطوية

ويرى البروفيسور لاري دايموند، مدير مركز الديمقراطية وحُـكم القانون في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، أن العديد من الزعماء العرب تمرّسوا في الفساد وبرعوا في فُـنون إبقاء الحال على ما هو عليه، بحيث أن الحِـوار الأمريكي معهم لن يجدي، وضرب مثلا على ذلك بنظام الرئيس المصري حسني مبارك فقال: “لقد نجح نظام الحكم في مصر في إتِّـباع ما يُـمكن أن نسمِّـيه “إجراءات التكيّـف السلطوية” والتي يتِـم اتِّـخاذها للتلاؤُم مع ما يحدُث من تغيّـرات داخلية وخارجية. فبعد الضغوط الأمريكية في غِـمار ما سُـمي بأجندة الحرية التي رفع لواءها الرئيس بوش منذ عام 2004، اضطر النظام المصري إلى إدخال ما أسماه بالإصلاحات السياسية، وكان أبرزها السماح لأول مرّة بإجراء انتخابات رئاسية بعدّة مرشحين، بدلا من الاستفتاء العام على مرشح واحد، كما تمّ السماح بقدر من التنافس في الانتخابات البرلمانية، ولكن عندما أسفرت الانتخابات – رغم ما شابها من تلاعُـب – عن فوز الإخوان المسلمين بـ 20% من مقاعد مجلس الشعب وجاء أيمن نور في المركز الثاني في انتخابات الرئاسة، بدأت إجراءات التكيّـف السياسي السُّـلطوية بتمرير تعديلات دستورية، استهدفت إحكام قبْـضة الحزب الحاكم على السلطة السياسية في مصر، خاصة المادة 76 من الدستور المصري، مع ترهيب المُـنافسين في كِـلْـتا الانتخابات من خلال حملة اعتقالات واسعة النطاق، شملت عددا كبيرا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وكذلك مرشّـح الرئاسة الدكتور أيمن نور، وبذلك أظهر الحزب الحاكم أن “فكره الجديد” ينحصِـر في إدارة ما يسمّـى بعملية الإصلاح السياسي بشكل يتفادى فيه الظهور أمام الولايات المتحدة بأنه عازف عن تلبية دعوة الإصلاح والتحوّل الديمقراطي من خلال ممارسات شكلية تُـوحي بالتعدّدية السياسية، في ظل وجود أكثر من عشرين حزبا ورقيا لا حَـوْل لهم ولا قُـوة، وفي نفس الوقت، يتخذ من القرارات والتشريعات ما يحُـول دون تداوُل السلطة”.

ويخلص خبير الديمقراطية الأمريكي إلى أن النظام الحاكم في مصر تفوّق إلى درجة مُـذهلة في انتهاج “إجراءات التكيّـف السلطوية”، التي يتِـم اتخاذها للمناورة مع الضغوط الخارجية والمَـطالب الداخلية، فعقب السماح بقدر محدود من الحريات السياسية والسماح للمعارضة السياسية الضعيفة بممارسة بعض النشاط لفترة وجيزة، يعود بعدها النظام لقمْـع الحريات وتضييق النِّـطاق المسموح به لنشاط المعارضة، مع إنفاق نسبة عالية من الدّخل القومي على الأجهزة الأمنية ومباحِـث أمن الدولة لتأمين بقاء الوضع على ما هو عليه.

لذلك، يقول البروفيسور دايموند، إن الدراسة أوصت بأن يخرج الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون للمساندة العلَـنية، عندما تبدأ الأنظمة العربية خطوات حقيقية نحو التحوّل الديمقراطي، وبنفس القدر من العلَـنية، يجب انتقاد تلك الأنظمة عندما تقوم بممارساتها القمعية. كما دعا خبير الديمقراطية الأمريكي إلى استخدام وسائل ضغط أمريكية لدفع الأنظمة العربية نحو التحوّل الديمقراطي.

توصيات تختلف مع كل دولة

ويبدو أن الدِّراسة حاوَلت كذلك إجْـهاض الحُـجج التي طرحتها أنظمة الحُـكم العربية، وكان من أهمِّـها أنّ ظروف كل دولة عربية تختلِـف عن الدول العربية الأخرى. فقدّمت الدراسة مجموعة من التّـوصيات تختصّ كل منها بدولة عربية بعيْـنها ضِـمن الدول الخمس التي شملتها الدِّراسة.

أولا: بالنسبة لمصر، أوصت الدراسة بدخول الولايات المتحدة في حِـوار صريح مع الجيل الناشئ من قادة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم بشأن أهمية التحوّل الديمقراطي الحقيقي، وليس التكتيكي في تعزيز شرعية الحكومة، بعد التآكل الذي لحِـق بها من جرّاء فشلها في مُـواكبة ظهور قِـوى اجتماعية وسياسية جديدة، ومحاولتها إدارة عملية التحوّل الديمقراطي انفتاحا مرّة وانغلاقا مرّات، مما زاد من فُـرص تعرّض النظام لهزّات سياسية وأمنية.

ثانيا: بالنسبة للأردن، أوصت الدراسة إدارة الرئيس أوباما بأن تحُـثّ الحكومة الأردنية من خلال الأقوال والأعمال على التحرّك بالأردن نحو التحوّل الديمقراطي الحقيقي، حيث يرى كثير من الأردنيين أن الولايات المتحدة لا تدْعم الانفتاح السياسي في البلاد، خاصة وأن مساندة النظام الأردني للحرْب على الإرهاب، ساعدت في تعطيل الموافقة على مائة مشروع قانون لتعزيز الحريات العامة في الأردن.

ثالثا: بالنسبة للبنان، أوصت الدراسة برُؤية أمريكية جديدة لمعالجة التّـعقيدات السياسية في لبنان، بحيث تتجنّـب إدارة الرئيس أوباما اتِّـخاذ مواقِـف قد تشير إلى محاولة عزْل طرف ومساندة طرف آخر، وأن تتجنّـب الإدارة محاولة استخدام علاقاتها لإحداث تغيير في القواعد المنظّـمة لتقاسم السلطة في لبنان، لكي لا تسهم واشنطن في احتِـدام الصِّـراع والتنافس الطائفي.

رابعا: بالنسبة للمغرب، أوصت الدراسة إدارة الرئيس أوباما بتقييمٍ أكثر توازُنا للتّـجربة المغربية، بدلا من الثّـناء على التقويض الذي يُـمارسه النظام المغربي لعملية التحوّل الديمقراطي، وأن تبدأ الإدارة الأمريكية استِـخدام مزيج من الدبلوماسية الخاصة والعامة في إبراز التحديات التي يُـواجهها المغرب ونِـقاط الضّـعف في النظام السياسي المغربي.

خامسا: بالنسبة لليمن، أوصت الدراسة إدارة الرئيس أوباما بأن تُـدرك أن الإصلاح الديمقراطي في اليمن هدَف طويل المدى بالنظر للتّـدهور الأمني والاقتصادي، ولذلك، يجب أن تشمل الإستراتيجية الأمريكية العمل على حلّ المشاكل السياسية والاقتصادية وأن تقنِـع إدارة أوباما النظام اليمني بوجود علاقة مُـباشرة بين الإصلاح الاقتصادي والسياسي الحقيقي وبين تحسّـن الأمن الداخلي في اليمن.

دعم الديمقراطية على استحياء

أما البروفيسور فرانسيس فوكوياما، فيرى أن الرئيس أوباما، وإن أولى دعم الديمقراطية قدْرا كبيرا من الأهمية، فإنه يُـمارسها على استحياء، لأنه لا يريد أن يرتبِـط الدعم الأمريكي للديمقراطية في الشرق الأوسط في فترة رئاسته بمفاهيم ترسّـخت في غِـمار أجندة بوش للحرية، مثل تغيير النظام أو الاحتلال العسكري وقال:

“لقد لوّثت تجربة غزْو العراق عملية دعْـم التحوّل الديمقراطي، التي كلّـما تمّ الحديث عنها في العالم العربي، طفت على السطح كلمة الغزْو والاحتلال، ولذلك، فإن إدارة أوباما بحاجة إلى بداية جديدة تطرح من خلالها أفكار التحوّل نحو الديمقراطية وأهميّـتها بالنسبة لشرعية الحُـكم ولرؤية أوباما لعلاقات جديدة مع العالم الإسلامي وفكّ الارتباط بين دعم الديمقراطية واستخدام القوّة للغزو أو تغيير النظم، على أن تحتلّ الجهود الأمريكية لدعم التحوّل الديمقراطي مكانة بارِزة في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط”.

محمد ماضي – واشنطن

– تقرير التضامن لحقوق الانسان

الديكتاتور المُعمّر
ليبيا : 40 عام تحت سيطرة العقيد

 الديكتاتور المُعمّر ليبيا : 40 عام تحت سيطرة العقيد

الرئيسية »» تقارير ودراسات»»الديكتاتور المُعمّر


الديكتاتور المُعمّر
ليبيا : 40 عام تحت سيطرة العقيد

مقدمة
يعد الأول من سبتمبر عام 1969 بمثابة بداية جديدة لتاريخ دولة ليبيا عندما قامت حركة “الضباط الوحدويين الأحرار” في الجيش الليبي بقيادة الملازم أول معمر القذافي”1 ” بالاستيلاء على السلطة بعد أن تحركت قوات من الجيش ونجحت في الإطاحة بالنظام الملكي ، حيث أسرع ممثله حسن الرضا -ولي العهد- في التنازل عن العرش، بينما كان الملك إدريس الأول في زيارة استجمام بتركيا واليونان، وأذاع القذافي أول بيان لحركته على الشعب الليبي .

وقد عانت ليبيا من مرارة الاستعمار لسنوات طويلة حيث سلمتها الدولة العثمانية عام 1912 إلى إيطاليا بموجب معاهدة “أوشي” واستمر الاحتلال الإيطالي إلى عام 1932م ورافقه هذه الفترة ثورة ومقاومة وجهاد من قبل الليبيين. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 ونتيجة لتقاسم الدول المنتصرة للعالم تم تقسيم ليبيا بين كل من بريطانيا وفرنسا ، حيث حكم البريطانيين “طرابلس وسرنة” أما منطقة “فزان” فكانت من نصيب الفرنسيين ، وبعد صدور قرار من الأمم المتحدة عام 1949 ينص على استقلال ليبيا وتشكيل لجنة دولية تشرف على الاستقلال في مدة أقصاها سنتين حتى 24ديسمبر 1951 ،بحصولها على استقلالها كمملكة اتحادية وتسلم الملك “محمد ادريس السنوسي” الحكم .

وعند تسلم السنوسي الحكم عمل على توقيع معاهدات مع دول أجنبية ومنها بريطانيا ، حصلت الأخيرة بموجبها على نفوذ وسيطرة واسعة على بعض المناطق الليبية مما أدى الى عدم رضاء الشعب الليبي على هذة المعاهدات التي أعتبرها إعادة للسيطرة الأجنبية التي ناضل طويلاً للتخلص منها وفي يناير 1964اجتاحت المظاهرات ليبيا احتجاجا على سياسة الملك الذي اعلن تنحيه عن الحكم الا انه تراجع عن قراره فيما بعد واستمرت حالة المناوشات والمظاهرات المتكررة حتى قيام الثورة والتي غيرت اسم ليبيا إلى (الجمهورية العربية الليبية).”2 “

وفى حين لم يتبلور شكل النظام الجديد لليبيا طيلة السبع سنوات التالية لقيام الثورة فإن بداية عام 1977 شهدت تغيرات رئيسية دفعت باتجاه شكل جديد للنظام السياسي مخالفا للنظام الملكى والسنوات الاولى من ثورة الجيش حيث الغاء المؤسسات الحكومية بأطرها البيروقراطية التقليدية ، وحلت محلها ما سمي بـ” سلطة الشعب ” التي ينص إعلانها على ان السلطة الشعبية المباشرة هى أساس النظام السياسي للشعب يمارسها عن طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابات والاتحادات والروابط المهنية ومؤتمر الشعب العام .”3 “

ثورة الفاتح واستيلاء القذافي على الحكم :

بعد تشكيل حركة الضباط الوحدويين الأحرار في الجيش الليبي بقيادة الملازم أول – وقتها- معمر القذافي تم الإستيلاء على السلطة في الأول من سبتمبر عام 1969، وقام القذافي بإجلاء القواعد الأمريكية والانجليزية من ليبيا ، ثم حاول العمل على الوحدة العربية و لكن محاولاته الاندماجية فشلت ، سواء في ما سيمي بـ ” اتحاد الجمهوريات العربية ” بين مصر وليبيا وسوريا ، أو اندماج ليبيا مع مصر و تونس .

وقد نصب القذافي زعيما للبلاد في هذا الوقت ، وعلى الرغم من أنه لا يحمل لقباً رسميا حيث يُشار إليه أحياناً بلقب “الأخ القائد” وأحياناً أخرى بلقب “قائد الثورة” فإنه يسيطر على كل الجوانب الرئيسية للحياة السياسية والاقتصادية في البلاد . ” 4 “

وقد حاولت الثورة إضفاء الطابع الإسلامي على حكمها حتى لا تصطدم بمشاعر الشعب الإسلامية التي غرستها فيهم الحقبة السنوسية التي بدأت مع حصول ليبيا على استقلالها عام 1951 وانتهت بالثورة ؛ لذا أصدرت حكومة القذافي قانوناً يمنع تعاطي الخمور، وعملت على تطبيق فريضة الزكاة، وأعلن القذافي توجهه الإسلامي ،ورسمت الثورة سياسة نفطية جديدة لوضع حد للاحتكار الأجنبي للثروات الوطنية، فقام القذافي بتأميم شركة النفط البريطانية، عندما قامت بريطانيا بتسليم ثلاث جزر عربية في الخليج لإيران، كما قام بسحب رصيد ليبيا الضخم من نطاق منطقة الجنية الإسترليني في 6 أبريل 1973م.

السلطة الشعبية الشكلية

طبقا للكتاب الأخضر الذي ألفه العقيد معمر القذافي عام 1975 م فإن القذافي رفض فكرة التمثيل النيابي بإعتبارها تمثل حاجزا شرعيا بين الشعب وممارسة السلطة التي تصبح حكرا على النواب ، وطرح إلية المؤتمرات الشعبية للمشكلة الديمقراطية فى جانبها التمثيلي التشريعي فتم تنظيم سكان ليبيا في إطار عدد من الهيئات واللجان والمؤتمرات الشعبية الأساسية ومن الناحية النظرية تمثل هذه المؤتمرات مركز القوة وصنع القرار حيث تنتقل قراراتها الى مؤتمر الشعب العام الذي يقوم بصياغة القرارات ، ومنذ عام 1992 وجد مستويات من المؤتمرات الشعبية ” الأساسية ومؤتمر الشعب العام ” ويصعب تقدير عدد اعضاء مؤتمر الشعب العام الذي يترواح بين عدة مئات وألوف فى فترات مختلفة ، وتعاقب على أمانة مؤتمر الشعب العام العديد من القيادات ولكن المعروف عمليا انه منذ الثمانينات تقلصت صلاحية أمانة مؤتمر الشعب الأساسية واعطيت لمؤتمر الشعب العام ، وبناحية اكثر عملية فالمؤتمر العام غير فعال لانه يجتمع اسبوعا كل عام ولا يكون لدى اعضائه معلومات او مهارات كافية للقيام بواجباتهم وتكررت اكثر من مرة ان تراجع المؤتمر عن قرارات اتخذها لاختلافها مع رغبات القذافي لدرجة انه عندما حاول المؤتمر تخفيض الضرائب فى عام 1990 رد القذافي “هذه ليست قرارات الشعب الذي اعرفه” فما كان من المؤتمر إلا أن ألغى القرار “5 “.

القذافي وسيل القوانين المقيدة للحريات عقب الثورة

تعد ليبيا أول دولة عربية ينضبط فيها التشريع بصدور أول قاعدة بيانات تشريعية تاريخية فيها على مستوى دول العالم العربي في موسوعة التشريعات الليبية، وهي تتكون من أربعين مجلدا (كلاسيرا) تغطي المرحلة من الاحتلال الايطالي وحتى المرحلة المعاصرة ويضاف إليها الملاحق بشكل دوري. ولقد كانت هذه الموسوعة التاريخية سباقة في دعم نظم الحكم في بعض الدول العربية مثلما هو الحال في النظام الفيدرالي في دولة الإمارات العربية المتحدة الذي تم استقائه من التجربة الفيدرالية في ليبيا في الفترة ما بين (1951-1963) “6 “

وقد سن النظام الليبي بقيادة معمر القذافي منذ وصوله الى السلطة المئات من القوانين في مختلف المجالات، ومنها ما له علاقة مباشرة بالحريات العامة وممارسة النشاط السياسي والثقافي ‏والاقتصادي غالبيتها كانت تعكس حرصه على تحصين نفسه بسد ‏الثغرات وصد الأبواب أمام أي رأي أو تيار آخر منافس لسلطته وبالتالي ايجاد ‏المبررات القانونية الجاهزة لقمعه واقصائه. ، فإلى جانب ان هذه القوانين لم تصدر عن السلطة التشريعية المنوط بها ذلك وانما صدرت من سلطة تنفيذية ممثلة فى مجلس قيادة الثورة ، فقد استخدمت هذه القوانين كسيف مسلط على رقاب الليبيين لحرمانهم من حقوق ‏أساسية مشروعة ،ولعل إلغاء دستور 1951 الذي أسّس وجسّد الشرعية الدستورية التي قامت عليها الدولة كان اولى خطوات القذافي لتشديد قبضته على الدولة حيث انهالت القوانين الداعمة لذلك والتى تسير فى ذات الاتجاه المعاكس لاتجاه الديمقراطية والحرية . “7 ” ومن هذه القوانين:

  • القانون رقم 45 لسنة 1972 والذي يحرم الإضرابات والإعتصامات ‏والمظاهرات
  • قانون رقم 71 لسنة 1972 بشأن تجريم الحزبية والذي اعتبرت إحدى مواده ممارسة الحياة الحزبية خيانة في حق الوطن والتي أطلق عليها مقولة ” من تحزب خان ” ورتبَت المواد الثالثة والرابعة منه عقوبات الإعدام والسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات لكل من دعا إلى إقامة أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل محظور
  • قانون حماية الثورة في 11 ديسمبر 1969م. والذي نصَّت المادة الأولى منه على أنه يعاقب بالإعدام كل من رفع السلاح في وجه النظام الجمهوري لثورة الفاتح أو اشترك في عصابة مسلحة لهدا الغرض .
  • وثيقة الشرعية الثورية في 9 مارس 1990 ، التي جاءت إمعانا في كبت الحريات وإهدار حقوق الإنسان وأعطت لقائد النظام حصانة من أي مسائلة قانونية.

ومن بين توجيهات قائد الثورة الواجبة النفاذ وفقاً لمقالة الأمين العام للاتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الإنسان “شارف الغريانى ” ( نعدم حتى الأبرياء بقصد إرهاب الجاني الحقيقي الذي قد لا يكون معروفاً في تلك اللحظة .. من يريد أن يتحدى الثورة إذا كان في الداخل هذا أمر مفروغ منه سنداهم هذا الموقع وندمره حتى لو كان مسجداً ، وإذا كان في الخارج علينا أن ننتقل إليه في الخارج فنهاجمه وننفذ فيه حكم الإعدام…..! “8 ” وقد تم وضع هذا القانون – وثيقة الشرعية الثورية- المسمى ” ميثاق الشرف ” وجاء في مرحلة لاحقة للثورة عندما تنامت حالة الرفض الشعبي للنظام بهدف إرهاب اى صوت معارض، وذلك بتطبيق عقوبات جماعية ليست ضد من يرتكب فعلاً يعتبره النظام مضاداً له، بل ضد أولئك الآخرين من أقارب وعائلات وقبائل وحتى الأصدقاء المقربين للجناة …! “9 ”

  • قانون رقم 75 لسنة 1973 بشأن تأميم ‏الصحف والدوريات الخاصة المستقلة أو الأهلية وأيلولتها بالكامل الى الدولة وكان من بينها آنذاك ‏صحف: “البلاغ.، الرائدا ،الحرية ، الشوري ، الجهاد ، الرأي ، الميدان ، الحقيقة.. ‏”.
  • قانون رقم ( 10 ) لسنة 1993 م.بشأن التطهير ، والتي تعني تقطيع أطراف المخالفين له.
  • قانون رقم 52لسنة 1974 م في شأن إقامة حد القذف ، والذي يعني جلد المتهم بالقذف والتشهير عدد ثمانون جلدة.
  • قانون رقم (5) لسنة 1991 بشأن تطبيق مبادئ الوثيقة الخضراء الكبرى ،وهي المستمدة من الكتاب الأخضر والتي جاء بمقدمتها أن الكتاب الأخضر دليل البشرية نحو الخلاص النهائي من حكم الفرد والطبقة والطائفة والقبيلة والحزب من أجل إقامة مجتمع كل الناس فيه أحرار متساوون في السلطة والثروة والسلاح واستجابة للتحريض الدائم للثائر الأممى معمر القذافي صانع عصر الجماهير” “10” ، وغيرها من القوانين التي لا تمت للإنسانية المعاصرة بأي صلة.

سلطات القذافي في مرحلة التثوير

تولي القذافي العديد من المناصب التي تجعله متفردا بالسلطة منذ قيام الثورة وحتى نهاية مرحلة ما يسمى بمرحلة التثوير في عام 1977 العديد من المناصب منها:

  • رئيس مجلس قيادة الثورة.
  • قائد عام القوات المسلحة الليبية (وفيما بعد قائد أعلى).
  • وزير الدفاع ورئيس مجلس الأمن القومي.
  • رئيس مجلس القضاء الأعلى.
  • رئيس مجلس التخطيط الأعلى.
  • رئيس المجلس الأعلى للإرشاد القومي.
  • رئيس التنظيم السياسي الوحيد المتمثّل في الاتحاد الاشتراكي العربي ومؤتمره الوطني (ثمّ القومي) العام.

وفضلاً عن ذلك، فقد شغل القذافي منصب رئيس الوزراء خلال الفترة من 13/9/1970 وحتى 6 أبريل 1972 “11 ” الحريات المدنية والسياسية في ظل حكم القذافي :

أولا: حرية الإعلام

1- الصحافة:

يطرح الأخ العقيد قائد الثورة الليبية رؤيته للصحافة عبر رائعته الخالدة الكتاب الأخضر فيقول في القسم الخاص بالصحافة: ” أنا أشهد بنفسي أن كل الصحف الحرة هي صحف مرتشية وبذلك تكون صحفاً فاسدة”

وهكذا لخص الزعيم الملهم واقع الصحافة في هذه المقولة الخالدة!! ولكن ماذا عن الصحافة التي نعرفها جميعا؟!!

يعود تاريخ الصحافة في ليبيا إلى عام 1827 حين انشأ عدد من قناصل الدول الأوربية فى طرابلس صحيفة ” المنقب الإفريقي ” باللغة الفرنسية لتعبر عن حال المستعمرين هناك ، تبعها إنشاء أول صحيفة باللغة العربية تحت اسم ” طرابلس الغرب ” والتي أنشأها الوالى العثمانى محمود نديم باشا ، ورغم كم الاستبداد الذي شهدته ليبيا اثناء الحقبة العثمانية الا ان البلاد شهدت ظهور العديد من الصحف والمجلات ، ولابد من الإشارة هنا إلى أن المادة الثانية من قانون المطبوعات العثماني عام 1909 ينص على “أحقية كل شخص بلغ عمره 21 عاما في إصدار صحيفة يومية أو أسبوعية أو مستقلة”، كما شهدت البلاد إدخال مطابع خاصة. ،ومع دخول الإستعمار الإيطالي لليبيا عام 1911 دخلت الصحافة في ليبيا حقبة سوداء، حيث تمت مصادرة المطابع، واستولت السلطات العسكرية عليها.. كما استبدلت جريدة “طرابلس الغرب” بـ “إيطاليا الجديدة” ، وبعد خروج الاستعمار الإيطالي عام 1943ودخول ليبيا تحت الإدارة البريطانية شهدت الصحافة في ليبيا بداية تأسيس جديد، وعلى أسس أقرب إلى الصحافة المعاصرة اليوم، وقد صدر في هذه الفترة ما يقرب من 20 صحيفة، وذلك بسبب نشاط الأحزاب والقوى السياسية، نشاطا لم تعهده ليبيا طوال تاريخها المعاصر، ومع حصول ليبيا على استقلالها في ديسمبر 1951 وعلى الرغم من ان حكومات الملك إدريس السنوسي ألغت الأحزاب السياسية، إلا أن الأرقام التالية تعكس مدى نشاط الصحافة في ذلك الوقت: فقد صدرت 14 صحيفة يومية وأسبوعية، و13 مجلة شهرية أو نصف شهرية و8 صحف ناطقة باللغة الانجليزية و3 صحف ناطقة باللغة الايطالية. وكانت نسبة الصحف المستقلة تبلغ 65 في المائة، بينما لا تتعدى نسبة الصحف الحكومية 35 في المائة ، وفي عام 1969 ومع قيام “ثورة سبتمبر ” ودخول البلاد تحت حكم مجلس قيادة الثورة الذي ترأسه العقيد معمر القذافي، بدأ ضباط الثورة بمصادرة الصحف الخاصة وتقليص الصحف الصادرة عن الهيئات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء صحف ذات “لون ثوري موجه”، ودخلت الصحافة في ليبيا مرحلة “تثوير الجرائد وأدلجتها ولم يعد المجال مسموحا بإنشاء صحف خاصة أو مستقلة”، وصدرت أول صحيفة يومية في 20 / 10 / 1969 تحت اسم “صحيفة الثورة”. “12 ” أعقبها تقديم عدد من الصحافيين الليبيين للمثول “أمام محكمة الشعب”، بسبب كتاباتهم “المخالفة لتوجهات الثورة الليبية”، كما اعتقل عشرات من الصحافيين الليبيين ضمن 700 مثقف وكاتب تم اعتقالهم في عام 1973 ، ومنع المواطنون الليبيون من ممارسة حقهم في إصدار الصحف الخاصة، كما منعوا من الكتابة والتعبير عن آرائهم التي قد لا تتفق مع رؤى النظام السياسي القائم، وأصبحت مثل هذه الكتابات سببا كافيا للاعتقال والسجن، والمثول أمام محاكم لا تمتلك أبسط معايير وأسس المحاكم العدالة. ومع عام 1973 وإعلان ما يعرف “بالثورة الثقافية”، تم إعلان “سلطة الشعب” في 1977 وإنشاء حزب “حركة اللجان الثورية” على الرغم من منع الأحزاب في ليبيا، بات مشهد الصحافة في ليبيا أكثر تضيقا وقمعا.”13 “

أما اليوم فِإن المشهد الصحافي الليبي وصل إلى حالة من الفشل والتراجع، على مستوى القوانين وعلى مستوى الواقع، فاليوم ليبيا لا يوجد بها سوى 4 صحف رئيسية فقط، ثلاثة منها (الجماهيرية والشمس والفجر الجديد) تابعة للمؤسسة العامة للصحافة، وواحدة (الزحف الأخضر) تتبع حزب “حركة اللجان الثورية”، الجهة الوحيدة التي من حقها أن تصدر الصحف. ولا تتعدى مبيعات هذه الصحف في رأي البعض 4 آلاف نسخة، بل إن بعضها تقلص إلى 1500 نسخة، يتم توزيعها على المؤسسات الحكومية بشكل إلزامي ، ومهمة هذه الصحف تتمثل في الترويج لأفكار الكتاب الأخضر، والدعاية لثورة 1969، وتمجيد العقيد القذافي، الذي لا يمكن نقده أو نقد أفكاره بأي حال من الأحوال، كما لا يمكن نشر أي أفكار أو رؤى “تخالف توجهات الثورة ومبادئها” ،ورغم التطورات الهائلة التى عرفتها حرية الصحافة واستقلال قطاع الإعلام فى أغلب دول العالم لا زالت الصحافة فى ليبيا تعانى من هيمنة السلطة (النظام السياسى) الكاملة عليها وعدم وجود أي هامش لحرية الصحافة خاصة فيما يتعلق بالمواضيع والقضايا الهامة والمتعلقة مباشرة بحقوق المواطنة و بممارسة السلطة وتركيبتها والنظام السياسى وتجاوزاته القانونية والإدارية فى إدارته للشأن العام، كل هذه المواضيع التى تناقش فى أغلب دول العالم بكل حرية على صفحات الجرائد و فى منابر إذاعية وتلفزيونية حرة لا زالت تعتبر فى ليبيا حتى الآن “خطوط حمراء” لا يسمح بالكتابة فيها أو النشر حولها تحت غطاء “حماية الثورة” وتارة بوضع “خطوط حمراء” تحتكر بموجبها جميع أدوات النشر وتتحكم حتى فى تحديد المواضيع التى يمكن تناولها والمواضيع الممنوع الخوض فيها.”14 “

2- الإنترنت

على الرغم من غياب أى إطار قانونى محدد لآليات رقابة وحجب المواقع المختلفة إلا أن السلطات الليبية تفرض رقابتها على المواقع المعارضة، وفى بعض الحالات تقوم بتدميرها تماما، ويقول أحد الناشطين من ليبيا أن جميع مواقع المعارضة محجوبة داخل ليبيا ولا يمكن تصفحها إلا عن طريق تخطى البروكسى، ومن هذه المواقع المحجوبة “أخبار ليبيا” http://www.akhbar-libya.com و”ليبيا وطننا” http://www.libya-watanona.com و”ليبيا المستقبل” http://www.libya-almostakbal.com وأنه عندما يحاول أحدهم تصفح هذه المواقع من داخل مقاهى الإنترنت ربما يتعرض للطرد أو ما هو أسوأ من ذلك (28)، بينما يقول مواطن آخر أن هناك حجب واضح لبعض المواقع خاصة مواقع المعارضة وأن الدولة هى المسئولة عن الحجب، وأن الأجهزة الأمنية قامت فى الآونة الأخيرة باستقدام مجموعة من الخبراء من روسيا فى هذا المجال من أجل زيادة قبضتها على تصفح الانترنت

ورغم الرقابة والتضييق الذى تفرضه السلطات الليبية على استخدام شبكة الإنترنت إلا أنها أثبتت نجاحا ملحوظا كوسيلة إعلام مؤثرة خاصة فى حالة مظاهرات بنغازى التى اندلعت فى 17/2/2006، وقامت السلطات الليبية بفرض حالة من التعتيم الإعلامى الشديد على هذه الأحداث ولكن الانترنت أفلتت من هذا الحصار كما قالت بيانات الجماعات الحقوقية الليبية، وذكر بيان أن السلطات الليبية قامت بإغلاق عدد من مقاهى الإنترنت كما قامت بمراقبة المقاهى الأخرى، وتم اعتقال العديد من رواد هذه المقاهى للتحقيق معهم بتهمة زيارة “مواقع مشبوهة”. ورغم ذلك فإن الأخبار التى تسربت حول الأحداث نشرتها مواقع المعارضة الليبية من خلال رسائل إلكترونية من الداخل.”15″

3- المحطات التليفزيونية والفضائيات

ولا توجد في ليبيا أية محطات إذاعية أو تلفزيونية ذات ملكية خاصة، بل تقع جميعها تحت سيطرة الحكومة عبر “الهيئة العامة لإذاعات الجماهيرية العظمى”، ، التي تضع بصرامة برامج للترويج لما تحققه من نجاحات.

وحتى وقت قريب كان عدد القنوات التليفزيونية فى ليبيا محدود للغاية سواء فضائية او أرضية منها :

الجماهيرية والفضائية الليبية . ليبيا الشبابية .المنوعة . التواصل . الهداية . وقناتي ليبيا الرياضية .وقناة البديل .

وكان لمدينة طرابلس نصيب الأسد منها.

ولعل قيام معمر القذافى بتأميم قناة الليبية المستقلة ، وتحويلها الى قناة حكومية ، وتسليمها لرئيس هيئة الإذاعة الليبية ، في شهر ابريل 2009 ، بسبب اعتراض البعض على برنامج الاعلامى المصري الشهير حمدى قنديل الذى بدأ عرضه على القناة في مارس 2009 ، يوضح بجلاء مدى سهولة إتخاذ القرارات للأخ العقيد ، الذي يزعم عدم سيطرته على أي شيء وأن الأمور كلها في يد اللجان الثورية في ليبيا.

4- شئون النشر والكتب

وعلى صعيد السماح بنشر وتداول الكتب والمجلات والصحف على ليبيا، لا تزال سلطات الرقيب الجمركي تمنع دخول أغلب الصحف العربية والدولية، ولا تسمح إلا بدخول صحيفة “العرب الدولية” بسبب إنحيازها الواضح للنظام الليبي وآرائها المؤيدة له، كما لا تزال “مجلة عراجين”، وهي مجلة ليبية ثقافية تصدر من القاهرة، ممنوعة من الدخول إلى البلاد.

ولم تكن دعوة أحد أنجال القذافي (سيف القذافي) لإلغاء وزارة الإعلام مناديا بـ ” إلغاء وزارة الإعلام بشكلها المعتاد، معتبرا أنه عندما تكون هناك وزارة إعلام في أي دولة معناه ليست هناك حرية، لأنه ستكون هناك رقابة على المطبوعات والنص وعلى الصحافة والرقيب”.”16 ” سوى درب من الدعاية الجوفاء لمؤسسته التي افتتحها بإسم مؤسسة الغد التابعة لمؤسسة القذافي التي يرأسها ، اذ لم تمض عدة أيام حتى جاءت تصريحات السيد أحمد إبراهيم ـ الذى يمثل الخط الذى يوصف بالثوري ـ أثناء توليه لرئاسة ” المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر ” فى 13 مايو 2008 .. التى قال فيها ، بعد تأكيده أن حرية التعبير خدعة غربية ( ..إن الصحافة الديمقراطية هي التى ينص عليها الكتاب الأخضر ، أي التى تصدرها لجنة شعبية ممثلة لكل فئات المجتمع ..)..”17 “

ثانيا : التظاهر والتجمع السلمي :

تم حظر التظاهرات والإعتصامات والإضرابات السلمية كصوره من صور التعبير الجماعي من قبل القطاعات والفئات الشعبية والمهنية والطلابية، بعد أن كانت جميع القطاعات الشعبية والمهنية تتمتع بهذا الحق في ظل الحكم الملكي، حيث شهد عقدي الخمسينات والستينات عدداً من التظاهرات والمسيرات والاحتجاجات السلمية والإضرابات العمالية العفوية، إلا أن هذا الأمر توقف تماماُ بعد ثورة 1969بدعوى أن كل المطالب الشعبية تحققت أو سوف تتحقق على يد قادة ثورة الفاتح ، وأصبح التعبير عن الرأي والتوجهات والآراء السياسية بالصورة التي كانت تتم في السابق بمثابة “الخيانة العظمى” ، ومنعت كافة المظاهرات المعارضة لثورة الفاتح او لسياسة القذافي وسمح فقط بالمظاهرات المؤيدة للثورة من اجل استجداء التأييد والمساندة . ” 18 “

وفي عام 1972 أصدر “العقيد” القذافى أمرا شفهياً ثم كتابيا عمم على سائر الدوائر والمؤسسات والشركات والإدارات الحكومية في ليبيا ينص على ” إخراج العاملين والموظفين في المسيرات والتظاهرات التى تنظمها السلطة ، ومعاقبة المتخلفين عن ذلك والرافضين للمساهمة فيها “، وكذلك الحال بالنسبة للنقابات العمالية والمهنية المختلفة، ووصل الأمر في معظم الأحيان الى حد دفع مبالغ مالية للمتظاهرين سواء كانوا ليبيين أو عرب أو أجانب ، ووفقا لما نشره موقع ليبيا الحرة على منتدى الحوار به فإن المظاهرات التى خرجت لتعبر عن رأي القطاعات الشعبية المختلفة والطلابية الحرة رافضة لنظام القذافي وممارسته بداية من عام 1972 وحتى 1976 فقد تعرض المشاركون فيها إلى أبشع صور القمع واعتقل الألاف من عناصرها وأودعوا السجون والمعتقلات، وتعرض عدد كبير منهم الى التعذيب، وقتل بعضهم أو شنق في الميادين والساحات، وشرد الكثيرون منهم فى المنافى ، ولا ننسي هنا ان القذافى لم يتوانى عن اطلاق أوامره الشخصية فى ابريل 1984بإطلاق النار على المتظاهرين الليبيين الذين تظاهروا أمام مكتبه الشعبي بالعاصمة البرطانية حيث سقطت شرطية إنجليزية.

وفى فبراير 2007 حاول عدد من أصحاب الرأى والناشطين السياسين القيام باعتصام سلمى فى ميدان الشهداء بطرابلس فقامت سلطات الأمن واللجان الثورية بالإعتداء عليهم وعلى ذويهم ووجهت لهم تهم كاذبة . “19 “

ثالثا : تجريم حق تكوين الأحزاب

تصنف ليبيا على انها من أبرز دول العالم التى تمنع إقامة أحزاب سياسية ، فوفقا للوثيقة الصادرة عن مؤتمر الشعب العام ” الهيئة التشريعية ” فالاحزاب السياسية ممنوعة ويعتبر كل من يمارس الحياة الحزبية خائن وعميل ويقف امام نهضة وتطور البلاد ، ورغم ذلك ظهرت عددا من الحركات السياسية المعارضة، وكان تيار الجماعة الإسلامية ” الاسم الليبي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا” هو الاكثر ظهورا على الساحة .”20 ” .

وفي لقاء مع قناة الجزيرة الفضائية عام 2005 ،قال سليمان عبد القادر ، المراقب العام للإخوان المسلمين في ليبيا “ما عندنا الآن هم الإخوان الموجودين داخل السجن.. خارج السجن لا ليس عندنا أي عدد من الإخوان، كل الإخوان اعتُقلوا وموجودين داخل السجن””21 “

أما عن القوى الأخرى مثل اليسار فليس هناك أوضح مما قاله العقيد القذافي في 15/4/1973م في مقدمة إعلانه عن قيام ما أسماها بالثورة الشعبية ” أنا لا أقبل أن واحد يسمم أفكار الناس وهو ليس بقادر على قبول التحدى… هذه حصلت فى الجامعة وحصلت فى الشارع،… وعليه أنا اقول لكم أى واحد نجده يتكلم عن الشيوعية أو فكر ماركسى أو إلحادى سوف يوضع فى السجن. وسأصدر الأمر لوزير الداخلية بتطهير أى مجموعة من هؤلاء الناس المرضى… وإذا وجدنا أى شخص من الإخوان المسلمين أو حزب التحرير الإسلامى يمارس نشاطاً سرياً إعتبرناه يمارس نشاطاً هداماً مضاداً للثورة التى قامت من أجل الشعب سنضعه فى السجن… وهناك أناس اعرفهم سكتُ عنهم وسامحتهم، ولكن لا يمكن أن نسمح لهم بعد اليوم بتسميم أفكار الشعب… معنى هذا أن هناك أناس عليهم أن يجهزوا أنفسهم من الأن لأنى سأضعهم فى السجن.”

ولا يجب ان ننسي هنا الواقعة الشهيرة للعقيد القذافى اثناء زيارته إيطاليا مؤخرا حين نصحها بإلغاء كافة الاحزاب السياسية قائلا ” لو كان الامر بيدى لألغيت الأحزاب السياسية ومنح الشعب الايطالي السلطة المباشرة ووقتها انه لن يكون هناك يمين ولا يسار ولا وسط فالنظام الحزبي يجهض الديمقراطية” .”22 “

إهدار الأموال الليبية

وفقا لما أورده الدكتور محمد يوسف المقريف رئيس ديوان المحاسبة الأسبق وسفير ليبيا في الهند فى مقالته عن مأساة ليبيا ومسئولية القذافي في عام 2002 ، فقد أنفق النظام الليبي بعد الثورة ما لا يقلّ عن 40% من عائدات ليبيا النفطية على شراء السلاح وتكديسه وعلى الإنفاق العسكري!! و أن الرائد عبد السلام جلود أورد في خطاب ألقاه بمدينة سرت خلال ما عُرف بعيد الوفاء الذي أقيم في الذكرى العشرين للانقلاب اوائل ابريل عام 1989 أنّ النظام أنفق منذ قيام الانقلاب وحتى ذلك التاريخ ما نسبته 22% من عائدات ليبيا النفطية (أي نحو 44 مليار دولار) على تمويل ودعم ومساندة حركة الثورة العالمية وحركات التحرّر مضيفا أن القذافي لم يكن سعيداً بإنفاق هذا المبلغ على حركات التحرّر ، حيث يجده أقل من اللازم “23 “

و حسبما يشير نفس المصدر ، فقد ساعد القذافي في تمويل ورعاية عمليات وحركات فى اكثر من 40 دولة عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية ، ونحو (127) عملية.”24 “

وهو ما أسفر عن قيام قرابة (50) دولة عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية وأمريكية بقطع أو تجميد علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الأخ العقيد قائد الثورة.”25″

وفي 16 أغسطس 2009 ، نقلت شبكة ال”بي بي سي” عن جريدة التيليجراف مقالا للكاتب ديفيد بلير قال فيه” أن القذافي عمل خلال السبعينات والثمانينات كممول لعدد من الجماعات الارهابية بما في ذلك الجيش الجمهوري الايرلندي، وأن العديد من القادة الملطخة أيديهم بالدماء تمتعوا بدعم القذافي بما في ذلك عيدي أمين في اوغندا وشارلس تايلور في ليبريا” “26”

الفائدة الأساسية للكتاب الأخضر، التربح والثراء السريع

شرع القذافي في تأليف “الكتاب الأخضر” في عام 1975 ، و صدر الجزء الأول منه في 3 يناير1976، ويتناول ما أطلق عليه “مشكلة الديمقراطية – سلطة الشعب”، وأصبحت مقولات هذا الكتيّب منذئذ المرجعية السياسية لنظام الحكم في ليبيا ، ويضم الكتاب ثلاثة فصول الأول تناول الركن السياسي عن مشاكل السياسة والسلطة في المجتمع ، والثاني الركن الاقتصادي فيه حلول المشاكل الاقتصادية التاريخية بين العامل ورب العمل ، و الثالث الركن الاجتماعي وفيه اطروحاته عن الأسرة والأم والطفل والمرأة والثقافة والفنون .”27 “.

وقد أنشئ المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 1485 بتاريخ 9 اكتوبر عام 1981 ، بناءً على قرار “جماهير المؤتمرات الشعبية الأساسية” أيماناً والتزاما منها بضرورة تسخير المعطيات الفكرية والمفاهيم الإستراتيجية والأساليب الديمقراطية الكامنة بفكر النظرية الجماهيرية (الكتاب الأخضر).

ووفقا لتعريف المركز له فالكتاب الأخضر ليس الا المحصلة النهائية لكفاح الشعوب ونضالها ضد أنظمة الاستغلال والعبودية وتقديماً لكل الحلول والأفكار الجذرية (التطبيقية) لجميع المشاكل والإشكاليات المجتمعية على صعيد الساحة المحلية والإقليمية والعالمية”28 “

ومنذ صدور الكتاب الأخضر ، وما أعقبه من نشأة المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر بتمويله الهائل، فقد أصبح هذا الكتاب مصدرا للرزق والثراء السريع للآلاف من الكتاب والصحفيين وغيرهم في الوطن العربي أو العالم ، سواء عبر إنشاء مراكز تتبع هذا المركز ، أو تناول الكتاب نفسه بالبحث والدراسة ، رغم علم الجميع أنه قد يزيد قليلا عن كتب الأطفال ، لكنه لا يرقي لكونه كتاب جاد.

وحول العائد المالي الضخم الذي يحصل عليه أي مشارك في أحد أنشطة المركز يقول جمال عيد”خمسمائة دولار حصلت عليها نتيجة محاضرة متواضعة عن حرية التعبير على الانترنت في مؤتمر هزيل حول الإعلام الإليكتروني عقد بمقر المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، كنا أكثر من مائة مشارك ، إقامة وتذاكر سفر ، ومقابل مادي ضخم ، ماذا لو كنت كتبت مقالا يمدح أو يثني على هذا الكتاب الساذج””29 “.

ووفقا لما نشرته جريدة الرياض السعودية فقد حفل الكتاب بعدد من الملاحظات التي اقل ما يمكن أن توصف بها بالسذاجة حيث انه يوضح في مقطع منه حينما يتحدث عن الاختلافات بين المرأة والرجل فيقول «الرجل لا يحمل» إلى الآراء المتعصبة وذلك حين ادعى بأن السود في العالم يتكاثرون بلا حدود لأنهم «يمارسون الخمول في جو حار دائم» و تصل المقالة إلى نتيجة مؤداها أن “عدداً قليلاً من الناس خارج ليبيا وعدداً متناقصاً داخل ليبيا نفسها يحملون الكتاب محمل الجد. ومثل العديد من الأشياء هنا يحاول المركز تغيير النظرة للكتاب” .”30 “

وسوف يفاجأ المتصفح لقائمة المتربحين من الكتابة حول الكتاب الأخضر والمشاركين في أنشطة المركز المسمى بضخامتها ويفزع من كم الأسماء والمؤسسات التي أثرت بشكل كبير ، حيث ضمت القائمة اسماء أكاديميين من أغلب بلدان العالم ، ونشط العديد من الكتاب والصحفيين والمنافقين بإفتتاح فروع للمركز في بلدانهم ، أو المشاركة بأورق بحثية ، بحيث باتت الكتابة عن الكتاب الأخضر مهنة مربحة أكثر في بعض الأحيان عن العمل في بلدان النفط ، ويمكن مراجعة أنشطة المركز والمتعاونين معه عبر موقعه على شبكة الانترنت.”31″.

سياسة ليبيا تجاه المعارضين :

استمر اغتيال المواطنين الليبيين فى داخل وخارج ليبيا وإعدام السجناء المحتجزين فى ليبيا تنفيذا كما يبدو للسياسة الرسمية الداعية الى التصفية الجسدية لخصوم الحكومة السياسيين ، ومن المعتقد ان هناك المئات من السجناء السياسيين وسجناء الرأى محتجزين دون توجيه تهم اليهم ، وقيل ان بعضهم سجنوا بعد محاكمات غير عادلة او ظلوا فى السجن رغم تبرئتهم او انقضاء فترة حكمهم ، ويقال ان هناك سجناء كثيرين محتجزين فى مراكز اعتقال سرية وانهم عرضة للتعذيب ،وتعرض المنفيون الليبيون للاعتداءات المتكررة ومنهم محمد فهيمة الذي اغتيل فى اثينا ويوسف خربيش فى روما ونجا سفير ليبيا السابق من محاولة لاغتياله فى فيينا كل هذا عام 1987 فقط ، ولم يعرف ما اذا كان المسؤولون عن هذه الاعتداءات يتصرفون بناء على اوامر مباشرة من السلطات الليبية ، الا ان حوادث الاغتيال بدت متناسقة مع نمط من الاعتداءات على مناوئي الحكومة سبق وادعت السلطات الليبية مسئوليتها عنها . “32 “.

وفى 17 فبراير 1988 شاهد الشعب الليبي بعض مشاهد إعدام تسعة مواطنين ، حيث إعدم 6 منهم بالإعدام شنقا و3 رميا بالرصاص وقيل ان معظمهم ينتمون الى مجموعة معارضة باسم ” الجهاد “،و ورد ان محكمة ثورية فى بنغازي حكمت عليهم بالإعدام بعد اتهامهم باغتيال مواطنين ليبيين ومحاولة اغتيال خبراء سوفيت ، وكان ذلك بعد ان دعت المؤتمرات الشعبية الأساسية فى جميع إنحاء ليبيا فى أكتوبر 1986 الى التصفية الجسدية لثمانية اشخاص وصفوا بأنهم ” اعداء الله ” ، ووصف القذافى فى خطبته امام المؤتمر الشعبي عمليات الاعدام بأنها دروس مفيدة جدا .” 32″.

ومنذ أوائل السبعينات تم احتجاز اكثر من 199 مواطن ليبي وزاد عددهم الى 400 مواطن منذ اوائل عام 1989 بالاضافة الى اعتقال العديد من المدنيين والعسكريين فى اعقاب التمرد العسكرى فى اكتوبر 1993 وعزلهم فى مكان مجهول .”33 “.

وعندما أعلن القذافى عن عمليات التطهير عام 1996 القي القبض على العديد من رجال الاعمال واصحاب محلات الذهب وشركات الاستيراد والتصدير وشكل القذافى لجان ” البركان ” من الشباب الثوريين لمداهمة محلات الاغذية ومصادرة البضائع بحجة بيعها بسعر اعلى ووصل عدد المعتقلين خلال هذه الفترة الى اكثر من 1200 شخص .”35 “

واعتقل غير الليبيين المقيمين فى ليبيا لأسباب غير قانونية فعقب صدور قرار محكمة العدل الدولية فى لاهاى فى فبراير 1994 بحسم الخلاف على شريط اوزو الحدودى مع تشاد لصالح الاخيرة اعتقلت ليبيا اكثر من 400 تشادى فى طرابلس وحدها وعدد كبير من نيجيريا والاردن والصومال لأسباب ادعت انها تتعلق بتصاريح العمل .”36 “

وفى منتصف عام 1995 نشرت الرابطة الليبية لحقوق الانسان قائمة بأسماء 21 شخص تم خطفهم قسرا ولم يعرف مصيرهم ومنهم الامام ” موسى الصدر ” الزعيم الشيعي والذي اختفي اثناء زيارته ليبيا اواخر أغسطس 78 وقالت ليبيا انه غادر الى روما ، بينما اتهمت حركة ” أمل ” الشيعية فى لبنان ليبيا باختطافه فرد القذافي باتهام “نبيه برى” زعيم حركة أمل باختطافه ليحل محله فى زعامة الحركة الشيعية في لبنان”37 “.

ويعتبر ملف السجناء السياسيين والمفقودين والمغيبين في داخل السجون الليبية من أهم الملفات التي تبين حجم الانتهاكات التي ترتكبها الدولة الليبية في حق مواطنيها وبالرغم من أن ليبيا وقعت على أغلب الاتفاقيات المتعلقة بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإنها من أكثر الدول التي تنتهك حقوق السجناء السياسيين ورغم النفي المطلق من قبل السلطات لوجود سجناء رأي ، فقد انتشر في ليبيا مجموعة من السجون والمعتقلات أقدمها وأكبرها : سجن أبوسليم طرابلس / سجن عين زارة طرابلس / سجن الكويفية بنغازي كما ينتشر مئات من مراكز الحجز المؤقتة ومكاتب التحقيق التابعة لأجهزة الأمن المختلفة ، وتتضمن وسائل التعذيب الضرب بالأيدي والأقدام والأحزمة والعصي والأسلاك الكهربية، والتعليق في أوضاع ملتوية ومؤلمة مع الضرب، واستخدام الصدمات الكهربية، والاغتصاب والعنف الجنسي والتهديد باغتصاب زوجات المعتقلين وبناتهم لإجبارهم على الاعتراف فضلا عن المعاملة غير الإنسانية التي يعامل بها السجين داخل السجن كأن يجبر في مرات عديدة على شرب بوله ، ونتيجة غياب الرقابة من قبل الدولة أو منظمات حقوق الإنسان على السجون والمعتقلات في ليبيا فان العشرات من ذوي وعائلات المسجونين السياسيين قد فقدوا الأمل في حياة أبنائهم وأقاربهم ويعتقدون بأنهم قد ماتوا إما تحت التعذيب أو نتيجة الإهمال الصحي أو قتلوا في حادثة القتل الجماعي في سجن ( بوسليم ) والتي عرفت بمذبحة سجن بوسليم .”38 “

ابرز النقاط السوداء فى سجل القذافي : مذبحة سجن أبو سليم

تعتبر مذبحة سجن أبو سليم من ضمن الجرائم الأشد ضد الإنسانية ، ففي 29 يونيو عام 1996 وقعت المذبحة التي راح فيها نحو 1200 سجين سياسي .

ارتكبت السلطات الليبية مجزرة في أكبر معاقلها السياسية ( سجن بوسليم )عام 1996 وذلك عندما فتحت فوهات أسلحتها الخفيفة والثقيلة في حق سجناء عزل ذنبهم الوحيد أنهم أعلنوا تمردا وإضرابا داخل السجن نتيجة الأوضاع الصحية السيئة والمعاملة الغير إنسانية واحتجاجا على أصناف التعذيب والاهانة واستمرار حبسهم دون تقديمهم لأي محكمةو بعد عملية تفاوض مع السجناء الذين كانوا قد احتجزوا أحد حراس السجن لساعات طويلة اشترط فيها السجناء أن يسمح لهم بالاتصال الخارجي وأن يقدموا الى محاكم بدلا من الاستمرار في حبسهم دون أي تهم وتحسين المعاملة ووقف التعذيب فوافقت السلطات مقابل اطلاق سراح الحارس المحتجز . وبعد اطلاق الحارس جاءت الاوامر من الجهات العليا بإنهاء التمرد بطريقة وحشية بعد أن تم جمعهم في باحة كبيرة واطلق عليهم الرصاص بشكل عشوائي حصد أرواح المئات منهم وقد قامت مؤسسة الرقيب بتسجيل وتوثيق الحادثة كاملة عن طريق أحد الشهود على هذه المجزرة

وحتى تاريخ هذا اليوم فإن السلطات الليبية وبالرغم من اعتراف العقيد معمر القذافي بالحادثة لم تقم حتى هذه اللحظة بأي خطوات جادة لمعالجة ملف هذه القضية كما لم تقم بتقديم أي اسم من أسماء الضباط الذين أشرفوا على العملية للعدالة وفي الوقت الذي تقوم السلطات الليبية بتعويض جميع الضحايا الغربيين والامريكان فان عائلات ضحايا مذبحة سجن بوسليم والذين يقدر عددهم بالمئات ( قرابة 800 ) لايزالون ينتظرون أن يمارس المجتمع الدولي كل مايملك من وسائل الضغط المتاحة على النظام الليبي كي يقوم بالتحقيق في ملابسات هذه الحادثة المأساوية ونشر نتائجه وأسماء القتلى على الرأي العام وتعويض أهالي الضحايا ومعاقبة المسؤولين.” 39″

القذافي و الاختفاء القسري لليبيين

لعل قصة رواها أحد ابناء العقيد القذافي توضح لنا البساطة التي يختفي بها المواطنين في ليبيا ، وكيف يتم قتلهم بدم بارد ، يقول السيد سيف القذافي ” في أحد الأيام من عام 1986 أو 1987 ، حينما كان في المدرسة الثانوية جاءه مواطن وأخبره أن الأمن الليبي قد القى القبض على والده ، وكل مايرغبه المواطن أن يعرف هل والده حي أو ميت ، وبعد أكثر من عشرين عاما ، أجاب السيد سيف القذافي ببساطة ، عندي إجابة الآن لهذا الشخص ، أن والدك ميت أولا ، وتم قتله أو إعدامه بشكل غير قانوني وغير شرعي وقتل في غابة وفي قبر مجهول”40″

هكذا ببساطة ، إختفى مواطن ، وظلت أسرته أكثر من 20عاما دون أن تعرف مصير عائلها ، ليجيب السيد القذافي أنه ميت !!

إنها قصة الألاف من المواطنين الليبيين الذين أختفوا أو قتلوا بدم بارد سواء في غابة أو قبر مجهول ، من يهتم في ليبيا بحياة المواطن الليبي؟!!

مازالت هذه مشكلة الإختفاء القسري قائمة بالرغم من المطالب المتكررة بضرورة الإفصاح عن أماكن المحتجزين بشكل صريح وواضح، ومن أشهر هذه الحالات -وذلك على سبيل المثال لا الحصر- اختطاف واختفاء كلا من: منصور الكيخيا ، عزت المقريف ، جاب الله مطر، الشيخ موسى الصدر ورفاقه .”40 “.

وقد سجلت منظمات حقوق الإنسان الليبية والدولية أكثر من 300 حالة موثقة قامت السلطات الليبية بإبلاغ ذويهم بوفاة أبنائهم في ظروف غامضة ولم تسلمهم الدولة شهادة للوفاة أو الجثة كما أن الدولة الليبية ترفض أن تبلغ عن سبب الوفاة كما أن منظمة التضامن من أجل حقوق الإنسان / جنيف أصدرت قائمة بأسماء 258 سجيناً فقد أقاربهم الاتصال بهم منذ اعتقالهم. وفي بعض الحالات، اعتُقل السجناء كما يبدو بدون تهمة أو محاكمة طوال أكثر من عقد من الزمن. وفي حالات أخرى، يعتقد أنه حتى الأشخاص الذين برأت ساحتهم المحكمة ما زالوا معتقلين رغم أن عائلاتهم لم تسمع أخباراً عنهم منذ سنوات ، ومن أبرز الشخصيات المختفية قسرا في سجون النظام الليبي والتي يعتقد بأنه قد تمت تصفيتهم داخل المعتقلات الليبية ومراكز الحجز والشرطة :

* منصور الكيخيا دبلوماسي ليبي وناشط بارز لحقوق الإنسان والأمين العام للتحالف الليبي الوطني، اختفى في القاهرة بمصر العام 1993. عندما كان يحضر المؤتمر العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة وشوهد للمرة الأخيرة مساء 10 ديسمبر/كانون الأول 1993 في فندق السفير.

* جاب الله حامد مطر وعزت يوسف المقريف، اثنان من الأعضاء البارزين في الجماعة الليبية المعارضة “جبهة الإنقاذ الوطني لليبيا” وقد “اختفيا” في القاهرة في مارس/آذار 1990. ومكان وجودهما منذ ذلك الوقت غير معروف، على الرغم من ورود أنباء تؤكد أنهما قد سُلما إلى السلطات الليبية.

* “اختفى” الإمام موسى الصدر، وهو رجل دين شيعي بارز إيراني المولد ويحمل الجنسية اللبنانية، مع شخصين آخرين ، خلال زيارة قاموا بها إلى ليبيا في العام 1978.وفي 1 سبتمبر 2002. وفي خطاب مشهور اعترف العقيد بان الصدر قد اختفى في ليبيا

* عمرو خليفة النامي أستاذ الدراسات الإسلامية والحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة كمبردج اختفى في سجون النظام الليبي منذ اعتقاله الأخير سنة 84 م وتشير بعض الأنباء الغير مؤكدة بأن الدكتور عمرو قد مات تحت التعذيب وحتى تاريخ اليوم أي بعد 25 عاما لا تزال أسرته وأولاده بانتظار مصير والدهم . “41 “

محكمة الشعب الإستثنائية

محكمة الشعب : أداة من أداوت القمع السياسي وهي محكمة تصنف بأنها استثنائية ( غير شرعية ) ولا تتقيد بالمعايير الدنيا للمحاكمات العادلة وقد أنشئت محكمة الشعب بموجب القانون رقم “5” لسنة 1988 إلاّ أن التعديلات اللاحقة للقانون المذكور خاصة التعديل الذي أدخل بموجب القانون رقم “3” لسنة 1997 قد جعل من هذه المحكمة وذراعها مكتب الإدعاء الشعبي أداة من أدوات الحكم وتحقيق رغبة السلطة التنفيذية الحاكمة وليس أداة من أدوات تحقيق العدالة ومن خلال متابعة القضايا التي يتولاها مكتب الإدعاء الشعبي ومحكمة الشعب يمكن استخلاص ما يلي:-

  • حاول مكتب الإدعاء الشعبي دائماً تغطية الممارسات التعسفية للسلطة التنفيذية من حيث قيامه شكلا بالإفراج عن المتهم الذي يُجلب إليه محبوسا بطريقة قانونية لمدة طويلة (وصلت إلى سنين عديدة) ثم القبض عليه في ذات الوقت من جديد.
  • تقوم دوائر محكمة الشعب بعرض أحكامها قبل صدروها وخاصة في القضايا الهامة لأخذ موافقة السلطة التنفيذية الحاكمة عليها وهو ما يُخل باستقلالية وحيادية المحكمة.
  • صدرت أحكام ببراءة متهمين مما أسند إليهم وبالرغم من ذلك فقد ظلوا رهن الحبس مدة طويلة .
  • عدم وجود ضمانات للمحامين من مزاولة واجبهم تجاه موكليهم وذلك بمنعهم من ممارسة هذه الحقوق من قِبل مكتب الإدعاء الشعبي مما يُعد إخلالاً بالضمانات الأساسية للدفاع أمام محكمة الشعب.
  • عدم تمكين الدفاع من الإطلاع على ملفات موكليهم الأمر الذي يعتبر إنتهاكا وخرقا لحقوق موكليهم. إن القواعد القانونية لمحكمة الشعب تجعل من تحقيق العدالة أمرا مستحيلا لذلك يطالب المحامون دائما والقانونيون ومنظمات حقوق الانسان بضرورة إلغاء محكمة الشعب واستبدالها بقضاء عادل قادر على الحكم في القضايا المعنية”42″

وقد اتخذ مؤتمر الشعب العام قراره في 12 يناير 2005 بإلغاء محكمة الشعب ، وكانت منظمة العفو الدولية في زيارتها إلى ليبيا في فبراير 2004 طالبت بإلغاء هذه المحاكم التي ابتدعها العقيد القذافى لإضفاء الشرعية القضائية على مطارداته لمعارضيه وجاء إلغاء هذه المحكمة نتيجة ضغوط دولية لما روج عن هذه ‏المحكمة من جور ٍ وأحكام لحقها الظلم والبُهتان أدت إلى انتهاك صارخ لحقوق الإنسان. وبدلا ً من ‏نظر هذا النوع من القضايا أمام القضاء العادي وتحويلها إليه , والتي اضطلعت بها محكمة الشعب ‏بالسابق تم إنشاء محكمة أمن الدولة ونيابة أمن الدولة لتحل محل محكمة الشعب كنوع من ‏التحوير لأدوات النظام القمعية ، والغريب في الأمر أن إلغاء محكمة الشعب أعقبه بفترة قصيرة جدا إنشاء محكمة تحت اسم ” محكمة امن الدولة وذلك أواخر 2007 تنظر ذات القضايا التي كانت محكمة الشعب تنظرها مثل قضايا تجريم الحزبية وحماية الثورة وترويج أفكار ونظريات ضد نظام الدولة ، لتكون هذه المحكمة باختصار أداة من أدوات النظام للدفاع عن نفسه بإصداره قوانين لحمايته و بتفعيل القوانين الخادمة لمصالحه فقط وإهدار القوانين الكافلة لحق المواطن. “43 “

القذافي و الصحافة العربية والأفريقية

بذل العقيد القذافي كل جهد من أجل أن يسكت أصوات الصحافة المعارضة له في أنحاء العالم العربي كما نجح في إسكاتها داخل ليبيا، ومؤخرا نجح القذافي في مقاضاة ثلاثة صحف مغربية هي ” المساء ،الجريدة الأولى والأحداث المغربية” يتهمها بإهانته و التعدي على كرامته وذلك على خلفية بعض المقالات التي تناولته بالنقد ،وقد حكمت المحكمة في هذه القضية بتغريم الصحف الثلاثة 370 ألف دولار” وكأن القذافى بعد أن أطاح بحرية الصحافة في ليبيا ، بدا يوجه خبراته في ملاحقة الصحافة والصحفيين العرب بشكل عابر للحدود . “44” وقائمة الصحفيين الذين لا حقهم الزعيم القذافي لاسيما في العالم العربي أو في افريقيا طويلة جدا منهم :

1- قضية ضد الصحفي المصري إبراهيم عيسى ، رئيس تحرير جريدة الدستور وبلال فضل الصحفي بذات الجريدة ،بسبب مقاله عن الرجل الأخضر في أكتوبر 2006 ، ونفي إبراهيم عيسى الاتهام المنسوب إليه بأنه اشترك في الإساءة لرئيس دولة صديقة، مؤكداً أن المقال ،ينتمي إلي الكتابة الساخرة، ويندرج تحت النقد المباح .

2- وفى نهاية عام 2003 أقام القذافى دعوى قضائية ضد 14 صحفي مصري بعد حملة صحفية هاجمته فيها الصحف المصرية بالتخلي طواعية عن إنتاج كافة أسلحة الدمار الشامل واتهمهم القذافى بسبه وقذفه وبعض هذه القضايا ذهبت الى النائب العام المصري مطالبة بإحالة المشكويّن على المحاكمة الجنائية، وحينها علق وزير الإعلام المصري السابق صفوت الشريف قائلا ” إن الحكومة الليبية لا تعترض على الحوار الموضوعي، لكنها تعترض على بعض الألفاظ التي تسيء للأشقاء في ليبيا معرباً عن رفضه تلك الممارسات قائلاً إنها تسيء إلى مهنة الصحافة وتمثل خروجا على ميثاق الشرف الصحفي ” ، لكن مصير هذه القضايا سرعان ما دخل زاوية النسيان إلي حين إشعار آخر.

3- بسبب مقال تحت عنوان “كلام في الهواء” للصحفي سليم عزوز في جريدة الأحرار تمت محاكمة الصحفي ورئيس التحرير بتهمة الإساءة والإهانة للشعب الليبي ولشخص قائده وزعيمه العقيد معمر القذافي. وطالبت الدعوى التي أقامها رئيس ادارة قضايا الدولة في «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى» بوصفه النائب القانوني عن الدولة الليبية ومؤسساتها، بتعويض مليون جنيه مصري على ان يتم التبرع بهذا المبلغ الى مستشفى سرطان الاطفال الجديد في مصر. إلا أن المحكمة قضت في ابريل 2004 ،برفض الدعوى وألزمت القذافي بالمصاريف، وجاء في حيثيات حكمها ان العبارة السابقة كانت مجرد مدخل في المقال الذي جاء دفاعا عن الصيادين المصريين الذين قامت السلطات الليبية بالقبض عليهم بتهمة اختراق المياه الإقليمية الليبية.

4- فيما قضت إحدى المحاكم الجزائرية في الدعوى القضائية التي أقامها القذافى ضد جريدة “الشروق اليومي” بحبس مدير الجريدة “علي فضيل” والصحفية “نائلة برحال” لمدة 6 أشهر حبس نافذة وغرامة مالية قدرها 20 ألف دينار جزائري وكذلك دفع تعويض مالي لصالح القذافى قدره 500 ألف دينار جزائري، إلى جانب توقيف الجريدة عن الصدور لمدة شهرين كاملين ، ويشار إلى أن الصحيفة الجزائرية كانت أشارت في تقريرين نشرا في 12 و13أغسطس 2006 استنادا لزعماء قبائل الطوارق في الجزائر والنيجر ومالي طالبوا عدم كشف هويتهم إلى خطة مفبركة أعدها العقيد القذافي لزعزعة استقرار الجزائر باستخدام جماعات من الطوارق ذات “نزعة انفصالية.

5- ولم يتورع القذافي حتى عن مقاضاة وكالة أنباء فلسطينية لنشرها خبراً عن إعتلال صحته ، حيث أعلنت وكالة الأنباء الفلسطينية على الانترنت (معا) ان الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي كلف محاميا فلسطينيا رفع دعوى قضائية ضدها وضد رئيس تحريرها ناصر اللحام، لنشرها خبرا غير صحيح حول تعرض القذافي لجلطة دماغية في مايو 2007.

6- وفي يوليو 2004 قام العقيد القذافي برفع دعوى قضائية ضد جريدة الوطن السعودية بعد أن نشرت الجريدة مقالة افتتاحية بعنوان ” عقدة نقص ” علقت فيها على اقتراح العقيد بتغيير اسم فلسطين إلى ” اسراطين ” وقبول عضوية إسرائيل في جامعة الدول العربية.

7- وفي عام 2004 تقدم القذافي بدعوى قضائية لدى المحكمة الابتدائية بالرباط ضد “مصطفى العلوي” مدير تحرير صحيفة “الأسبوع” الأسبوعية، وذلك بسبب رسم كاريكاتوري للقذافي صدر على الصفحة الأولى للجريدة عقب إعلان ليبيا التخلي عن برامجها النووية.

8- و في فبراير 2009 أقام السفير الليبي بأوغندا دعوى قضائية بالتعويض ضد صحيفة “ذا رد بيبر” الاوغندية وقال رئيس التحرير الأوغندي أن محامي القذافي رفعوا دعوى تطالب بتعويض مليار دولار ضد صحيفته نتيجة تقارير الصحيفة التي ذكرت أن هناك علاقة حب تربطه بالملكة الأم في مملكة تورو وهي ارملة تدعى “بيست كيميجيشا”.

والقتل مصير الصحفيين المنتقدين:

1- محمد مصطفى رمضان ، صحفي عمل مذيعا في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية وكان مقيما في لندن ، وفي يوم الجمعة 11 أبريل 1980 وبعد فراغه من أداء صلاة الجمعة في مسجد لندن المركزي، وبينما هو يغادر ساحة المسجد ليلتحق بزوجته وإبنته اعترض طريقه شخصان أطلقا عليه الرصاص من مسافة قريبة في وضح النهار وأمام مرأى ومسمع المصلين والمارة. وأعلنت اللجان الثورية مسؤوليتها عن الجريمة بكل فخر واعتزاز. ومنعت أهله من استقبال جثمانه وإقامة جنازته أو دفنه في بلده فأعيد الجثمان للدفن في لندن. وتبجح موسى كوسا في مقابلة مع صحيفة التايمز اللندنية بتاريخ 10 يونيو 1980 بأن اللجان الثورية هي التي نفذت اغتيال محمد رمضان ومحمود نافع مؤكدا أن التصفيات ستتواصل على الساحة البريطانية. وفي مـحاكمة لم تستغرق أكثر من 44 دقيقة في لندن اعترف كل من بلحسن محمد المصري (28 سنة) ونجيب مفتاح القاسمي (26 سنة) – وكلاهما ليبي – بارتكاب تلك الجريمة النكراء “تنفيذا لحكم الشعب”. وصدر حكم على كل منهما بالسجن مدى الحياة.”45″

2- ضيف الغزال ” ربما طعنة سكين غادر أتعرض لها جزافاً من مسجون حصل على أعلى وأدق شهادات الإجرام. صار طليقاً لحسن سيرته وسلوكه..، أو خنجر مسموم لزنجى إجتاز الحدود بلا أوراق أقلها ما يثبت لياقته الصحية…!!؟؟ ربما حادث مروري أليم ومروع وغريب أتعرض له فجأة فى شوارع بلادنا المسروقة أو على طرقاتها الصحراوية من قبل ( شاحنة) يقودها صاحب رتبة عسكرية كبيرة…!!”

كانت هذه فقرة من مقال كتبه الصحفي ضيف الغزال قبيل اغتياله ففي 21 – 5 – 2005 حيث اختطف ضيف من قبل شخصين مسلحين ادعوا انهم من الأمن الداخلي الليبي ، فى طريق عودته من منزل احد الأصدقاء غربي مدينة بنغازي وكان برفقة الاعلامى محمد المرغني ، وقد صدقت نبؤه ضيف الغزال ، حيث تم العثور على جثته مهشمة الأصابع ومصابة بطلق ناري ومقيد اليدين. بعد تسعة ايام من اختفائه.

ونتيجة لرد الفعل الواسع سواء بداخل ليبيا أو خارجها على هذه الجريمة الوحشية ،” فقد تم القبض علي الجناة” وتمت محاكمتهم ،والحكم بإعدامهم في يوليو 2007 ، في محاكمة غامضة أثارت من الشك في الأمر أكثر مما أزالته ، ولم ينفذ الحكم ، مما خلق تفسيرات عديدة ، سواء ما تعلق منها بتهديد المحاكمين “كلمة المحاكمين بسبب كثرة الشكوك في حقيقة ارتكابهم للجريمة” بكشف الحقيقة ، أو بسبب ما أعلنه نجل القذافي وأحد المسيطرين على ليبيا من ترك الأمر بيدي أسرة ضيف الغزال ليقبلوا بالدية والصفح.

ولكن يبقى أن هذه الجريمة تمت ضد صحفي بنفس الوسائل التي يعاقب بها الصحفيين المنتقدين في ليبيا، وكان تهشيم أصابعه التي يكتب بها أوضح الأدلة على ذلك.

الصمت أمام الصحافة الدولية

يمكننا القول أن القذافي لم يدع اى كلمة نقد تكتب ضده في الصحف العربية إلا وقام بملاحقة و مقاضاة من كتبها ، ولكن العكس تماما كان مع الصحف الأجنبية التي تنتقده بأساليب اقوي وكلمات لاذعة ورغم ذلك لم يتحرك إزاءها وكأنها عبارات مدح .

1- ومن هذه الصحف جريدة الواشنطن بوست الامريكية التي أطلقت عليه لقب ” الديكتاتور ” حيث أورد التقرير السنوي الذي تصدره الجريدة لعام 2007 عن أسوأ حكام العالم تضمنت بعض الرؤساء والملوك العرب إلى جانب القذافي الذي وصفته بالديكتاتور ، وقال التقرير إن القذافي الذي وصل إلى الحكم وهو في السابعة والعشرين، قضى ما يقرب من عقد من الزمن في عداء مستحكم مع الولايات المتحدة، ولفترة طويلة كانت ليبيا ضمن القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وكما جاء في التقرير فإن الرئيس الليبي قد توقف في عام 2006 لمدة ستة أشهر عن تمويله للإرهاب، وكنتيجة لذلك قرر الرئيس الأمريكي جورج بوش في يونيه من نفس العام إزالة اسم ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبدأ النظام الليبي في السنوات الأخيرة جني ثمار التحول في سياساته اقتصاديا من خلال الاستفادة من الاستثمارات الجديدة في حقول النفط الضخمة ، والانفتاح النسبي مع الدول الغربية.”46″.

2- وفى 10-06-2004 ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الزعيم الليبي معمر القذافى صادق على خطة أعدتها الاستخبارات الليبية لاغتيال ولي العهد السعودي الأمير عبد الله لزعزعة امن المملكة ، وقالت الصحيفة أن اثنين من المشاركين في خطة الاغتيال وهم عبد الرحمن العامودي، احد قادة الجالية الإسلامية في أميركا المعتقل حاليا في الولايات المتحدة و محمد إسماعيل، ضابط استخبارات ليبي معتقل في السعودية أدلوا بمعلومات تفصيلية حول العملية للمحققين مؤكدين أن العقيد القذافى صادق شخصيا على الخطة ، وكان رد ليبيا من خلال سيف الإسلام القذافى نفى الاتهامات قائلا أنها “مجرد هراء” .”47 “

3- قالت منظمة “هيومان رايتس ووتش” في تعليقها على اعلان إيطاليا عن عزمها إعادة بعض المهاجرين الى ليبيا بمناسبة زيارة القذافي الى إيطاليا في يونيو 2009 أنها تمثل “احتفالا بصفقة وسخة بموجبها اتفق البلدان على ضرب حقوق اللاجئين والمهاجرين عرض الحائط”. وهو وصف قد يعرض حياة أي صحفي عربي إلى فقدان حياته أو حريته وأمواله على اقل تقدير اذا وصف به القذافي.”48″

4- فيما قالت منظمة العفو الدولية لساركوزي إنه يستقبل “ديكتاتورا” في تعريفها للقذافي ، وهو التعبير الذي تم الحكم بالتعويض ضد الصحفيين المغاربة حين وصفوه به.”49″

مؤسسة القذافي الخيرية وحقوق الإنسان:

قد لا يوازي حجم التمويل المنفق على ما يسمي” بالمركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر” سوى حجم التمويل الهائل الذي ينفق على ما يسمي بـ ” مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية” ، حيث تصل تقديرات البعض لحجم ميزانية هذه المؤسسة ما يعادل ميزانية دول صغيرة أو توصيل المياة والمرافق الأساسية لكل مواطني ليبيا المحرومين من هذه المرافق رغم أموال النفط الهائلة.

ويصدق على هذه المؤسسة قول الشاعر العراقي مظفر النواب ” يدافع عن كل قضايا الكون ، ويهرب من وجه قضيته1″.

فسوف تجد على موقع هذه المؤسسة ومن خلال تصفح الأنشطة التي قام بها ، مساعدات مالية لمواطنين وأنشطة في تشاد ، الفلبين ، النيجر ، السودان ، تايلاند ،سنغافورة ، باكستان ، بوركينافاسو ، سيراليون ، أفغانستان .. الخ ، لكن السيد سيف القذافي الذي يدير هذه المؤسسة ، الذي يشعر بالفخر بنفسه ، ويسعد بإطلاقه التصريحات “فقط تصريحات” مختلفة عن ممارسات والده ، لا يحرك ساكنا حينما تغلق جريدة أو يعتقل صحفي أو تؤمم قناة أو يختفي مواطن قسريا ، لاسيما وأن المؤسسة تستضيف نشاط حقوق الإنسان الذي تروج له أكذوبة جائزة القذافي لحقوق الإنسان ، ويبدو أن هذه المؤسسة تهتم فقط بحقوق الإنسان ، غير الليبي.

أما دورها في ليبيا فيقتصر على إنتقاد المؤسسات الحقوقية الليبية في الخارج ، ومهاجمة تقاريرها.

ألقاب القذافي

في أخر إجتماع قمة للرؤساء والحكام العرب في الدوحة 2009 ، توجه العقيد القذافي بالنقد للملك السعودي قائلا ” انا قائد أممي وعميد الحكام العرب وملك ملوك افريقيا وإمام المسلمين. مكانتي العالمية لا تسمح لي ان انزل لأي مستوى آخر. وشكرا”

إلا أن الألقاب التي اطلقها العقيد القذافي على نفسه في هذه الجملة لا تتضمن ألقابه الوحيدة ، فقد جمع القذافي وأختار أن يمنح نفسه العديد من الألقاب سواء المرتبطة بحدث نظمتها إحدى اللجان الثورية أو حسب ما ترائي له و التي تنم عن شعوره بالعظمة والتفرد منها :

  • “ملك ملوك أفريقيا”
  • ” ألأخ العقيد قائد الثورة”
  • ” أمين القومية العربية”
  • “عميد الحكام العرب”
  • “إمام المسلمين”
  • ” رئيس تجمع دول الساحل والصحراء”
  • ” قائد القيادة الشعبية الإسلامية”
  • ” المفكر والقائد الأممي”
  • “قائد ثورة الفاتح من سبتمبر”
  • “أمغار” أو قائد الطوارق
  • “الزعيم”
  • ” الأخ معمر القذافي قائد الثورة الليبية‏”

الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى : ولم يكن منطقيا أن يمنح القذافي نفسه هذه الألقاب وهو يدير ويسيطر على دولة صغيرة مثل ليبيا ، فكان أن قام بتغيير اسم ليبيا من ” الجمهورية العربية الليبية ” إلى “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى” حتى تتلاءم مع شعوره بالزعامة والعبقرية.

خاتمة

نجح نظام العقيد القذافي خلال 40 عاما نجاحا باهرا في إسكات أي صوت قد يتجرأ ليس على انتقاده أو انتقاد سياسته ، بل وإسكات أي منادي أو مطالب بدولة مؤسسات حقيقية ، بدلا من الأشكال الكاريكاتورية التي أبتدعها ، وقد نهج في سياسة الإسكات التي يتبعها كل الدروب والأشكال ، بداية من الملاحقة القانونية ، وحتى السجن والتعذيب ، وصولا إلى الإغتيالات والتصفية الجسدية ، ساعده في ذلك العائد النفطي الضخم لليبيا ، والذي تعامل القذافي معه تعامل الإنسان العادي في ثروته الخاصة ، وقد أسفرت هذه السياسات عن تفريغ شبه كامل لليبيا من الصحافة المستقلة أو المعارضة ، بحيث باتت المعارضة الليبية في الخارج هي المنافس الأكبر للمعارضة العراقية أثناء حكم صدام حسين للعراق من حيث الحجم والتأثير، على الرغم من قلة عدد سكان ليبيا مقارنة بالعراق.

وفي حين تحول العقيد القذافي إلى نصف إله ونصف ديكتاتور ، فقد أصبح ابنائه يسيطرون على مقاليد الحكم في ليبيا وثروتها بشكل يضاهي تصرف أبناء الإقطاعيين في أوربا العصور الوسطى .

وعلى الرغم من وجود مؤسسات حديثة من حيث الشكل ، مثل المؤسسات البحثية والوزارات التي سميت “أمانات” وتصديق ليبيا على أغلب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ، إلا أن حقيقة الأمر جعلت أنه ما من قانون يطبق في ليبيا سوى رغبات القذافي ، وما من دستور يلزم سوى الكتاب الأخضر الذي لا يتجاوز في افضل تقدير له كتاب أطفال في المدارس الابتدائية.

وكان لدور المجتمع الدولي ، سواء بالحصار الذي فرضه على ليبيا لسنوات طويلة ، أو نفاقه لنظام العقيد القذافي بعد دفع مليارات الدولارات كتعويضات عن عمليات ارهابية مارسها نظام القذافي لفترات طويلة ، فضلا عن أعداد هائلة من الكتاب والصحفيين والأكاديميين الذي شاركوا في إذكاء نزعة العظمة والسيطرة لدي هذا العقيد ، بمقابل مالي تم دفعه من أموال الشعب الليبي ، سواء عبر دراسات مزيفة عن عظمة الكتاب الأخضر أو تأسيس فروع له في الخارج ، أو إعلانات عن القذافي وإنجازاته الوهمية في ليبيا وفي الصحف العربية والدولية.

كل هذه ساهمت في صعوبة أن تتحول ليبيا لدولة حقيقية تحكمها المؤسسات وليس العقيد وابنائه.

ولا تجد الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، بديلا عن نضال سلمي وقانوني يقوده المواطنين الليبيين لفرض دولة القانون ، والمؤسسات ، تكون الأحزاب والصحافة المستقلة والسلطة القضائية والبرلمان هي أدواته الرئيسية ، فضلا عن فضح كل من اغترف من أموال الشعب الليبي في الداخل أو الخارج، وأن تتوقف الحكومات الغربية والأوروبية عن النفاق الذي تمارسه مع هذا النظام من أجل عقود نفطية او تجارية ، حيث تتم هذه التعاقدات من نظام يفتقد لأدني مصداقية أو شرعية.

أما الحكومات العربية ، فتأسف الشبكة العربية أن تعلن أن أغلبها لا يختلف كثيرا عن نظام القذافي ، وانه من المنطقي والطبيعي أن تؤيده هذه الحكومات ، حتى مع بعض الاختلافات الثانوية بين هذه الحكومات وحكومة القذافي ، فهي لا تغير في جوهر الطبيعة المشتركة بين حكومات غير ديمقراطية ، سواء أكانت ملكية أو جمهورية.

هوامش

“1” عقب انقلاب الفاتح من سبتمبر “ثورة الفاتح من سبتمبر” منح القذافي لنفسه رتبة عقيد.

“2” كان إسم ليبيا قبيل ثورة الفاتح من سبتمبر هو “المملكة الليبية المتحدة”.

“3 ” حقوق الإنسان في ليبيا ..حدود التغيير ، تقرير للكاتب أحمد المسلمان ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان .. 1999 .. ص 6 .

” 4 ” تقرير صادر عن منظمة ” هيومان رايتس ووتش ” بعنوان ” الأوضاع في ليبيا ” صادر في 12 سبتمبر 2006 .. ص 122

“5 ” انظر المرجع السابق “3 ” ص 18

“6 ” المزيد على قسم قانون ليبيا في :
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86_%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7

“7 ” موقع ليبيا ، ( حدث فى ليبيا .. الغاء الدستور الليبي ) ، بتاريخ 6 مارس 2009
http://www.libya-al-mostakbal.org/articles0309/alleebia_hadath06_060309.html زيارة تاريخ 26 يوليو 2009

“8 ” موقع الاتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الانسان ، مقالة الامين العام للاتحاد الشارف الغريانى ، نشرت بتاريخ 3 ابريل 2008 ،
http://www.libyanhumanrights.com/bayan21.htm ،زيارة تاريخ 28 يوليو 2008 “9 ” انظر المرجع السابق .

“10 ” موقع اللجنة الشعبية للعدل
http://www.aladel.gov.ly/main/modules/sections/item.php?itemid=33 زيارة 4أغسطس 2009.

“11 ” شبكة انا المسلم للحوار الاسلامى ، مقالة ” مأساة ليبيا..ومسئولية القذافي ” ، الدكتور محمد يوسف المقريف رئيس ديوان المحاسبة الأسبق و سفير ليبيا الأسبق لدى الهند ، بتاريخ 5 فبراير 2007 ،
http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=206230 ، زيارة تاريخ 4 اغسطس 2009

“12 ” موقع التضامن لحقوق الانسان ، الصحافة فى ليبيا تاريخها وابرز محطاتها ، 3 يناير 2006
http://www.libya-watanona.com/libya ، زيارة تاريخ 27 يوليو 2009 “13 ” انظر المرجع السابق .

“14 ” بيان صادر عن المؤتمر الوطنى للمعارضة الليبية بعنوان” اليوم العالمى لحرية الصحافة فى ليبيا توجد صحافة ولكن بدون حرية” ، بتاريخ 3 مايو 2009 ،
http://www.libya-nclo.com/LinkClick.aspx?link=617&tabid=36&language=en-US ، زيارة تاريخ 30 يوليو 2009

“15 ” خصم عنيد الإنترنت والحكومات العربية ، تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، في ديسمبر 2006 ،
http://www.openarab.net/ar/node/104 زيارة 28يوليو 2009.

“16 ” جريدة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ 26ابريل 2008.
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=468434&issueno=10742 زيارة 2أغسطس 2009.

“17 ” عـناوين من المشهد الإعـلامي الليبي ، مقال عيسى عبدالقيوم ، في موقع ليبيا وطننا في 20يونيو 2008.
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea20068a.htm زيارة 11 أغسطس 2009.

“18 ” موقع ليبيا وطننا ، مقالة الخطوط الحمراء.. الدستور والقوانين ، الكاتب بقـلم : فوزي عـبدالحميد ،بتاريخ 10 مارس 2008 ،
http://www.libya-watanona.com/adab/forfia/fo10038a.htm ، زيارة تاريخ 30 يوليو 2009

“19 ” موقع ليبيا الحرة ، مقالة “النظام الليبي مستمر في التضليل وتزييف الحقائق ” صادر عن جبهة التبو لانقاذ ليبيا ، بتاريخ 21 نوفمبر 2008 ،
http://www.libya-alhora.com/forum/showthread.php?t=37140 ، زيارة تاريخ 27 يوليو 2009

“20 ” موقع الجزيرة الاخبارى ، ملف خاص عن الاحزاب فى الوطن العربي ، بتاريخ 3 اكتوبر 2004
http://www.aljazeera.net/in-depth/power_in_arab_world/2001/8/8-19-2.htm زيارة تاريخ 27 يوليو 2009

“21 ” قناة الجزيرة في 7 أغسطس 2005
http://www.aljazeera.net/channel/archive/archive?ArchiveId=132071 ، زيارة تاريخ 3 اغسطس 2009

“22 ” موقع الجزيرة نت ، القذافي ينصح الإيطاليين بنبذ الأحزاب ، بتاريخ 12 يونيو 2009 ،
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/48C60017-AB86-4A3D-89AC-FF0CAF33D6E1.htm ،
زيارة 1 اغسطس 2009 “23 ” مأساة ليبيا ومسئولية القذافي ، موقع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في 23أغسطس 2002

http://www.libyanfsl.com/مقالات/tabid/59/mid/417/newsid417/656/language/en-US/Default.aspx زيارة 1أغسطس 2009.

“24 ” المصدر السابق
“25” المصدر السابق
“26” موقع البي بي سي العربي في 16 اغسطس 2008
http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2009/08/090816_om_press_tc2.shtml
زيارة 18أغسطس 2009.

“27 ” ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، الكتاب الاخضر ،
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B6%D8%B1 ، زيارة تاريخ 2 أغسطس 2009 .

“28 ” المركز العالمى لدراسات وابحاث الكتاب الاخضر ، نبذة عن المركز ،
http://www.greenbookstudies.com/ar/center.php ، بتاريخ 3 اغسطس 2009

“29 ” جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، معقبا على حصوله على مبلغ 500دولار نتيجة محاضرة في ليبيا في 4نوفمبر 2007.

“30 ” جريدة الرياض السعودية ، مقالة (الكتاب الأخضر.. حتى القذافي لم يعد يأتي ) ، 6يناير 2005 العدد 13345 ،

“31 ” مركز درسات الكتاب الأخضر
http://www.greenbookstudies.com/ar/index.php
زيارة تاريخ 3 أغسطس 2009
“32 “تقرير منظمة العفو الدولية لعام 1988 ، ليبيا ، صـ 248
“33 ” انظر المرجع السابق
“34 ” طبقا لتقديرات تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن الأوضاع فى ليبيا الصادر عام 1995 ، صـ 231 و232 .
“35 ” انظر المرجع رقم “3 ” وكالات الانباء 16 نوفمبر 1996 .
“36 ” انظر المرجع رقم “3 ” ، تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان لعام 1995 ، اوضاع حقوق الانسان فى ليبيا، صـ233.
“37 ” انظر المرجع رقم ” 3″
“38 ” ، موضوع صادر عن مؤسسة الرقيب لحقوق الانسان عام 2004، السجناء السياسيين والمفقودين داخل السجون الليبية ، منشور على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان
http://www.anhri.net/libya/lw/pr041100.shtml ، زيارة تاريخ 26 يوليو 2009

“39 ” السجناء السياسيين والمفقودين داخل السجون الليبية ، تقرير منشور على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان في يوليو 2004
http://www.anhri.net/libya/lw/pr040700.shtml زيارة 24يوليو 2009.

“40 ” كلمة سيف القذافي مدير مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية ، منشورة على الموقع في 26يوليو 2008
http://www.gdf.org.ly/index.php?lang=ar&CAT_NO=114&MAIN_CAT_NO=9&Page=105&DATA_NO=251 زيارة 3أغسطس 2009.

“41” السجناء السياسيين والمفقودين داخل السجون الليبية ، تقرير منشور على موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان في يوليو 2004
http://www.anhri.net/libya/lw/pr040700.shtml زيارة 24يوليو 2009.

“42” المرجع السابق

“43” ” شبكة اخبار ليبيا ، مقال الدكتور الهادى على بوحمره ، محكمة امن الدولة وشرنقة الخوف،2 اغسطس 2009 ،
http://www.akhbar-libyaonline.com/index.php?option=com_content&task=view&id=26472&Itemid=1 ، زيارة تاريخ 4 اغسطس 2009

“44 ” الشبكة العربية لمعلومات جقوق الانسان ،هل تفرغ الرئيس القذافي ل لاحقة الصحفيين العرب ؟ ثلاث قضايا ليبية ضد صحف مغربية ، بتاريخ 22 ابريل 2009 ،
http://www.anhri.net/press/2009/pr0422.shtml ، زيارة تاريخ 12 اغسطس 2009

“45 ” واقعة منشورة على عدة مواقع انترنت منها موقع عرب تايمز
http://www.arabtimes.com/Arab%20con/libya/doc16.html زيارة 11أغسطس 2009.

“46 ” صحيفة تقرير واشنطن ، لتقرير السنوي لواشنطن بوست: خمسة زعماء عرب بين أسوأ طغاة العالم ، 17 فبراير 2007 ،
http://www.taqrir.org/showarticlehl.cfm?id=590&hlstring=%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B0%D8%A7%D9%81%D9%8A ، زيارة تاريخ 15 اغسطس 2009

“47 ” موقع العربية نت ، ذهول سعودي إزاء مؤامرة القذافي الفاشلة ، 12 يونيو 2004 ،
http://www.alarabiya.net/save_print.php?save=1&cont_id=4236 ، زيارة تاريخ 15 اغسطس 2009

“48 ” موقع الـ”بي بي سي العربي في 11يونيو 2009
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_8095000/8095101.stm زيارة 2أغسطس 2009.

“49 ” الجزيرة نت في 10 ديمبر 2007
http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=1077606 زيارة تاريخ 12 اغسطس 2009

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

– الروائي ادريس على " انتقمت من القذافي ب " الزعيم يحلق شعره "







إدريس علي لـ”السياسي”: انتقمتُ من القذافي بـ”الزعيم يحلق شَعره”!

سعاد سليمان

لا يخجل الأديب الكبير إدريس علي من الاعتراف بأنه لم يستمر في التعليم في المدارس، ولا بأنه بدأ من القاع وعمل في كل المهن التي يخجل من ذكرها كاتب بحجمه، ويعتقد أن سيرته الذاتية التي يجب أن تكون مصدر فخر هي من يقف في طريق فوزه بالجوائز أو الحصول علي المكانة الأدبية التي يستحقها، ورغم أن أعماله الأدبية قد فازت بعدة جوائز مهمة ولاقت اهتماما خاصا من الجمهور والنقاد، إلا أن مصادرة روايته الأخيرة ” الزعيم يحلق شعره” والتي تناول فيها شخصية الرئيس الليبي معمر القذافي قد أعادت الأديب النوبي إدريس علي إلي دائرة الجدل، وحول مصادرة الرواية ورحلته إلي ليبيا ورأيه في المشكلة النوبية كان لـ”السياسي” هذا الحوار مع الكاتب الكبير إدريس علي.

في الأزمة الأخيرة, التي هي مصادرة آخر روايتك “الزعيم يحلق شعره” صرح الناشر الكبير إبراهيم المعلم بأن رواية ” الزعيم يحلق شعره” لم تصادر وحذر وسائل الإعلام من الخدعة التي يقوم بها الناشرون لترويج الأعمال الأدبية التي يصدرونها.. ما رأيك فيما قال؟


هذا كلام فارغ، والمعلم يجامل الحكومة ومعرض الكتاب علي حسابنا وبشكل فاضح، والرواية تمت مصادرتها من مكتب الجميلي أحمد صاحب دار وعد للنشر، وكذلك النسخ التي كانت موجودة من الرواية في بعض الأماكن بمعرض الكتاب، كما اختفت كل النسخ من كل المكتبات في وسط البلد التي كانت تعرضها للبيع، وهذا عكس ما يقوله المعلم، ولولا تدخل رئيس اتحاد الكتاب محمد سلماوي ما كان الناشر قد خرج من محبسه، ولكني شخصيا لم يتحدث معي أحد حتي الآن ولم يتم استجوابي بعد، وأعتقد أن المصادرة شكلية وشكل من أشكال المجاملة للرئيس القذافي من الحكومة المصرية.


ألا يوجد بالرواية ما يعرضها للمصادرة سوي تناولها لشخصية الرئيس القذافي فقط ؟


فقط، ولا أعرف ما دخل الأمن المصري برواية تدور أحداثها في ليبيا، رغم أن هذه الرواية ليست العمل الإبداعي الأول الذي أتناول فيه تفاصيل حياتي في ليبيا وأيضا شخصية الرئيس الليبي فهذه ثالث رواية لي عن ليبيا ؟


لماذا تحديدا ليبيا التي تسهب في الكتابة عنها ؟


عندي خبرة طويلة في التعامل مع السلطات الليبية من حيث علاقتي بالعمالة المصرية فيها من خلال عملي قبل قيام الثورة الليبية وبعدها في بوابة مصر الغربية حتي عام 1971، وكتبت المجموعة القصصية “المبعدون” عن هذه المرحلة، وأتذكر أنه بعدما قامت ثورة الفاتح من سبتمبر قام العقيد الليبي معمر القذافي بترحيل كل العمالة المصرية بحجة إعادة ترتيب البيت الليبي من الداخل، وهذه كانت المرة الأولي التي يتم فيها طرد المصريين من ليبيا، والمرة الثانية كانت في مارس 1976 افتعل القذافي مشكلة وقام بطرد مليون مصري بشكل مستفز وعدواني وذلك لوجود خلافات بين النظامين، وكتبت عن هذه المحنة قصة بعنوان ” غدر الغرياني” ونشرتها في مجموعة ” المبعدون”، ولكن الناشر صاحب دار الحضارة للنشر علي عبد الحميد استبعد القصة عند إعادة طبع المجموعة عام 1999 وكانت الطبعة الأولي قد صدرت عن مطبوعات الفجر عام 1985، وذلك لارتباطه بمصالح مع النظام الليبي ولم أعترض، لأني بصراحة كنت أخشي علي نفسي من النظام الليبي، خاصة أن العلاقات بينه وبين النظام المصري حينها كانت قد تحسنت، وأكد لي الناشر أن القصة تسيء إلي النظام الليبي الجبار. والمرة الثالثة كانت في رواية الزعيم يحلق شعره ، واتناول فيها الفترة التي عملت فيها بليبيا من عام 1976 إلي عام 1980، وعاصرت تجربة تطبيق قوانين الكتاب الأخضر والحرب بين مصر وليبيا عام 1977، وقد عانينا نحن المصريين العاملين في ليبيا من جراء هذه الحرب معاناة رهيبة لا أستطيع وصفها، وعند وصولي للقاهرة عام 1980 قمت بكتابة مسودة رواية الزعيم يحلق شعره، ونظرا لأنها تصف الحياة الليبية من الداخل تركتها منسية فترة طويلة لمدة عشرين عاما، ولم أعد إليها مطلقا.


وما الذي ذكرك بها ؟


يبدو أنه من سوء حظي ومن سوء حظ القذافي أني عثرت عليها بالصدفة في أوراق قديمة ومهملة، ولم أعد كتابتها أو أغير فيها واكتشفت أنها ضعيفة فنيا، ولم أكن أتمني أن يتم تقييمي من خلال الرواية، ولم أكن أتصور أن الأمن المصري يقوم بالمصادرة، وهيأت نفسي لقضايا القذافي وآلته التصفوية الجهنمية، فالكتابة عن هؤلاء الزعماء نوع من الانتحار الإرادي أو الاستشهاد.


وهل أنت تريد الانتحار أم الاستشهاد ؟


أرحب بالموت في سبيل وصول كلمتي إلي من يعنيه الأمر، وأؤكد أنه ليس لي موقف شخصي من القذافي، ولكني أتعرض لآرائه السياسية وتصرفاته وقدراته وحماقاته.


ولكن ما الدافع الحقيقي وراء طبعك الرواية في هذا التوقيت بالذات ؟


أعتقد أني تحديت القذافي لسبب لا يخطر علي بال أحد، وهو انتقامي منه لتسليمه للمناضل السوداني ” هاشم العطا ” للجزار السوداني جعفر نميري، رغم كثرة ضحايا القذافي مثل الكيخا والمعارض الليبي الذي اخُتطف من فندق سفير بقلب القاهرة، وكذلك عمر المحيشي، والإمام مقتدي الصدر، ولكني بالأساس كان من أجل هاشم العطا لأنه كان صديقي.


ماذا كنت تعمل في ليبيا ؟


كنت باشتغل عامل عادي في سينما الشرق للأفلام أقطع تذاكر، وعملت بهذه المهنة بناء علي نصيحة شاعر مصري هو محسن الخياط، وقال لي ابعد عن الإعلام الليبي، لأن كل من يعمل مع الإعلام الليبي يوضع في القائمة السوداء في مصر، وكنت سعيدا بهذا العمل رغم أنه كان مرهقا، ولكني بعدت من خلاله عن المزايدين والعملاء في مجال التراشق الإعلامي، كما عملت في مهن أخري كحارس علي البوابة الغربية بين مصر وليبيا.


تفخر دائما بكافة المهن التي عملت بها رغم أنها مهن لا تليق بك كاكاتب كبير ؟


حياتي كلها عبارة عن سلسلة من الكبوات والعذابات المتواصلة، وأفادتني كثيرا في إبداعي، فلم أكتب سوي ما عشته وعرفته، ورغم قساوة الحياة التي بدأتها عمليا منذ أن كنت في سن العاشرة، وعملت كصبي كواء وصبي بقال وعامل غسل زجاجات في معمل أدوية، وعامل تذاكر في سينما، وحارس علي بوابة وكافة ما تتخلينيه، وهذا أفادني كثيرا في إبداعي، ومعظم ما كتبته هو سيرتي الذاتية علي مدي كل رواياتي وقصصي.


هل ستعيد طباعة رواية الزعيم يحلق شعره مرة أخري ؟


بالطبع لا، وإذا طبعتها مرة أخري فسوف يصادرونها، وأعتقد أن هذه التجربة انتهت عند هذا الحد، وسوف ينتهي الأمر عند إصدار حكم قضائي وإعدام النسخ، ولن تقل الغرامة بأي حال عن خمسة آلاف جنيه، هذا إذا كانت المشكلة بتعليمات سيادية، أما إذا كان الموضوع مجاملة للقذافي كما أعتقد فسوف ينتهي عند هذا الحد، ولكن ماخشاه أن تستفز هذه الضجة الإعلامية الزعيم الليبي فيتصرف نحوي بحماقة.


ولكنك لم تستجوب حتي الآن ولم تحدث لك أي مشكلة فلماذا ؟


الذي حماني من البهدلة التي كانت من الممكن أن تحدث لي هو الضجة الإعلامية التي حدثت بمجرد القبض علي الناشر ومصادرة الرواية، وربما هذا هو الهدوء الذي يسبق العاصفة وهذه مجرد هدنة في انتظار تهدئة الرأي العام وبعد ذلك يقومون بقنصي.


هل تعتقد أن موقفك مع الحكومة ضد مطالب النوبيين باستراد حقوقهم سبب في عدم التعرض لك ؟


لا أعتقد ذلك، وإذا هم قدروا ذلك فيكون هذا حقي، فأنا أقف كسد عال أمام التطرف النوبي ومعي الأستاذ والأديب يحيي مختار، وأخشي أن ينطبق علي المثل القائل “آخر خدمة الغز علقة ” وموقفي من المشكلة النوبية لم أكن أقصد منه مجاملة الحكومة المصرية ولكن ذلك لأني وطني وأقوم بهذا الدور حتي لو لم أكن من الحزب الوطني ولا محسوبا عليهم، ومن المعروف أني أقف في خندق المعارضة من خلال أعمالي.


هل النوبيون متطرفون ؟


القلة منهم، وهم بضعة أفراد لا يزيدون عن أصابع اليد الواحدة، وهم من سكان المدن ويبحثون عن الشهرة عن طريق المتاجرة بالنوبة، فلا يوجد قضية نوبية من الأساس مثل قضايا الأقليات كالأكراد والامازيغ، وأهل النوبة جزء صميم من نسيج الوطن المصري، والذين هُجروا من الأراضي القديمة من كوم امبو يتوفر لهم كل وسائل الراحة والبنية التحتية بدليل أن السيول التي جرفت بعض القري في أسوان لم تتأثر بها البيوت النوبية المبنية بالدبش والأسمنت، والمحافظ الحالي يلبي كل مطالبهم فماذا يريدون، وما معني حق العودة، فنحن لسنا لاجئين كالفلسطينيين وجميع محافظات مصر مفتوحة أمامنا، وأقول لهؤلاء الذين يثيرون هذا اللغط ” عيب دي مصر أمنا وبلدنا ” .


ولكن ألا تتفق معي في أن هجوم هؤلاء القلة من النوبيين جعلت الحكومة تعيد النظر في دفع تعويضات والحصول علي بعض الامتيازات ؟


صيحيح أنها حركت بعض المسائل القديمة، وأعترف بأني لم أكن سأحصل علي مقابل مادي بعد أربعين عاما إلا بسبب هذا اللغط، ولكني لم اسع للحصول علي هذا المقابل من قبل، علي اعتبار أني مواطن مصري أعيش في القاهرة ولدي منزل فيها، فليس من المعقول أن يعيش بعض المصريين في العشوائيات وبعضهم في العراء، ثم أحصل علي منزل آخر غير الذي في القاهرة، وأقول لأختي منال الطيبي حق السكن يافتاة لسكان العشوائيات وضحايا الدويقة وليس للنوبيين المستقرين في المدن وفي ” نصر النوبة ” ، وأقول لجمعيات حقوق الإنسان أن تقوم بزيارة علي الطبيعة لمشاهدة هذه القري لكي يتأكدوا من كذب ما يدعيه النوبيون المتطرفون.


إذا كنت تري ان العشوائيات وسكان الدويقة احق بهذه التعوضيات فلماذا قبلت الحصول علي تعويض مادي مقابل منزلك القديم في النوبة ؟


لأن هذا ببساطة من حقي، وأحتاج إلي فلوس، فأنا لم أحظ طوال حياتي بأي دخل مادي يحقق لي حياة كريمة، وقضيت حياتي أعمل في مهن شاقة ولا تحقق لي أي دخل مادي يساعدني علي الحياة وتربية أبنائي ولولا منحة التفرغ التي كفلها لي الوزير الفنان فاروق حسني لكنت قلت ” لله يا محسنين ” أو أبيع كتبي فمعاشي الحكومي لا يكفيني أسبوعا واحدا فقط، ولم أسترح من عناء العمل إلا بعد حصول روايتي ” انفجار جمجمة ” علي جائزة من معرض الكتاب، وأنا أشبه في حياتي وكتاباتي الكاتب المغربي محمد شكري والسوري حنا مينا، خرجنا من قاع المجتمع، ولولا أن الكتابة وفرت لي الحماية النفسية لكنت من الخارجين عن القانون.

السياسي