أحداث سبها، وآخر مشاهد “المهزلة الرسمي

 

د. فتحي خليفة عقوب 

27 مارس 2012

إنَّ ما يَرِدُ من أخبار أهلنا في الجنوب لمما يُدمي القلب حقا ويُلقي بظلاله على النفس همّا وغمّا .. العجيب المؤسف أن التحذيرات قد تواترت سلفاً من أهلنا في الجنوب و وقفت بنفسي على الأوضاع حين زرت المنطقة قبل عدة أشهر والتقيت العديد من أبناء الجنوب الشرفاء والشباب الغيور، وكان تقريري يومها أن الجنوب “قنبلة موقوتة” وأشركتُ في هذا الاطلاع عددا ممن التقيته من المسؤولين والناشطين وكنت أحثُّ الجميع بما أملك على العمل لأجل الجنوب وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني هناك والتواصل معها ودعمها، رغم هذا أعلم جيدا أن ما تجمع لدى المجلس الوطني أكثر مما بلغني أو وقفت عليه، لكن ثمّت تبلّدٌ صريح في التعاطي مع الأوضاع وضعف مُخجل وهشاشة مخلّة مؤسّسةٌ على هشاشة أُسِّ الدولة ورأسها .. حتى ليتبادر إلى الذهن وينطبع في النفس أن هؤلاء لا يعتبرون الجنوب جزءا من ليبيا فضلا عن كونه عمقا استراتيجيا لها، أو كأن سكانه وقاطنيه ليسوا من الليبيين معصومي الدم؟!.. أو أبعد من ذلك أنهم قد تنازلوا عنه لطرف من الأطراف! صراحة لا أجد تفسيرا يُسعف المتخاذلين من المجلس المؤقت أو “المُعقّد” ولا حكومته الانتقالية أو “الانتقاميّة” في هذا الشأن والحجة قد قامت عليهم وأجزمُ بهذا، إنه لم يعد من الكلام بُدٌّ ولم يعد للسكوت طعمٌ ولا لونٌ ولا ريح، بل لا مبرر شرعا للسكوت بعد كل هذا، فالإثم يُحيط بالساكت أيّا كان مبرر سكوته، أم هل سنسمع عن وجوب طاعة ولي الأمر التي تُفسَّر ظلماً بالسكوت عن أخطائه وممارساته التعسفية؟! بل وجرائمه “التقصيرية” ؟!

قد وقفت على كثير من التحذيرات والمعلومات التي تجمعت لدى المجلس ورئيسه منذ شهور طويلة لكنه كان يؤثر القريب السهل، ويكتفي في هذه القضايا البالغة الحساسية بالتقارير عن بعد، شفاهة لا كتابة! وفوق ذلك يضع الثقة في غير أهلها من بعض المقربين للسيد المستشار شخصياً المُقربين (سابقا) للسيف القذافي .. لا بارك الله في كل من أدلى للطغاة بسبب أو مدَّ لهم يد العون يوماً ولا أبقى لهم مكانا بيننا .. فعلى كاهلهم مع المجلس المعقّد تقع مسؤولية التّقاعس عن أهلنا في الجنوب وفي أعناقهم كامل المسؤولية عن دماء الشهداء والمغدورين من أبناء أهلنا في الجنوب الصّامد ..

إنّ الأوضاع؛ فيما كانت عليه أو آلت إليه، كلها تشير بقوة لانهيارٍ مدوٍ في منظومة اتخاذ القرار وإدارة شؤون الدولة ومتابعتها لدى المجلس الوطني الانتقالي الذي صار أداؤه وحكومته “انتقاميا” حين عرّض البلاد بأدائه التعيس للكثير من الأخطار والمهاوي وكأني به يعاقب الليبيين على التفافهم حوله ولا يريد منهم إلا السمع الطاعة على طول الخط ولسان حاله “مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ” من خلال ممارسة أساليب الاستفراد بالأمر والاستئثار بالشأن الداخلي وعدم إشراك الناس وإخفاء المعلومات عليهم وغير ذلك من الممارسات التي توصف بـ “الغبية” في عالم السياسة، فمتى ألغى الليبيون عقولهم ومتى فوضوكم ما لا تملكون ؟!..

لقد غاب عن ذهن أصحاب الكراسي في المجلس المؤقت أن الدائرة لن تكون بعد اليوم إلا للشعوب وأن عجلة الزمان قد دارت دورتها وأن الكلمة الأخيرة للناس لا لجلاديها و لا لمستلبي حقها، وأنه لن يكون لهم مكان طالما تخلوا عن أهلهم وانشغلوا بمصالحهم الشخصية ..

ختاما أيها الإخوة، الجنوب وما ألم به مسؤولية الجميع، وليس تحميلنا للمجلس المعقّد المسؤولية لإبراء الذمة، وإنما لأن ذاك المجلس ومَن يدور في فلكه من أجهزة ومؤسسات دولة ودار الفتوى وكافة الإدارات المرتبطة بالمجلس هم المسؤولون أولا وأخيرا عن كل ما جرى أو سيجري؛ اليوم في الجنوب وبالأمس الكفرة وبعدها لا ندري أين! ولا أقل مِن أنْ يُحاسَب القائمون على ملف الجنوب المنشغلين بمصالحهم الشخصية والقبلية والجهوية علناً مع ضرورة أن يُوقفَ الناس على المعلومات ويطلعوا على نتائج التحقيقات ليعلم من المسؤول وحدود مسؤوليته ثم ليحاكم بالعدل ويقام فيه القانون ويؤخذ حق الناس والأبرياء منه ويكفي تعتيما وانكفافا خلف الكواليس!.. وإلا فإن التيار سيجرف الجميع ولن ينج منه مصلح أو مقتصد أو ظالم لنفسه طالما كان جزءا من منظومة الفساد وأدواته .. “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” ..

 

9 عدد التعليقات

  1. المصراتى
    مارس 27, 2012 10:31 مساء

    لا بارك الله في كل من أدلى للطغاة بسبب أو مدَّ لهم يد العون يوماً ولا أبقى لهم مكانا بيننا ..

    امين امين امين
    نسئل الله ان يعجل باستجابة دعوتك اخى الكريم

    Thumb up 1 Thumb down 0

  2. ali ahmed
    مارس 27, 2012 11:01 مساء

    لابد من ثورة جديدة والتخلص من ازلام المقبر في المجلس الانتقالي

    Thumb up 2 Thumb down 0

  3. يزيد
    مارس 28, 2012 12:10 صباح

    السيد فتحي اتمنى عليك تغيير صورتك الضاحكة باخرى جادة هذا من قبيل النصيحة ارجو المعذرة وهذا رايي وشكراً

    Thumb up 0 Thumb down 0

  4. المنصورى
    مارس 28, 2012 7:08 صباح

    ان لم نبن جيشا وطنيا قويا وتحت امرة وطنيين وشرفاء بحق فلن تقوم لنا قائمة وسيجرفنا التيار جميعا. لذلك فاننا نلتمس من الاخوة قادة الملشيات المسلحة المبادرة بتسليم السلاح والانضمام الى الجيش فى اسرع وقت ممكن وان لم يحصل ذلك فستتحول ليبيا الىصومال جديد لاقدر الله وعندها \\ سيعلم الذين ظلموا اى منقلب ينقلبون || .

    Thumb up 1 Thumb down 0

  5. juma omran
    مارس 28, 2012 7:19 صباح

    اخي الكريم. بارك الله فيك ولكن ارجو ان تسمح لي بأن ادلي بوجهة نظري الشخصية..
    لماذا تلقي اللوم علي المجلس وتعفي اصحاب الشأن, قلتها بنفسك المجلس ضعيف! حسناً أتي بحلول لتقوية المجلس او الحكومة.. هولاء جميعاً ليس لديهم عصا سحرية لحل كافة مشاكل الدولة في شهور ومن عنده حل فليطرح الحلول فقد شبعنا من النقذ؟
    اهل الجنوب ادري بحالهم فلماذا النزاع اليوم ؟ الم يكونوا ملائكة في عهد الطاغية! المجلس الانتقالي لا شغل له الا فض النزاعات بين القبائل, كل يوم في مدينة.
    بإختصار شديد واقولها بصراحة, الثورا الفعليين هم من استشهد او رجع الي عمله بعد التحرير او انظم الي مؤسسات الدولة فعداهم هم اعضاء لعصابات سرقة ونهب وقتل ولا حاجة لنا بهم في هذا البلد.

    Thumb up 0 Thumb down 0

  6. جمال بن سعد
    مارس 28, 2012 10:28 صباح

    من الأخطاء الشائعة والتي تمارس بكثرة عن قصد أو لا .. المبالغة والتهويل والتطرف في المواقف لغرض الإستعجال والضغط … وهذه الأساليب هي غش وتغرير وتضليل … فقد تسبب في اتخاذ مواقف وقرارات خاطئة على حساب العقل والحكمة … وإذا كان ثمت شيئ أطالب به الإخوة فهو الأمانة في نقل الأخبار وتوثيق الأحداث .. فالوصف الحقيقي الدقيق والواقعي القائم على العقل لا على المشاعر هو المطلوب … والروية والصبر في التحليل والتحقيق لأصحاب القرار قبل اتخاذ المواقف عمل صالح يجب التأكيد عليه لا النهي عنه … ومراعات الظرف الواقعي للدولة وأدواتها والتضامن معها هو العمل الشرعي والوطني المطلوب …

    Thumb up 0 Thumb down 0

  7. مفتاح المغربي
    مارس 28, 2012 12:09 مساء

    احاول ان احلل واتمني ان لايكون تحليلي صحيح ان كل هذه المشاكل اتت من التبو فما كفاهم انهم كاموا ياتون بالطائرات من سبها ليضربوا اهلنا في الزاوية ومصراته والزنتان ووصلو في بداية الاحداث الي المناطق الشرقيةز المهم مايحدث الان كما حدث مع سيدنا موسي والذي من عشيرنه..بالامس مع الكفرة واليوم مع سبها وغدا لاندري..ربما سنفكر في موضوع مراجعة الجنسيات الي وقعها البغدادي وياما تشوف كان عينك حية

    Thumb up 0 Thumb down 0

  8. Abdelrauf
    مارس 28, 2012 1:36 مساء

    كان المشهد واضحاً لي من احداث تراغن التي راح ضحيتها ١٥ مواطن ولم يبدي المجلس او الحكومة اي اهتمام فتطور الوضع الى ماشاهدناه في الكفرة وسبها

    Thumb up 0 Thumb down 0

  9. عبدالله بن مسعود الفجيجي
    مارس 28, 2012 7:22 مساء

    السيد المستشار مصطفى عبدالجليل
    السادة أعضاء المجلس الانتقالي
    السلام عليكم
    نود أن ننقل إليكم استياء أهل فزان بوجه عام نحو الإجراءات المتخذة لمعالجة ملف الجنوب منذ التحرير إلى الآن .. فقد لوحظ بشكل جلي وظاهر للعيان ترهل أداء المجلس الانتقالي والحكومة المنبثقة عنه كلما تعلق الأمر بفران ، والذي انتهى بالإقليم إلى واقع مؤلم بدأت إرهاصاته منذ اللحظات الأولى عقب التحرير إلى الآن . حيث آن قطاف إجراءاتكم المغيبة والتي كما نعتقد تعود في جزء كبير منها إن لم تكن بالتمام .
    لقد كان جهل أعضاء المجلس الانتقالي بالتركيبة الاجتماعية لإقليم فزان ، وراء صياغته لرؤية قاصرة باهتة ، اعتمد فيها على ما طرح من اختارهم لتمثيل إقليم فزان بالمجلس ، ونخص بالذكر ( عبد المجيد غيث سيف النصر .. موسى الكوني .. وردكو ) .. كممثلين لقبائل بعينها : ( أولاد سليمان .. الطوارق .. التبو ) وكأن فزان لا يقطنها سوى هذه القبائل . والمؤسف أن هؤلاء الأشخاص بالإضافة إلى كونهم جميعا محدودي الأفق والمعرفة ، فهم أكثر من قدم خدمات للطاغية ، وكأن ما تم عبارة عن إعادة إنتاج ما أنتجه الطاغية ، لم نعرف ( الكوني ) و ( عبدالمجيد ) سوى ضمن الدائرة الأولى لفصيل الطاغية الاستخبارتي ، وسدنة لتأصيل التوريث ، كما لا نعرف ( وردكو ) إلا صنيعة ظروف تزامنت مع ثورة 17 فبراير استثمر خلالها المجرم مسعود عبدالحفيظ تواطوء ( وردكو ) الذي سخر جهده لحشد أبناء قبيلة التبو البسطاء تحت ذريعة انتسابه للقبيلة ، وكذلك المرتزقة الأفارقة ، في مواجهة ثورة 17 فبراير . هؤلاء هم من اخترتم الاستماع لهم بعد أن أعلنوا في لحظة الحسم – درءا لماضيهم – انضمامهم لثورة 17 فبراير . ولم يجدوا من سبيل لتأكيد انقلابهم وولائهم ولهتهم وراء مناصب ، والحفاظ على تضعضع موقفهم _ لإثبات العكس – سوى التنكيل بمن اختاروا وصفهم بالولاء للطاغية .. المؤسف أن ذلك جرى بمعرفة المجلس الوطني الانتقالي ومباركته .

    لقد امعن ( وردكو ) الذي غنم الأسلحة والعتاد من قرينه مسعود عبدالحفيظ في قصف تراغن ومرزق وارتكاب المجازر هناك . ولنأتي على ذكرهم ضمن سرد مجريات تحرير الجنوب :
    لم يكن للقوة المعززة من ناحية الجنوب دورا في تحرير حواضر الاقليم ( سبها – وادي الشاطئ – وادي الاجال اوباري .. وكذا مرزق ) . كل ما هناك ان الاسلحة والاموال التي غنمها ( وردكو ) من المجرم مسعود عبدالحفيظ ، دفعت شهيته والمرتزقة التي يقودها الى اقتراف النهب استثمارا للفرصة والثأر من اهل تراغن على وجه الخصوص ، مستعينا بالتبو التشاديين ، وبالتزامن مع دخول ثوار الشمال لتحرير الجنوب . تخلى عن ربيبه مسعود عبدالحفيظ الذي بعد تبين له عجزه ، بينما بالأمس كان المراقب لحركة المرور بالقطرون ، ولم يتخلف في حشد الجند لربيبه ، ثلاثة الاف بندقية استلمتها ميليشيات التبو من مسعود خلافا للراجمات واسلحة اخرى على عربات .. كان هذا في بداية الثورة وقام مسعود بتدريبهم في معسكرات شمال سبها دورة تدريب لمدة اسبوع ثم يرسلون الى البريقة ومصراته .. معظمهم تبو تشاد والنيجر .. وهؤلاء من يطلق عليهم المرتزقة بالاضافة الى طوارق مالي والنيجر وميلشيا خليل ابراهيم . وكان لتراغن نصيبها بحكم الهيمنة التي فرضها ابنائها بشير صالح ، وعمر السوداني . وتكاد بداية الاحداث تزخر بالكثيرين من البسطاء من اهل فزان الذين جندهم الطاغية واوهمهم انها حرب ضد نصارى حلف الناتو وجوقة المؤامرة ، ومن مختلف القبائل ، من اولاد سليمان الى ورفله الى غيرهم ودون استثناء . كما ان الثوار من اهل الجنوب لم يقتصروا على قبيلة بعينها ويبقى لثوار القرضة صدارة الموقف والمواجهة وان سلب الإعلام الممنهج دورهم وأبعدت تدخلات المجلس الانتقالي وهيمنة عبدالمجيد غيث وابناء عمومته على المجلس المحلي والعسكري . وما ترك ثوار الشمال من غنائم الأسلحة والعتاد . مما حدا بثوار القرضة التنحى جانبا حقنا للدماء .
    لا بد من القول ان التبو الليبيين هم اعداد محدودة جدا واقل قبائل فزان عددا .. وهم بسطاء مسالمين عاشوا ضمن نسيج اهل فزان في القطرون وغيرها واندمجوا معهم منذ امد طويل ، عشرة ومصاهرة .

    خلال شهر اكتوبر تكررت نداءات اهل مرزق وتراغن تطلب النجدة وتشرح حقيقة الهجوم الوحشي الانتقامي على المنطقة الممتدة من تمسة الى مرزق مرورا بتراغن وام الارانب ، واحتشد بعض مواطني تراغن ومرزق امام الفنادق في طرابلس حيث يقيم اعضاء المجلس الانتقالي ، لم تجد اليفطات التي يحملونها ولا هتافهم واعتصامهم أذن صاغية لدى المجلس للتدخل لإنقاذهم .. وهكذا سيطر وردكو على المنطقة بالكامل وعاثت ميليشيته فيها سلبا ونهبا ، لم تقتصر على المال العام والمؤسسات الحكومية من شركات الكهرباء وغيرها ، بل والاجنبية كما حدث للشركة الصينية . وكل ذلك لم يكن يعني الكثير امام ترويع القرى والساكنة ، وقتل النساء والاطفال والشيوخ ، قاموا بقمع مواطني منطقة تراغن العزل وقصفهم بالراجمات ، واهل مرزق ، وادعوا في وسائل الاعلام بانها حرب ضد كتائب القذافي الموالية لنظامه وعندها اخذوا السبق الاعلامي في ذلك ، واسسوا كتيبة باسم كتبة درع الصحراء تظاهرت بتبعيتها للمجلس الانتقالي ، واستقبل وردكو استقبال الفاتحين في طرابلس ، وظهر في الصور الى جانب عبدالحكيم بالحاج الذي لا يعرف اين تقع فزان . وكان لعبدالمجيد سيف النصر دور في قبوله هناك وتكذيب ما يشاع عنه ، فالأخر يتوجس من انتفاض القذاذفة الذين لم شهر بهم ودخلت مليشياته انتقاما وإذلالا منازلهم بلا مبرر .. وحال عودة ثوار الشمال واختارتحالفه مع وردكو بما ورث الاثنان من ترسانة عسكرية مدججة بالسلاح الثقيل .. ما تركه ثوار الشمال ، وما أسس له مسعود عبدالحفيظ . ونفضت الميليشيا الجديدة ثوار القرضة واهل فزان جميعا واستفردت أحداهما بسبها والاخرى بمرزق . وبدأت المطالبة بالفدرالية لمأرب تحقق السيطرة الدائمة . وهو الخيار الذي ربما يفضله الكثير من سكان فزان بالنظر لحالة التهميش في السابق وأكثر منها في اللاحق . لكنهم رفضوا الخيار لمعرفتهم بمفاصل اللعبة وكبر حجمها وما ستنتهي اليه الأمور بفزان حال تركها للمليشيات تستفرد بها تحت مظلة دستور فدرالي .
    بدأت خطوات اكثر لفرض السيطرة بعدما تعزز التحالف ، والكلام هنا لشخص ابراهيم طاهر – المجلس المحلي/ تراغن . يروي الاحداث في حينها : ( بتاريخ 11-10-2011 قامت ميليشيات التبو التابعة لبركة وردكو بالهجوم على منطقة تراغن من ثلاثة محاور . من المحور الشمالي باتجاه البوابة الرئيسية للبلدة دخلت مجموعة مسلحة وقامت بالسطو على المستشفى الذي تم تدميره بالكامل وقاموا بسرقة سيارة الاسعاف الوحيدة هناك. ومجموعة ثانية هجمت على البيوت المتاخمة للطريق الخارجي الرئيسي المؤدي الى منطقة ام الارانب وبدأوا بسرقة سيارات المواطنين . المجموعة الثالثة دخلت من المدخل الغربي للمدينة وقامت باقتحام مقر المجلس المحلي لمنطقة تراغن واطلاق سراح اللصوص من التبو الموقفين من قبل المجلس واختطاف الحراس . عندها استيقض الناس وجدوا بلدهم تدمر واملاكهم تسرق تحت اطلاق كثيف للنار . مستخدمة مدافع الهاون و 106 على منازل المواطنين لكي يستسلموا لاحتلال البلدة من قبل هذه المليشيات. في اليوم الثاني توجه وفد من المجلس المحلي لمنطقة تراغن الى المجلس الانتقالي ببنغازي لكي يتفهمواما يحدث ومعرفة مبررات هذا الهجوم الوحشي على المدنيين العزل. واستمر القصف لمدة ثلاثة ايام. قتل اطفال ونساء وشباب تصدوا للمليشيات ، وفي صباح اليوم الثالث بدأت العائلات بالنزوح من المنطقة متجهين الى سبها وبعض المناطق المجاورة لتراغن. ولم يتسنى للوفد الذي ذهب لمقابلة المستشار مصطفى عبدالجليل الحصول على الموافقة لمقابلته. علما بأن نداات الاستغاتة من قبل المواطنين بدات من اليوم الاول ولا مجيب. وكان الناس في عجب وحيرة مما يحدث وكانوا يتسالون لماذا لايتم تزويدهم باسلحة ثقيلة ان كان المجلس الانثقالي لا يستطيع حمايتهم . وفي الاجابة كانت الكارثة وهي ان الاخ بركة وردكو متحصل على التصريح لقصف منطقة تراغن نظرا للأكاذيب التى سوقها كما ذكر سلفا. وفي اليوم الثالث وصلت الاخبار بان قوات من المرتزقة التشادية والنيجيرية المنتمية الى قبائل التبو متوجهة الى منطقة تراغن لتقديم الدعم لبركة وردكو وبالفعل تم ذلك.
    وبعدما تمكن الوفد من تقديم التقرير المفصل للحالة عند المجلس العسكري طلب المجلس العسكري هدنة ووقف لاطلاق النار وبقى المليشيات المسلحة في خارج البلدة. في هذه الاثناء دخل وفد من عصابات التبو المسلحة للتفاوض مع اهل البلدة مع بعض اعيانها. واشترط على الاهالي تسليم السلاح الى المجلس المحلي العسكري للبلدة. وطبعا نتيجة للوضع الانساني السيء والعدد الكبير من الجرحى نتيجة القصف وافق اهل البلدة على تسليم السلاح للمجلس وبدأ توافذ الناس وسلموا كل اسلحتهم . وماهي الا لحظات حتى تم نقض الاتفاق من قبل المليشيات المسلحة ودخل ما لا يقل عن 200 سيارة مدججة بالسلاح والجنود والعتاد.
    وهنا بدات الكارتة الحقيقية حيث تمركزت قوة بركة وردكو في الشوارع و تم استباحة البلاد بما فيها للمرتزقة التبو من تشاد والنيجر وبعدها بدأت اعمال التخريب وحرق بعض البيوت وتمشيط كل البيوت وسرقة السيارات واختطاف معظم الشباب وتعرضهم للتعذيب واستبيحت حرمات البيوت والى تاريخ كتابة هذا التقرير تم تسجيل حالة اغتصاب لعائلة نزحت الى سبها في اليوم الخامس من الهجوم.

    نازح ذهب الى القرى الصغيرة المجاورة اكد بان المليشيات اتت الى هذه القرى وتم التنكيل بالاسر التى استضافت اي عائلة نزحت من تراغن. وعندما اتر على نفسه المغادرة خرج هو وكل افراد عائلته في ثلاثة اسر في ثلاثة سيارات ، وعندما تم ايقافه عند احد نقاط تفتيش المليشيات تم انزال عدد 2 من العوائل على الطريق وتم سرقة السيارتان وطلب منه ارجاعهم للداخل بسيارة واحدة ومن تم يمكنه استكمال سفره.
    والله لانها كارثة انسانية حيث وجد عدد بعض من تم اختطافهم موتى وملقى على الشارع بعد يومين من اختطافه. والى تاريخ هدا التقرير تاكدت الاعداد الثالية وهي – حوالي 200 مختطف – هذا ماتسنى الحصول عليه من اسماء المختطفين: الدكتور السنوسي الامين – المهدي عليوه المهدي – فضيل المهدي عليوه – عبدالسلام علي احمد – شعيب علي احمد – احمد على احمد – بلقاسم المهدي ابراهيم – احمد حمزة المهدي – حمزة المهدي ابراهيم .
    عدد 11 قتيل :هذا ما تسنى لنا الحصول عليه من اسماء القتلى : أسماعيل محمد خليل – حسين الزروق محمد الغول – ابن لعائلة برام – خالد محمد سعدالله – ابوبكر المهدي التواتي – بنتان لعائلة العربي – طفلة بنت بركة حبيب – شاب لعائلة قزو ) .. انتهى كلام المجلس المحلي في حينه وتلاحقت الاحداث بفضائع اكثر . وكل هذا وذاك وما تبعه لم يجد وقفة تأمل من المجلس الانتقالي ناهيك عن الحاجة الى فتح الملف والمطالبة بالتحقيق فيما جرى . وسبقى الملف مفتوحا . ” الايام سوف تتحدث بالحقيقة وفزان لن ولن تبقى رهينة للتبو لمجرد فهم خاطىء لدى المجلس الانتقالي او حقد فئات اخرى تريد الانتقام من اهل فزان ” .
    الاحداث في فزان الآن تتوالى ، والمجلس الانتقالي المسؤول الاول عن ما حدث . ولكن المريب هو عودة عبدالمجيد سيف النصر يبحث عن تمركز جديد ويصرح لوسائل الاعلام : ” أنا قدمت إستقالتي بمجرد وصولي إلى مدينة… سبها ومشاهدتي لما يحصل فيها وحال ناسها والهجوم الشرس عليها ، وحال المستشفى والجرحى…ولا وجود لأي تدخل من الدولة ” .. لكنه لا يترك الباب مقفلا .. بل يضيف : ” وإستقالتي مشروطة …عدت إلى سبها لأكون مع أهلي في مواجهة أي عدو غازي …التبو يريدون أخذ الحق بقوة السلاح ، وعند مطالبتهم بتسليم القاتل حصل كل هذا… التبو يحتلون مناطق :تراغن ،مرزق ، زويلة،تمسة ،منذ 17 فبراير بحجة أنهم من حرروها…المشكلة ليست سبها وحدها ولا تنحل إلا بحل مشكلة التبو الذين يحتلون مدننا وأهل سبها يشترطون ألّا يبقى أي تباوي لا يحمل الجنسية الليبية على أرض الجنوب ” . السؤال : كيف كان عبدالمجيد يدرك كل هذه المعلومات ومدن محتلة وميليشيات مرتزقة وصمت كل هذه الفترة .. ولما لم يحرك ساكنا عندما كانت تلك المدن تتعرض للاعتداء والنهب والقتل ؟
    انه يدرك جيدا ان اعداد المرتزقة من التبو فقط تفوق عدد المتطوعين مع الطاغية في حينها ، وان سبها حررها ثوار القرضة قبل غيرهم ، وانه اراد ان يركب بالامس اسم عائلة ( سيف النصر ) لقيادة اولاد سليمان الى عودة بالاقليم الى حكم عائلي ، ممارساته كانت يوما سببا في تأجيج سخط الطاغية وحقدة لتفجر فيه لغة الانتقام التي لحقت ومحقت اثارها ليبيا بأسرها ؟ ولكونه يدرك انه في حاجة لاعادة ترتيب الاوراق قبل فوات الاوان ، او اشار عليه من استشار ، رأى ان الاستقالة تلويح يضمن تواجده ويرثق عباءته .
    لا داعي للتطرق الى ( الكوني ) الذي رشح نفسه زعيما للطوارق واعلن انشقاقه عندما تأكد له ان لا شيء يغفر له تقاريره وعمله الاستخباراتي وتجنيده للطوارق من موقعه بسفارة مالي .وامام ادراكه لحقيقة عدد الطوارق القليل في ليبيا ، لم يتوقف عن البحث على ظهير ، ولا زال ، مرة بالتواصل مع طوارق مالي امتداد لعلاقات جسرها الطاغية ، واخرى باظهار الطوارق جزء من الامازيغ رغم تنكرهم لذلك بالامس ، واخرى في حلف مع التبو كما حدث بالاجتماع الذي تم باوباري منذ اسبوع ، واخرى في رسائل ود لهذا وذاك تغليفا لدور الطوارق الاكبر في دعم الطاغية ومواجهة ثورة 17 فبراير .. لكنهم ليسوا طوارق ليبيا ، بل الطوارق الذين وجدوا الطريق الى ليبيا بمعرفته .. وثارة بالايماء لثوار ذوو نفوذ بالتاخي وورقة نفط اوباري وكأنه الاجدر باقتسامها معهم او المخول باعطاء تصريح للعبث هناك .. تغافل مثله مثل من على شاكلته ، بالامس مع المقبور .. ثم الثورة .. ثم الميليشيات الظاهرة .. فخسروا كما خسر المجلس الانتقالي اهل فزان لمجرد سماعه لهؤلاء ومؤازرته لفشلهم .
    هذه نبذة موجزة لتقريب الصورة لما يجري في فزان .. اما ماذا حدث عندما قدم الثوار من الشمال فسنتركه لحينه .
    عبدالله بن مسعود الفجيجي

قراءة في مستقبل العلاقات التشادية الليبية ما بعد القذافي:

ما هي دواعي اعتراف حكومة ديبي بالمجلس الانتقالي في ليبيا؟ أين هي الأموال الليبية المهربة إلي تشاد؟ وما هو مصير المرتزقة الذين تم القبض عليهم في معارك طرابلس الأخيرة ؟ وما هي مخاوف ديبي الحقيقية من انعكاسات الأزمة الليبية على نظامه في انجمينا؟

في البدء لابد لنا من التطرق إلى جملة من القضايا السياسية والاجتماعية بين تشاد وليبيا قبل مناقشة مستقبل العلاقات بين البلدين والإجابة على التساؤلات أعلاه، لان العلاقات بين البلدين ستكون محل تغيير شديد، وتبدأ مرحلة جديدة ومختلفة عن سابق عهدها بعد42 سنة من حكم العقيد/معمر القذافي الذي جعل من تشاد وشعبها خليفة للأمن الاستراتيجي لحكمه البائد، ولنا عظيم الشرف أن نناقش تلك العلاقة وهي تشهد تحولا جديدا ومغايرا لما عهدته خلال حقب ماضية اتسمت بعوامل الشد والجدب والتصعيد بين الجانبين.

العلاقات الاجتماعية والثقافية:

لقد كانت العلاقات الاجتماعية والثقافية بين الشعبين قديمة قدم الزمان والمكان، حيث كان التداخل القبلي والاجتماعي والنضال المشترك ضد احتلال البلدين ابرز الشواهد التي يمكن أن يستدل بها أي إنسان يريد سرد تطورات العلاقة بين تشاد وليبيا عبر التاريخ، وان أوضح مثال لذلك هو عندما تعرضت ليبيا للهجمة الاستعمارية الايطالية هبت قوى تشادية للوقوف مع أبناء الشعب الليبي لمحاربة الجبهة الغازية، فقد تعاضدت جهود القبائل المشتركة لصد الغزاة، ومن ابرز تلك المعارك التي قادها الرعيل الأول، هي معركة(حرب الأنصار عام1899/1913م)، وقد كان ذاك النضال تقوم بتنظيمه جماعات دينية تنتمي إلى الطريقة السنوسية، وكان الليبيون المتواجدون في تشاد يخشون من أن يقضي مجيء القوات الفرنسية(النصرانية)على ما بناه المسلمون في هذه المناطق البعيدة.. فالدعوة السنوسية كان لها نفوذ ديني كبير خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر في( بوركو ) و( أنيدي ) و( تبيستي) و( كانم ) و( واداي )، حيث انتشرت الزوايا السنوسية في معظم المناطق التشادية. ، وتشير المصادر التاريخية إلي أن الكثير من المعارك المشتركة التي قادها قادة البلدين في كل من بئر علالي وزقيي وعين كلكا، كانت ملحمة تاريخية جمعت الشعبين في نضال موحد ضد الغزو الخارجي، وفي تلك الفترة ظلت أسماء قبائل كبيرة ليبية وتشادية تتجلجل سمعتها بين البلدين، وأهمها: المغاربة، القذاذفة، الشريدات، اللهيوات، ورفلة) وحلفائهم من التنجور والقرعان والتوبو وغيرها من القبائل التشادية والليبية الأخرى، كما هو مبين بوضوح في نص تقرير الملازم ديفور المنسق الحربي الفرنسي والذي وصف الهجوم المشترك للقبائل ضد جيشه الغازي، فقال:” أتشرف بمراسلتكم وإبلاغكم بأنه تمت مهاجمتنا هذا الصباح وعلى تمام الساعة الرابعة فجراً من قِبل(سيدي) عبد الله الطوير ورجاله البالغ عددهم ثلاث مئة رجل ونيف، ويرافقهم في هذا الهجوم كلٌّ من محمد السنِّي وبعض الجنود الأتراك والقرعان والتبو، وفي أول التحام(للعدو) بنا استطاع أن يتقدم بعد اشتباكات عنيفة وقصيرة، ولكن سرعان ما انقلبت الأمور لصالحنا وذلك نظراً لتحصن جنودنا بالخندق الذي تم حفره استعداداً لهذا الهجوم وفق ما توافر لدينا من معلومات عنه مسبقاً، واستطعنا إثر ذلك إبعادهم بعد تركهم عدد(67) من موتاهم و(63) بندقية و(6)غدّارات من طراز90، والتي سُلبت منّا في معركة(وشنكلي)، كما تمَّ أثناء مطاردتنا للفلول الفارّة من(العدو) قتل أربعة رجال، ومن المعتقد إثر هذا الهجوم أن(العدو) تكبّد عدداً كبيراً من الخسائر والجرحى، كنت عند وصول(سيدي)عبد الله الطوير ورجاله ضابطاً للغفر وتم عقب سماع دوي إطلاق النيران إطلاق صفّارات الإنذار تنبيهاً بوصولهم، وجرت أحداث معركة مفاجئة وسريعة، كما كان الجنود في أماكنهم.

العلاقات السياسية – تمبلباي/القذافي:

ومنذ مجيء القذافي إلى السلطة في ليبيا دأب إلى خلق سياسية الزعزعة وتصدير التوتر وعدم الاستقرار الي تشاد، وكان السبب في ذلك هوانه يريد تفريغ النفوذ الثقافي والديني لسلطة السنوسيين في ليبيا وخارجها، ومن سوء طالع تشاد كانت السنوسية، كما سلف ذكره، أنها واحدة من الطرق الصوفية المتجذرة في وجدان المجتمعات التشادية في الشمال بجانب الطريقة التيجانية، ويرى العقيد/القذافي أن وجود قوى دينية ليبية لها أتباعها وبعدها الديني الخارجي، وتتخطى بدورها الحدود الليبية تشكل مصدر إزعاج دائم لسياساته الداخلية، فاعتمد سياسة تصدير التوتر والتصعيد مع تشاد لذاك السبب، أو لأسباب أخرى، فقد غازل القذافي الرئيس تمبلباي سياسيا ودعم أنشطة الثورة التشادية ضده مما أساء كثيرا إلى هيبة الدولة التشادية وهدد استقرارها سنوات طويلة.

احتلال شريط أوزو:

يعتبر قطاع أوزو أرض تشاديه احتلها القذافي بطموحات توسعيه نظرا لموقعه الاستراتيجي في الشمال ومتاخما للحدود الليبية التشادية، حيث يبلغ مساحته حوالي 600ميلا، والقطاع يتشكل من منطقة غنية باليورانيوم ومواد المنجنيز. وفي نزاع القذافي للسيطرة عليه اندلعت حروب ومواجهات عنيفة بين تشاد وليبيا، وتمحورالصراع بين البلدين ليس حول أوزو فحسب بل امتدت بعضا منها إلى أن يصل النزاع المسلح إلى العمق التشادي، فقد قام القذافي بدعم حركات تمرد تشادية موالية لنظام يريد منها السيطرة على الحكم في انجمينا، وقد كلف ذلك النزاع الخزينة الليبية مبلغ ملياري دولارا أمريكيا من اجل تحقيق طموح القذافي في تشاد والسيطرة عليها سياسيا وعسكريا وثقافيا، وعندما آلت السلطة إلى الرئيس الأسبق كوكوني ودي بمساعدة القذافي دخلت القوات الليبية تشاد وانتشرت في معظم أراضيها وتم توزيع الفكر القذافي الجديد ممثلا في منشورات الكتاب الأخضر، واذكر وقتها وإنني كنت شابا يافعا، فان بعض المدن التشادية كانت استبدلت العملة المحلية بالدينار الليبي وتم تداوله بكل بسهولة.

ولنعود للوراء قليلا لفهم أهم ملامح النزاع حول منطقه أوزو التاريخية في نضال شعبنا من اجل تحرير أراضيه من غزو القذافي لها، فقد كان النزاع حول قضية شريط أوزو مستميتا، ويعود الصراع حوله إلى عقد الخمسينيات من القرن الماضي، فقد زعم القذافي بان منطقه أوزو هو إقليم ليبي تعود ملكيته لي سكان ليبيين ينتمون إلي الطريقة السنوسية الليبية- وتتضح هنا نوايا القذافي وامتعاضه من وجود الطريقة السنوسية علي التراب التشادي بجلاء- كما سبق الإشارة إليه أعلاه، وثم زعم القذافي أن أوزو تعود ملكيته إلى سلطة الإمبراطورية العثمانية والتي كانت تتحكم في المناطق التي استعمرتها باسم الدين الإسلامي، وان المزاعم الليبية وقتها كانت تستند إلى عقود واتفاقات مورثه قديما ووقعت بين الايطاليين والفرنسيين إبان حقبه الاستعمار،إذ تضمن تلك الاتفاقات الاستعمارية التنازل الفرنسي لصالح إيطاليا لأسباب سياسية تتعلق بمصالح البلدين، وهي معاهدات غير شرعية قانونا بسبب غياب أصحاب الحق الشرعي للملكية، ويشار أيضا إلى أن البرلمان الفرنسي صادق مبدئيا علي المعاهدة وامتنع نظيره الايطالي من المصادقة عليها، وكانت كل الادعاءت الليبية اعتمدت على خرائط تعود إلى الأربعينيات. أي قبل استقلال تشاد وليبيا، بالإضافة إلى بروتوكولات يزعم القذافي أنها تم توقيعها بينه وحكومة الرئيس تمبلباي في ديسمبر عام 1972م، ويبدو هنا واضحا الابتزاز الليبي بقيادة القذافي للرئيس تمبلباي بسبب النزاع حول أوزو وإثارة فتنة الحرب في الشمال بدعم القذافي للثورة التشادية ضد نظامه أن لن يستجيب لطموحاته وتطلعات السياسية في تشاد، ورغم إذعان تمبلباي للقذافي خوفا من زعزعة استقرار بلاده، فقد غض الطرف عن احتلا أوزو وترك قضية المنطقة عالقة وأصبح أهلها التشاديون تديرها الإدارة الليبية شؤونهم وتم إلحاقها بمحافظة مرزق الليبية عام 1976م، وظلت قضية قطاع أوزو معلقا إلى جاء الرئيس السابق حسين هبري إلى سدة الحكم في انجمينا عام 1982م، وطبيعيا وهو من مناطق الشمال لابد من إثارة المشكلة لتأكيد وطنيته لسكان الشمال وتهيئة الرأي العام الداخلي لمراحل أخرى قادمة من احتمال التطور مقبلة بين الدولتين بسبب القضية، وان هبري في ذاك الوقت كان في أوج صراعه مع القذافي بعد أن تمكن هبري من طرد كوكوني ودي حليف القذافي من السلطة، فلقد تمكن هبري من حشد جبهة القوى الداخلية لصالحه لمواجهة القذافي وحلفائه من معارضي نظام هبري ودارت بين الأطراف معارك حامية الوطيس شملت اغلب مناطق تشاد ووصلت تداعياتها المتلاحقة التراب الليبي ذاته- معركة معاطن السارة -، ومن اشهر المعارك التي كانت تدور بين الطرفين، فهي أصبحت متمحورة في المدن التشادية والليبية التالية : أوزو، برداي، فـادا، زوار، بير كوران، وادي الدوم، فايا لارجو ومعطن السارة الليبية وغيرها.

فقد اندلعت تلك الحرب في عام 1983م وانتهت بعاهدة هبري/القذافي عام1988م، ورغم ماسيها تلك الحروب والمواجهات المختلفة بين الطرفين عدة سنوات، إلا أنها ولحد اليوم ظلت خفاياها الحقيقية طي الكتمان، وهي مخلفة ورائعا العديد والكثير من القتلى والمعوقين والذين لا تعرف عنهم معلومات واضحة المعالم حتى يومنا هذا، ونتمنى مع رحيل القذافي أن تفتح ملفات تلك الحرب اللعينة لمعرفة حقائقها وتفاصيلها الكاملة، لان ضحاياها كثر في البلدين من العسكريين والمدنيين والمفقودين من التشاديين والليبيين على حد سواء،

علاقة إدريس ديبي بالقافي:

منذ مجيء إدريس ديبي إلي السلطةعام1990م وجد القذافي ضالته في تشاد ممثلة في شخص ديبي، فوجد رئيسا هشا وضابطا شهد كل مراحل حرب القذافي في تشاد، وبحسب مصلحة ديبي في استمرار السلطة انقلب على كل المبادئ والقضايا الوطنية في تشاد وأصبح واحدا من أدوات القذافي وألاعيبه السياسية في القارة الأفريقية، فبدلا من أن يصحح ديبي مسارالعلاقات مع ليبيا بطريقة أكثر مسئولية تتماشى مع الأعراف الدبلوماسية، فانحرف مع القذافي وسايره في كل مغامراته السياسية خلال عقدين من الزمان، واضحي ديبي واحد من(جواكر)لعبة القذافي في إفريقيا جنوب الصحراء، فعمد الاثنان- ديبي والقافي- سياسة غريبة، وكانت تلك السياسة مثار جدل للمراقبين والشعبين على حد سواء، ومن اجل الرضوخ للقذافي، فحشد ديبي قادة أفارقة لإخراج القذافي من عزلته الإقليمية والدولية وأصبحت تشاد السلم الأسهل للقذافي والذي صعد به لتحقيق مآربه التي حلم بها مند عقود خلت، نعم لقد تلقي ديبي عندما كان مناهضا لحسين هبري مساعدات كبيرة من القذافي للإطاحة بنظامه،- وطبعا القذافي العدو اللدود لهبري- جاء ديبي إلى الحكم وكانت وفوده السياسية تزور ليبيا باستمرار وتقعد مفاوضات سرية معقدة من اجل الوصول إلى صيغة ترضي طموحات القذافي وتوجهاته في تشاد، وتمكن الطرفان من تجاوز معضلة أوزو عبر التحكيم الدولي وعودة الشريط إلى جغرافيته الطبيعية عام 1993م، وبالمقابل فقد سلم ديبي القذافي كل الانتصارات والمكاسب الحيوية للجيش التشادي خلال الحرب التشادية الليبية بسبب قطاع أوزو وقضايا قومية أخرى غض الطرف عنها تماما، وفي العام1997م ساعد ديبي القذافي للخروج من نفق أزمة قضية لوكاربي وسافرا برا إلى ليبيا ليثبت حسن نوايا له، وهي القضية التي بسببها تم حصار الشعب الليبي عشرة سنوات عجاف ذاق خلال الكثير من صنوف الذل والهوان تحت رحمة القذافي ومغامراته الطائشة في العالم، وفي عام1998م وطئت قدم القذافي ارض بلد عاث فيها فسادا وإجراما كبيرا اكتوي بلهيب نيرانها كل أبناء الشعب التشادي، ومن هنا جعل القذافي تشاد ساحة لنشاطاته في أفريقيا، فأصبح واحد من أهم رموز السياسة الأفريقية، الأمر الذي أدهش المراقبين والمهتمين بشان البلدين، حيث اشترى القذافي معظم عقارات البلاد وأسس بنوكا وشركات ومحال تجارية، وملك أيضا أصولا مالية ملوكه لشركات حكومية، إضافة إلى فنادق كبيرة..الخ..كل تلك الواجهات كانت تستغل لتقديم الخدمات الخاصة للقذافي تتعلق بتحقيق طموحاته وتوجهاته في تشاد وإفريقيا، ومن أهمها استخدام تلك الأموال الليبية في عمليات التجسس وحياكة المؤامرات وإعداد الانقلابات العسكرية ضد من يخالف رأي القذافي في مساعي سياساته التوسعية في أفريقيا، ومن بين تلك الأنشطة هي بيع ذمم الزعماء الأفارقة السياسيين والعسكريين والقادة التقليديين وغيرهم من اجل الادناة له بالولاء والطاعة، والكل في أفريقيا يخدم مصالح القذافي من اجل الحصول على الدينار وتمجيده ابن الصحراء وصاحب الرسالة وملك ملوك أفريقيا وسيد الفكر وقائد القيادة الإسلامية العالمية ومؤسس – س، ص- وأبو النظرية العالمية الثالثة- الكتاب الأخضر-، وكان إدريس ديبي تلميذا حذقا يخدم كل تلك الأغراض العبثية للقذافي انطلاقا من أراضي تشاد والقارة الأفريقية.

المخاوف الإقليمية والدولية من نشاط القذافي في أفريقيا:

ومن الناحية الإقليمية، فقد انتاب القلق الكثير من القادة الأفارقة حشر القذافي انفه في قضاياهم الداخلية وتحريض الشعوب بالعصيان ضد سلطاتهم، فضلا عن ودعمه لحركات التمرد والانقلابات العسكرية في القارة الأفريقية، ولذلك لم ينجح القذافي في مشروعه الأفريقي تماما مثلما كان يحلم به، إلا في عدد من الدول الأفريقية الهشة سياسيا والتي يجري قادتها وراء الدينار الليبي وطلب رحمة الزعيم الملهم.

وفي المجال الدولي، فلم يغفل الغرب تحديدا دور العقيد القذافي منذ سبعينيات القرن الماضي عندما تبنى المشروعين العربي والأفريقي وما تحمله تلك المشاريع من تناقضات موضوعية للسياسة الغربية في أفريقيا والعالم، ويعود الدور الليبي في الساحة الأفريقية إلى طموحات القذافي السياسية لخلق تكتل إقليمي يكون بديلا للقوى المناهضة له، ويكون هو الداعم له والأب والزعيم الروحي الملهم، وتحقيق حلماً تاريخياً ظل يراوده منذ سنين عدة، وبذلك فقد قفزت سياسته تلك قفزات سريعة إلى كل من تشاد والسودان وبمراحل مختلفة شهدت خلالها تلك التطورات طبيعة العداء الشديد والتي أدت إلى درجة الاشتباك العسكري(نميري السودان وهبري تشاد)، والتي تم إبانها احتلال أراضي تشادية وسودانية(مثلث جبل العوينات وقطاع شريط أوزو)، ومرت تلك المسارات نفسها بتحالفات أخرى بارزة بعد تبدد العداء وامتصاص مشاعر القذافي العدائية تجاههما بفضل الغياب والتخلص من نميري وهبري، وكانت أوضح تلك التحالفات الجديدة ممثلة في وقوف ديبي مع القذافي عقب الحصار الذي فرض على ليبيا بفعل قضية لوكاربي، ووصلت تلك التحالفات إلى الذروة، وذلك بقيام تجمع دول الساحل والصحراء بقيادة القذافي، بينما توترت علاقة القذافي بالسودان بفعل دعمه وتمويله لحركات التمرد في دارفور(وأهمها الهجوم الذي نفذته حركه العدل والمساواة علي مدينة أم درمان بالخرطوم).

ولاشك في إن الغرب لا ينظر إلى القذافي بعين الرضي والارتياح بالنظر إلى أنشطته المتعددة وتحالفاته الإقليمية في أفريقيا والتي تسارعت خطاها بسرعة وعمت اغلب دول القارة الأفريقية، ولهذا رأى الغرب أن عرقلة مشروع القذافي في القارة الأفريقية ظل واحد من اهتماماتها الإستراتيجية والتي تتضمن خططا للتخلص منه نهائيا وإفساح المجال لقوى ليبية أخرى حرة وديمقراطية أن تحل محله وتعيد الأمور إلى نصابها على ضفة المتوسط بعد عقود من التخبط والمغامرات السياسية للعقيد القذافي في المنطقة، وان قيام ثورة الشباب الليبي الحالية كانت فرصة طيبة للغرب على الأقل مساعدة الشعب الليبي بعد أن عجز طويلا في مجابهة سياسته الداخلية والخارجية خلال الفترة الماضية، وهي المساعدة التي من المؤكد أن تجعل الشعب الليبي يجد صيغه ما لتحديد خياراته وتحقيق طموحاته وتطلعاته المستقبلية وبكل حرية، ولذلك جاء قرار مجلس الأمن الدولي رقم1973 الخاص بحماية المدنيين المتظاهرين في ليبيا سلميا منسجما ومتضامنا مع الضمير الإنساني من اجل تحقيق العدالة ورفع الظلم ووقف كل أساليب القهر والتسلط الذي كان ممارسا منذ أربعة عقودا ضد الشعب الليبي من قبل سلطة طاغية بدون رقيب ولا حسيب رادع يوقف أفعال القذافي الإجرامية خلال الـ42 عاما الماضية.

المرتزقة التشاديون في ليبيا حقيقة أم وهم؟:

لا دخان بدون نار، تشير كل الدلائل والمزاعم التي ساقها شباب الثورة الليبية بثبات وجود عناصر مرتزقة بصورة رسمية وغير رسمية محسوبة على نظام إدريس ديبي شاركت في قتل المتظاهرين من أول المعارك والى آخر معركة تم فيها تحرير طرابلس، وتلك الدلائل كانت شهادات حية تم توثيقها بعناية، وتثبت جرم الارتزاق كحقيقة دامغة على تورط نظام انجمينا في الشأن الليبي الداخلي بكل مراحله المختلفة، وتشير مصادر المعلومات الواردة من ليبيا بان هنالك عدد من هؤلاء ولا يمكن الاستهانة به، ويتشكل اغلبهم من مقاتلين نظامين وغير نظامين قاموا فعلا بمساعدة القذافي في قمع الشعب الليبي في ساحات النزاع مقابل تلقيهم مبالغ مالية طائلة نظير ذلك، ومن ضمن الشواهد الحية هي القبض على عدد كبير من هؤلاء وتم أسرهم كمقاتلين في الحرب التي دارت في بقاع مختلفة من المدن الليبية، وتم أيضا توثيق شهادات اعترافهم الحية بالصورة والصوت.

أين هي الأموال الليبية المهربة إلي تشاد ولمن تعود ملكيتها الحقيقية بعد أن سقط القذافي؟:

قد لا يغيب عن كل مراقب، او متبصر واعي، من أن العقيد القذافي قام خلال السنوات الأخيرة برصد مبالغ مالية كبيرة وتم تحويلها إلى أفريقيا من اجل استثمارها عبرالشركة الليبية للاستثمارات الخارجية، وان جل المشاريع الاستثمارية العملاقة كانت تتخذ من تشاد قاعدة لها للانطلاق إلى أماكن أخرى في القارة الأفريقية، وبحسب التوقعات للأموال الليبية المهربة الي تشاد، فقد بلغ نسبة حجم الاستثمارات الليبية في تشاد وحدها حوالي25% من جملة 53 مليار دولار تم استثمارها خارج ليبيا، بينما تشير مصادر مطلعة بان هنالك أموال ليبية أخرى تم رصدها وهي مستثمرة في نواحي متعددة بالخارج، وهي على النحو التالي: 288 مليون يورو في صورة تحويلات نقدية، و 14 مليار يورو في هيئة ودائع بنكية و 2.4 مليار يورو مستثمرة في سندات و 3.6 مليار يورو في رأس مال نحو 50 شركة و بنك و مؤسسة أوروبية و غربية مثل “يونيكريديت” التي تمتلك ليبيا نحو 13.16 % من رأس مالها و”سيمنز” (تمتلك ليبيا نسبة 9.20 % من رأسمالها) و”أيه أن أى” ( .91 % من رأسمالها) وجنرال أليكتريك (4.16 % من رأسمالها) ولاجاردير (1.19 %) وفرانس تليكوم (1.02( % ، ويرى بعض المحللون أن اللوبي المستثمر للمال الليبي في الخارج ينوي إخفاء معالم تلك الاستثمارات في الخارج، خاصة بعد نهاية القذافي، وذلك بالتعاون مع عدد من كبار مسئولي حكومات الدول الإفريقية- وبالطبع بعضهم رؤساء دول-، وبحسب الشواهد وتوقعات المراقبين أن اللوبي الاستثماري في أفريقيا اعد خططا مفترضة لإخفاء المليارات من الدولارات بالتعاون مع مسئولين كبار في الدول الأفريقية ومحو أثرها تماما من الوجود وتوزيعها مناصفة معهم ومن ضمنها تشاد، وهذا تحسبا لعدم حصول حكام طرابلس الجدد على تلك الأموال الليبية المهربة إلى أفريقيا.

ما هي مخاوف ديبي الحقيقية من انعكاسات الأزمة الليبية على نظامه في انجمينا؟:

بعد شواهد تورط النظام التشادي في الشأن الليبي الداخلي بدوافع الحصول على الأموال الليبية وإرساله للمرتوقة للقتال هناك، فوقع ديبي في المحظور إقليميا ودوليا، ولا يوجد أمامه حل لإزالة الحرج الذي وقع فيه في ليبيا إلا بالاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي، وذلك بعد الانتصار الكبير الذي حققته قوى المجلس الانتقالي لإسقاط نظام القذافي حليف ديبي الاستراتيجي في المنطقة، ويرى المراقبون أن الاعتراف التشادي جاء متأخرا جدا نظرا لحسابات خاطئة اعتبر ديبي فيها أن القذافي يمكنه الصمود وتغيير دفة الأحداث لصالحه، وتلك الحسابات يعتقد نظام انجمينا أن العقيد يجد مخرجا للازمة الليبية عبر تسوية سياسية تمكنه على الأقل من الوجود داخل ليبيا والمشاركة في كيان سياسي ائتلافي مع الثوار عبر مبادرة التسوية السياسية التي قام بها الاتحاد الأفريقي مؤخرا والتي باءت بالفشل الذريع، ولكن بعد أن فرض الثوار واقعا جديد كليا على الساحة الإقليمية والدولية ارتضي النظام التشادي بالواقع المر واعترف بالمجلس خشية من لا يتحول المجلس الانتقالي في ليبيا إلى عدو لدود لنظامه بعد تأكده من أن مقاليد السلطة الفعلية في ليبيا آلت إلى المجلس الانتقالي، لان تطورا أحداث ليبيا وضعت ديبي أمام خيارات صعبة ومفترق للطرق.

ومما سبق، نرى أن العلاقات التشادية الليبية في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية الجديدة في ليبيا ستخضع بدورها للكثير من لعوامل التغيير المرتبطة بها، وستظل تلك المتغيرات مربط الفرس بالنسبة لنظام إدريس ديبي في انتهاج سياسة جديدة ومغايرة لما كانت متبعة خلال عهد القذافي البائد، وفي كل هذا وذاك، فأنها قطعا تفرض جملة من التطورات والقضايا الملحة بين البلدين والتي يتطلب الوقوف عندها، ومن ضمنها ملفات حساسة للغاية، ملف الحدود الشائك دائما بين الدولتين، والممثل في قضية القبائل المشتركة، وملف الحرب التشادية الليبية-لان ديبي واحد من أطراف النزاع- وملف المال الليبي المهرب إلي تشاد، إضافة إلى قضية المرتزقة المقبوض عليهم مؤخرا في معارك طرابلس الأخيرة ومحاسبة المتورطين في تجنيدهم من الجانب التشادي.

ونواصل…

محمد علي كلياني/باريسkalyani123@hotmail.fr

سرت معقل القذافي تشكو من التهميش في ليبيا الجديدة

العرب اونلاين
سرت – يسود شعور بالإحباط بين الأطلال المتصدعة في مدينة سرت الساحلية الليبية التي اعتبرها العقيد السابق معمر القذافي “عاصمة أفريقيا”.

فبعد مرور أربعة أشهر على مقتل القذافي في مسقط رأسه تحولت المدينة التي كانت قرية صغيرة للصيادين قبل أن يحولها الزعيم الراحل إلى مدينة نموذجية الي اطلال.

وسرت التي حظيت برعاية وأموال عشيرة القذافي تكافح الآن للتكيف مع الواقع في ليبيا الجديدة. ويقول سكانها إنهم يشعرون بالتهميش من قبل حكام ليبيا ما بعد الحرب.

وتثير تجربة سرت عدة قضايا حول ما إذا كانت ليبيا الجديدة قادرة على احتضان المجتمعات المختلفة في أنحاء البلاد التي لم تكن مؤيدة للانتفاضة إما نتيجة للخوف أو لتأييدها القذافي أو لأي سبب آخر وتلك التي أيدت الانتفاضة.

قال محمد سالم “52 عاما” وهو يسير حول منزله الذي تحول طابقه العلوي الآن إلى أنقاض “نشعر أننا لا نحظى باهتمام أحد بأننا لا نشكل أهمية للحكومة ولا المجلس الوطني الانتقالي.

“نعيش في حالة مذرية.. المنازل التي نعيش فيها تعرضت لضرر بالغ. إنها خطيرة. لم يأتوا لزيارتنا أو لمقابلة العائلات للمساعدة في وضع حد للمعاناة هنا. نشعر أننا نحتاج هذا منهم”.

وكان سالم وهو موظف في مكتب مراقبة الأسعار بالمدينة يسير على أطراف أصابعه على الأنقاض والأثاث المحطم والأحذية المتناثرة ويشير إلى سقف الجزء الذي كان مخدع أبنائه الذي تعرض للقصف.

وتغطي قطع كبيرة من الطوب حشية سرير طفل تعلوها الأتربة وهناك ثريا محطمة على الأرض. ولا تزال صور شخصيات أفلام الرسوم المتحركة الملونة وصور لطفل يبتسم تغطي الجدران وباب.

وتعيش أسرته في غرفتين بالطابق السفلي.

ودفعت سرت وهي مدينة يقطنها 100 ألف نسمة ثمنا باهظا لكونها كانت المعقل الأخير لحكم القذافي الفردي الذي دام 42 عاما.

وبعد أن سيطرت المعارضة على مساحات كبيرة من ليبيا لاذ القذافي بين أبناء عشيرته وأنصاره المؤيدين في المدينة التي كان يجهزها لأن تصبح مركزا دوليا من خلال مقر المؤتمرات الكبير الذي أقيم فيها. ومارس القذافي ضغوطا دون جدوى كي تصبح سرت التي كانت مقرا لمؤتمرات قمة متكررة مقرا للاتحاد الأفريقي.

ولكن السكان يقولون إن مناطق في البلدة تحولت إلى أنقاض في القتال أثناء حصار استمر ثمانية أسابيع على أيدي قوات للمعارضة تسعى للانتقام جاءت من مناطق أخرى.

وتبرز الخصومات القبلية والإقليمية العميقة لاسيما بين أبناء سرت واولئك الذين جاءوا من مصراتة أو بنغازي الذين كتبت شعارات انتصارهم على الجدران في شتى أنحاء المدينة المخاوف من أن ليبيا قد تواجه مشكلات في المستقبل رغم نشوة ما بعد الحرب التي تسود في كل مكان آخر.

استمر في القراءة