– برنار هنري ليفي أقنع ساركوزي بدعم ثوار ليبيا عسكرياً

بوعلام غبشي

برنار هنري ليفي

سلّط كتاب (الحرب دون أن نحبها) لمؤلفه الفيلسوف المثير للجدل، برنار هنري ليفي، الضوء على كواليس الأزمة الليبية. وأعيب على كاتبه أنه كان نرجسيًا أكثر من اللازم في كتابته، وحاول جاهدًا أن يقدّم نفسه كالبطل الداعي إلى الخير، ومساعدة الشعوب المضطهدة.


باريس: يمكن اعتبار برنار هنري ليفي الفيلسوف الأكثر إثارة للجدل في فرنسا، فالمراقبون يقدمونه على أنه فيلسوف حرب بالدرجة الأولى، وهو أحد المفكرين المؤمنين حتى النخاع بمبدأ “حق التدخل”، الذي عرف بالدفاع عنه رئيس الدبلوماسية الفرنسية السابق برنار كوشنير.

لعب برنار هنري ليفي دورًا بارزًا في جرّ باريس إلى الساحة الليبية، ما أفرز حتى الآن جدلاً حول دوره الحقيقي، إلى جانب الإليزيه في معارك الثوار ضد القدافي وكتائبه، وازداد الجدل تأججًا مع صدور كتابه “الحرب دون أن نحبها”.

قدم الكاتب في هذا العمل روايته حول هذا الدور “بنوع من النرجسية” على حد تعبير الإعلامية صوفيا فوكار، فهو يتحدث في عمله هذا “بلغة الأنا”، وهو”ليس بأمر جديد على رجل يحب الأضواء وتلميع صورته”.

وقالت فوكار، في قراءة للكتاب خاصة بـ “إيلاف”: “لقد تعودنا من خلال كتاباته أو حواراته على هذه الـ “أنا”، لكنها تحولت في كتابه الأخير إلى نوع من النرجسية والتعالي، بحيث لم يغب ذلك عن أي صفحة من صفحاته”.

“فإن لم يكن محركًا أو فاعلاً أو قائدًا ميدانيًا، فهو حاضر من خلال ذكرياته الشخصية، وفخره بأصوله وبمنجزات ذويه، والأكيد أنه من خلال تبنيه هذا الأسلوب، ذكر بصورة مباشرة أوغير مباشرة بأنه كان الرقم الأساسي في المعادلة الليبية، ولولاه لما سارت الأمور على ما هي عليه الآن”، بحسب فوكار.

ليفي الدبلوماسي

لعب ليفي دورًا أكبر من حجمه في القضية الليبية، بحسب مراقبين، بل وفي الكثير من الأحيان، حجب عن العين أداء دبلوماسية بلاده، وهو ما أدى بهؤلاء الملاحظين إلى اعتباره تطاولاً على مهمة رئيس الدبلوماسية الفرنسية.

يعتقد هؤلاء أن ليفي نجح في وضع رئيس الدبلوماسية الفرنسية على هامش صناعة القرار الفرنسي بخصوص القضية الليبية، وإن كان ذلك لمدة من الزمن، فيما فسّرها الفيلسوف المثير للجدل نفسه، بأنّ آلان جوبيه له “سوابق في خلافات دولية، انتهت بكوارث إنسانية، وبالتحديد في البوسنة ورواندا”.

صاحب كتاب “الحرب دون أن نحبها”، قال في أحد تصريحاته إن وضعه لآلان جوبيه على هامش الملف الليبي، وخصوصًا في بداياته، جاء من هذا المنطلق، على الرغم من أنه يقدر- بحسبه – “جوبيه الرجل”، الذي رد عليه بنوع من السخرية، داعياً إياه إلى أن يقوم بالشيء نفسه في سوريا.

والسؤال الذي حيّر الإعلامية صوفيا فوكار على طول 630 صفحة، ولم تجد له جواباً، “هو لماذا مدّ الرئيس الفرنسي يده لبرنارد هنري ليفي، ومنحه ثقة عمياء، وصمّ آذانه عن نصائح مستشاريه ووزرائه، وانخرط في حرب من دون قيد أو شرط، محركها الأساسي رجل غامض ومثير للجدل مثل ليفي”.

تتابع فوكار “مكالمة هاتفية وحيدة من طرف ليفي، كانت تكفي لقبول ساركوزي الاعتراف الرسمي بالمجلس الانتقالي الليبي، حتى من دون أخذ الوقت الكافي للإطلاع على تشكيلته، ومعرفة الشخصيات المكونة له، وانتماءاتهم السياسية”.

غلاف كتاب “الحرب دون أن نحبها”

 

وأضافت قائلة: “الأكيد أن هناك علامات استفهام كثيرة تراود أي مطّلع على فحوى الكتاب حول ما تم تداوله رسميًا بالنسبة إلى ما حدث في ليبيا، والأكيد أيضاً أن ما جمع الرجلين أقوى من أي ولاءات سياسية. فكلا الرجلان يحبّان الأضواء والظهور بمظهر البطل الداعي إلى الخير، ومساعدة الشعوب المضطهدة”.

وتتابع في السياق نفسه: “رغم كل المبررات التي قدمها ليفي لشرح هذا التحالف الغريب بينه وبين ساركوزي في حربهما ضد نظام القدافي، إلا أن هناك أمورًا بقيت مخبأة”.

وتساءلت: “ما الذي جعل رئيس الجمهورية الخامسة يساير فيلسوفًا مثيرًا للجدل، ولا يحسب على صفه السياسي، باتخاذ قرارات مصيرية لها تأثير على صورة فرنسا خارجياً، لمجرد إشارة من رجل اختزل في شخصه كل الأدوار؟”.

وبحسب استنتاجها، فإن قراءة الكتاب تعطي انطباعًا بأن “المؤسسات الرسمية، التي من مهامها مثل هذه الملفات، معطلة، فمنذ بداية الحرب إلى نهايتها لم تقدم لنا إلا فاعلين أساسيين هما هو والرئيس”.

وكأنه بذلك، تستطرد فوكار، “يريد أن يوصل إلينا رسالة، مفادها أن الحكومة اليمينية عاجزة عن منح فرنسا المكانة التي تستحقها خارجيًا، وعلى أن الرئيس اليميني استنجد بالكاتب والفيلسوف والناشط اليساري، لتدارك الموقف والخطأ الذي وقع فيه، عندما استقبل القذافي في الإليزيه. زد على ذلك أن الكتاب ككل يعطي للثوار والمجلس الانتقالي دورًا ثانويًا”.

الخلفية الإنسانية

اندفاع برنار هنري ليفي نحو الحرب في ليبيا ضد القذافي يربطه هو نفسه بخلفية إنسانية، تسمح بحسب تقديره، بالتوظيف العملي لمبدأ يؤمن به، ليس فقط فلسفيًا، وإنما على ساحة الميدان كذلك، وهو “حق التدخل”، خاصة وأنه رجل ميدان، لا يقتنع بالعمل الصحافي والفكري في المكاتب الدافئة.

“فالدور الذي لعبه ليفي في ليبيا تجاوز دور الصحافي أوالمثقف أوالمراسل الحربي، إلى دور وحيد وأوحد هو الدور العسكري”، تقول صوفيا فوكار.

يخبر ليفي في كتابه “الحرب دون أن نحبها” كيف أقنع الرئيس الفرنسي بهذا المبدأ العزيز جداً على رئيس دبلوماسيته السابق برنار كوشنير، والذي تأسف لمغادرته “للكي دورسي”، مقر الخارجية الفرنسية، قبل موعد اندلاع أزمة من هذا النوع.

وهو كتاب لا تعتبره الإعلامية صوفيا فوكار “عملاً أدبيًا بالكامل”، لأنه، بحسبها، “مزيج من التحقيق الصحافي والسرد الروائي والعمل الوثائقي، هذا بالنسبة إلى جانب الشكل”.

أما بالنسبة إلى المضمون، تضيف فوكار، “فنحن أمام كتاب مثير للجدل ككاتبه، لأنها المرة الأولى التي نتلقى فيها هذا الكمّ الكبير من المعلومات، التي لم يتم التطرق إليها، لا في تقارير صحافية ولا تلفزيونية، عن كواليس حرب، وضعت أوزارها أيامًا قليلة قبل نشر الكتاب”.

“نحن أمام ويكيليكس جديدة. تدفع بنا إلى إعادة النظر في كل ما قيل ويقال عن الثورة الليبية وعن حيثيات الإطاحة بنظام القذافي”.

عدد التعليقات 7

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف

قل ببساطة رأيك

ابو احمد -GMT 13:49:17 2011 الثلائاء 22 نوفمبر

لماذا اللف والدوران وتبطين الكلام بهذه اللغة الممجوجة، قل ما تريد وانصرف، ببساطة.

0 قيّم التعليق 0أبلغ عن إساءةإرســال رد

لأجل سواد عيوننا!

اللامنتمي -GMT 12:39:43 2011 الإثنين 21 نوفمبر

طبعاً، فآل صهيون هم أرباب نعمتنا و أسباب حضارتنا و سر كل جمال في حياتنا! فعلاً شيء يدعو للسخرية و للتساؤل عن أسباب الترويج لهكذا خزعبلات و تكرارها! التطبيع لم و لن ينجح يوماً أيا كانت أساليبه و أشكاله، و الحق يبقى حقاً، و الباطل باطلاً مهما طال الزمان. هذه بديهية لا تحتاج لاثبات- و إن كان الاثبات آت لا محالة.

0 قيّم التعليق 0أبلغ عن إساءةإرســال رد

هذا كلام سوق

ناقد -GMT 12:30:58 2011 الإثنين 21 نوفمبر

هذا ; الفيلسوف ; هو كما سماه الوزير الفرنسي جان بيير شوفينمان ليس الا; بوسطجي ; بين الصهيونية المهووسة بالبترول وأمريكا التي تبتز البترول، وكلاهما سيان، اليس هو الذي لايزال يشهر سيفه في كل مكان تترحم فيه على المسلمين، البوسنة، أفغانستان، ليبيا، مصر، لكنه حاول مع المعارضة السورية وعلى الرغم من انه تمكن بعض من جهل أهلها السوريين الذين يتراكضون كالجراد إما لأن تكتب اسمائهم أو يظهرون لتتلقفهم الفضائيات تماماً على وزن نرجسيته، لكنه لم يتمكن الدخول الى عمقها لأنه يعرف كما يعرف سيده الفرنسي ; ساركوزي; والاثنين لهما تبعية أمريكية كما تشير بعض المصادر الاعلامية مثل موقع فولتير الفرنسي، نعم كتاب تمسح فيه بالجهل الليبي المدقع في بنغازي عند البرابرة الذين رأينا اسلامهم ومصيبة جهلهم عظيمة قد يأتي اليوم الذي سيتفلسف بها هذا الفيلسوفي في حديث السوق … إننا صحيح نعيش ثورات قد تكون في جلها عظيمة لإرادة الشعوب، لكن على ان لاتسرق من قبل هذه العصابات الدولية ليتاجر بها وتعود من جديد الى سلب ارادة الشعوب التي يدافع عنها، وكم كنت اتمنى على من مثل هذا ان يحكي ما يدور في اجتماعاته الخاصة والسرية حول هذه الشعوب العربية المسلمة

0 قيّم التعليق 0أبلغ عن إساءةإرســال رد

حقائق من الأهمية بمكان

مولاي المصطفى بابوي -GMT 10:54:38 2011 الإثنين 21 نوفمبر

من خلال هذا المقال تعرفت على خبايا هنري ليفي، وعلى المكانة التي يحظى بها لدى الرئيس الفرنسي. وما استغربت له أكثر هو أن هذا الأخير يبدو أكثر ذكاء وتنقيبا وبعدا للنظر في مثل هذه المواقف إلا أنه في خلال أحداث ليبيا أبدى عن عجزه الكامل وعن ثقته الكاملة في شخص يعرف الجميع مصادر قوته وعجرفته وانسياقه للخوض في أشياء ليست من اختصاصاته ككاتب وسياسي وفيلسوف … وفي سياق هذا التساؤل لا يسعني إلا أن أحيي بحرارة كاتبة هذا المقال، التي تعرفت على مضامين الكتاب بكل دقة، وخرجت باستنتاجات مهدت الطريق للقاريء كي يتعرف على ههنري ليفي : سرا وعلانية، حاضرا ومستقبلا، إضافة إلى الغايات التي يرمي إليها والتي = وبدون شك= تخدم اجندات معينة…

0 قيّم التعليق 0أبلغ عن إساءةإرســال رد
تسخير من الله.

هانى الليبي -GMT 10:15:04 2011 الإثنين 21 نوفمبر

ليفى، ساركوزى، اوباما، كاميرون، الناتو، قطر، الامارات، تونس، السودان……. تعددت الاسماء وتعددت الدول و تعددت المصالح وتعددت النوايا. ولكن المؤكد لى ولاغلب الليبين، واستطيع التاكيد ان هذا كله وما خفيى منه، هو تسخير من الله عز وجل رحمة بهذا البلد ومحو القذافي ونظامه وذريته الخبيثة رحمة بالبشرية جمعا. الله اكبر الله اكبر ولله الحمد.

0 قيّم التعليق 0أبلغ عن إساءةإرســال رد
حليف اسرائيل

سامي المغرب -GMT 9:10:57 2011 الإثنين 21 نوفمبر

هدا الشخص معروف عليه انه من اللوبي الصهيوني المؤيد لاسرائيل بفرنسا ولكن على عكس ليبيا فهو كان يدعم في بن علي بتونس حتى لا يسقط وكدلك بمصر حيث كان يعتبر سقوط مبارك خسارة لهم

0 قيّم التعليق 0أبلغ عن إساءةإرســال رد
يهودي صهيوني

حسن العراقي -GMT 3:50:39 2011 الإثنين 21 نوفمبر

ابحث عن هذا الاسم في كل الدول التي شهدت دمارا وتطهيرا عرقيا وطائفيا. اظن ان جميع تحركته مدروسة ولها بعد يرجع الى انتماءات هذا الرجل الدينية والسياسية

Advertisements

– الحرب دون ان نحبها

عرض/بوعلام رمضاني
الريبة التي يثيرها الكاتب برنار هنري ليفي حتى لا نقول العداء في العالم العربي بسبب مواقفه المزدوجة والمذبذبة من العرب والمسلمين، وتأييده السافر لإسرائيل، لا تشكل عائقا للحكم بموضوعية باردة على قدرته العجيبة في تسجيل ورصد وقائع حروب وقضايا نختلف حول خلفياتها السياسية والأيديولوجية دون شك، لكن لا نملك الاعتراف بكيفية تناولها في قالب فكري وأدبي وصحفي بديع يترك العدو يعترف بموهبته الكتابية التي مكنته من التأريخ لحيثيات وكواليس ومجريات الثورة الليبية بين 23 فبراير/شباط و15 سبتمبر/أيلول من العام الماضي.

في كتابه “الحرب دون أن نحبها: يوميات كاتب في قلب الربيع العربي” يعمق ويجدد نفسه الكتابي شاهد عيان عايش فصولها لأكثر من ستة أشهر مكنته من التنقل بين بنغازي وباريس ونيويورك والقدس والقاهرة وطرابلس مجسدا الموقف الأوروبي والفرنسي خصوصا من الحرب التي وضعت حدا لحكم معمر القذافي وأعطت للرئيس ساركوزي الذي لا يشاطره التوجه الأيديولوجي على حد تعبيره القوة التي كان في أمس الحاجة إليها داخليا وخارجيا.

من البوسنة إلى بنغازي
في مقدمة الكتاب الذي تضمن فصول الحرب والأمل والتورط والانتصار، أكد إيمانه بمقولة مالرو وزير الثقافة الديغولي الشهير “ليبقى الانتصار حليف الذين قاموا بالحرب دون أن يحبوها” مذكرا بتأييده الحرب في البوسنة ضد الصرب ورابطا العلاقة بين القائدين الملهمين عزت بيغوفيتش ومصطفى عبد الجليل، والتجربة الحربية التي عاشها جسديا وروحيا في البوسنة وكتب عنها هي نفسها التي عاشها مع شباب الثورة الليبية وقادتها المعروفين وغير المعروفين، ومن بينهم الجنرال عبد الفتاح يونس الذي رافقه إلى باريس قبل ثلاثة أشهر من تاريخ اغتياله.

-الكتاب: الحرب دون أن نحبها

-المؤلف: برنار هنري ليفي

-الناشر: غراسيه, فرنسا

-عدد الصفحات:627 

-الطبعة: الأولى 2011

في المقدمة التي جدد فيها عدم ندمه على تأييده الثورة الليبية ضد “مجرم وإرهابي أنتج الإسلام السياسي” على حد تعبيره، أضحى ليفي عاجزا عن قراءة مستقبل الربيع الليبي بعد رحيل الطاغية، وهو ما يؤكد حقيقة الصراع القائم بين دعاة إسلام معتدل وليبراليين منفتحين على ثقافة الأنوار وحقوق الإنسان وثوار آخرين راديكاليين يشكلون الأقلية في تقديره.

الحرب التي أيدها ليفي ضد القذافي دون أن يحبها لم تكن خيارا، والتاريخ الليبي الذي يكتب من جديد لا يمكن أن يخلو من تطرف وتزمت جديدين، ورغم ذلك يبقى أمل ولادة الديمقراطية العسيرة أمرا ممكنا ومعقولا، ولو في ظل امتحان جديد مفتوح على آلام أخرى تفرضها المصالح المرتبطة بظلام الماضي وضوء الحاضر بغض النظر عن درجة إشعاعه الحالية.

الحرب والغموض
في الفصل الأول “الحرب” نقرأ عن وصوله إلى بنغازي بسيارة أجرة عبر مرسى مطروح والسلوم، وتوقفه في البيضاء ودرنة وعن لقائه مع محامي عائلات 1200 سجين قضوا في سجن أبو سليم الرهيب ومع مبعوث قوجا وحامل ملف اغتيال الصحفي ضيف الغزال في قبو المحكمة العليا قبل ستة أعوام بسبب كتابته مقالة عن الرشوة.

وصل ليفي مع فريقه التقني إلى خط جبهة الحرب بعد تضارب تصريحات الصحفيين القائلين بأن الثوار كانوا قد وصلوا إلى بن جواد بعد رأس لانوف البعيدة عن سرت بمائة كيلومتر في 4 مارس/آذار, والآخرين المؤكدين على اقترابهم من طرابلس، وحتى يتأكد من صحة الأخبار كان على مبدع مفهوم “الرواية التحقيقية” الذهاب بنفسه إلى جبهة الحرب مرتديا قميصه الأبيض الشهير مثله.

بدأت رحلة ليفي الحربية في أجدابيا الصحراوية التي وجد فيها ثوارا مكونين من طلبة ومهندسين وتجار ومتطوعين لم يحملوا قطعة سلاح في حياتهم قبل ظفرهم بغنيمة أسلحة روسية وإيرانية وبعض الدبابات القذافية، وعمق شهادته الحربية في البريقة التي عايش فيها إصرار ثوار شبان على دحر قوات القذافي، ومن بينهم طالب الطب الذي تحدث عن الزعيم الليبي الراحل بلغة إنجليزية نابية.

من عبد الجليل إلى ساركوزي
تحقق حلم ليفي والتقى عبد الجليل وتمخض اللقاء بقرار تشكيل المجلس الانتقالي وطلب التدخل الدولي تحت إشراف الأمم المتحدة لحماية الشعب من تنكيل وسحق القذافي المرتقب، وتمت الحماية بعد أن هاتف ليفي ساركوزي من بنغازي وطلب منه استقبال أعضاء المجلس الانتقالي قبل إبلاغ غوجا في حانة فندق تيبستي وإعلان باريس اعترافها بالمجلس.


تحقق حلم المؤلف والتقى عبد الجليل وتمخض اللقاء بقرار تشكيل المجلس الانتقالي وطلب التدخل الدولي تحت إشراف الأمم المتحدة لحماية الشعب من تنكيل وسحق القذافي المرتقب

بعد يوم قضاه مع الثوار الإسلاميين في درنة، عاد ليفي إلى باريس وقابل الرئيس ساركوزي وشارك في تحضير التحالف الأوروبي للتدخل في ليبيا دون علم آلان جوبيه وزير الخارجية الذي لم يكن موافقا على التدخل في البوسنة ورواندا.

بعد فشل فرنسا في ترتيب موعد بين كلينتون وجبريل وتردد واشنطن وبرلين في مشاطرة المقاربة الفرنسية وخروج قمة الثماني بتوصية العقوبات وليس التدخل العسكري وتأكيد موسكو وبكين على موقفهما المضاد للتدخل، تأزمت الوضعية الدولية في الوقت الذي استعاد فيه القذافي قوته وبدا عائدا إلى بنغازي بعد شهر من اندلاع الحرب.

ليفي الذي جند المثقفين خاصة الفرنسيين والألمان لإنقاذ الشعب الليبي من النازي القذافي، على حد تعبيره، لم يستسلم أمام تمزق الأسرة الدولية، واستحق لقب القائد غير الرسمي بعد تلقيه أربع مكالمات هاتفية من ساركوزي، وتعلقت الأولى بتصويت الأسرة الدولية على تدخل الناتو والثانية بحضور العالم قمة باريس بما فيها الإمارات والسعودية اللتان ترددتا بسبب حضور كلينتون الداعمة للثوار البحرينيين والثالثة بانطلاق الضربات الجوية يوم 27 مارس/آذار والرابعة بتدمير الطائرات الفرنسية للدبابات القذافية التي كانت على أبواب بنغازي.

تعنت الجنرال يونس 
انطلق الكاتب في الفصل الثاني “الأمل” من تاريخ عودته إلى بنغازي يوم 8 أبريل/نيسان واستقباله من طرف ممثلي القبائل ضيفا تاريخيا لن تنسى ليبيا مساعدة بلده الذي سيبقى الأخ المنقذ، على حد تعبير ممثل قبيلة الزاوية، ومقابلته السفير الأميركي كريس ستيفنس والشاهد الوحيد على مقابلة جبريل بكلينتون اللغز.

الأمل يعني في نظر ليفي التأكد من هوية أعضاء المجلس الانتقالي من خلال مقابلة ثانية مع عبد الجليل تؤكد أنه ليس المعادل لجبهة التحرير الوطني الجزائرية أي غير إرهابي كما يقال في الأدبيات السياسية الفرنسية، وكان اللقاء مناسبة ثانية لتأكيد استعداد فرنسا الدائم للوقوف إلى جانب ليبيا في كل الأحوال، ولا أدل على ذلك من توجيه ساركوزي الدعوة لعبد الجليل لزيارة باريس على لسان أشهر المثقفين الفرنسيين ناهيك عن لقاءيه مع الجنرال عبد الفتاح يونس الذي أبدى تعنتا غير مسبوق حيال عبد الجليل وليفي وساركوزي قبل التحاقه بالثورة قلبا وقالبا وانخراطه في مسار القضاء على القذافي نهائيا.

الخسائر التي ألحقتها الطائرات الفرنسية بقوات العقيد ورفضه اقتراح سيف الإسلام بتوقيف القصف مقابل انسحاب والده من السلطة كانت فرصة أمل جديدة لإقناع المناهضين للتدخل الأوروبي من أمثال ابن جلدته كلود لانزمان وآخرين باعتبار سقوط القذافي تحذيرا مسبقا لبشار الأسد، وهو ما لم يمنع المحلل فرنسوا هيسبروغ من إبداء تعجبه لسكوت المثقفين عن المجزرة التي يتعرض لها الشعب السوري.

إسرائيل والربيع الليبي
تضمن الفصل الثالث “التورط” وصول ليفي يوم 27 مايو/أيار إلى مصراتة الشهيدة قادما إليها من مالطا ومقارنته المدينة بخراب فيكوفار البوسنية وتواجده على جبهة رأس لانوف وقلق ثوارها على تأخر وصول طائرات الهيلكوبتر الفرنسية لسد هجوم جيش القذافي ومعايشته وصول الجرحى والموتى إلى المستشفى وخروجه الاضطراري منه حتى لا يتقيأ كما حدث له في أجدابيا بسبب عدم تحمله مناظر الإصابات القاتلة التي تعرض لها الثوار.


طمأن المؤلف إسرائيل بأن ليبيا الجديدة لن تكون عدوا لإسرائيل وأن السلطة الليبية الجديدة ليست تابعة للقاعدة التي تريد تدمير إسرائيل

في خضم تنامي مسار المواجهة التي بدت في صالح الثوار المدعومين فرنسيا ودوليا لم يفت على ليفي المثقف اليهودي طمأنة إسرائيل بأن ليبيا الجديدة لن تكون عدوا لإسرائيل، وهو ما لا يعني التنازل عن دعم الفلسطينيين، على حد تعبير أحد الثوار، وبالفعل زار إسرائيل وقابل ليفني وباراك ونتنياهو وشرح لهم أن السلطة الليبية الجديدة ليست تابعة للقاعدة التي تريد تدمير إسرائيل.

تورط فرنسا في ليبيا فرض عليها الالتزام بوعودها، وهذا ما حدث حينما ضربت طائراتها جيش القذافي في البريقة ورأس لانوف وغطت زحف الثوار لاحقا بنفس الطريقة المسطرة عسكريا، واستمرت في ضربها دبابات الكتائب ودعم وتطمين القادة السياسيين الجدد دبلوماسيا حتى ساعة تحرير ليبيا من حكم القذافي في ظل تنسيق محكم مع كل ممثلي الناتو والدول الخليجية المؤيدة، وعلى رأسها قطر والسعودية والإمارات العربية، وتمت كل العمليات الحربية والاتصالات الهاتفية واللقاءات المباشرة بين الرئيس ساركوزي والقادة والثوار الليبيين بمشاركة الوسيط ليفي الذي شهد وسمع ورأى كل شيء.

الانتصار ونهاية القذافي
كما كان متوقعا منهجيا أنهى ليفي كتابه بفصل رابع عنونه “الانتصار”، وضمن الفصل الأخير وصوله إلى جبل نفوسة منطلقا من جربة التونسية يوم 15 يوليو/تموز ومرورا بتمزين ونالوت وجويبية وزنتان المحررة حيث كان في استقباله الجنرال عبد الفتاح يونس، ووصف ليفي كعادته خراب فلول القذافي بدقة متناهية صالحة للكتابة السينمائية والروائية قبل وصوله إلى طرابلس التي كان لا بد من تحريرها شريطة توفير إعانة عسكرية إضافية لتحرير مصراتة، حسب الجنرال رمضان زرموح “مفتاح طرابلس هو مصراتة”.

استمر الزحف نحو الانتصار رغم مقتل الجنرال يونس في ظروف غامضة شرحها بسرعة ليفي طارحا فرضيات فقط، وعرفت المسيرة نقلة نوعية في 21 أغسطس/آب إثر وصول مئات الثوار من مصراتة إلى طرابلس وتوجههم إلى الساحة الخضراء وهروب القذافي وعائلته وتكذيب خبر القبض على سيف الإسلام.

كما فعل كمسجل للأحداث الحربية، وظف ليفي قلمه مجددا لوصف أجواء دخول طرابلس يوم 25 أغسطس/آب مركزا على الساحة الخضراء وقصر عائشة القذافي وعلى ترديد الجماهير “تحيا فرنسا” و”الله أكبر” وترديده هو “ليبيا حرة”. أسدل ليفي الستار على تحقيقه عن الحرب التي لم يحبها لكنه أرادها، وعن بزوغ الربيع الليبي بلقاء ساركوزي وكاميرون وجوبيه وعبد الجليل وجبريل في ليبيا الحرة وبمقتل القذافي يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول بطريقة تنقص من شرف وانتصار الثوار مهما قيل عن بشاعة حكمه للفئران، على حد وصفه لهم.

إن كتاب ليفي وثيقة هامة يجب أن تترجم إلى اللغة العربية، حتى يتمكن الليبيون والعرب من قراءة الحشو المجاني الذي عكس نرجسية مرضية لكاتب يوظف ثقافته الفلسفية والأدبية الواسعة لصالح المحرقة اليهودية بالدرجة الأولى، ولولا هذا الحشو لما تجاوز الكتاب 300 صفحة في أقصى تقدير.

المصدر:الجزيرة

تعليقات القراء

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الجزيرة وإنما تعبر عن رأي أصحابها

نهى عبد الصبور – الجزائر

حرب كلمة من ثلاث حروف ح حرية ر رسمية ب بادية جلية اي ان الحرب تطالب بالحرية بطريقة رسمية ولها كل الشرعية وهي ظاهرة وجلية ولا يجدر لاحد عنها الانكار

20

العمورى محمد – اسبانيا

ومن يحب الحرب ولانها ضرورة ومن لا يحب ان يتحرر يعش ابد الدهر تحت المستعمر

19

اسامة النعاس – اوهام في الكتاب

يزعم ان ليبيا الجديدة لن تكون عدوة لاسرائيل و انا الان اتذكر ما وقع في طرابلس بعد ان تحررت من ضجة و احتقان حين زار احد اليهود على حين غفلة احد الكنس اليهودية المغلقة وتحدث عن امنيته في اعادة فتحه، و ما اثار ذلك من احتجاج واعتراض [حتى في بنغازي] على مجرد فكرة عودة اليهود ، وقد كان اكثر الناس تسامحا في هذا الموضوع من قال : على اي يهودي قبل ان يفكر في العودة الى ليبيا ان يتخلى عن الجنسية الاسرائيلية اولا…

18

اسامة النعاس_بنغازي ليبيا – فشل في توريط الثوار

من المغالطات الكبيرة ايحائه بان الليبيون تعاملوا معه كاسرائيلي و ليس كفرنسي ،واعتقد انه لو اعلن عن جنسيته الاسرائلية في احدى جبهات القتال لاسره الثوار او لقتلوه . و منها ايضا ان الثوار الرديكاليين هم قلة في المجتمع الليبي وهده تدحض ببساطة لان نظام القذافي سقط بثقافة الاستشهاد و التي كانت عقيدة لدى الغالبية الساحقة من الثوار و التي عمل القذافي و الغرب [كما قال بلير مؤخرا] على مكافحتها باسم محاربة الارهاب.. صراحة هذه محاولة فاشلة لربط الثورات العربية باجندة غربية…

17

اسامة النعاس_بنغازي ليبيا – محاولة فاشلةلتوريط الثوار

في الكتاب مغالطات كبيرة منها: ان القذافي كان ارهابي و منتج للاسلام السياسي ونظرة بسيطة للعلاقة بين القذافي و ساركوزي و بين القذافي و بلير [المستشار الشخصي له] تدحض هذا الزعم . ايضا ان ليبيا الجديدة لن تكون عدوة لاسرائيل و الذي لا يعرفه الكاتب و لا المعلق على كتابه ان المتواتر عند الليبيون ان والدة القذافي اصولها يهودية وانه اسنتجد باسرائيل بداية الثورة حتي انه استخدم بعض الاسلحة الاسرائيلية عند عدوانه على مصراتة.. كل هذا سيجعل الليبيون راس حربة في ازالة [اسرائيل] من الوجود

16

محمد أمير الجزائر –

نبارك للعرب و المسلمين ميلاد لورانس العرب الجديد

15

عبد الله يونس عبد الكريم – العالم العربي

في صيف 2011، والحرب دائرة في ليبيا، كان برنارد هنري ليفي في جامعة تل أبيب رفقة تسيبي ليفني، وقال حينها أمام الطلاب “إن الدور القادم على سوريا”. كما قال أن إسرائيل بالنسبة له بمثابة الدم الذي يسري في عروقه.

14

جزائري حر – الجزائر

لهذه الأسباب لا تريد الجزائر الإعتراف بثوار الناتو. أفهمتم موقف الجزائر يا أحرار الشعب الليبي ؟ كنا نرى فيديوهات لهذا الخبيث مع من يدعون ثورا.

13

عبد الحليم – الجزائر

هذا الصهيوني يبني التاريخ حسب ما يعطي عظمة لإسرائيل و الغرب .تراه يخلق الأسباب و يحرف الوقائع مثل توجيه الغرب للثورات العربية من أجل إرساء الديمقراطية.هدفه تعطيل تقدم الأمة العربية و تمكين الصهائنة من التقدم على كل االأصعدة.له دعم كبير من ساركوزي اليهودي و من الماصونية العالمية.لا يوجد أخبث منه على الأرض.

12

وليد سطيف – الفرق و المعرفة ؟

الكاتب التحدث عن الريبة هذا الفيلسوف اليهودي ؟ هل هو عراب الثورة الليبية ؟ نعم استطاع ان يسوق العالم و بعض العرب ؟ لكن في الشهر الفائت لم يستطيع هذا الفيلسوف ان يسوق لافكاره و علمه و فلسفته في احدى المنتديات في فرنسا امام احدى مجاهدات بلادي و التي هي زهية ظريف بيطاط ؟ ذابت كل افكاره و فلسفته امامها ؟ لما لا و الجزائريين يعرفنه جيدا عن صلبه و فلسفته و الذي مازال يبكي و يجرم الجزائريين عن فعلتهم و التي هي مثل اخوننا الليبين هو التحرر و الجهاد على اعتى دولة استعمارية ؟نعم هذه هي المفارقة

– هكذا قاد BHL… الثورة الليبية!

هكذا قاد BHL… الثورة الليبية!

ثلاث شخصيات، هي لورنس العرب، وأندريه مالرو، ودون كيخوته، تتناوب في مرآة الفيلسوف الصهيوني. في «الحرب دون أن نحبّها: يوميات كاتب في قلب الربيع الليبي» (دار بدايات ـــ دمشق) يدوّن تجربته الليبية مقدّماً نفسه كمحرّض على الثورة، ولا
يفوته التطرّق إلى سوريا

خليل صويلح

يسجّل برنار هنري ليفي يوميات الثورة الليبية، من موقعه شاهداً عياناً أولاً، في كتابه «الحرب دون أن نحبّها: يوميات كاتب في قلب الربيع الليبي» (دار بدايات ـــ دمشق، ترجمة سمر محمد سعد). لكن ما إن يمضي ليفي إلى الأمام قليلاً، في توضيح كواليس ومجريات الأحداث في الفترة بين 23 شباط (فبراير) و20 أيلول (سبتمبر) 2011 حتى يحضر هذا الكاتب الفرنسي المثير الريبة كصانع للحدث، ومحرّك لخيوطه المتشابكة، منذ أن قرّر الذهاب من «ميدان التحرير» القاهري إلى بنغازي، ليس بوصفه صحافياً ميدانياً، بل محرّضاً على الثورة ضد القذافي.

سيرفع سماعة الهاتف طالباً التحدّث مع الرئيس الفرنسي حينها نيكولا ساركوزي بقصد تشجيعه على التدخّل لإنقاذ مناوئي القذافي من القتل. مكالمة قصيرة بين «الفيلسوف» الصهيوني والرئيس، تنتهي بموافقة ساركوزي على فكرة الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي ومقابلة أعضائه في باريس. بدءاً من هذه اللحظة، سيستعير ليفي (1946) صورة «لورنس العرب» مفجّر الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين في عشرينيات القرن المنصرم، وبالطبع أندريه مالرو الذي استعار منه عبارته المعروفة عنواناً لكتابه، وسيتناسى عمداً صورة الفارس الجوّال «دون كيخوته» في مغامراته المجنونة. ثلاث شخصيات، إذاً، تتناوب في مرآة «فيلسوف الحرب» وهو يصنع التاريخ على هواه. سيطمئن أصدقاءه الإسرائيليين إلى أنّ ثوار ليبيا الجدد لن يكونوا أعداءً لدولة إسرائيل، ويبدد مخاوفهم من «الربيع العربي». يسأله وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان: «ولماذا سنُقلق ملك الأردن الشاب، فضلاً عن الملك السعودي العجوز الذي تُقيم إسرائيل معه علاقات سريّة، ويعيش الرعب من رؤية الربيع العربي يجرف عرشه؟»، ثم يعود إلى مواقعه في الميدان لتحريك خيوط اللعبة مجدّداً. مقابلات مع زعماء الثوّار، وخطابات حماسية في ساحات المدن الليبية الثائرة، تنتهي بحمله على الأكتاف بوصفه بطلاً، والمطلوب رقم واحد من القذافي مقابل مكافأة مجزية. لكنه لن يعبأ بالمخاطر، ولن يتردّد لحظةً واحدة في إكمال مهمته، فيما يتبعه الآخرون كالمسرنمين. يكتب البيان الرقم واحد لـ«المجلس الوطني الانتقالي»، ويكتب نصّاً آخر سينشره في صحيفة «لو فيغارو» بتوقيع رئيس المجلس مصطفى عبد الجليل، ويرافقه إلى الإليزيه، وحين لا يجد ما يتكلّم عليه في ما يخص ليبيا، يذهب بنا إلى البوسنة، ليذكّرنا بدوره هناك، ويعرّج أيضاً على أفغانستان، ورواندا، ودارفور، وتل أبيب، راسماً خرائط جديدة للعالم، قبل أن يعقد صفقات أسلحة لثوار ليبيا بموافقة الجنرال عبد الفتاح يونس قبل مقتله الغامض (يتّهم كتائب القذافي باغتياله)، كذلك سيستعيد ذكرياته عن أجداده اليهود في صحراء بني ساف، وموت جده شالوم بن يعقوب
كقديس.
بعد أن ينخرط ساركوزي في لعبة الحرب، لن يكف هاتف الفيلسوف عن الرنين للرد على استفسارات الرئيس وخططه واحتمالات الفشل والنجاح. ساركوزي هنا، أسير أفكار الفيلسوف، رغم اختلافهما الإيديولوجي. لعل هذا الانصياع التام، وهذه الثقة العمياء، تتعلق بشغف الرئيس بالشهرة أيضاً، فكلاهما ـــ في نهاية المطاف ـــ استعراضيان، وهذا ما حدا بهما إلى إبعاد وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه عن كواليس المطبخ الحربي. لا يتورّع هنري ليفي عن كشف أسرار ما حدث في ليبيا خلال وجوده هناك، وإضاءة وقائع الحرب بوصفها واقعاً: «سواء أراقتْ لنا أم لا، لم تطلب من أحد السماح لها بأن توجد، وتسلك المجرى الذي حدّده لها التاريخ».
هذه الحماسة، من جهة أخرى، تنطوي على أنا متضخّمة، ونرجسية، تزيح الآخرين من الصورة، ليقف هذا الفيلسوف وحده في إطارها المذهّب. لن ينسى في غمرة انشغاله في تصوير المعارك أن يستعير صورة أخرى له كمثقف متفرّد. هذه المرّة، يرتدي قناع جان بول سارتر، موجّهاً اللوم إلى مثقفين أوروبيين وقفوا ضد الحرب بمقولة لمارسيل آميه «نقطة ضعف الكتّاب كلّهم تقريباً أنهم يقدّمون أفضل ما عندهم، وأكثر ما كتبوه تفرّداً، وذلك للحصول على وظيفة ماسحي أحذية في السياسة». قد تتناسب هذه العبارة مع مواقف برنار هنري ليفي، لا الآخرين. يبرر انخراطه بأن «لا حرب عادلة»، لكنّ هناك شرطاً آخر هو «الأمل المعقول في النجاح». ويضيف: «هذا الأمل واضح في ليبيا، فهل سيكون واضحاً بالطريقة نفسها في سوريا؟ ماذا سيكون أثر الضربات الجويّة في هذا البلد كثيف السكان؟».
لا شك في أنّ نهم هنري ليفي وشهيته في صناعة «مونودراما الحرب» لن تتوقف عند حدّ، في منطقة ملتهبة، ستتيح له ببساطة أن يؤدي دور المحارب الأوحد فوق خشبة تاريخ مهتزّ، يحتاج إلى بهلوان مثله، فهل سيوافق على أداء دور جديد في دمشق كمحصلة لرجاء معارضة سورية أتته بوصفه «السيد ليبيا» لاستنساخ الشيء نفسه في سوريا؟ يجيب: «كان من المؤلم القول لها إن التاريخ لا يعيد نفسه إلا نادراً، والاحتمال ضعيف جداً بإيجاد الكوكبة نفسها من الأشخاص والظروف، أو من الخلافات والضرورات». ويضيف مُطمئناً محدثته: «ولكن، في المحصّلة، لا ندري». هنا يستعير دور خبير الأرصاد الجويّة: «ذوبان الثلوج المفاجئ يعني ربيعاً مجهضاً». بعد شهر من تلك الواقعة، سيوافق على «الاجتماع الأول من أجل سوريا» (4 تموز/ يوليو 2011)، وذلك في «سينما سان جيرمان» في باريس، كي لا يقال عنه إنه يكيل بمكيالين. هكذا، حشد شخصيات سورية وفرنسية من مشارب متعددة لإنجاح المهرجان.
ستتدفق سيول من الشتائم على شبكة الإنترنت العربية ضد «الصهيوني برنار هنري ليفي»، وسيفكر في إلغاء المهرجان، ثم يعود متحدياً، ومدافعاً عن مواقفه من إسرائيل: «العلاقة مع إسرائيل هي مُكوّن من مكونات يهوديتي، ولن أنكر نظريتي في مؤتمر القدس: يتعيّن أن نكون في منتهى القسوة مع الإسلام الفاشي، وقلت دائماً إن حرب الحضارات الوحيدة القائمة في الإسلام، هي التعارض بين الإسلاميين الفاشيين والمعتدلين، بين أعداء الديموقراطية وأصدقائها.
هذه هي الحرب التي أُلاحقها». فيلسوف أم جاسوس أم مغامر؟ تلك هي الصورة التي ستبقى ملتبسة حتى السطور الأخيرة من هذا الكتاب..

الاخبار اللبنانية

– مذكرات المسماري – الحلقة ( 5)

القذافي يطل على الساحة الخضراء

المسماري: حرّضتُ الفرنسيين على مهاجمة القافلة وزوّدتُهم بإحداثيات باب العزيزية … الحلم النووي كان موجوداً ومصنع الرابطة أسبيرين من فوق وأسلحة محظورة من تحت (الأخيرة)

عمّان – غسان شربل

الخميس ١٩ يوليو ٢٠١٢

هذا ما تفعله السلطة المطلقة بمن يمارسها بلا رقيب ولا ضوابط. يقول الذين عرفوا معمر القذافي باكراً إنه كان شاباً متحمساً يحلم بالوحدة العربية والوقوف في وجه الظلم والاستغلال. لم يدُرْ في خُلدهم ان هذا الشاب سينفرد بالسلطة ثم ينظّم آلة قتل مروعة في الداخل والخارج.

دائماً يعثر المستبد على مدّاحين ومبخّرين ومتسلّقين يسارعون إلى الانضواء تحت جناحيـه. يحجبون عنه حـقيقة مشاعر الناس فيـزداد انـفصالاً عن الواقـع. يـزداد قسوة ويـزداد تـشبـثاً بالـسلطة. في البدايات يغـمر الدم كاحـليه ثم تبـدأ رحـلة الـغرق. ينتهي المستبد سابحاً في دم شـعبه الذي يسـتنجد بالطائرات الغريبة لإنقاذه من آلة القتل.

اندلعت الثورة ورفض القذافي التقاط الرسالة. صمّم على مكافحة «الجرذان». وكانت النهاية مأسوية له ولعائلته ولبعض جلاوزته. حاولنا في الحوار مع أمين المراسم نوري المسماري الاقتراب من خيمة العقيد. من خيمة الرجل المريض الذي كان مُكلِفاً لبلاده حين حكمها على مدار اربعة عقود وكان مُكلِفاً أيضاً يوم انتَفَضَت لتطوي صفحته.

تتلمس ليبيا اليوم طريقها نحو الديموقراطية. لن تكون الرحلة سهلة. لكن الأهم ألا تقع تلك البلاد مجدداً في قبضة الاستبداد سواء تمثّل في شخص أو فكرة.

أزعجتُ المسماري بأسئلتي الكثيرة، لكن مهنتي مزعجة بطبيعتها. وهنا نص الحلقة السادسة والأخيرة:

> اندلعت الثورة، فماذا فعلتَ وماذا قدمت؟

– في البداية تابعتُ الأحداث ثم زادت عما هو متوقع، تظاهرات سلمية من دون سلاح، أناس يطالبون بحقوق بديهية ومشروعة، يعني حقوق انسان وقانون ودستور وعدل ومساواة. لم تخرج التظاهرات في البداية للمطالبة بإسقاط القذافي. عاشت البلاد 42 عاماً بلا قانون أو دستور. الدستور هو ما أعلنه القذافي في إعلان قيام سلطة الشعب. أطلق على البلاد التسمية التي يرغب فيها.

> الجماهيرية؟

– الجماهيرية العربية الليبية وهي كلمة لا ترجمة لها. قال أنا أريدها هكذا وكان له ما أراد. فهمنا أنه يريد اسم الجماهيرية لكي ينسب إليه، وكانت بالأجنبي تُلفظ الجماهيرية. ردَّ على التظاهرات السلمية بالنار. ثم استخدَم سلاح الجو. اتصلتُ بمحطة «الجزيرة» وأعلنتُ انشقاقي، مطالباً الإخوة في القوات المسلحة بعدم الاصطدام بالشعب ورفض تنفيذ الأوامر، وألاّ يلطخوا أيديهم بدماء اخوتهم وأن يقفوا إلى جانب الشعب. هذا أولاً ثم حصل اتصال بيني وبين السلطات الفرنسية، وكلف شخص من مكتب وزير الداخلية بالبقاء على اتصال معنا وقلت لهم ان الاحتجاجات تحوّلت ثورة شعبية. بعدها تلقيتُ معلومة بالغة الخطورة.

> كنت تتابع من باريس؟

– نعم، وصلتني معلومة ان هناك رتلاً عسكرياً ضخماً يبلغ طوله نحو 60 كيلومتراً ومزوداً بأسلحة ثقيلة، دبابات وراجمات وقاذفات صواريخ، غادر طرابلس ووجهتُهُ الفعلية بنغازي فحذَّرت السلطات الفرنسية. جاء الرّتل من ناحية الصحراء ليفاجئ الثوار في بنغازي، وللأمانة أقول لو تمكن الرتل من الوصول لكانت الثورة في خبر كان. في هذا الوقت اتخذ عبدالرحمن شلقم مندوب ليبيا في الأمم المتحدة موقفه التاريخي المعروف وانشق عن النظام كما انشق ابني إيهاب الذي يعمل مستشاراً في السفارة الليبية في كندا رافضاً الإغراءات والتهديدات.

> اين كانت بقية عائلتك؟

– كانت في طرابلس، ابنتي غادة سكرتير أول في السيشيل انشقت، وقلتُ لها خذي أمتعتك وأولادك وطائرة وغادري من دون إعلام أحد وإلا ستحصل لك مشاكل. وفعلاً جاءت الى الأردن وأعلنت انشقاقها، وانزعج القذافي واستدعى ابنتي ثريا التي كانت سكرتير أول في السفارة في السيشيل لكن في تلك الفترة كانت في مهمة في ليبيا، فحاصرتها الأحداث ولم تغادر ليبيا، واستدعى ابنتي أمال وابني محفوظ. أحضرهم أحد أذناب القذافي، وطلب منهم التبرؤ مني فرفض الثلاثة وقالوا له «هذا مستحيل ولا يمكن إذا أردتم إجراء مقابلة معنا لا مانع لكن ليس أكثر من ذلك، ولسنا في وارد التبرؤ من والدنا حتى لو تعرضنا للقتل والذبح، والدنا لديه وجهة نظر خاصة، هو حر ونحن لا نؤثر فيه». وضعوهم في الإذاعة وأجروا معهم مقابلة ثم عادوا إلى بيتهم وأنا تابعتُ نشاطي. ابني ايهاب كوَّن خلية داخل طرابلس وصرنا نمد عناصرها بأجهزة الاتصالات، أرسلنا لهم مبالغ بسيطة لشراء بعض المعدّات الأولية وأسلحة خفيفة، لكي يتمكّنوا من التحرك.

> زوجتك كانت في طرابلس؟

– كانت في طرابلس. أرسلنا الى أعضاء الخلية مناظير ليلية وأجهزة اتصال من النوع الذي يصعب على الأجهزة الليبية التي لا تزال موالية للقذافي التنصت عليه. كنا نرسل هذه الأشياء من طريق تونس، وللأمانة وقفت تونس موقفاً جيداً حكومة وشعباً. كان هناك موقف رسمي واضح وكان هناك تعاطف شعبي واضح. عائلات فتحت بيوتها لليبيين وهناك اناس خرجوا من منازلهم وسلّموها لليبيين. كان بين افراد المجموعة التي شُكِّلت في طرابلس شاب متخصص بالكومبيوتر. نجح في اختراق نظام اتصالات أجهزة القذافي وحصل منها على معلومات. تمكَّن ايضاً من التعرُّف على المواقع العسكرية وانتشار الجنود والدبابات. كان الشاب يُرسل هذه المعلومات الى إيهاب الذي ينـقلـها إليّ وأتــولّـى أنا إرسـالها الى السـلطات الفرنسـية. حـصلنا على إحداثيات باب العزيزية وسلّمناها للفرنسيين فضربوا باب العزيزية. وهنا حصـلَتْ مصادفة. واحدة من بناتي تـكـلّم أخـتـها وتـقـول لـها هـنـاك الـليلة فـرح في العزيـزية حـيث كانت لا تزال تقام حـفلات. في تلك الليلة قُصفت منطقة باب العزيزية واعتبروا كلام ابنتي نوعاً من الإشارة إلى أن هجوماً سيحصل.

> ابنتك لم تكن على علم بما يجري وإنما الأمر جاء صدفة؟

– نعم انها مجرد صدفة. أنا بيتي لم يكن بعيداً عن باب العزيزية، كان قرب قاعدة الشعب. تعرّض باب العزيزية لغارة شديدة من طائرات الناتو. ألقى رجال القذافي القبض على زوجتي وهي مريضة جداً وجرّها الحراس من شعرها على الأرض، وعاملوا إحدى بناتي بالطريقة نفسها وأوثقوا يديّ شقيقتها ووضعوا القيد الحديد في يديها، أخذوا ابنتي أمال وأطفالها وابني محفوظ وولديه الاثنين وزوجته ووضعوهم في السجن العسكري، أي المكان الذي سجنتُ أنا فيه عند عبدالحميد السايح. وصلني الخبر فاتصلتُ بعبدالرحمن شلقم. طلب مني التخفيف من مقابلاتي الإعلامية، عمل مذكرة فوراً موجهة الى الأمم المتحدة تشرح ما حصل وأن بين المسجونين أطفالاً ونساء واتصل بي وأخبرني ان محمد العلاكي اتصل به وهو كان ممسكاً بالمجلس التنفيذي لشؤون العدل، بعد الثورة، وكان في الدوحة وكان متعاطفاً معي وشكرني على موقفي، وطلب مني ان اتصل بسيدة اعتقد ان اسمها هناء مسؤولة عن حقوق الإنسان في مصر للأمم المتحدة. حاولتُ الاتصال بها ولم أفلح لكن اتصلَتْ هي بي بعدما اتصل بها السيد العلاكي. في تلك الفترة كانت بعثة الأمم المتحدة موجودة في ليبيا، لمتابعة بعض التجاوزات لحقوق الإنسان، وأبلغَتْها ان هناك شخصاً منشقاً اسمه نوري المسماري وأن عائلته في السجن وبين أفرادها أطفال ونساء، وحصل تدخل.

> غادروا طرابلس؟

– هرّبناهم، استطعنا تهريب الأطفال من طريق تونس وأحضرتُهم الى عمان واستمرينا في الكفاح. واتصل بي عبدالرحمن شلقم وقال لي انه ذاهب الى روما حيث يعقد اجتماع يشارك فيه محمود جبريل ومحمود شمام طالباً مني ان أُشارك. قلت له انني لا أريد دوراً أو موقعاً وأن أي تعليمات تصدر عن عبدالرحمن شلقم سأنفذها وغير ذلك لا أعترف بأحد…

> لم تذهب الى روما؟

– ذهبتُ واجتمعتُ مع عبدالرحمن شلقم في فندق «غراند اوتيل» وكان موجوداً حافظ قدور وشخص اسمه علي زيدان، هو معني بحقوق الإنسان في باريس وكان عندي في المراسم في زمن السبعينات، سلمنا على بعضنا بعضاً وحكينا. ثم قال لي عبدالرحمن ان عليّ ان أُتابع من باريس واقترح أن أنسِّق مع سفير ليبيا في عمّان الذي اعلن انشقاقه. كان شلقم يعرف علاقتي بالملك عبدالله الثاني وطلب مني ان اسأل لماذا لم يعترف الأردن حتى الآن بالمجلس الانتقالي؟ وأن أطلب أيضاً مساعدتنا في تدريب الجيش والشرطة والتعليم واستقبال الجرحى. وقلت حاضر، وبالصدفة عندما رجعت الى باريس اتصل بي مسؤول أردني من الديوان هو السيد عامر الفايز، وقلتُ له إنني سأحضر غداً وحزمتُ أمتعتي وغادرتُ باريس ووصلت الى عمان، واستقبلني السيد عامر الفايز وأوصلني الى البيت وقال انهم سيؤمنون لي الحراسة.

> هل لديك منزل في عمان؟

– لا هذا منزل ابنتي، لأن زوجها كان سكرتيراً أول في السفارة، وخُصِّصت لي حراسة من الأمن الوقائي، وكانوا حريصين عليّ. أتتهم معلومات من طريق الاستخبارات ان أناساً يريدون رأسي. قابلتُ جلالة الملك وسأل عن أحوالي، وتمنّيت عليه الاعتراف بالمجلس الانتقالي فوافق وأكد انه سيتم الإعلان عن ذلك، وطلبتُ منه المساعدة في تدريب الجيش وليس التدخّل او إعطاء أسلحة، ووافق على مساعدة الجيش والشرطة والمساعدة في مجال الصحة ومعالجة الجرحى. وبادر الملك الى معالجة دفعة من 150 جريحاً على نفقته الخاصة. وأُصدرت تعليمات للمستشفيات بقبول الجرحى الليبيين على ان تتم تسوية مستحقات المستشفى بعد استقرار الوضع في ليبيا، وهذا ما تم بالكامل. وهناك الآن تدريب في الأردن في المجال العسكري والأمني.

> ما هي الدول العربية التي لعبت دوراً في إسقاط القذافي؟

– كلمة أُوردها للأمانة. شعرتُ في كل اللقاءات مع ملك الأردن بأن همه الأول والأخير كان ان تتمكن ليبيا من الخروج من المرحلة الصعبة وأن تتغلّب على المشكلات التي تواجهها ولم ألمس وجود أي أجندة خاصة للأردن. أما بالنسبة الى السؤال فقد كان هناك دور لقطر.

> ما الذي قدمته قطر؟

– قدمت السلاح وأرسلت بعض الجنود القطريين الى الميدان وأموالاً. لكن ما وصل إليّ من معلومات هو أن المساعدات كانت توجه الى جهات معينة، وحسب ما فهمت من مقابلة لعبدالرحمن شلقم ان هناك نوعاً من التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، وهذا الأمر لن يقبله الليبيون. الأميركيون لم يتدخلوا في الشؤون الداخلية وعلى رغم ما يقال عن النفط، فهناك مسألة واضحة، حين يكون لديك نفط وتريد ان تبيعه فأنت تبيعه لصديقك لا لعدوك.

> هل تعني أنها ساعدت الإسلاميين؟

– هذا ما ورد إليّ. لكن كوني لم أعايش هذا الشيء لا أستطيع تأكيده.

> الدولة الثانية؟

– دولة الإمارات العربية المتحدة.

> أرسَلَت جنوداً؟

– نعم أرسلت. الأردن ساعد ايضاً في اشياء كثيرة، مواد غذائية، أرسل مستشفى ميدانياً بتعليمات من الملك عبدالله وهذا ساعد الجرحى كثيراً في بنغازي، واتُّخِذَ قرارٌ لإرسال مستشفى ثان في طرابلس بعد سقوط القذافي. للأمانة لا أريد ان يقال ان انتمائي أردني، لكن الأردن لم يطالب بأي تدخل في شؤون ليبيا الداخلية، لا من قريب ولا من بعيد.

> وبقيت في الأردن إلى أن؟

– توالت الاحداث وأصبح هناك انشقاق، وحين قابلتُ الملك سألني ما الذي يحصل في هذا البلد العزيز علينا، حاوِلوا تصفية الأجواء، فوعدته. وحاولنا الاتصال بمسؤولين وجلالة الملك حاول الاتصال وقابل بعض المسؤولين لتهدئة الأمور وكان الأردن أول دولة عربية تعترف بالمجلس الانتقالي، طبعاً من دون ان ننسى أن الإمارات ساعدت في إسقاط القذافي.

> قطر ايضاً اعترفت باكراً؟

– قطر كانت منخرطة في الموضوع من البداية والمجلس الانتقالي تكوَّن عندها، ولكن نحن نتكلم عن الاعترافات، أول دولة كانت الأردن. كان الوقوف مع الثورة والمجلس اعترافاً ضمنياً ولكن الإعلان الرسمي كان الأردن أول من قام به.

> من كان الفريق الليبي الذي ساهم أكثر في إسقاط القذافي، الإسلاميون؟

– الثوار الحقيقيون هم الاحرار الذين لم يكن لديهم أي أجندة، لا غربية ولا شرقية ولا أجنبية ولا عربية ولا ميول دينية وهم الذين حرروها.

> شاهدتَ القذافي يوم مقتله على التلفزيون؟

– نعم.

> ما كان شعورك؟

– للأمانة كان يجب ألا يُقتل، كانت تجب محاكمته في المحكمة، كما حوكم صدام كي نسمع ما لديه ليقوله، لكن للأسف كان هناك غيظ وكراهية وهناك أناس تعذّبوا كثيراً وتألموا كثيراً من أعماله خصوصاً خلال احداث ثورة 17 فبراير. كان الناس لديهم دافع للانتقام، ما جعلهم يتصرفون التصرف الذي حصل، كان تصرفاً لا شعورياً، لم يكن شيئاً مرتباً وأعتقد أيضاً ان هناك أجندة خارجية كانت لا تريد ان يصل القذافي الى المحكمة، كي لا يتحدث عن الأسرار التي كانت لديه.

> عمن؟

– كل من قابله وتحدَّث إليه، لا أستطيع أن أجزم ولكنْ هناك حكام ورؤساء.

> في الغرب؟

– في الغرب والشرق.

> مثلاً، هل كان من الممكن ان يقول شيئاً يحرج طوني بلير؟

– أي واحد لأن القذافي أعرفه، من نوعية عليَّ وعلى أعدائي يا رب، وهذا ما حصل، وقام به. وكان حتى آخر لحظة يقول: بعدي ليبيا ستشهد النار. هو من هذا النوع، وحين يصل الى حبل المشنقة سيقول عليَّ وعلى أعدائي يا رب، فكان من الضروري تصفيته قبل دخوله المحكمة.

> هل كان يحب الإيرانيين؟

– كان متعاطفاً معهم، والدليل انني ذهبت في بداية ثورة الخميني والرائد عبدالسلام جلود وواجهتنا مشاكل في المطار. تدخُلون أو لا تدخُلون، ثم تدخّل «الحرس الثوري» والمشايخ، وآية الله منتظري، وكان «السافاك» لا يزال ناشطاً ودخلنا وقابلنا الإمام الخميني في قم، ثم رجعنا ورحنا في زيارة ثانية وكانت الأمور شبه مستقرة. لكن المتعاطف جداً مع الإيرانيين كان عبدالسلام جلود حتى أنه وضع شخصاً مقرباً منه وهو سعد مجبر وكان مندوب الوكالة وترقّى الى سفير في إيران، وأقام علاقات واسعة مع رجال الدين هناك.

> القذافي أعطى ايران أسلحة قُصفت بها بغداد؟

– نعم تردد ان أسلحة ثقيلة وصواريخ خرجت من ليبيا الى إيران. ذكرتُ لك ان عبدالسلام جلود كان شديد الحماسة لهذه الثورة المناهضة للغرب، ثم أُضيفت الرغبة في تصفية الحسابات مع صدام رداً على تدخّله في تشاد لمصلحة المناوئين للقذافي.

> لأن صدام كان يسلّحهم؟

– كان يسلّحهم وأرسل خبراء عسكريين الى حسن حبري لتدريب الجيش.

> لم يذهب الى إيران؟

– بتاتاً، على رغم أن موضوع اختفاء الإمام الصدر لم يتسبب في قطيعة.

> لماذا اذاً؟

– لا اعرف، ولم نتطرق الى هذا الموضوع، لكن لم يزر إيران، ربما كان يخاف.

> هل أثار الإيرانيون معكم موضوع موسى الصدر؟

– كانوا يثيرونه لكنه لم يتحول الى عقبة تُسبّب قطيعة.

> ماذا كان يجيب؟

– لا اعرف، لكن اعرف انهم كانوا يتكلمون احياناً عن موضوع موسى الصدر وكان يقول انه «مش فاضي إليهم، اتكلموا انتم معهم»، وهذا يعني انه كان ينكر الموضوع.

> هذا ما كان يقوله القذافي؟

– حين تنتهي المقابلة كان يقول حكى هؤلاء عن موضوع موسى الصدر، «شو عرفني شو في عن موسى الصدر، قابلوهم انتم واحكوا معهم».

> هل استقبل وفوداً ايرانية؟

– طبعاً، طبعاً.

> مثل من؟

– رجال دين بينهم خلخالي وقابل احمدي نجاد في غامبيا.

> كان مهتماً كثيراً بمسألة تشاد؟

– كان يريد أوزو، لأنها تحتوي على يورانيوم.

> هل وضع برنامجاً نووياً؟

– كان اللواء احمد محمود ممّن يسمّون عنده الضباط الأحرار، كان مكلفاً بموضوع النووي، ثم كلَّف به محمد المعتوق، كان مسؤولاً عن الموضوع ثم عُيِّن وزير المرافق.

> ماذا اشتروا؟ هل اشتروا خبرات نووية من العالِم الباكستاني عبدالقدير خان؟

– حصلوا على حاجات من الهند وباكستان، لكن من هو الشخص، لا أستطيع أن أجزم.

> هل حصلوا على أشياء من كوريا الشمالية؟

– كان الكوريون يأتون كثيراً.

> هل كانت هناك اسلحة بيولوجية؟ وماذا عن منطقة الترهونة؟

– موجودة ومعروفة، موجودة في الترهونة.

> مصنع الرابطة؟

– مصنع الرابطة، هو المصنع الاستراتيجي، وكان فعلاً ينتج «اسبيرين» من فوق وأسلحة محظورة من تحت، وكان «الأسبيرين» للتعمية. طبعاً كانوا يحلمون بإنتاج قنبلة ذرية.

> من اين العلماء؟

– والله لا أكذب عليك، هذا الموضوع لا علاقة لي به، ولا أحب أي كلام يقال، يقولون ان هناك حتى ألماناً.

> في المصنع الكيميائي؟

– نعم.

> من قتل ابنك؟

– ابني العقيد فيصل كان تخصصه «استطلاع كيماوي»، نُقل من الاستطلاع الكيماوي الى البحرية وهذا التخصص يمكِّنُهُ من اكتشاف أي إشعاع بري أو كيماوي.

> أين تخَصَّص؟

– في الكلية في ليبيا.

> أين قُتِل وأي سنة؟

– في 2006 كنا في رمضان. قُتل في منزله وبعد أخذه الى المستشفى وذهابي إليه. بعد عودتي إلى مسرح الجريمة وجدتُ المكان مغسولاً ونظيفاً، قلت لهم كيف تنظفون والمباحث والنيابة لم تنتهِ من تحقيقاتها، فقالوا لي أتتنا أوامر بأنه لم يعد لدينا عمل هنا نظِّفوا المكان. أصبحت أشك في هذا الموضوع، لم نر الرصاص، هو لم ينتحر لأن طريقة القتل كانت واضحة أنه قُتل، حتى في البداية كان معمر القذافي متعاطفاً معي وقال لي لا يمكن ان ينتحر شخص برصاصتين. حتى مسدسه كان نظيفاً ولم يخرج منه رصاص ولا عليه دم، علماً أنه كانت هناك بحيرة دم فعلاً. كانت قصة غريبة فأنا لم اكن مقتنعاً واشتكيت ورفعتُ مذكّرة الى معمر القذافي وشكّلوا لجنة برئاسة محمد الخضار رئيس الادعاء العسكري وموسى كوسا وعبدالله منصور للتحقيق في هذا الموضوع، وأنا كنتُ مصراً على أن أعرف النتيجة. موسى كوسا والخضار لم يذهبا الى التحقيق نهائياً، الذي ذهب هو عبدالله منصور. كان المطلوب أن يكون عبدالله منصور هو الوحيد الذي يحقق حتى لا نصل الى نتيجة. وبالفعل لم يصل الى نتيجة. محمد الخضار صديقي ودرسنا معاً، وكنّا ابنَي الحارة نفسها. قال لي يا نوري اترك الموضوع أحسن. في المدة الأخيرة في أحداث 17 فبراير (شباط) كلّمني شاب وقال لي: يا عمو نوري عقيد الشرطة الذي كان يحقق في هذا الموضوع طُلب منه تمزيق كل الأوراق وعدم التمادي في التحقيق، وأن ابنك قُتل بناء على تعليمات المعتصم.

> هل كانت هناك خلافات؟

– كانت علاقتي بالمعتصم جيدة جداً، لكن حصل شيء ما بين فيصل والمعتصم. كان فيصل عصبياً، لستُ فاهماً ما طبيعة العلاقة بينهما، وكنا حين نذهب ونأتي كان يطلب مني القذافي ان يبقى العقيد فيصل معه. السرّ كله عند عقيد الشرطة الذي لم أجده.

> انت من أي منطقة في ليبيا؟

– انا من قبيلة المسامير من الجبل الأخضر.

> كم ولداً لديك؟

– لدي ثلاثة أولاد، واحد توفي، وثماني بنات.

> زوجتك معك هنا؟

– لا في ليبيا.

> كتب أنك تملك سيارات فخمة واستفدت كثيراً من القذافي؟

– أولاً انا من عائلة غنية أهدتني والدتي بناية. وحين أتى القذافي أمّم كل الأملاك وأنا رفعتُ قضية لأستردّها وماطلوا كثيراً وكانوا يقولون لي ان القضاء لم يبتّ بعد القضية وأنا أنتظر. وأنا منذ عام 1967 أملك أفخر السيارات.

> ما هي احسن سيارة برأيك؟

– السيارة التي اشتريتها في 1967 هي فورد موستانغ وما زالت حية ومجددة وهي معي في عمان؟

> هل تحب الفيراري؟

– أجل وأحب كل السيارات الفخمة. أنا لم استفد من القذافي والذي فعلته لا أُخفيه، والذي أشتهيه أشتريه. ويوم يجدون أنني أخذت مليماً من القذافي أو من الدولة الليبية يحاسبونني على ذلك.

> ثروتك من أهلك ومن التجارة؟

– نعم، استقلتُ 15 سنة وعملتُ في التجارة، وحين عدتُ الى المراسم اشتريت أول سيارة جاغوار عام 1990.

> تحب السيارات؟

– نعم.

> تتكلم لغات عدة ؟

– فرنسي، انكليزي، ايطالي وإسباني.

> ما هي هوايتك؟

– أحب الاطلاع والقراءة. اقرأ القصص والروايات، وكنت ألعب كرة السلة.

> ماذا تفعل الآن؟

– أفكّر في التجارة وبدأتُ مشروعاً تجارياً. أما الدولة والعمل الرسمي فأنا منسحب منهما.

– مذكرات نوري المسماري – الحلقة ( 5 )

الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي يرحب بالقذافي في تونس وفي الاطار المسماري (رويترز)

المسماري: رأى المعتصم الثورة في مصر فقال: هذه نهاية الديكتاتوريات (5)

عمان – غسان شربل

الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٢

كاد نوري المسماري يقع في الفخ الذي نُصب له. لم يُطق معمّر القذافي فكرة وجوده بعيداً في باريس ومعه سنوات من الأسرار والمشاهدات. تدخّل لدى العائلة لإقناعه بالعودة. أرسل فريقاً لاغتياله. ثم أرسل نجله المعتصم لاصطحابه وإعادته. صدّقت العائلة، أو بعض أفرادها، تطمينات القائد وسلك المسماري طريق المطار لارتكاب رحلة العودة. أنقذَتْهُ نصيحة جاءت في اللحظة الأخيرة وعاد إلى باريس.

لا يغفر القذافي لمن يقفز من السفينة ويبتعد. لهذا كان المسماري مرشحاً لمواجهة مصير مشابه لما حلّ بعمر المحيشي يوم نجح العقيد في استعادته من المغرب وقتله. كان إسكات المسماري مهماً للقائد، ذلك أن أمين المراسم القريب من باب الخيمة ومن باب العزيزية سمع الكثير وشاهد الكثير، فضلاً عن انه كان يرافق القذافي كظله في الأسفار والمؤتمرات.

لم يكن في ليبيا دستور ولم يكن فيها قانون. كانت البلاد تعيش على ساعة مزاج القائد. وحين يعتكر مزاجه يعاقب التقصير البسيط بالسجن في المخالفات التي لا يرى انها تستحق الشطب الكامل والإلغاء. كان المسماري في السجن حين انعقد مؤتمرٌ في ليبيا. لاحظ الوفد القطري التحضيري غيابه فسأل وعرف. بعدها تدخّل رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني لدى العقيد فعاد المسماري الى عمله. خلال تنفيذه مهمة في مالي التي شهدت احتفالات حضرها الزعيم الليبي، شعر المسماري ان شيئاً يُدَبَّر له ونصحه ضابط ليبي بالفرار، وهذا ما حصل. وهنا نص الحلقة الخامسة:

> متى غادرت ليبيا ولماذا؟

– كانت لدي مشاكل خلال عملي مع القذافي وسجنتُ مرات عدة. كنت أحاول أن ألفته الى بعض المسائل لكن ذلك كان صعباً لأن المحيطين به كانوا من أقربائه، وكنا نسميهم «زبانية الخيمة». كان أعضاء جوقة المدّاحين هذه يهللون ويكبّرون اذا أطل عليهم بملابسه الأفريقية مثلاً وهو كان يحب المديح والمدّاحين.

> أعطنا مثلاً عن عملية سجنك.

– سُجنتُ مرات عدة بعضها لأسبوع ومرات لشهر. في المرة الأخيرة كان هناك مؤتمر في طرابلس. وكالعادة هناك وفود تحضيرية تصل باكراً. لاحظ أعضاء من الوفد القطري غيابي. استفسروا فأبلغهم أعضاء في المراسم أنني في السجن. السجن كان عبارة عن اماكن محددة للإقامة لكنه سجن.

كان ذلك في العام 2010 في فندق «ريكسوس» في الغابة في طرابلس. اتصل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بالقذافي وطلب منه أن يعفو عني. ليلاً اتصل بي مدير السجن العقيد ع.س، وهو يعتبر من أكبر المجرمين في عهد القذافي وقام بتصفيات خارجية وكانت بأمرته مجموعة يُطلق عليها كتيبة الإرهاب. كان هذا الرجل يُطارد من أسموهم آنذاك «الكلاب الضالة». أبلغني بقرار إخراجي من السجن. طبعاً الدخول الى السجن والخروج منه مسألة عشوائية في عهد القذافي. أثناء وجودي في المعتقل التحق بي البغدادي المحمودي أمين اللجنة الشعبية العامة ورئيس الوزراء وكذلك وكيل وزارة المالية ومحافظ مصرف ليبيا المركزي وعلى ما أعتقد مدير مصرف الأمان لموضوع مالي يتعلق بابن القذافي المعتصم بالله. م اطلق سراحي وفي اليوم الثاني التحقوا بي لأن المؤتمر على الأبواب.

ذهبت الى المؤتمر وأشرفتُ عليه وحضر حمد بن جاسم وسلمت عليه. قال لي القذافي عليك ان تشكر هذا الرجل الذي اطلق سراحك فلولاه ما كنت لتخرج من السجن. طبعاً حمد بن جاسم تحدث الى القذافي وقال له: نوري رجل مخلص ومحترم وطيب ولا يستأهل السجن. انتهى المؤتمر وعند مغادرة القذافي قلت له هل أعود الى السجن ام أذهب الى البيت، قال الى البيت. وكان بعدها العيد 41 لما يسمى ثورة سبتمبر، وللأمانة هي في البداية كانت ثورة لأن من قام بها هم ضباط احرار ومخلصون لكن القذافي سرقها لغرض في نفسه والدليل انه انشق عليه الكثير من الضباط الأحرار وأعضاء مجلس قيادة الثورة.

كُلِّفتُ بمهمة في مالي وكنا في شهر رمضان وقمتُ بالمهمة بنجاح. وبعدها كانت الاحتفالات الكبرى التي حضرها القذافي، وأثناء الاحتفالات بأعياد الاستقلال والحرية لمالي تعرضتُ لحادثة وأحسست بأن القذافي يبيّت لي شيئاً لأنه كان مشمئزاً مني.

> هل عبّر عن ذلك؟

– أذكر ان رئيس مالي امادو توماني توري الذي أطاحه لاحقاً انقلاب عسكري قال ان كل هذه الاحتفالات والاستعراض العسكري والقوات والإنزال المظلي الفضل فيها يرجع الى السيد نوري لما قام به، واستسمحكم بمنحه وساماً. رد عليه القذافي مستهزئاً وقال: «لو لم يفعل هذا لكنا قتلناه». أحسستُ بشيء من القلق. كان هناك ضابط اسمه العميد عبدالسلام الحاسين حضر إلى مالي على رأس مجموعة من القوات الخاصة الليبية لتأمين زيارة المقبور العقيد. جلستُ معه وسألني عن أسباب انزعاجي فأخبرته. والظاهر انه كانت لديه معلومة عما يدور. رده كان قطعياً اذ سألني هل بإمكاني ان اغادر ليبيا وأترك؟ الآن هو عميد يمسك العمليات للقوات الليبية. قلت له نعم. فقال هذه نصيحة أخ لك ان تغادر. ودعنا القذافي الذي طلب مني ان ارافقه كما يفعل دائماً. قلت لله انني مضطر للبقاء لأضمن ترحيل الجنود والآليات والطائرات. بعد مغادرة الطائرة قال لي الضابط الليبي: انا اهتم بالترحيل، وانت عليك المغادرة. سلمت عليه، وأخذت الطائرة الى تونس. مرضت ودخلت الى المستشفى. بقيت 3 أيام في تونس ثم توجهت بالباخرة الى مرسيليا في فرنسا، ونزلت في الفندق وكنت مريضا بالقلب وقال لي الطبيب انني احتاج الى علاج وقد يتطلب الامر اجراء قسطرة لتركيب دعامة. اخافني هذا الامر فسافرت الى ايطاليا وكان الكلام نفسه. اتيت الى الاردن واستُقبلت من جانب التشريفات الملكية وكانت المعاملة خاصة جداً. بقيت هناك، وبعد عشرة أيام تعبت وأخذوني الى المستشفى واضطروا الى إجراء قسطرة وركبوا دعامة، وتوقف قلبي لمدة عشر ثوانٍ عن النبض وتمت توعيتي بالصدمات الكهربائية وخرجتُ من المستشفى وتوجهتُ إلى فرنسا. آنذاك للأمانة لا أريد ان اتهم جميع الضباط وقيادات الأمن الخارجي بالعدوانية، لكن هناك من كان يوحي لهم من أقارب مجموعة القذافي لأن القذاذفة كانوا يخططون لإبعادي بأي شكل من الأشكال. فكانوا يحاولون الإساءة الى سمعتي دائماً. ذات مرة تمت تنحيتي وبعد أسبوع إعادتي من جديد بعد فشل مؤامرتهم. وكان سيف الاسلام القذافي يخطط لوضع شخص (في مكاني) من مجموعة تابعة له. أرسل مجموعة الى الأردن لدراسة شؤون البروتوكول ومراسمه، وكان بينهم واحد من القحصة (هم أقارب مباشرون للقذافي) واشترك في هذه المؤامرة لتنحيتي البغدادي المحمودي، وكان هناك صراع دائم بيني وبينه لأنه كان من مجموعة سيف الإسلام. لم تنجح المؤامرة وكان الصدام بيني وبينهم وقدمتُ استقالتي فرُفضت. وكان الصدام بيني وبين البغدادي المحمودي دائماً.

ما حدث أنني عدت الى فرنسا. هناك اتصلوا بالقذافي وأبلغوه بأنني هربت. القذافي خاف. وهو كان دائماً يخاف إذا سافرت حتى للعلاج. كان يتخوف ان أنشق خصوصاً انني تركت العمل معه في 1982 لمّا غادرت ليبيا. نُشرت مقالة ضدي في جريدة إيطالية وأعتقد أنها كُتبت بتعليمات لصحيفة إيطالية مأجورة، وفيها اتهام لي بالتخطيط للانقلاب على القذافي او للثورة في ليبيا.

> لكن الثورة لم تكن بدأت بعد؟

– صحيح. اتصل بي المعتصم نجل القذافي فقلت له إنني مريض وأخضع للعلاج وسأعود بعده. قال لي يا عمي نوري (كانوا دائماً يخاطبونني عمي نوري) استمر في علاجك وحين ترجع نستقبلك. بعدها حدّثني سيف الإسلام، وعلاقتي به محدودة الى أبعد حد. كنت ألتقي به صدفة في بيت والده أو في الخيمة. سألني عن أحوالي وقال: هؤلاء كلاب ومخابرات. وصدرت بعض المقابلات الصحافية نقلاً عن مصدر موثوق به مقرب من سيف الإسلام تقول ان هذه مؤامرة من الأجهزة الأمنية ضد السيد نوري المسماري.

> ماذا قال لك ايضاً؟

– سلّم عليّ. قلت له إنني متعب ومريض. فقال نأمل ان ترجع بالسلامة. وصدر هذا المقال. كانت المؤامرة تحاك بأن نوري سيهرب وينشقّ، فدبروا لي مؤامرة دنيئة مع النائب العام- تعرفون ان النائب العام يتبع وزير العدل لأن القضاء ليس مستقلاً- النيابات كلها تتبع وزير العدل وكان المستشار مصطفى عبدالجليل. وحاول عبدالله السنوسي وعبدالله منصور التنقيب في أوراق جهاز المراسم العام لتلفيق اي أي تهمة يمكن تلفيقها لكنهما لم يعثرا على شيء.

> من هو عبد الله منصور؟

– كان عميداً في الجيش ومديراً للإذاعة الليبية ومن بعده أتى علي الكيلاني. وهو قريب لعبدالسلام الزادمة الذي كان من الأمن الخارجي ومات. كان أكبر مجرم ومشترك في التصفيات. كان مجرماً وشارك في تصفيات عدة لليبيين في الخارج. فمنصور والسنوسي حاولا تلفيق أي تهمة لي ولم ينجحا فطلبا من النائب العام في الاجتماع تلفيق تهمة لنوري المسماري بأي شكل من الأشكال، وكان هذا للأسف في ذاك الوقت بإشراف وزير العدل وبتعليمات من القذافي، ولُفّقت لي مؤامرة واتُّهمتُ بالمس بالمال العام. وكانت مؤامرة غبية لأن ميزانية جهاز المراسم كانت اسميّة للمراسم العامة وكانت تُدار من اللجنة الشعبية العامة التي هي رئاسة مجلس الوزراء.

> لُفِّقت لك تهمة فاعتُقلتَ في فرنسا؟

– القذافي طلب من الفرنسيين ترحيلي الى ليبيا. رفض الفرنسيون. تم تدبير اتفاقية مالية (بين ليبيا وفرنسا) لشراء طائرات يشرف عليها محمد الحويج وزير الاقتصاد آنذاك، وتُقدَّر الاتفاقية بنحو مليار ونصف المليار يورو.

> لشراء الأسلحة؟

– طائرات وتكنولوجيا وأمور متطورة. وهذه وضعت كوسيلة ضغط لترحيلي، لكن للأمانة (الرئيس الفرنسي السابق نيكولا) ساركوزي رفض، وقال ان الموضوع بيد القضاء. هدد القذافي بإلغاء الاتفاقية. أجابوه افعلوا ما تشاؤون ونحن لا نستطيع ان نرحل إلا بأمر من القضاء. أرسل القذافي مجموعة تحت إشراف ضابط من جهاز الأمن الخارجي، وهنا لا أريد ان أجزم ان جميع ضباط الأمن الخارجي من أعوان القذافي، هناك طبعاً أقرباء عبدالله السنوسي وعبدالله منصور وأقرباء القذافي وهم بالطبع مخلصون له، لكنْ هناك في جهاز الأمن الخارجي عدد من الوطنيين والثوريين والشرفاء قاموا بمساعدة ثورة 17 فبراير بكل ما لديهم. وهذا الضابط اسمه الأول سعد كان يعرفني جيداً، فطلب (القذافي) منهم الذهاب على رأس مجموعة لاغتيالي. الضابط المكلف كان قنصلاً في فرنسا ويعرفها. لم يحاول جدياً الإيقاع بي لأنه كان يعرفني جيداً ويعرف وطنيتي.

> أُرسل الفريق الى فرنسا؟

– نعم. معظم القناصل كانوا ضباطاً في جهاز الأمن الخارجي وكانوا يمسكون مناصب قناصل عامة لهذه الغاية. السلطات الفرنسية عرفت ان هناك مجموعة وصلت لتصفيتي فتم اعتقالي وأُدخلتُ السجن وكانت المعاملة جيدة. هناك أمور أمنية وسياسية. كان المطلوب ان أبقى متحفّظاً عليها قدر الإمكان لأنه كان هناك تخطيط لقتلي بأي شكل من الأشكال. بدأت الاتصالات بي (من ليبيين) محاولين إقناعي بالعودة ورفضت. وتم تكليف محامٍ لي وبعدها اطمأنّ الفرنسيون حين اضطرت مجموعة الاغتيال الى المغادرة.

اتبع القذافي اسلوباً رخيصاً آخر بعدما أفرجَت المحكمة عني من دون كفالة مع حفظ حرية التنقل الى حين صدور الحكم، فأرسل إلي عبدالله منصور، وأذكر انني اجتمعت به في فندق «فوكيت» وصافحني وكان اللقاء جيداً وأبلغني تحيات «أخوك»- لا يقولون القائد بل يقولون اخوك. مثلاً طلب منك أخوك. اذا كان الحديث عن تعليمات او سواها. لهذه الكلمة معنى مختلف عن ذاك الذي يظنّه الناس انه يُستخدم للتقرُّب، بل هي بالعكس، تُستخدم كي لا تعود الكنية معروفة- قلتُ له انتم لفّقتم لي تهمة رهيبة هي المس بالمال العام، فقال انت تعرف ونحن لفّقناها تلفيقاً. فأجبته وتعترف بذلك. وكان هذا الحوار بشهادة ابنتي امال وثريا وشخص اسمه مالك بعيّو. قال انت تعرف أخاك. فقلت من اين هذه التعليمات؟ فأجاب: من أخيك، لكن ما ان تعود سنلغيها. فأجبته بأنني لن اتحرك من هنا إلا بعد ان تتنازلوا وتسحبوا هذا الاتهام شئتم أم أبيتم. ولم تنجح المحاولات. فقال: انت الآن علاجك على حساب الدولة الليبية وتعال اسكن في هذا الفندق «فوكيت» وإقامتك ستكون على حسابنا. المهم قَبِلت. لأنني كنت أريد ان أرى الى أين سنصل. مُنِعت عائلتي من مغادرة ليبيا. وأقاربي وأبنائي وأحفادي مُنعت عليهم المغادرة. وكانت هناك دائماً اتصالات بالهاتف من السنوسي وقال إنه يعطيني الأمان. لكن أنا كنت أقول: الثقة في محمد ومحمد مات. وحاولتُ ان أجد مبرراً وقلت إنني لا استطيع مغادرة فرنسا إلا بأمر من المحكمة، لكن هذا غير صحيح. حضر السفير الليبي آنذاك الدكتور صلاح الزارم وهو صديقي لكنه من مجموعة موسى كوسا، وحاول ايضاً إقناعي. ومن ضمنها كانت جلسة محكمة حضرها الزالم ومعه عضو من السفارة وأبلغنا القاضي بأن السفير ومجموعة موجودون، فأمر بتأجيل القضية. ورجعنا وحضر عبدالله منصور من جديد واجتمعت به وسألتُه كيف تقول لي «اخوك يطلبك ومنعتم أسرتي من السفر. حضرت ابنتي ثريا وآمال محاولتين إقناعي. وأثناء القضية حضرت ابنتاي ست الكل ومنال الى فرنسا للوقوف الى جانبي، وست الكل كانت مقيمة في الأردن لأن زوجها سكرتير أول في السفارة وامال وثريا كانتا في طرابلس ومنال حضرت من اميركا حيث تقيم ووقفن الى جانبي لأنني كنت مريضاً ايضاً. وأثناء ذلك اتصل ابني ايهاب المسماري الذي كان مستشاراً في سفارتنا في كندا وانشق. واتصل بابنتي آمال أكبر بناتي وقال لها ان كل مصاريف المحامي على حسابي ولا تقبضوا شيئاً من الحكومة الليبية وتحمّل كل التكاليف.

> وكرر القذافي محاولاته؟

– حضر عبدالله منصور وحاول إقناعي ولم أقتنع وكنت متخوفاً. ابنتي ثريا طلبها معمر القذافي للحضور وذهبَتْ لمقابلته وقال لها نوري مثل ابني وأخي وأحبه وليقل أي منصب يريده. بالطبع بناتي لا يعرفن خفايا هذا الرجل. فأتين مبتسمات. كانت ثريا في جهاز المراسم وفي الوقت نفسه انتدبت سكرتيراً اولاً في سفارتنا في السيشيل وابنتي غادة ايضاً في السيشيل وهي أيضاً انشقّت. لم أقتنع. ثم حضر ابنه المعتصم بالله وطلب مقابلتي، هنا بدأت أشعر بالخطورة.

> جاء المعتصم الى باريس؟

– نعم. وأقام في فندق «بريستول». وطلب مقابلتي وكان هناك تخوف من عملية خطف. فأبلغتُ السلطات الفرنسية، فطلبوا مني الذهاب وبصحبتي عناصر من الأمن الفرنسي.

> اين اجتمعت به؟

– اجتمعت به ليلاً في فندق «بريستول» وكانت معي آمال وثريا. اجتمعنا به وكان لقاء جيداً، ولا أنكر ذلك. قال المعتصم: أهلاً عمّي نوري كيف حالك وماذا حصل؟ أخبرتُه. وكيف تسجن. كانت في تلك الفترة احداث ثورة يناير(كانون الثاني) بدأت في مصر. وكانوا ينقلونها عبر شاشات التلفزيون. التفتُّ الى المعتصم وقلتُ له: انظر ما الذي يحصل. عندها رد المعتصم للأمانة رداً غريباً، وقال: «هذه نهاية كل الديكتاتوريات».

التفتُّ صوبَ ابنتي ثريا وآمال، وكان المعتصم ذاهباً لإحضار شيء من غرفته لاحظت وجود نحو 15 زوج حذاء اعتقد انها لجماعته الذين كانوا معه. قالت ابنتي: ما هذا الرد؟ كان الرد عدائياً على والده. عاد. لم نستمر في الموضوع. كان معترضاً على كل ما يقوم به والده من تدخلات في شؤون الدولة والأمن. وقال لي بالحرف الواحد: أنا مستشار الأمن القومي صورة فقط، لا حول لي ولا قوة.

> المعتصم الذي قتل لاحقاً؟

– نعم. قتله الثوار. قال لي المعتصم: طائرتي معي وغداً سأغادر فرنسا وأريدك ان تعود معي. قلت ان شاء الله سنرى وعدت الى البيت.

بناتي كن مهتمّات ورجونني ان أعود، وحاولن لكنني رفضت. اتصل بي مدير مكتبه وقالوا: نحن أجّلنا السفر وسنسافر غداً، فعمّي نوري جهز نفسك ومستشار المعتصم يُسلّم عليك ويطلب منك ان تجهز نفسك لأننا سنغادر. فقلت انه لا يمكنني المغادرة لأن لدي موعداً لكشف طبي. حصل صدام بيني وبين بناتي لأنهن كن مقتنعات بالكلام الذي سمعنه. سواء ما سمعته ثريا من القذافي في طرابلس وسواء ما قاله المعتصم او ما قاله عبدالله منصور ان عملية الاتهام تلفيق وبأمر من القذافي ستتم ازاحتها. لكنني أصريت. غادر المعتصم وأتى السفير ومعه محام ليبي مقيم في فرنسا محاولين اقناعي لكنني رفضت. طلبوا مني ان اقول للقضاء الفرنسي يوم المحاكمة انني قررت العودة الى ليبيا فيسمحون لي بذلك. مغادرتي فرنسا من عدمها قرار لي لأن المحكمة لم تضعه شرطاً ولا حتى كفالة. بالنهاية إرضاءً لآمال وثريا قررتُ المغادرة والعودة الى ليبيا، وخلال وجودي في المطار حضر احد أعضاء مكتب المحامي الفرنسي. قال إنه يفضّل ألا أعود الى ليبيا. وأضاف: العودة ليست في مصلحتك وقد تكون هناك أخطار. عندها ألغيتُ السفر واسترجعتُ التذكرة وعدتُّ الى الفندق وبدأت بوادر الثورة. وظهرتْ دعوات لجعل يوم 17 فبراير يوم غضب وبدأتْ التحركات على فايسبوك وكنت أُتابعها وكان يتصل بي بعض الأصدقاء. وكان يوم 17 يوم الغضب. حصلت الانتفاضة يوم 14 في البيضا حيث قبيلتي قبيلة المسامير والبراعصة وقبائل أخرى. منطقة الجبل الأخضر كلها قبائل قوية منها العبيدات… المهم بدأت الاحداث وحصل ضرب. يوم 17 مصادمات، 18 مصائب، 19 بدأ الضرب. انا انزعجت. يوم 20 كان القتل ساحقاً. في اليوم التالي ظهرتُ على «الجزيرة» وأعلنتُ انشقاقي.

> كنتَ أول المنشقين؟

– نعم أنا الأول. وبعدي مباشرة احد اعضاء المراسم كان منتدباً في الصين حسين المصراتي وبعدها انشق السفير في االهند… ثم السيد مصطفى عبد الجليل وبدأت الثورة.

> عملتَ مع القذافي مديراً أميناً لجهاز المراسم العامة من العام 1997 حتى العام 2010، هذا يعني أنك كنت الرجل القريب من القذافي؟

– وقبلها أيضاً عملت معه من العام 1977 حتى العام 1982، ثم غادرت.

> إذا أردنا ان نصف شخصية القذافي، كيف نصفها؟

– القذافي شخص مغرور يعتقد انه الوحيد الذي يعرف والوحيد الذي يفهم، وأنه شخص ضليع في القانون والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والسياسية. الكلمة الأولى والأخيرة له ولا يقبل ان يعارضه احد. يحب التباهي ويميل إلى من يشيد به ويقول عنه انه كبير وأنه أعظم شخص. ثم ان أي شخص ينصاع له يحصل منه علىا مكاسب وهذا ينطبق ايضاً على رؤساء الدول.

> على سبيل المثال، من هم رؤساء الدول الذين عنيتهم بكلامك؟

– بعض الرؤساء الأفارقة.

> لم تعد ثمة حاجة للتكتُّم؟

– لا أريد أن أتعرّض لتلك الأسماء. انا سأكتب كتاباً محاولاً عدم التجريح بأولئك الرؤساء.

> لكن تلك الحقبة ستتكشّف في النهاية؟

– إن شاء الله في فترات مستقبلية سأتحدث عنهم. كان هناك رؤساء أفارقة يؤثر عليهم القذافي، مثل رئيس الكونغو برازافيل ساسو نغيسو، ورئيس مالي امادو توماني توري، وكان رئيس نيجيريا اباسانجو متقلباً، مرة كان مع القذافي ومرة أخرى ضده. وكان من ضمن الرؤساء المؤثَّر عليهم من جانب القذافي ويمتصهم بأمواله رئيس ليبيريا الديكتاتور السابق المسجون تشارلز تايلور. وكان القذافي على علاقة وطيدة برئيس بوركينا فاسو بلايز كامباوري، لكن هذه الصداقة حصل فيها انشطار نتيجة زيارة كامباوري اسرائيل. وكان أيضاً مؤثراً على الرئيس الغاني جيري رولينغز، وكان له تأثير كبير على رئيس سيراليون كما كان للقذافي تأثير نسبي على رئيس ساحل العاج، وتأثير على رئيس افريقيا الوسطى بوزيزي، وهذا ايضاً كان مدعوماً من رئيس تشاد ادريس ديبي ووصل الى السلطة في ظله وانضم الى جناح القذافي. لكن بين القذافي وبين ادريس ديبي كان يحصل تقارب في بعض الأحيان وابتعاد في أحيان اخرى، وفي الفترة الأخيرة كان هناك تقارب بينهما.

> هؤلاء الرؤساء كانوا يتقاضون اموالاً من القذافي؟

– من دون شك، مساعدات واستثمارات في بلادهم. والاستثمارات والهدايا كانت من مسؤولية مدير مكتب القذافي السيد بشير صالح الذي كان يتصرف بتعليمات وأوامر، وكان يمسك المحفظة الافريقية.

> وعلى أيّ من الرؤساء العرب كان القذافي مؤثراً في السنوات العشر الاخيرة؟

– كان تأثير القذافي على الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مؤكداً. وبين القذافي والرئيس عبد العزيز بوتفليقه كان هناك نوع من البرود، لكن في بعض الأحيان كان يتم التقارب بينهما. في بداية الأمور كان هناك انشقاق بين بن علي والقذافي لكن عاد التقارب من طريق أنسباء زوجة بن علي وعائلة صهر بن علي، وخلال زيارات القذافي لتونس كانت تقام له حفلات كبيرة. كان القذافي في السنوات الأخيرة يدعم صاحبي القرار في تونس ومصر.

– مذكرات نوري المسماري – الحلقة ( 4 )

القذافي وأنان (اف ب)

المسماري: دخل أنان الخيمة مرعوباً وأشرف القائد شخصياً على خطة إذلاله…لبس القفازات البيض كي لا يصافح مبارك وفوجئتُ ببيرلوسكوني يقترب ويقبّل يده (4)

عمّان – غسان شربل

الثلاثاء ١٧ يوليو ٢٠١٢

ماذا يريد معمر القذافي أكثر من ذلك؟ جاء رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني الى مؤتمر الشعب العام. ألقى خطاباً ثم تقدّم من قائد الثورة وقبّل يده. كان أمين المراسم نوري المسماري واقفاً قرب القائد وأثار المشهد استغرابه. لاحقاً سُئل المسماري في التلفزيون الإيطالي إن كان يشعر بالخجل لأنه عمل مع القذافي، فأجاب: «كنتُ أعمل مع ليبيا وليس مع القذافي، وكنتُ أعمل من اجل ليبيا. أنا لستُ خادماً عند القذافي لكن من يجب أن يخجل هو مَن مدَّ أمامه البساط الأحمر وطابور الشرف وعزف له الأناشيد وقبّل يده. أنا لم أفعلها».

كان القذافي يشعر في قرارة نفسه أن الغرب يبحث عن وسيلة لاسترضائه وعينه على «الذهب الأسود» الذي تنام عليه ليبيا. غفر الغرب للقذافي تاريخه الدموي في الداخل وابتهج بإعادة تأهيله وتحسين صورته. جاءت المفاجأة هذه المرة من «الربيع العربي».

كان القذافي يستمتع بإذلال الرؤساء، يتأخر عن المواعيد أو يُعدّل برنامجه فجأة ويُربك مستقبليه والقواعد المتعارف عليها. وكان يتعمّد إزعاج من يستقبلهم. يضرب لهم موعداً في الصحراء. ذات يوم وضع خطة لإذلال زائر اسمه كوفي أنان جاء للبحث في قضية لوكربي. استقبله ليلاً في الصحراء في مخيم موحش، فخاف الزائر وتوهّم وجود أُسود في الصحراء، التي غرقت في ليل دامس باستثناء خيمة العقيد.

ثمة رحلة أرضت غرورَ قائد الثورة. استقبله الزعيم الكوري الشمالي كيم إيل سونغ بأمواج بشرية ولوحات فنية مذهلة. اعتبر المشهد نوعاً من الاعتراف بفرادة زعامته. ربما لهذا السبب كان يصرّ لاحقاً على استخدام تعبير «يا ابني» في مخاطبة عدد من القادة العرب الشبّان، وصولاً الى رجل اسمه باراك أوباما. وكان يتعمّد ذلك للتقليل من شأن من يخاطبه. وهنا نص الحلقة الرابعة:

> هل زار القذافي ضريح لينين في موسكو؟

– نعم، وكان تعليقه أن الرجل مات، فلماذا ينفقون الأموال لصيانة تحنيط جثمانه.

> بأي زعيم عالمي كان معجباً؟

– بمعمر القذافي!

> ماذا كان يقرأ؟

– كان يقرأ كثيراً التاريخ العسكري والسياسي والمدني. قبل زيارته ايَّ دولة كان يأخذ تاريخها بالكامل وينشغل به طوال الرحلة، وحين يقابل رؤساء تلك الدول كان يختار شيئاً من تاريخهم يفاجئهم به، ومرات يكون الرئيس نفسه لا يعرفه.

> مثل مَنْ؟

– مثلاً جنوب افريقيا. وهنا ذكّرتني بحادثة. أحرجني مرة مع نيلسون مانديلا. في منتصف الليل اتصل بي على خط القيادة الأحمر، وسألني اذا كنت مستيقظاً، فأجبته بنعم، فقال البس ثيابك وهات مانديلا، الذي كان يزور ليبيا بعد تركه الرئاسة. تحدثت الى مستشار مانديلا فقال: هل جننت؟ الرجل نائم ومريض وركبتاه تؤلمانه. قلت: هذه التعليمات. فقال: أي تعليمات هذه؟ وهل مانديلا موظف عندكم؟ لا يمكن ان أسمح بدخول أحد لإيقاظه. سكرتيرة مانديلا عرفت ورفضت رفضاً قاطعاً. اتصلت بالقذافي وأبلغته، فقال: أبلغهم أنه موضوع مهم وأقنعهم، أعرف أنك بارع. أقفلت الخط وأخبرتهم الذي حصل، لكنهم أصروا على الرفض.

> هل صحيح أنه تعمَّد إهانة بان كي مون حين أتوا به إلى طرابلس وكان القذافي في الصحراء؟

– كان يأتي بهم كلهم الى الصحراء، مرةً أهان حسني مبارك، لكن الحادث الأبرز حصل مع كوفي انان حين أتى الى ليبيا ليتكلم في موضوع لوكربي. هذه كانت اهانة فعلاً، وصل انان في النهار الى ليبيا لكن القذافي قال لا تأتوا به إليَّ إلا في الليل. كانت خيمة القذافي منصوبة في اول الصحراء على بعد مئتي متر من الطريق الساحلي. لكن التعليمات كانت القيام بعملية التفاف طويلة قبل الوصول الى المخيم، الذي امر القذافي بإطفاء كل الأضواء فيه باستثناء خيمته. شعر أنان بالخوف، خصوصاً حين سمع صوت الجِمال، فسألني ان كان هذا صوتَ أُسُود، فطمأنته، ولاحظت ان وجهه صار أبيض من شدة القلق. قضت التعليمات ايضاً بإعادة انان عبر الطريق ذاتها.

حسني مبارك أخذوه الى الصحراء فانزعج، وقال إذا كانت هناك صحراء في المرة المقبلة فلن أذهب (إلى ليبيا). لهذا صار القذافي يأتي إليه في قاعة واغادوغو أو يستقبله في بيت الضيافة المجاور لها. مبارك قال صراحة: حكاية الصحراء لا تفكروا فيها، مرة ثانية لن أذهب. في أي حال، مبارك كان يستوعب القذافي ويحرص على زيارته في رمضان وتناول الإفطار معه.

> وعلاقة القذافي مع الرئيس السوداني جعفر النميري؟

– في البداية كانت جيدة، لكنها ساءت لاحقاً. في آخر أيام النميري ذهب القذافي الى السودان في زيارة رسمية وحرص على رؤيته وهو كان مشلولاً. تظاهر القذافي بالتأثر وراح يسأله عما يريد، وطبعاً كان القصد إذلاله. لكنه إعلامياً يبرمجها في شكل آخر.

> هل كان يحب الصادق المهدي؟

– كلا، لكنه سانده بقوة.

> وعلاقته مع الرئيس عمر حسن البشير؟

– في الفترة الأخيرة كانت سيئة، بسبب دعم القذافي جنوب السودان.

> وعلاقته مع الزعيم الجنوبي جون قرنق؟

– زاره قرنق كثيراً، وبعد وفاته كانت زوجته تأتي للحصول على مساعدات للجنوب، والتقاها في كمبالا.

> هل كنت معه عندما التقى عيدي أمين؟

– حين تنحى عيدي أمين وأتى إلى ليبيا أنا كنت مرافقَه. شخصيته مرحة لكنه كان غبياً.

> ما قصة ملك ملوك أفريقيا؟

– ملوك أفريقيا هم الملوك التقليديون. إنهم نوع من السلاطين المحليين وشيوخ القبائل. أحبَّ (القذافي) أن يتقرّب منهم. هناك من أوحوا له بإمكان تشكيل مجلس لهؤلاء. أدخلوا في دماغه ان هؤلاء «الملوك» يؤثرون في قبائلهم وشعوبهم، فدخلت الفكرة دماغه وراح يلتقي بهم. ولاحقاً كلّف بشير صالح رئيس ديوانه ان يتكلم مع الدكتور رافع المدني الذي كان يرأس مكتباً لشيوخ افريقيا وسلاطينها. خلال اجتماع قال له: نريد من اجتماعكم ان تعلنوا ان معمر القذافي ملك ملوك افريقيا. طبعاً الدكتور رافع أُحرج، وقال له نحن لا دخل لنا، نحن لسنا دولة. الملوك تجتمع والدول تجتمع ليعيِّنوا إمبراطوراً عليهم، فهذه توجب اتفاقات ومعاهدات. قال بشير صالح: طُلب مني ذلك، طبعاً رفضوا وأُحرجوا، وبقي المسكين يحاول، وطلب بشير صالح تاجاً فتبين ان احد الملوك لديه تاج من الذهب، أخذوا التاج وأعلنوه ملك ملوك افريقيا وألبسوه إياه. مسرحية طلبها القذافي وكان مصرّاً عليها. في القمة العربية في قطر أورد أميرُها بشيء من الاستهزاء لقب ملك ملوك افريقيا، وفي القمة عدّد القذافي ألقابه، وقال: أنا عميد الحكّام العرب وملك ملوك افريقيا… الى آخر المعزوفة. كان لا يريد ان يسمع لقب رئيس او ما شابه. كان يطالب رسمياً بمناداته بالقائد معمر القذافي ملك ملوك افريقيا. أرسلنا مذكرات للاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وفيها ان التسمية الرسمية للقذافي هي قائد الثورة معمر القذافي، ملك ملوك افريقيا.

> كيف كانت علاقته بالمال؟

– ليست له أي علاقة بالمال، أولاده كانوا يهتمون بالمال.

> ألم يكن صاحب القرار في اقرار المساعدات؟

– أكيد، لا يخرج مليم واحد الى رئيس دولة او حزب إلا بأمر منه.

> كان يوقِّع أوراقاً؟

– تقدَّم إليه مقترحات في صورة نقاط ويضع شارة صح فقط قرب ما يعجبه، فيبدأ التنفيذ.

> ما هي قصة ثيابه الغريبة؟

– هذه ثياب أفريقية، هو ملك ملوك افريقيا وينادي بالاتحاد الأفريقي ويلبس كل ما يتعلق بأفريقيا. كان لديه ميل الى الثياب المزركشة ويرتدي ايضاً ثياباً شبه نسائية.

> هل لديه حسابات خارجية؟

– نعم، أعتقد بأن لديه حسابات سرية.

> اولاده كان لديهم المال الكثير؟

– اول من أهلك معمر القذافي هم اولاده.

> القذافي كان يحب الجلوس مع المثقفين. هل كان يسبب لكم إحراجات في هذا الموضوع، مثلاً حين يذهب الى القاهرة ويجمع المثقفين؟

– أجل، كان يجمعهم كي يهينهم، كان يُظهر لهم الكلام الذي فيه خطأ ويدلهم عليه ويقول لهم هذه لا تكتب هكذا… الخ. وهذا ما يسبّب لنا الإحراج.

> كان ينفق على الإعلام؟

– فقط الذين يلمّعونه، وكان غير مقتنع بالإعلام الليبي.

> هل صحيح أنه لبس ذات يوم قفازات بيضاء في القمة العربية حتى لا يصافح الملك الحسن الثاني؟

– كلا، حتى لا يصافح حسني مبارك، وكانت القمة في المغرب. حين سألناه لماذا القفازات البيضاء قال لا أريد ان أصافح مبارك بسبب إسطبل داود، وكان يقصد كامب ديفيد.

> وقيل انه قبل ذلك تحسس مسدسه وهدد بقتل الملك حسين؟

– نعم، حصلت مشادة بينهما بعد أيلول الأسود؟ وكان يريد الاعتداء عليه، حينها صدر قرار بعدم السماح للرؤساء بدخول اجتماعات القمة بسلاحهم.

> هل كان معجباً بجمال عبدالناصر؟

– في بداية الثورة كان معجباً به، ولكن لاحقاً حين أصدر القذافي ما سمّاه الكتاب الاخضر، كان يسخر من الميثاق الذي أصدره جمال عبدالناصر، ولو كان عبدالناصر حياً لاصطدم به.

> هل كنت تعمل أثناء الغارة الأميركية؟

– كلا.

> ماذا كان شعورك حين شاهدت مقتل القذافي على الشاشة؟

– للأمانة، كان يجب ألاّ يُقتل. كان يجب ان يحاكم كما حوكم صدام، كي نسمع ما لديه ليقوله، ولكن للأسف كان هناك غيظ وكراهية وهناك أناس تعذبوا كثيراً وتألموا كثيراً من أعماله، خصوصاً خلال أحداث ثورة 17 فبراير. كان الناس لديهم دافع للانتقام، ما جعلهم يتصرفون التصرف الذي حصل. كان تصرفاً لاشعورياً، لم يكن شيئاً مرتباً، وأعتقد ايضاً بأنه كانت هناك أجندة خارجية لا تريد ان يصل القذافي إلى المحكمة، لئلا يتحدث عن الأسرار التي كانت لديه.

> مَنْ تقصد؟

– حكام من الغرب والشرق.

> هل صحيح أنه قال لباراك اوباما في قمة الدول الثماني في ايطاليا يا ابني؟

– نعم، يستخدم هذه الطريقة عمداً، وهو يقصد التصغير. كنا نقول له نرجوك لا تردد كلمة يا ابني في مخاطبة الحكام. عبدالرحمن شلقم (وزير الخارجية السابق) قال له ايضاً، فكان يرد: لا، لا، هذا شغلي انا هؤلاء أولادي. كان يقولها لبشار الأسد وملك الأردن وملك المغرب وقالها لأوباما. نصحنا بشير صالح (مدير مكتبه) بعدم إثارة الموضوع مجدداً معه لأنه كان مصرّاً على استخدام هذا الأسلوب.

> أتذكر شيئاً من رحلة موسكو التي التقى خلالها الرئيس ديمتري ميدفيديف؟

– دعانا ميدفيديف الى عشاء خاص، وكانت هناك أغان وأوركسترا. قيل يومها ان السيدة المسؤولة عن ترتيب المواعيد العاطفية للعقيد حاولت إقناع المغنية بأن تزور القائد، لكنها امتنعت. السيدة نفسها كانت هذه مهمتها الدائمة، وقد مارست هذا الدور حين ذهبنا الى أوكرانيا. خلال حفلة الاستقبال في الكرملين حضر ميدفيديف وبوتين والقذافي وكنتُ جالساً معهم.

> لم يقدّموا خموراً؟

– قدموا ولكن ليس له.

> تقصد انه لا يشرب خموراً؟

– بحسب معلوماتي، لا يشرب.

> هل يدخن؟

– يدخن مزاجياً، وكان يفعل ذلك في مؤتمرات القمة حين ينزعج او بسبب عدم الاكتراث. مرة فعلها في مؤتمر في تونس. لم يرد الجلوس مع الرؤساء فجلس في صالون لوحده. أتى زين العابدين بن علي وقال له أرجوك، فرفض، وبعدها أتى عبدالعزيز بوتفليقة. اعتقد بأن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني جاء أيضاً وبعده الشيخ صباح الأحمد (أمير الكويت حالياً). كان (القذافي) يحب هذا النوع من المشاهد. وكان يدخن وإلى جانبه عبدالرحمن شلقم. سأله الشيخ صباح الأحمد عن السبب، فأجابه: والله من همكم وغلبكم أدخن.

> هل حصلت إشكالات في القمة العربية في دمشق؟

– الإشكالات العادية. مدد إقامته حينها لأنه كان يريد الاجتماع بالرئيس بشار الأسد وشقيقه ماهر. زاراه في مقر إقامته وتكلما معه وكان معجباً بهما.

> ماذا قال عن اللقاء؟

– كان يقول إنهم أناس يفهمون وأصحاب كاريزما. ويتابعون شؤون الاقتصاد ولديهم إلمام جيد. سمعته يقول ان الرئيس حافظ ترك أسوداً من بعده. كان راضياً عن لقائه معهما، فحين كان يرضى عن لقائك يمدحك. كنا على متن الطائرة في رحلة العودة، كان يتكلم هو وأحمد قذاف الدم ويوسف الدبري وعبدالرحمن شلقم وكنت أنا وبشير صالح قربهم. طبعاً كَلِمَتُه في القمة استوقفت كثيرين، حين قال للرؤساء العرب ان الدور سيصل إليكم، وكان يتحدث عن إعدام صدام حسين.

> هل كانت له علاقة خاصة برئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني؟

– طبعاً.

> هل صحيح ان بيرلوسكوني قبَّل يده؟

– لم تكن سرية.

> أين قبَّل يده؟

– في مؤتمر الشعب العام الذي هو البرلمان، وكنت أقف إلى جانبه.

> ألم تُفاجأ؟

– انا استغربتُ جداً، حضر الى مؤتمر الشعب العام وتكلم فيه وألقى خطاباً، بعده اقترب من القذافي وقبل يده.

> هل كان القذافي يكره الإيطاليين؟

– ظاهرياً.

> ويطالبهم بتعويضات دائماً؟

– هو طالبهم بتعويضات، وبالاتفاق مع بيرلوسكوني أخذ باليمين وأعطى بالشمال. يعني أعطاهم مشاريع وكل الحاجات التي يريدونها، وكنت معهم في السيارة أُترجم، قال القذافي: ستعطون باليمين وتأخذونها بالشمال، فضحك بيرلوسكوني.

> ما الذي تذكره ايضاً؟

– سئلت في التلفزيون الإيطالي إذا كنت أخجل من العمل مع القذافي، فقلت لهم إنني كنت أعمل مع ليبيا وليس مع القذافي، وكنت أعمل من أجل ليبيا. أنا لست خادماً عند القذافي، لكن مَنْ يجب أن يخجل هو من مد أمامه البساط الأحمر وطابور الشرف، وعزف له الأناشيد وقبّل يده، أنا لم افعلها. هذا كان تعليقي على هذه الحادثة التي حصلت كما أعتقد في العام 2009.

> ماذا كانا يتحدثان؟

– عن العلاقات الليبية – الإيطالية والاستثمار… الخ، وكان بيرلوسكوني يحاول إغراء القذافي، وعرض عليه الذهاب معه الى سردينيا لتمضية سهرة في منزله، لكن الوفد الليبي خاف من الفضيحة.

> أحضروا له بنات إيطاليات وحاضر فيهن عن الإسلام؟

– هذه ذريعة، حكاية الإسلام. الموضوع فقط من أجل ان يجمعوا البنات، كانت تجمعهم مبروكة الشريف، ويأتي بهن ويتحدث إليهن وتؤخذ الصور وتُجلَب له كي يختار، اما الصور المرئية فكانت تعرض كمحاضرة على التلفزيون.

> هذا كان يحصل في إيطاليا أم في ليبيا؟

– في إيطاليا وليبيا.

> ليبيا مجتمع محافظ؟

– حتى عندما كان يذهب الى مراكز للتجمعات النسائية او الجامعات، يصورون ثم يجمع الزبانية لديه لإقناع هذه الفتاة او تلك التي يريدها. هذا ليس سراً، بل يعرفه الجميع.

> لم يكن لديه احترام للقيم؟

– ابداً.

> لكن هذا بلد القبائل والعشائر؟

– هل هو يفهم القبائل والعشائر؟ يدّعي البداوة والقبلية وأنه ابن قبيلة وعشيرة لكنه بعيد كل البعد عن أخلاقياتها.

> هل كان يتناول حبوب فياغرا؟

– لا أعرف. بشير صالح أخبرني أنه كان يأخذ حقنة، ويقال إن بيرلوسكوني أسدى إليه نصائح في هذا المجال.

> ألم تحزن لمصيره؟ أم كنت تتوقع له ذلك؟

– أنا قلت ان هذا الشخص لن يتنازل ولن يتنحى، ولا تتعبوا أنفسكم لأنه لن يغادر ليبيا، وسيستمر حتى آخر لحظة. قلتها لرؤساء، ولكن كان بودي ان يدخل المحكمة أولاً إذلالاً له أن يكون في قفص الاتهام ويحاكم، وفي ذلك رد اعتبار للمساجين الذين زج بهم في سجن أبو سليم، وللناس الذين كان يوجّه إليهم التهم الباطلة وينكّل بهم.

> هو من أمر بمذبحة سجن ابو سليم؟

– طبعاً هو المسؤول، مجزرة مثل هذه أو قتل وذبح لا بد ان تكون بعلمه، هو مَن يوقّع ويعطي الإشارة.

> هل رافقته في زيارة كيم ايل سونغ؟

– طبعاً ومنحني الزعيم الكوري وساماً، كنتُ ضمن مجموعة.

> كيف كان اللقاء؟

– حميماً جداً وصداقة، وكان كيم ايل سونغ مهتماً بالقذافي في شكل رهيب. اقام له استقبالاً لا تراه إلا في افلام والت ديزني، استقبالاً باهراً، لا وصف له. البشر كانوا يرتدون ألواناً مختلفة، إذا نظرت إليهم من الجو ترى في الشوارع ألوان الطيف، وسيارة مكشوفة ركبها كيم ايل سونغ والقذافي، وحين نزل القذافي قال لي حين يأتي كيم ايل سونغ إلى ليبيا هل ستتمكن من تنظيم مثل هذا الاستقبال له؟ قلت له هذا إمكاناته رهيبة. ثم أقام له احتفالاً لا يوصف باللوحات الخلفية في الملعب، لكن مثل هذه موجود في ليبيا. في الملعب، أُقيمت لوحات من الأمواج وأرض قاحلة، وكل ذلك من البشر، وكيفية استصلاح الأرض وطوفان المياه، يعني شيء من الخيال.

> هل كان معجباً بكيم ايل سونغ؟

– الى أبعد حدود.

> على رغم أنه شيوعي؟

– على رغم ذلك، ورغم انه لم يكن يحب الشيوعية.

> هل قابل ابنه كيم جونغ ايل؟

– لا.

> ماذا عن رحلة الصين؟

– كان الاستقبال جيداً، ولكن ليس بحفاوة استقبال كوريا الشمالية، استقبال رسمي في المطار ورائع، وأُجريَت محادثات صعبة مع الصينيين. زرنا سور الصين العظيم، وكان برنامجاً جيداً واهتموا به.

> هل كان يطلب أسلحة منهم؟

– كان يطلب تكنولوجيا. اشترطوا عليه موضوع تايوان، وألاّ تقام علاقات معها، وهذا ما حصل، ولكن قبل سنتين من أحداث 17 فبراير أقام سيف الإسلام علاقة مع جماعة تايوان وحضر وفد منها إلى ليبيا، واكتشفت الأمر مجموعة الصين، وكانوا يتجسسون عليهم. نزل وفد تايوان في قاعدة معيتيقة، وعلموا بذلك، وطلب السفير الصيني مقابلتي واحتج على استقبال ليبيا الوفد. قلت إننا لم نستقبل رسمياً احداً وليست لدينا علاقة مع تايوان، فأجاب: نعرف سيارات المراسم. قلت: سيارات المراسم ليست من نوع معين، تجدون سيارات مرسيدس كثيرة، وهم أخذوا سيارات من المراسم ووضعوا عليها لوحات مدنية كي لا تُعرف.

> والعلاقات مع فيديل كاسترو؟

– كاسترو جاء الى ليبيا وكنت موجوداً، كان مخططاً زيارة كوبا ونيكاراغوا والبيرو عندما ذهبنا الى الأمم المتحدة، ولكن لم يكن الأمر آمناً، إذ أعطى الأمن الخاص تقريراً عن طريق المخابرات يفيد بأنه يُفضّل عدم الذهاب، فذهبنا الى فنزويلا.

> هل كان القذافي يحب هوغو تشافيز؟

– تجمعهما صداقة حميمة جداً وعندي صور له معه.

> كيف كانت زيارة كاسترو الى ليبيا، وهل ساعده مالياً؟

– ساعده كثيراً وكان معجباً به. الزيارة تزامنت مع وفاة والدة القذافي عايشة، كانت الوفاة يوم مغادرة كاسترو، فجاء الى مكتبه ليسلّم عليه وقلت له هل تريد تعزيته، إنه هنا. قال كاسترو للقذافي: أنا مُستغرب، والدتك توفيت وأنت تتعامل مع الأمر في شكل عادي، فرد القذافي: هذا قدر، وساعتها حانت.

> هل كان القذافي متعلقاً بوالدته؟

– كثيراً.

> ووالده؟

– يعني، وهو توفي بعد والدة القذافي، عن 84 سنة.

> رافقته في رحلاته الى الاتحاد السوفياتي، بين عامي 1977 و1988، كيف كانت؟

– في كل الرحلات رافقته. كان متعجرفاً والسوفيات كانوا حسّاسين إزاء الأمر، وكانت الرحلات خلال عهد ليونيد بريجنيف.

> ماذا حصل مثلاً؟

– كان يحدد موعداً ويتأخر عمداً، فيأتي بريجنيف أمام حجرته في مقر إقامته في الكرملين، ويبقى واقفاً في انتظار خروجه. كان الأمر محرجاً، وبريجنيف مسن وبالكاد يستطيع المشي، وكان القذافي يقول انه آتٍ وآت، فيطول انتظار بريجنيف.

> ما الذي ازعج بريجنيف ايضاً؟

– الروس أزعجهم هذا التصرف بحق زعيم البلاد. كان القذافي يسبّب هذه الإحراجات ويقصد من ورائها الإهانة. حتى خلال العشاء الرسمي، حين ألقى خطاباً، تناول الإسلام وأفغانستان وغير ذلك، ما أزعج الروس، أما رئيس ألبانيا أنور خوجة ففرح بالكلمة لأنها شتمت كل الرؤساء، وإذاعة تيران شكرت القذافي.

> ما الذي قاله لهم عن افغانستان؟

– يجب أن تهتموا بالمسلمين والإسلام… وبعض الوعظ.

> أخبرني عبد السلام التريكي أنه أوقف المحادثات وأدى الصلاة في الكرملين.

– هذا الأمر يكرره دائماً، وليس فقط في الكرملين. فعل الشيء ذاته في ليبيا، خلال مقابلات مع ضيوف غير مسلمين.

– مذكرات نوري المسماري – الحلقة ( 3 )

باب العزيزية

المسماري: شاهدتُ السيدتين المغتصبتين وخَجِلت وكانت ارتكابات القائد تُغطى بتعويضات … استغربتُ المشهد فأجابني القذافي: أنت لا تعرف فوائد غسل اليدين بالدم الساخن (3)

عمان – غسان شربل

الإثنين ١٦ يوليو ٢٠١٢

الحاكم إنسان. يصيب ويخطئ. يُسامح ويَحقد. يبالغ ويرتكب. يخطئ في السياسة ويخطئ في السلوك الشخصي. يناور ويكذب. عاقب الأميركيون رئيسهم ريتشارد نيكسون على فضيحة «ووترغيت». اعتبروا انه انتهك القانون وكذب على مواطنيه وأخلّ بثقتهم. قبلها تسلّى الأميركيون بقراءة مغامرات الرئيس جون كينيدي وحديث المتسللات الى البيت الأبيض من باب سري، خلال غياب السيدة الأولى. انتسب الرئيس بيل كلينتون لاحقاً الى نادي مثيري الفضائح وحفظ العالم اسم صبية عادية أو أقل اسمها مونيكا لوينسكي. الرؤساء الفرنسيون لم يكونوا كلهم من قماشة شارل ديغول المهجوس بصناعة التاريخ ثم كتابته. تسلّى الفرنسيون بأخبار الرئيس فاليري جيسكار ديستان وقصة اصطدامه بسيارة بائع الحليب لدى عودته فجراً الى الإليزيه من زيارة ليلية غامضة. جاك شيراك لم تعوزه الجاذبية ولا الإشاعات. وفرنسوا ميتران كان جذاباً يجيد نصب الفخاخ، ومشت في جنازته زوجته وابنته من صديقته. هذه قصص حب وخيانات لم تغب عن سير قادة كثيرين بينهم ماوتسي تونغ الذي توهّم أنصاره ان وقته لا يتسع للمراهقات والمغامرات. لكن تلك القصص لم يخالطها العنف والقسر والسلوك السادي الفاحش.

القائد الليبي كان من قماشـة أخرى. كان عنيـفاً ومـريضاً. هذا ما يُظـهره حـديث نوري المسماري أمين جهاز المراسم عن سلوك معمر القذافي. كانت المناسبات تُفتـعل وتُلـتقط صـور الحاضرات. ثم يتم الاختيار وتُوكَل الى محترفات مهمة استدراج من وقع عليـهنّ الـخيار. لا ينقـل المـسماري عن آخـرين. ينـقل ما شـاهد وهـو فـظيع.

قصة أخرى كان يستحيل تصديقها لو لم يكن المسماري شاهداً عليها. إنها قصة إقحام القذافي يديه في صدر الغزال الذي اصطاده في رومانيا، وحديثه عن فوائد الدم الساخن. لم أعتد تسجيل هذه الجوانب في سلسلة «يتذكر»، لكنني رأيتُ أن نشرها يعطي فكرة واضحة عن شخصية رجل أدمى بلاده والعالم، منتهكاً كل القواعد والأعراف. وهنا نص الحلقة الثالثة من شهادة كاتم أسرار العقيد:

> من هم الرؤساء الذين كانت للقذافي علاقة جيدة معهم؟

– كانت علاقته بأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني جيدة آنذاك. الأمير كان الوسيط في إعادة العلاقات بين القذافي والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز. حصلت هذه الوساطة في بيت الشيخ حمد في الدوحة، خلال عقد القمة العربية هناك وكنت موجوداً.

> هل قال السنوسي للملك عبدالله في اللقاء: «أنا خططت لاغتيالك ولكن من دون علم القائد؟».

– نعم، وفي الحقيقة كان اللقاء جيداً وفق ما شاهدت.

> هل كنت موجوداً في شرم الشيخ؟

– طبعاً.

> ما الذي حصل هناك؟

_ القذافي ليس شخصاً سهلاً. فهو يتكلم أحياناً عن أمر بينما يقصد أمراً آخر. وكلامه يمكن أن يكون له تفسيران. منذ زمن كان القذافي يشتم اهل الخليج وبعبارات بالغة القسوة. في مؤتمر القمة كان يتحدث عن العراق، وقال: «انتم فرضتم على الأميركيين أن يأتوا الى الكويت. صدام اجتاح الكويت، والكويتيون «كويسين» وبأموالهم اشتروا الاميركيين وأحضروهم ليدافعوا عنهم – كلامه هذا كان فيه نوع من الشتيمة – ووضعتمونا امام الأمر الواقع، مثلما حصل في خليج الخنازير»، يقصد خليج الخنازير عندما اتى الأميركيون أيام كينيدي الى كوبا من أجل الصواريخ السوفياتية. وهنا حصل الإشكال بينه وبين الملك عبدالله الذي حمل على القذافي. أنا كنت أجلس وراءه كما افعل دائماً. حاولت ان اتحدث الى عبدالسلام التريكي الذي كان وزيراً للخارجية وخرج ورُفِعت الجلسة. حاول الرئيس علي عبدالله صالح تهدئة القذافي وطلب منه الدخول الى القاعة للتفاهم، فدفع القذافي علي صالح وكاد أن يطرحه أرضاً. حصل الإشكال لكنهم أصروا على دخول القذافي الى القاعة، فدخل إلى صالون الاستقبال وحاولوا تهدئة الموقف لكن العداء كان قد وقع. حاول القذافي إيجاد تبريرات وأنه كان يقصد خليج كوبا. قال إن اللوم كان يجب أن يقع عليه من جانب العراقيين لا من غيرهم. في ذلك اليوم كان جالساً على يساره أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الصباح، وكان آنذاك وزيراً للخارجية. التفت اليه القذافي لكن صباح الأحمد أخذها بهدوء.

> حصل الحادث وقرر القذافي التآمر لاغتيال الملك عبدالله؟

– لم أكن جزءاً من الدائرة الأمنية لأقول إنني شاهدت او سمعت.

> لكن متورطين اعتُقلوا في السعودية.

– طبعاً هناك أشخاص اعتُقلوا، أحدهم من مكتب سيف الإسلام القذافي وآخر من مكتب الساعدي القذافي.

> في رأيك هل يمكن أن ينفذوا عملية قتل بهذا الحجم من دون العودة الى القذافي؟

– الإساءة نعم، لكن القتل لا. لا بد من أمر من القذافي.

> هل سمعته مرة يتحدث عن السعودية؟

– نعم.

> لماذا كان يكرهها؟

– القذافي تربّى في بيئة فقيرة جداً. وأبوه كان راعي غنم عند والي فزّان أيام بداية الاستقلال الليبي، وكانت ليبيا مقسمة ثلاث ولايات: طرابلس الغرب وولاية برقة وولاية فزّان. وكان ولداً مشاغباً، يكره أي شخص ميسور الحال. ووالد قريبه أحمد قذاف الدم كان برتبة مقدم في القوة المتحركة، وكانوا ميسوري الحال ويساعدون عائلة معمر. معمر القذافي كان يحمل في نفسه كراهية لميسوري الحال، بخاصة الأنظمة الملكية. ثم هناك ثقل السعودية السياسي والاقتصادي والإسلامي. والقذافي علاوة على ذلك نزق وعنيف ويحب الدم كثيراً.

> اعطِنا دليلاً جديداً على دمويته.

– كنا في رحلة صيد في رومانيا، خلالها قُتل صالح بو فروة بالرصاص، وهو أحد الضباط الأحرار المقربين من القذافي، لكن هذه قصة طويلة.

> هل كانت عملية قتل مقصودة، أي هل اغتنموا رحلة الصيد لقتله؟

– نعم.

> مَنْ قتله، جماعة القذافي؟

– نعم. لعملية القتل هذه قصة تتعلق بموضوع أن والدة القذافي يهودية.

> صالح بو فروة قال إن أم القذافي يهودية؟

– وصلته معلومة من ايطاليا مع اوراق ومستندات متصلة تفيد بأن أم القذافي يهودية.

> وهل هي يهودية؟

– نعم.

> أنت تجزم بالأمر، فما السبب؟

– عمار ضو الذي كان سفيراً في ايطاليا وصلت اليه المعلومة ذاتها مع مستندات وغيرها، وبعد مغادرته ليبيا الى ايطاليا اغتيل ولفّقت التهمة بأن وراء تصفيته مَنْ كان يسميهم القذافي «الكلاب الضالة»، أي المعارضة الليبية، وهذا غير صحيح. كذلك الملحق الإعلامي اغتيل، لأنه كان على علم بهذه القضية.

> كل مَنْ كان على علم بأن والدة القذافي يهودية قُتِل؟

– نعم تمت تصفيتهم.

> هذا كان في رحلة الصيد في رومانيا، لكن في أي عام؟

– في الثمانين كما اعتقد، ايام تشاوشيسكو.

> هل كانت علاقة القذافي بتشاوشيسكو قوية؟

– نعم كانت قوية جداً، على رغم انه كانت هناك كراهية بين زوجة تشاوشيسكو والقذافي.

> ولماذا كانت تكرهه؟

– لا اعرف.

> قلتَ ان القذافي كان دموياً، كيف؟

– في تلك الرحلة أذكر انهم أتوا بالغزال الذي اصطاده القذافي. فلما فتحوا بطنه، أدخل القذافي يديه وراح يغسلهما بدم الغزال. كان المنظر رهيباً وغريباً. الصور لا تزال موجودة في ليبيا.

> غسلَ يديه بدم الغزال؟

– وضع كلتا يديه داخل بطن الغزال، وراح يغسلهما بالدم. انا من دون قصد سألته: لماذا تغسل يديك بالدم الوسخ؟ فقال: انت لا تعرف فوائد غسل اليدين بالدم وهو ساخن.

> هل تعتقد بأنه قتل أحداً بيده؟

– أعتقد.

> مثل مَنْ؟

– لا أريد ان أجزم في أحداث لم أكن شاهداً عليها، لكنه كان بلا شفقة.

> دليل آخر على غرابة القذافي…

– كان يعاني شذوذاً جنسياً رهيباً… غلمان وغيرهم.

> بما انك كنت مدير المراسم لديه، هل كانوا يحضرون له غلماناً إلى الخيمة؟

– كان معه غلمانه. كثيرون ممن كانوا معه كانوا غلماناً ويسمونهم «مجموعة الخدمات». هؤلاء كلهم كانوا غلماناً وضابطات وحريماً.

> كان يحب النساء كثيراً؟

– اعتقد بأنها كانت عملية سادية. أذكر مرة حين كنتُ في المكتب وردتني مكالمة من مسؤول امن الفندق يقول فيها ان ضيفة أفريقية مريضة وتريد أن تقابلني، فقلت للمتصل انني لست طبيباً ولا افهم بهذه الأمور. الفندق كان يتبع للمراسم. قلت له أن يتصل بطبيب ليراها. فقال: اعتقد يا سيد نوري ان من الأفضل أن تأتي. قلت له: ما قصتك أنت، هل تعطيني تعليمات؟ فقال: أنا لا أعطي تعليمات، أنصح بأن تراها أنت قبل أن يراها الطبيب.

عندها استقليت السيارة وتوجهت الى الفندق. ولما وصلت سألت الشخص الذي اتصل بي، ما حصل؟ فقال: اصعد الى الغرفة لترى بنفسك. دخلت على هذه السيدة وهي من نيجيريا وأذكر ان اسمها كان الدكتورة (…)، وكانت في حال يرثى لها. كانت في حال رهيبة، تعرضت للعض والنتش والدم يسيل، وآثار كدمات ظاهرة على جسدها، وكانت تبكي. سألتها ما بها، فقالت: هجم عليّ.

قلت لها: مَن هاجمك… في الفندق؟ فأجابت: لا. ذهبت لمقابلة القذافي وهجم عليَّ.

> ماذا فعلت؟

– طلبت ان يأتوا إليها بطبيب. اتصلت بأحمد رمضان وهو كان مدير مكتب القذافي لكنه أقرب من بشير صالح، وطلبت منه أن يرسل طبيب القيادة. تململ اولاً، لكنني أعدت الطلب. فقال: حاضر. ثم سألني لماذا طلبت طبيب القيادة، إذا كان بإمكانك احضار أي طبيب. فشرحت له الموضوع. ثم قابلت معمر القذافي وأخبرته بما حصل، فقال: فضّك منها. وقال ان هذه السيدة تكذب وأن المسألة عملية ابتزاز.

> قلتَ للقذافي ما حصل؟

– طبعاً. قلت ان المرأة موجودة وتدّعي كذا وكذا. فقال انها ربما فعلت ذلك بنفسها لتبتزّه. أجبتُ أن الموضوع يجب أن يُعالَج. فقال: حسناً اعطوها أي مبلغ… أذكر أن أحمد رمضان أرسل إليها مئة ألف دولار، فأقفل الموضوع.

> وهي قابلته بأي صفة؟

– كانت تقول انها دكتورة. عدا ذلك لا اعرف شيئاً.

> كانت طبيبة؟

– لا اعرف، لكنهم كانوا يسمونها الدكتورة. كان هناك شيء اسمه «الضيف الخاص» للقائد وهؤلاء لم تكن لي علاقة بهم باستثناء دفع تكاليف الفندق وغيره.

> كان هناك فندق تابع للمراسم؟

– في البداية كان «المهاري» تابعاً للمراسم، ثم صرنا نتعامل مع كل الفنادق.

> هل تذكر حوادث اخرى مماثلة؟

– حصلت اشياء كثيرة. الحادثة الثانية حصلت لزوجة رجل اعمال سويسري، وكادت أن تتحول كارثة كبرى، لكنها لاحقاً تلاشت وانتهت ذيولها.

> ما موضوع هذه الحادثة؟

– هذه سيدة ايرانية زوجة رجل سويسري مشارك في وفد من شركة إيرانية لتوظيف الأموال، قابَلَتْ السيدة القذافي ليلاً واعتدى عليها بعنف. عرفتُ الأمر بينما كنا عائدين في طائرة الوفد ولاحظنا ان الأمن المرافق للوفد اعتقل سيدة على الطائرة. كان معنا ايضاً محمد الحويج الذي تولى لاحقاً حقيبة المال.

> اين حصلت الحادثة؟

– في سرت، ولها تفاصيل ثانية. دخلت معهم في تفاوض على الطائرة، وعلى الطائرة عرفتُ ان زوجة السويسري هجم عليها القذافي وكانت في حال يرثى لها.

> كانت معكم على الطائرة؟

– نعم. كانت في غرفة النوم في الطائرة. أدخلني إليها زوجها، ووجدتها في حال يرثى لها، الدم يسيل منها، فأخبرتني بما حصل. قالت ان سيدة جاءت إليها واستدعتها للمقابلة، وكانت برفقتها ضابطة اسمها سالمة. وذهبوا الى المقابلة، وكانوا في البداية اخبروها بأنها دعوة، ولكن لاحقاً دخل القذافي ودعاها الى المكتب و «هجم» عليها بعنف. عندما دخلتُ للتحدث مع زوجة السويسري، دخل رجال الأمن (الذين كانوا بصحبة الوفد) وقبضوا على السيدة التي كانت برفقتنا وهي الوسيطة التي أحضرت الوفد.

> اعتقلوها في الجو؟

– نعم وكأنها عملية خطف. عندها قلت لهم: ما تفعلونه خطر، لأن الأمن والمخابرات يعرفون اننا غادرنا المطار بطائرتكم. وحصلت بيني وبين الزوج السويسري مشادّة. وقلت له ان ما تفعله خطأ، فقبل أن تخرج من الأجواء الليبية ستجد الطائرات الحربية تلاحقك.

> كان هناك حراس مع السويسريين؟

– نعم. كان معهم عناصر من الأمن الخاص بهم.

> هؤلاء العناصر هم من اعتقل المرأة الوسيطة؟

– نعم. المرأة التي كانت السبب في الاعتداء.

> كيف عالجتم الأمر؟

– قلت للزوج أولاً نحن لن نقبل التفاهم معك، قبل ان تفكوا الأغلال من يدي السيدة.

> هل كانت هذه السيدة ليبية؟

– عربية. قلت: ما ذنبها. هي عبد المأمور، ولا علاقة لها. وسألت زوجة السويسري، هل حاولت هذه السيدة إقناعك؟ فقالت لا. وسألتُ السيدة: هل قالوا لك انها دعوة، فقالت نعم. يعني ان لا علاقة لها بالأمر. ففكوا الأغلال. محمد الحويج كان خائفاً وجباناً وشبه ميت على الطائرة. حتى انه أشاد بي، وقال: بعمري لم أر بمثل شجاعة نوري في هذا الموقف. أقنعت الرجل بأن هذا خطأ، وبأن الطائرة ستلاحَق لأن شخصين ليبيين مهمَّين على متنها ولم تدخل أجواء طرابلس.

> لمَنْ كانت الطائرة؟

– لهم. نحن كانت لدينا طائرة، لكنهم أصروا على أن نرافقهم على متن طائرتهم لغاية في نفس يعقوب.

> الطائرة كانت سويسرية؟

– نعم. قلت له انت حر. اذا أردت ان تذهب فاذهب، لكن هذا سيسبب لك فضيحة في بلادك، وستتهم بعملية خطف ولن تستفيد. توصلنا الى حل. قال: أتعدني بأنكم لن تقبضوا عليّ في طرابلس. قلت: أعطيك كلمة شرف بألا يتم التعرض لك ولا لزوجتك ولا لأي شخص معك، وهذه الحادثة ستكون بيني وبينك. وقلت لحويج: إذا صدرت منك أي كلمة ستنتهي، فقال انه موافق على كل ما أقرره. نزلنا في مطار المعيتيقة ونزل الوفد وغادر السويسري وزوجته وكان خائفاً. وراح الوفد. كانوا احضروا لي هدية ساعة سويسرية، فقلت انني لا أتسلم الهدايا.

> هل طلبوا أموالاً؟

– هو طلب 20 مليون دولار تعويضاً عما تعرضت له زوجته. قلت له انني لا أتدخل في هذه الأمور.

> لم يقبض أموالاً؟

– لاحقاً، الحويج تابع العملية. والسيدة التي كانت معنا أخبرت القذافي بما حصل. وقالت: نوري تصرف وقام بكذا وكذا. وأعتقد بأن السيد عبدالحفيظ الزليطني الذي كان وزيراً للاقتصاد نظّم تعاوناً بين هذه المجموعة السويسرية وليبيا.

> هذا عملياً يعني انهم حصلوا على تعويض؟

– كان تعويضاً على شكل استثمار، وكانت للقذافي مواقف كثيرة في هذا الإطار. هو كان يحب الانتقام من الشخصيات من طريق زوجاتهم. أنا أستغرب كيف ان بـشير صالـح لم يـنـشق عن الـقذافي، وحتى عزالدين الهنشـيري الـذي كان وزيراً للأمـن الـعـام وكان في المخابرات ورئـيساً للحرس الثوري ثم رئيساً للحرس الخـاص. أستغرب كيف أنهـمـا لـم ينشقّا عنه، لأنني عـندما كنت أتخاصم مع القذافي وأُسجَن وأخرُج من السجن، كنت آتي الى مكتب بشير صالح وأكتب استقالتي وأقول انني سأغادر. كان بشير صالح والهنشيري يوصياني بالهدوء والتمهل ويقولان: عندما ستأتي اللحظة لهذا سنبلغك. كان هناك مخطط لدى الاثنين لكنهما لم يبلغاني به. وكانا يقولان انني مندفع ودائم الغضب، ويطلبان مني الهدوء، ويقولان ان الوقت لم يحِن بعد. لم أكن أعرف السبب. لكنني استغربتُ جداً عندما حصلت ثورة 17 فبراير المباركة ولم ينضما إليها.

> هل حاول القذافي ان يتحرش بوزيرة او غيرها؟ هو التقى كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية؟

– دعاها الى العشاء، ولمّا دخلت الى الجناح الخاص رأت صورتها وبألوان زيتية في إطار، معلّقة في جناحه. لمّا رأت الصورة فُجِعت. سألت ما هذا، فقال هذه صورتك بألوان زيتية. لكنني لا أعرف ماذا حصل. هذه واحدة. حاول القذافي التحرش بوزيرة خارجية إسبانيا باراسيو.

> وهل تسبب هذا الأمر في إشكال؟ هل حاول القذافي فعلاً التحرش بها؟

– العلاقة كانت متينة، لكن في الزيارات الخاصة أنا لا علاقة لي بها.

> هل هناك حوادث أخرى مماثلة لحادثتي النيجيرية والسويسرية؟

– الحوادث الأخلاقية دائماً كانت موجودة.

> وكان يدفع في النهاية؟

– نعم. مثلاً مرة استُدعِي بشير صالح الى الغابون من رئيسها عمر بونغو. كان صالح غير راضٍ، وحتى الهنشيري، عن تصرفات القذافي. قال لي بشير تعالَ أريد أن أراك في المكتب. فقلت له كيف تذهب الى الغابون وحدك، فأجاب انه لو لم يذهب لحصلت كارثة. وقال: حين دخلت على عمر بونغو أدار شريط تسجيل لمكالمة هاتفية بين القذافي المتصل وزوجته، وهي ابنة ساسو نغيسو رئيس كونغو- برازافيل. أصيبت المرأة لاحقاً بالجنون وانتقلت الى المغرب وماتت. وهي سيدة جميلة فعلاً. كان هناك كلام غزل بينها وبينه. فتُرت العلاقات بين البلدين وعادت لاحقاً بقدرة قادر. لم اسأل عن تفاصيل مكالمة الغزل. بشير صالح كان المسؤول. كان مسؤولاً اكثر من الآخرين في هذا الشأن، حتى لما حوّلوا الخارجية الليبية وقسموها الى الخارجية ووزارة الشؤون الأفريقية وكان التريكي وزير الخارجية للشؤون الأفريقية وعلاقته دائمة بالأفارقة، كان بشير متقدماً، وكان هناك دائماً صدام بين الرجلين في ما يتعلق بالعلاقات الأفريقية. كانت هناك أمور يقوم بها بشير صالح من دون علم التريكي، لأنه كان رئيس الديوان لدى القذافي، فيفعل ما يريد وعلاقته جيدة بالأفارقة ولونه أسمر مثلهم.

> كان القذافي يحب النساء والرجال؟

– طبعاً.

> عبدالمنعم الهوني قال سابقاً ان القذافي شاذ جنسياً؟

– هذا صحيح، وعبدالرحمن شلقم يقول إن القذافي سالب وموجب.

> هل حصل معه إشكال في موضوع الغلمان. هل اشتكى عليه أحد من الشبان؟

– سمعتُ، لكنني لم أكن حاضراً، لأن هذا الموضوع في قسم الخدمات، وما يدور حوله لا أعرفه.

> هل استقدموا له نساء من الخارج؟

– كانوا يأتون إليه بنساء أشكال ألوان، وهذه الأمور كانت مسؤولة عنها واحدة اسمها م.ا.

> تردد اسمها بعد سقوط القذافي؟

– هي كانت مسؤولة عن هذه الأمور. وصلت الى مرحلة انها أصبحت بمثابة مبعوث شخصي. كانت لها علاقة بسيسيليا ساركوزي وكانت واصلة في الإليزيه أكثر مني ومن وزير الخارجية ورئيس الحكومة، والسبب أن القذافي كان يعتبرها بمثابة المبعوث الشخصي له. بالغ القذافي في هذا الجانب، كان ينتقم من الأشخاص بالتعرّض لزوجاتهم. السيدة نفسها روت لي ان القذافي تحرش بشقيقة ساركوزي فاستاءت، وأن المقربين من القذافي حاولوا استرضاءها بعقد من الماس فرفضته.