– عندما قتل القديس جورج التنين الليبي

الناظر إلى أعلى القلعة يمكنه أن يراه بوضوح. معتلياً صهوة جواد متمرد، مندفعاً بقوة، وهو يدوس على تنين شرس بينما يخترق رمحه فم الوحش. يقال أن القديس جورج (مار جرجس)المولود بحسب المراجع المسيحية في مدينة (اللد) الفلسطينية نهاية القرن الثالث الميلادي. ويقال أنه ولد لأسرة مسيحية عريقة، ولم يعرف غير المسيح مخلصاً، وبالرغم من كل ذلك فقد كان والده ضابطاً في جيش الامبراطور الروماني (دقلديانوس)، ثم اصبح هو الآخر جندياً لإمبراطور كان يفضل عبادة الآلهة الاغريقية/الرومانية على عبادة إله/إنسان من سوريا.

لكن الاساطير على ما يبدو كثيراً ما تتقاطع وتتمازج وتعود لتنمو في مكان آخر في زمن آخر. ففي فلسطين وبمدينة اللد، يمكنك زيارة ضريح القديس جورج في كنيسة بنيت لتخليده، والمفارقة أن هناك مسجداً يلاصق الكنيسة يسمى بمسجد (الخضر) نسبة للشخصية الدينية الغامضة التي ذكرت في القرآن بلا اسم محدد في قصة النبي موسى والرجل الصالح، لذا يقال بأن الخضر هو نفسه القديس جرجس.

 ارتبط القديس جورج بعدة قصص أسطورية أخرى، حتى أن حقيقة جورج الانسان تكاد لا ترى في هذا الكم من الرموز والعبر. في كنيسة القديس جورج بفلسطين يأتي المرضى لطلب الشفاء من شفيع الكنيسة، حيث يلمسون قطع معدنية مطوقة يقال أنها كانت الاصفاد التي غل بها القديس، حين عذب حتى الموت من قبل الامبراطور دقلديانوس حين اكتشف أنه يدين بالمسيحية ورفض الاعتراف بإله الدولة الرسمي، جوبيتر.

حين ابحرت قوات ميليشيا (فرسان القديس يوحنا) من جزيرة مالطا إلى طرابلس، وبعد عقدين من حكم الاسبان هذه المدينة، ليستلموا المدينة ويحكموها لعشرين سنة، وجدوا امامهم فرصة لكي يبنوا موطأ قدم لطريقتهم العسكرية المسيحية، وربما بناؤهم لتحصينات قوية حول المدينة إلى جانب الكنائس ودور العبادة، جعلتهم يستعدون بشكل أو بأخر للمواجهة التاريخية التي ستلي ذلك ببضعة أعوام عندما حاصر الاسطول العثماني جزيرة مالطا، لعدة اشهر، فيما عرف بشكل مبسط في ادبيات الفرسان اليوحنيين، بحصار مالطا. يقال إنهم قبل أن يتقهقروا إلى الجزيرة بعد خسارتهم لطرابلس على يد العثمانيين بقيادة ادميرال البحر (الريس درغوت) والقائد(مراد آغا)، يقال أنهم تركوا ورائهم منحوته جدارية تخلد لمعركة اسطورية خاضها القديس جورج مع تنين. تركت المنحوتة عدة سنوات في داخل كنيسة القديس جورج الواقعة في مدينة طرابلس القديمة وغير بعيد عن كنيسة السيدة مريم، حتى قام الايطاليون بوضعها في اعلى قلعة السرايا الحمراء بركنها الجنوبي الشرقي.

لعل الايطاليين ظنوا أنهم يستطيعون بناء روما حديثة انطلاقاً من الشاطيء الرابع، كما كان يسمون ليبيا، أو ربما ظن موسوليني أو غراتسياني أو الطيار الحربي بالبو، الذي اشرف على بناء معظم ليبيا الايطالية، أن وجود القديس جورج في اعلى القلعة سيكون حامياً للمدينة، تعويذة تدفع الشر وترعب الشيطان/التنين من الاقتراب من اقليمها “المستعاد”، الفاشيون الأوائل يلهمون من يلحقهم من فاشيين جدد.

المفارقة الساخرة أن شعار القديس جورج (الفلسطيني)، الصليب الأحمر بخلفية بيضاء، اصبح شعاراً للكثير من الدول الأوروبية من بينها انكلترا، واصبح الفاشيون الجدد في انكلترا، المتمثلين في الاحزاب اليمينية المتطرفة، والتي تدعو إلى التخلص من غير البيض في بلادهم، يستخدمون شعار القديس جورج في حملاتهم العنصرية، القديس جورج الذي اصبح كالمسيح كذلك شعاراً للحروب والموت.

تقول الاسطورة أن القديس جورج زار ليبيا في زمن مجهول، ويذكر كتاب الاسطورة الذهبيةأن حادثة قتل التنين الشهيرة جرت في مدينة سيلين. كان الفارس جورج في ظهيرة ذات يوم يمر بالقرب من بحيرة حين استرعى انتباهه تنين عملاق يهم بالتهام فتاة مقيدة بالاصفاد، فاندفع بحصانه فوق التنين ودفع برمحه في فمه حتى استكان، وخلص الفتاة البريئة والتي اتضح أنها ابنة ملك المدينة التي كانت تجري قرعة كل عام لمنح الشيطان المتلبس في صورة تنين احدى فتيات المدينة لكي لا ينزل الاذى بالمواطنين. وكما كل الاساطير القديمة، والتي تقدم نهاية ساخرة، انتصر القديس جورج على الشيطان وقدم التنين الذي اصبح أليفاً كقط منزلي إلى الاميرة التي اعتنقت المسيحية مع ابيها الملك وكافة سكان المدينة.

القديس جورج ما يزال معلقاً اعلى قلعة طرابلس، لا يكاد يثير انتباه احد من المارة بالاسفل، حتى أن الكثيرين قضوا حياتهم في هذه المدينة دون أن يعرفوا أن القديس جورج ما يزال في الأعلى يقتل التنين كل يوم. التنين الذي يبدو أنه ما يزال ينتظر لحظة ماكرة لكي يسقط القديس من فوق صهوة جواده. لكن حتى ذلك الحين سيحمي القديس جورج المدينة من هجوم فاشيين جدد مدججين بالقنابل والجرافات معتصمين بإله غاضب كغلام نزق.

المصدر .. امتداد http://www.imtidadblog.com

Advertisements

– مقتل عبدالسلام المسماري: الخوف يعود إلى ليبيا

انتظر القاتل في سيارة قبالة الطريق. يقع مسجد بوغولة في حي البركة في قلب بنغازي حيث يقيم عبد السلام المسماري البالغ من العمر 44 عاما وأطفاله الستة. بقى عبد السلام عقب انتهاء صلاة الجمعة في المسجد صحبة صديق له في الصمت الذي كان يخيم على المسجد عقب خروج المصلين وحينما خرج الرجلان إلى ضوء الشمس ظلا يواصلان حديثهما. اقتربت السيارة المجهولة  أكثر. وانطلقت رصاصة خرقت صدر المسماري. سارع به صديقه إلى المستشفى في سيارة إلا أن المسماري مات في الطريق.

واجه المسماري، المحامي في مجال حقوق الإنسان، نظام القذافي القمعي وكذلك الانتهازية المجرمة للمليشيات المسلحة التي ظلت منذ التخلص من الديكتاتور الليبي تحاول الإمساك بالبلاد كرهينة. كان المسماري من القادة الأوائل لثورة فبراير وحينما تحررت بنغازي تم اختياره لتلاوة إعلان الثورة. جلجل بصوته وهو يعلن المطالبة بدولة ديمقراطية يحكمها القانون.

وان تتمكن رصاصة لا يتجاوز سعرها ثمن بضعة سجائر من وضع نهاية لحياة كهذه فإن ذلك يعد أمرا مخالفا لقوانين الطبيعة. إن مقتل عبد السلام المسماري يرفع عدد الاغتيالات السياسية في بنغازي منذ نهاية الحرب الأهلية إلى 61. وبعبارة اخرى فإن ما حدث يوم الجمعة الماضية كان يحدث في المتوسط كل 12 يوما. ومالم يحدث تغيير ما فإن هذا العدد سيواصل الارتفاع.

صارت المدينة الليبية الثانية ومهد الثورة مكانا شديد الخطورة خاصة إذا كنتَ من الداعين للديمقراطية وحكم القانون واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني والأهم من ذلك إن كنت من الداعين لتأسيس جيش وطني خاضع لمساءلة حكومة منتخبة.

لم يكن للحكومة، في المراحل الأولى، اي خيار سوى الاعتماد على الميليشيات لحراسة الحدود والمناطق الحيوية لكن سرعان ما بدأت هذه المليشيات تأخذ في الكبر والتغول حتى أن البعض منها يفتخر بامتلاكه لمئات الدبابات وبدأت هذه المليشيات تفرض أجندتها. ونظراً لأن أيا منها لا تريد فقدان القوة التي اكتسبتها فقد بدأت في وضع العراقيل أمام خطط الحكومة لتدريب قوات عسكرية كما أن العديد من المسؤولين سيقولون لك سراً إن الخطط لتأسيس جيش وطني في حالة فوضى كاملة.

وعملياً فإن الحكومة اليوم لديها قدرات جد محدودة، فهي تعمل في ظروف شديدة الصعوبة إذ من المألوف جداً أن يقوم على سبيل المثال أشخاص مسلحون باقتحام مكتب وزير مطالبين بالمال أو بغرض التأثير على قرار معين. وبالتالي وقعت القيادة بين تهديدات المليشيات وأفراد الشعب الذين انتخبوها  بعد أن  أصيبوا بالتعب ونفاد الصبر والإحباط.

السبب الوحيد الذي أبقى على الحكومة في طرابلس ومنعها من الانهيار هو أن نفوذ المليشيات ظل لحد الآن جهوياً. ولتعقيد الأمور أكثر ساهم هذا الموقف في تقوية الفيدراليين الذين يتمنون تحويل ليبيا إلى ولايات اقليمية.

ليس واضحا بعد من قتل عبد السلام المسماري  فقد يكون القاتل احدى المجموعات التي تقاتل ضد ما يدعو إليه المسماري وقد تكون احدى المليشيات أو بقايا النظام السابق الذين يريدون الانتقام من أحد ألمع الثوريين ولكن أياً كان الفاعل فإن الهدف ليس إسكات المسماري فقط بل أيضاً تخويف المجتمع المدني،  فعقب ساعات قلائل على عملية الاغتيال ظهرت على الأنترنت قائمة مرسلة من قبل مجهول بأسماء أشخاص آخرين مستهدفين بالقتل.

كانت جنازة المسماري التي جرت يوم السبت مناسبة للتظاهر ضد العنف إلا أن عدد الحاضرين للجنازة كان أقل من المتوقع، ربما كان اليأس وراء ذلك وربما كان الخوف. ففي اليوم التالي وفي حدث زعزع الروح المعنوية للامة أكثر تم الهجوم على مبنى المحكمة في بنغازي  هذا المبنى الرمز حيث كان المسماري ومجموعة صغيرة من المحامين قد خاطروا بحياتهم في فبراير 2011.

الخوف كان أول ضحايا ثورة فبراير.  في تلك الأيام الأولى للثورة كنت تسمع الناس تصيح “لا مزيد من الخوف”.  لقد كان الليبيون يخافون من الدولة المتوحشة لكنهم الآن يخافون من غياب الدولة.

بدون جيش وقوة شرطة لحماية الناس وحراسة استقلالية وسلطة موظفي الحكومة والمسؤولين المنتخبين فإن صراعا أو نزاعا جديداً في طور الاختمار قد يؤدي بالبلاد إلى حرب أطول وأكثر دموية من السابقة.

هشام مطر

___________________
* نشر في صحيفة الغارديان البريطانية يوم الثلاثاء 30 يوليو 2013.

 

– هل صنعنا شيئا مفيدا للبشرية

عبدالهادي الجميل
كاتب كويتي تم تحويله الى النيابة بعد ان كتب هذا المقال .

هل صنعنا شيئًا مفيدًا للبشريَّة يبرِّر تباهينا المفرط بأنفسنا وتفاخرنا أمام العالم؟
ما الذي حقَّقته دول الخليج بعيدًا عن النفط الذي تفجَّر تحت أقدامنا بفضل الصدفة التاريخيَّة وبقايا قطعان الماموث والديناصورات؟
لماذا نفتخر ببرج خليفة و برج المملكة و برج الحمراء التي لم يشارك مواطن خليجي واحد في بنائها أو صُنع طابوقة واحدة منها أو حتَّى في وضع مخطَّطها الإنشائي؟
النفط بنى كلَّ شيء حولنا، وعندما ينضب في وقت لم يعد بعيدًا كما يبدو، سيستطيع الإنسان أن يصل إلى قمَّة هذه الأبراج مشيًا فوق الكثبان الرمليَّة الضخمة التي ستبتلع هذه الحضارة الإسمنتيَّة الفارغة! أيُّ حضارة ندَّعيها، وننسب أنفسنا قسرًا إليها!
الحضارة الحقيقية شيء آخر مختلف تمامًا عن الحضارة التي تروِّج لها و تدَّعيها حكومات الخليج و أبواقها من الصحافيِّين و المستشارين و ضاربي الدفوف وحاملي المباخر.
العالم كلُّه يتَّجه نحو المستقبل، ودويلاتنا الست تدور حول نفسها كالمغزل الصدء!
تاهت البوصلة وزاغت الأعين، واستعصت الدفَّة على الأيدي الأمينة.
متى يعي حكَّام الخليج بأنَّهم ليسوا آلهة، وإن حاول بعضٌ إيهامهم بذلك من خلال السجود لهم، وتقبيل كتوفهم وأنوفهم وأيديهم!
متى يعي حكَّام الخليج بأنَّ الشرعيَّة لا يحقِّقها تكديس الثروات ولا شراء الولاءات ولا الضرب بالهراوات ولا الحماية الأجنبيَّة!
الشرعيَّة الوحيدة التي ينبغي أن يحرصوا عليها، موجودة في قلوب شعوبهم الوفيَّة الصابرة التي لم تعد قادرة، مؤخَّرًا على الصبر أكثر.
متى تعي العائلات الحاكمة بأنَّ العالم الآن غير العالم السابق، وأنَّ شعوب اليوم ليست شعوب الماضي، و أنَّ المواطن الخليجي لن يكترث بمستقبل النظام الحاكم، متى ما شعر بأنَّ مستقبل أبنائه في خطر!
متى تعي العائلات الحاكمة بأنَّ مثيلاتها قد زالت من العالم، وأنَّ بقاءها في الخليج لن يطول أكثر دون العدالة والمساواة واحترام حقوق الشعوب وكبح جماح الفاسدين من أبناء الحكم والطبقة المحيطة بهم!
متى تعي العائلات الحاكمة بأنَّ المعتقلات المكتظَّة، لم تنقذ القذَّافي، وأنَّ حسني مبارك، سقط أوَّلا في ميدان التحرير، وأنَّ قاذفات “الميغ” دمَّرت حلب، لكنَّها لم تنجح في تدمير إرادة أطفالها، وأنَّ قبيلة علي عبد الله صالح ضحَّت به في اللحظة التاريخيَّة الحاسمة، فداءً لليمن!
متى تعي العائلات الحاكمة بأنَّهم لن ينالوا احترام الشعوب، وهم لا يجهدون أنفسهم من أجل نيل هذا الاحترام؟
لماذا يريدون منالشعوب أن تؤمن بالدساتير و القوانين التي لم يؤمنوا بها لحظة واحدة رغم أنَّهم مَن وضعوها وفصَّلوها على مقاييسهم؟
لماذا تتصرَّف العائلات الحاكمة بأموال الشعوب، كأنَّها إرث شرعيٌّ انتقل إليها من الآباء والأجداد، ثمَّ يحاولون إقناعنا بأنَّهم أكثر زهدًا من الخليفة عمر بن عبد العزيز!
لماذا يتحدَّث بألسنتكم بعض الفاسدين ويحيط بكم بعض المشبوهين ويستقوي بكم أرباب السوابق ويدافع عنكم الحقراء ويلتصق بكم المستشارون الذين أرضوكم فأغضبوا الله والشعب!
لماذا لا تقرأوا التاريخ كي تتعلَّموا بأنَّ الثورات لا تشتعل ذاتيًّا في العراء، بل تندلع شرارتها في الصدور و تضرم في الشوارع وتنفجر في القصور!

– في صباح المدينة .. اموات مجهولين

في صباح المدينة ، يحدث أن تسير على رؤس قدميك ، كي لا توقظ الموتي والمجانين والخنازير القذرة ، الموتى الأحياء الذين يغص بهم صدرُها بلا داعي، إنها تحملهم كأوسمة شرف على قتلها الحياة ، وغناء العصافير ، وصوت بائع السمك يوم الجمعة ، إنها أوسمة شرف الموت الرخيص المبتذل الذي يعبرك وأنت تدخن سيجارتك خلسة والناس صائمون عن كل شئ الإ الموت والانحطاط . ! الموت المرقّم أمامك على الشاشة ، يتدلّى من فم حسناء لا تجيد نطق مخارج الحروف جيدا، فتقول وهي تضع بوكر فيس توخيا للمهنية ” قتل اليوم حوالي 4 مدنين برصاص مجهولون في مدينة طرابس ” فتتمنى لو أنك تسحق وجهها على الحائط ، ليسوا مجهولين .. إننا نعلمهم تماما, إنهم أمامنا .. في المسجد والجامع والسوق والمخبز وعند بائع الخضار .. إننا نراهم ، في المؤتمرات الصحيفة والندوات والتصريحات الحكومية وورش العمل ، في المجتمع المدني الذي يسيّره حكماء مؤتمرات الشناني والمعارق وتجمعات والجرود والفرامل وقعاد البازين ! هه .. إنهم يتبولون فوق رؤسنا مثل كلب جربان ونحن نمسح قذاراتهم وندعي أن لا شئ يحدث ،في مدينة تمتلئ بالقذارة والقمائم والفئران الجائعة والعيون المتحجرة ، بالمقابر التي خصصت للموتى – والموتى يعيشون خارجها- إنهم أقذر من أن يكونوا مجهولين ، إنها مجهولين أيتها الحمقاء ، جار ومجرور ، جرّنا رغم أنوفنا إلى نوع جديد من القتل البطئ ، إنه قتل الرغبة في الأمل ، نعيشه يوميا ونحن نعد القهوة ، ونشرب الشاي ونسير إلى أعمالنا مثقلين بوطأة العودة إلى بيوت لم تعد سوى منازل تحوم فيها مجموعة من الأرواح الجائعة إلى دفء البيوت القديم. نعيشه في حديثنا اليومي عن الغلاء ونحن نستهلك أكثر من الشعوب الأفريقية قاطبة ، في المقاهي التي تضم بين ذراعيها أحلام الشباب الجافة مثل لحم مقدد يتكاثر من حوله الذباب. في البيوت المليئة بالأسرار الصغيرة والتناقضات المربكة والنهايات الحتمية لوهم أنك فرد حر انعتق من رقبة القبيلة التي لم تعرفها يوما ، والتي تعيش تحت جلدك مثل ورم خبيث غير قابل للاستئصال والنزع أو حتى العلاج ، نعيشه في السيارات المسرعة التي تقطع أوصال المدينة في شواراعها التي لم تعد شوارع تحتض لهاث الناس وغبار الوقت ومتعة اللحظات السعيدة وصراخ السكارى وصوت الراديو القادم من شقة في الطابق الأول ف شارع عمر المختار أو 24 ديسمبر يغني طال انتظاري لأم كلثوم ، لقد أختنقت الأغاني المنبعثة من مكان مجهول بسبب الصراخ المجنون لأبواق السيارات ، السيارات التي قتلت بصراخها متعة أن تسمع وأنت تسير في شارع الإستقلال حفيف الأشجار – والتي تبدو غريبة وسط مكعبات الإسمنت العشوائية – وأنت تسير على رصيف متهالك ملئ بالتعرجات وبصاق المارة وبقايا أعقاب السجائر التي لا تزال أطرافها رطبة مثل سمكة ماتت للتو، نعيشه في الشرفات المستباحة بسوء الظن ، المغلقة غالبا ، والتي لم تعد سوى مخازن لتخزين الهراء – بعد أن فقدت خاصيتها كشرفة، منها يُطل الأمل الجيد وضحك الغرباء ومواء القطط ، منها يتسرب بعض الضوء والحب المهرّب والنظرات الجائعة وتحولت لصندوق ألمونيوم جاف وبارد – . نعيشه في المحلات التي اصبحت تنتشر فوق وجه المدينة كالدمامل البشعة ، أنت تتعثر في كل شارع بمحل استباح طمأنينة الطريق وهدوء الأرصفة التي تأكل جباهها سيارات الحمقى المصفوفة بعشوائية ، محال للأكل ومحال الملابس والماركات العالمية بأسماء مستوردة من ثقافة مختلفة تحت إسم الإنفتاح على العالم الخارجي وكونية الحياة وعولمة الإنسان ونحن مازالنا نسبح في بحر من القحط و الجهل والإنغلاق والمحدودية – !، سألت يوما الرجل الجالس على الكاصّة ف مقهي بافاروتي ، ما هي أشهر مقطوعة غناها بافاروتي فإبتسم وحك رأسه وأجاب ، كابتشيو عادي أم زياده حليب ؟! في الباحة الخلفية للمدينة ، جهل وفقر وخرافة وعلى واجهتها وهم الحياة المضيئة وهي تمتلئ بالعيون الشبقة والبدل اللامعة والوجوه الحليقة والعبايات السوداء – أيضا مستوردة من بيئة أكثر قحطا – والنفوس المتعبة والرؤس التي يحملها أصحابها مثل حبات البطيخ الكبيرة ويسيرون بها فالشوارع على غير هدى رغم عبث الإشارات التي تختنق بها المدينة والتي تقودك إلى الأمكنة ولا تخبرك كيف تسلك الطريق. الطريق الموجود داخلك قبل أن تعتّب عتبة بيتك، قبل أن تلعن وزراة الكهرباء والساسة المقامرين.والباعة المجهولون الذين يصرخون تحت شرفة بيتك – التي لم تعد شرفة كما ذكرنا – وهم ينادون ” مدينة صالحة للعيش ” فتبتسم بمرارة وتصرخ في وجهي ، أنها”مجهولين” وأنهم ليسوا كذلك!

هناء قاباج

– كتاب المقتحم بأمره السبطاني رداً على خطبة إبن الدرهان

013-07-13
عبدالدائم اكواص

“إلى أبي كبيدة بن الدرهان، هذا ردُّنا على خطبتك…

من عاشَ فقد عاش، وما طاشَ قد طاش، ومن نفخَ كالكير في الرماد طاله الطُّقاش، ومن لم تُلْجمه حِجّتُنا؛ ألجمته الأربعطاش، ولك في بني شفشوف وبني سناك عبرة، فهل أنتَ مُعتبر؟. أما والله فأني أحملُ الشرَّ وجذوته، والغيظَ ورغوته، والكرَّ ولبوته، وإلّا تعتدل، وإلّا وأيمُ الله فسنأخذكَ أخذَ ظالمٍ متجبّر، مقبل غيرَ مُدبر، وممشّط ومكبّر، ثم نلجُمَكَ لجْمَ الناقة الحرون، ونسومكَ في سوأتكَ بسبطانةٍ عجفاء ضامرة قاسية، حتى يملأ صراخك المكان، فتعلم لما سُمينا بنو سبطان. وقد أعذر من أنذر.

يا ابن أبي كبيدة…
تا الله إنا لنراكَ قد خضتَ في فوق الجمر حافياً، ولا تعلم أي جُحرٍ أدخلتَ يدك فيه. فأفقْ من غفوتك، وتُبْ عما قلته، فنحن قومٌ أذاهُم يسبقُ رحمتهم، وسيُفهم يسبقُ حكمتهم، ولقد خبرنا ساحات الوغى، وألفنا الموتَ حتى صار القتل لدينا بربع قرش. فاحرصْ على أهلك ومالك، واتركْ ما خاض فيه غيرُكَ فباء بغضبٍ منا، ثم كان مصيرُه الحسرةَ والندم. إلا تفعل، وإلا وأيم الله لأرسلنَ لك رتلاً سبطاني يحجب الأفق، أوله في جزيرة غوط الشعال وآخره في كوبري الجامعة، وحينها تدركُ أنْ لاتَ حين مناص.

إني والله لا أهجمُ إلا افتريت، ولا أعدُ إلا وفّيت، ولستُ بباخعٍ نفسي عمّا قلتُه بلساني أو ما ستفعله يداي. فالحذر الحذر، واتركْ عنكَ مناحي الفتنة، ومرابع الضلال، وقالَ وقلت، وكان وسيكون. قد حذرتك وأنذرتك فاسمعْ وأطعْ، فما تقرؤه عيناك خيرُ لك مما قد تريانه”.

ثم امتطى لبوته وصطربَ بها تصطريبة مجلجلة أثارت الغبار والأتربة، وانطلق مسرعاً تتبعته كتيبه، واختفوا خلف غبارهم، فلم نعد نسمع سوى التكبير و “تعلّى في العالي” تقطعها رشاتٌ استعراضية من الأربعطاش ونص.

4 التعليقات:

Wissam Salem يقول…
ويحَ أبي كبيدة بن الدرهان من قبائل بني سبطان…. هؤلاء قومٌ “شكلين ما بيحكوا!”

13/7/13 20:48
عابدالقادر الفيتوري يقول…
وجرت الاقدار بما لم يكن في الحسبان .. ارهقت المسير وشتت الوجدان .. وكان ما كان .. قصة ثورة سرقها بني درهان .. رائع استاذ عبدالدائم

13/7/13 20:56
amged elmes يقول…
الله الله على عصر القبضة السبطانية

13/7/13 21:04
متنفس يقول…
,لعمرى ان بنى درهان قد مشطوا البنيان وافسدوا الفتيان ..واستأثروا بالمال والسلطان ..ويحهم مافعلوا واى بلاء للبلاد جلبوا .. أبدعت

فأقنعت .سلمت يمناك