– الربيع الأزوادي بين طموح الاستقلال وماضي الضعف والاستغلال

صورتي


منذ استقلال مالي عن الاستعمار الفرنسي وجد الإنسان الأزوادي صعوبة في الاندماج  بهذه الدولة التي  يعيش على هامشها فهو مواطن من الدرجة العاشرة حتى الحيوانات البرية تحظى بحقوق لا يطمح هو في الحصول على 05% منها .

وقد حاول المثقف الأزوادي ولاسيما الناطق بالعربية التعريف بمعاناته وتعريف محيطه الإقليمي والدولي بها  لكنه اصطدم بواقع لا صوت يعلو فوق  صوت البندقية وعندما اخذ أصحاب البندقية زمام  المبادرة وجدوا أنفسهم بين أنياب دول إقليمية متكالبة عليهم تربطها بمالي اتفاقيات أمنية لتسليم او تقزيم المعارضين .

ومن المعلوم أن الكثير من الجهود بذلت وتبذل من قبل الازواديين لإقناع العالم بأنهم أصحاب قضية عادلة وقضية يجب أن تأخذ مكانتها اللائقة من بين قضايا الشعوب التي ضحت وقدمت الغالي في سبيل الحرية والكرامة لاسترجاع حقها المشروع في تقرير المصير والشعب الازوادي في هذا  ضحي من اجل السلام و ينبذ جميع أنواع العنف ويرى أن استعمال القوة في نيل المطالب هو أخر الحلول .

وهكذا وقعت ثورة كيدال عام 1963 ضحية لحرب الرمال بين الشقيقتين  الجزائر والمغرب حول إقليم تندوف والتي انتهت بوساطة  أول رئيس لمالي موديبو كيتا المدعوم من جمال عبد الناصر فقامت الجزائر والرباط بتسليم من لديهم من معارضيه له مقابل وقف إطلاق النار وفي عام 1973 اندلعت مشكلة الصحراء وحركت كلتا الشقيقتين وبمساعدة  الرئيس المصري الراحل أنور السادات آلتيهما الدبلوماسية لإطلاق سراح قادة ثورة كيدال وتم ذلك عام 1976 .

ومنذ ذلك نمت أجيال من الازواديين تعمل سرا وعلانية  لتشكيل تنظيمات عسكرية وسياسية لمقارعة النظام المالي واستغل الزعيم الليبي الراحل القذافي هذه المشاعر ووجه دعوة للطوارق والعرب للهجرة الجماعية نحو ليبيا وإخلاء مناطقهم ليحل وافدين من الجنوب المالي مكانهم حتى تغيرت البنية السكانية لمدن كبرى مثل تمبكتو وجاو وقندام وغيرها بينما عاش الازواديون  الذين انتقلوا إلى ليبيا وضع يشبه البدون في الكويت فلا هم ليبيين ولا هم ماليين كما يقال ” لا بلح الشام ولا عنب اليمن ” يستغلهم القذافي  في حروبه في تشاد ويرسلهم إلى فلسطين ولبنان ليموتوا في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل كما جعل منهم حراسه الشخصيين وحراس لسجون معارضيه ليزرع في نفوس الليبيين كراهيتهم  .

وكلما قام الازواديون  بثورة تأمر  القذافي عليها فاشترى ذمم من رضي وسعى لقتل من يرفض وجعل من نفسه صنما يقدسه الآلاف من أبناء أزواد من اجل مرتبات  وامتيازات تافهة وصار يشعل التنافس بين القبائل للتقرب منه وأصبحت الدماء الازوادية تسفك في مدن الجنوب الليبي من اجل الوصول للمؤتمرات الشعبية الأساسية وبلغت المهانة أقصى درجاتها عام 2008 عندما سخر القذافي من الازواديين في اجتماع اوباري عندما قال لهم بصراحة إنه ضد قيام دولة لهم لان ذلك يتناقض مع تأسيس الاتحاد الإفريقي الذي نصب نفسه من خلاله ملكا لملوك إفريقيا وذهبت انجازات وتضحيات أجيال من الازواديين أدراج الرياح من أجل التسويق للقذافي على أنه الراعي السامي والدائم للأمن  والسلام في فضاء ” س ص ” وما وراءه .

من هنا نريد أن يفهم الشباب الأزوادي أن ما يحدث في العالم العربي من ثورات وتطورات يؤثر سلبا آو إيجابا  على نضاله من أجل الحرية والاستقلال وان هناك صراع في الغرب بين قطبيين أحدهما يعمل على منح الازوادين استقلالهم ” البيض في أمريكا ”  وآخر يسعى لدفن طموحهم وربطهم بالإرهاب وأفغنة أرضهم وقضيتهم ”  فرنسا واللوبي الزنجي  ” وعليهم أن يفهموا ما يجري وما علاقته بمعاناتهم .

وان ما يحدث في مصر له انعكاساته على القضية الأزوادية لأن مصر في عهد جمال عبد الناصر او ما عرف بثورة  يوليو للضباط الأحرار 1952 ساهموا بقسط كبير في معاناة شعبنا الجريح فشجعوا فرنسا على دمج أزواد في مالي بحجة الحيلولة دون قيام دولة طارقية  تفصل العالم العربي عن عمقه الإفريقي الأسود وقامت المخابرات العامة المصرية  فرع إفريقيا في عهد عبد الناصر  ومن خلال من  درسوا بالجامعات المصرية  من أبناء المنطقة  بإيهام  السنغاي والفلان في الخمسينات بأن الطوارق ديكتاتوريين وسوف يجعلونهم  عبيدا  كما صارت القاهرة مصدر كبير للتسليح الجيش المالي .

و أبرم جمال عبد الناصر صفقة مع زعماء إفريقيا السوداء عام 1958 أمثال هفوت بويني رئيس ساحل وموديبو كيتا رئيس مالي وصنغور رئيس السنغال بضم أزواد لمالي مقابل الحصول على دعم إفريقيا السوداء لدول الطوق ” الوحدة بين مصر وسوريا ” في الصراع العربي الإسرائيلي  لذلك سكت العالم العربي عن معاناة الشعب الأزوادي لأن من يقومون باضطهاد هذا الشعب يقاطعون ويعادون إسرائيل ولأن جمال عبد الناصر كان محبوبا للجماهير العربية هو وفنانيه ” محمد عبد الوهاب وام كلثوم ” زمن الفن الجميل .

وأصبحت  جرائم مالي تجد تفهم من الأنظمة العربية و صار الإعلام العربي الرسمي ينقل وجهة نظر الحكومة المالية ويسوقها على أنها ديمقراطية تعاني من تمرد  قطاع الطرق وإرهابيين طالبانيين الخ .

 ومع ارتباط مصر ومالي بالاتحاد السوفييتي في زمن الحرب الباردة  توثقت العلاقات المالية المصرية كما حشدت مصر دعم دول عدم الانحياز والنظام الرسمي العربي لصالح دولة مالي و قام نظام مبارك بتشجيع دول الخليج على التعاطف مع مالي بحجة أنها دولة تساند التحالف المعادي للعراق  في حرب الخليج الثانية وإنها رفضت المد الشيعي للثورة الخمينية   .

وفي ثورة 1990 غنمت الجبهات الازوادية الكثير من الأسلحة المصرية المقدمة لجيش مالي حتى أن الشهيد مولاي سليمان القائد العسكري للجبهة العربية الإسلامية لتحرير أزواد عرض بعض  الأسلحة المصرية المقدمة لجيش مالي  على الإعلام الموريتاني عام 1991 وهو ما دفع السفارة المصرية آنذاك  الى تحريك بعض الناصريين والقوميين العرب للضغط على الجبهة العربية لاحتواء  الموضوع بعدما كادت تلك الفضيحة أن تعصف باحترام مصر ومكانتها لدى الشعبين الموريتاني والصحراوي المتعاطفين مع أزواد .

أما العراق وسوريا فكل منهما حاول بطريقته الخاصة عبر البعثيين الموريتانيين او من عرب أزواد إيجاد موطئ قدم لهم في الساحة الأزوادية لكن سيطرة القذافي المطلقة في أزواد وقوة تأثيره على الجبهات حال دون وجود اي دور فاعل لسوريا والعراق في أزواد ولذا كان موقفيهما يوصف بالحياد فالبعثيين الموريتانيين لعبوا دورا في منع مالي من الحصول على اي دعم عراقي او سوري حيث لا يوجد طرف أزوادي يمكن للعراق او سوريا التعاون معه بسبب قوة نفوذ القذافي كما ترفض  دمشق وبغداد  تقديم أي  دعم عسكري او استخباري لمالي ضد العرب او الطوارق الذين يعتبرهم حزب البعث   جزء من أمته الواحدة  ذات الرسالة الخالدة.

وعليه يتعين على الشعب الأزوادي أن يعي بأن ثورة مصر التي أطاحت بحسني مبارك أسقطت نظام كان داعم لمالي ضد شعبنا والثورة الليبية أسقطت ديكتاتور أجرم في حق شعبنا أكثر مما أجرمت مالي نفسها وأن على الربيع الازوادي أن يكون واعيا ويتحاشى  إخفاقات الربيعين المصري والليبي .

كما يتعين على الشعب الأزوادي أن يفهم أن فرنسا جاءت لأزواد من أجل نهب ثرواته لأن العالم الغربي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة وتريد فرنسا وضع يدها على نفط وغاز ويورانيوم أزواد ومياهه العذبة عبر شيطنة الأزواديين  ومقاومتهم الشريفة وربطهم بالإرهاب  لتقوية اقتصادها المنهار   ثم تتصدق على مالي مما تنهبه من خيرات شمالها مع إيهام مالي بأنه لولى فرنسا لقسمت مالي وصارت إمارات إسلامية متحدة يحكما بلعور واياد غالي وسندة بوعمامة ويصبح الشعب المالي رهينة لهذه الكذبة  لعقود والاعتراف بالجميل لفرنسا التي طردت البيض والجماعات الإرهابية وأعادت  الإقليم لمالي .

كما تعمل فرنسا بنفس إستراتيجية القذافي شراء ذمم بعض الفاعلين من زعماء تقليدين وقادة فصائل أزواد  وأغلبهم من المثقفين بالفرنسية  أو حتى بعض القادمين من ليبيا  من اجل القبول بصيغة من اللامركزية التي نص عليها اتفاق باماكو عام 1992 بحجة أن الازواديين قاصرين ومنقسمين  في نظر فرنسا والمنظومة الإفريقية ويستشهدون  بسيطرة الحركات الجهادية على الإقليم قبل التدخل الفرنسي وخروج الحركة الوطنية من المدن الكبرى في أزواد وعليه فإن المخرج من هذه الوضعية يكمن في مايلي :

الإسراع في عقد مؤتمر شامل لجميع الحركات والتنظيمات والأحزاب والجمعيات الأزوادية من أجل بناء تكتل وطني يضم جميع القوى مثل التحالف الكردستاني او منظمة التحرير الفلسطينية او قوى 14 آذار اللبنانية يحتفظ فيه كل فصيل باستقلاله التنظيمي وخصوصيته لكنه جزء من منظومة وطنية أكبر  من أجل مواجهة المخططات الفرنسية ولإيصال قضية أزواد إلى بر الأمان .

والعمل على وضع مبادئ وأهداف ووسائل لهذا التكتل تقود لإنجاح المشروع الوطني الأزوادي

 مشروع المقاومة الوطنية الشريفة الذي تناضل من أجله القوى الوطنية من اجل استتباب الأمن حتى تتمكن الشركات الغربية من التنقيب واستخراج الثروات الطبيعية من خلال عقود واضحة مع برلمان  دولة أزوادية  بقيادة أبناء شعب أزواد آمنة مستقرة فاعلة  في محيطها الإقليمي والدولي فيدراليية بين ثلاثة إقليم هي تينبكتو وغاو وكيدال .

لكل إقليم برلمان محلي وحكومة محلية بالإضافة إلى البرلمان الاتحادي الأزوادي و أن تكون هناك حكومة اتحادية أزوا دية يكون النظام المحلي لكل إقليم برلماني يختار نوابه المحليون   المناصب السيادية  داخله بشكل توافقي بين القبائل والتنظيمات  ضمن قانون داخلي يكتبه أبناء كل إقليم بما يتناسب مع خصوصيته السكانية وتوازناته الاجتماعية  ويختار كل إقليم ممثليه في المناصب السيادية الاتحادية ووزرائه في الحكومة الاتحادية.

 ويكون النظام الاتحادي الأزوادي  نظام برلماني يختار فيه النواب الاتحاديون قادة المناصب السيادية بشكل توافقي وفي سلة واحدة من أبناء الأقاليم الثلاثة بأن يكون رئيس الجمهورية من غاو , ورئيس الحكومة من تمبكتو , ورئيس البرلمان من كيدال , ورئيس مجلس الشيوخ أو الأعيان الغرفة الثانية للبرلمان من البرابيش , ورئيس المجلس الأعلى الاقتصادي والاجتماعي من السنغاي ,  ورئيس المجلس الأعلى للقضاء من الفلان  مثلا  ولكل منهم صلاحياته التي يحددها دستور البلاد, كما تتوزع الوزارات السيادية بمعدل وزارة سيادية لكل إقليم وذلك بشكل توافقي وضمن دستور وطني أزوادي يكتبه أبناء أزواد من خريجي كليات الحقوق والعلوم السياسية والشريعة الإسلامية لبناء دستور وطني مستمد من الشريعة الإسلامية حتى نبني دولة الأصالة والمعاصرة  دولة متقدمة شعبها مسلم متدين آمنة مستقرة فاعلة في محيطها الإقليمي والدولي .

إن النضال السلمي أجدى وأنفع للقضايا العادلة من الحروب والصراعات وأن المقاومة الذكية عبر القلم أفضل من العنتريات الكاذبة كما أن الدعوة إلى الإسلام تبدأ من تلميع صورته  ثم تشجيع الجاليات الإسلامية في الدول الغربية على المشاركة السياسية في بلدانهم والدخول في تحالفات لخدمة قضاياهم وتلميع صورة الإسلام وجعله رقم صعب في سياسة بلدانهم التي يحملون جنستها والمساهمة في تعديل دساتير وأنظمة وقوانين بلدانهم لمنح الدين الإسلامي مكانة تساوي بقية الأديان السماوية الأخرى في الغرب واستصدار قوانين وتشريعات تجرم الإساءة للإسلام ونبيه ورموزه وتجريم الإساءة للشعوب المسلمة مثل قوانين معاداة السامية وقوانين تجريم إنكار مذبحة الأرمن.

بقلم : أبو بكر الأنصاري

 رئيس المؤتمر الوطني الأزوادي

مرسلة بواسطة 
Advertisements

– التهافت المسعور على كنز القذافي

التهافت المسعور على كنز القذافي

قيمته تقدر في الأبناك الخارجية بـ 200 مليون دولار واسترجاعه يسيل لعاب الكثيرين
أحمد المرزوقي

التهافت على استرجاع ثروة القذافي، يضع في حلبة الصراع أشخاصا من كل صنف: مجرمون في حالة فرار، جواسيس قدامى، تجار أسلحة و

هلم جرا…
وآخر شوط في هذا المجال، وقع على أرض جنوب إفريقيا حيث خبأ شخص يلقب بـ”المرشد” ثروة فاحشة تقدر بملايير الدولارات.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن جاكوب زوما، رئيس جنوب إفريقيا، كان قد قدم لزيارة صديقه العقيد في يونيو 2011 والحرب وقتئذ على أشدها.
رسميا، يتعلق الأمر بعقار يتشكل من فندق ميكيل أنجيلو تاورز في جوهانيزبورغ وفندق كروكر بارك لودج المتواجد في قلب المحمية الحيوانية المشهورة.
بيد أن هنالك أرصدة عديدة مودعة في ما يربو عن ستة أبناك مختلفة، وهذا ما حذا بـ”مستشارين” من كل الأشكال والأصناف لشد الرحال إلى جوهانسبورغ.
فبواسطة تيتو مليكة رئيس أمن حزب المؤتمر القومي، وجاكي مفافدي، رجل أعمال مقرب من الحزب الحاكم، قدم إلى عاصمة جنوب إفريقيا مبعوثان ليبيان مفوضان، وتم استقبالهما من طرف الرئيس جاكوب زوما. غير أنه في شهر يونيو المنفرط، قدمت بعثة أخرى مفوضة هي كذلك، وزعمت أن المبعوثين الأولين هما مجرد نصابين ليس إلا.
وقد أظهرت البعثة الثانية كثيرا من الدهاء لما تحالفت مع تاجر الأسلحة الجنوب الإفريقي جوهان إراسموس، وكان خطابها مغريا كالتالي:
“أعيدوا لنا أموالنا نشتر منكم أسلحتكم.”

شبكة معقدة

ما هو القدر الإجمالي لثروة القذافي، سواء منها الرسمي أو الشخصي؟
بعض المصادر تقول بأنها تتراوح ما بين 60 و 200 مليار دولار.
لكن إذا كانت الأرصدة المودعة من طرف «صندوق ليبيان إنفستمنت أوتورتي»، أو صندوق ليبيان أفريكان بورتفوليو أسهل معرفة واسترجاعا، فإن المبالغ المودعة شمالا ويمينا تحت أسماء مستعارة وخلف شركات وهمية، هي أمر في غاية الصعوبة والتعقيد.
فحينما أُجري افتحاص في حسابات ليبيان أفريكان بورتفوليو، التي كان يديرها بشير صالح، خازن أموال القذافي، اندهش المسؤولون الليبيون الجدد لما وجدوا أن هنالك ما يزيد على 600 وكالة تابعة للصندوق، ولكل واحدة منها حسابها الخاص في البنك.
“وقد أبانت كثير من الدول، سيما الإفريقية منها، عن عدم الرغبة في إرجاع الثروات إلى ليبيا.”
يقول محام أعمال أمريكي يشتغل مستشارا للحكومة الليبية.
كما أن سويسرا بأسرارها البنكية، ليست أحسن حالا من الدول الأخرى.
علاوة على هذا، فإن البرتغالية آنا كوميز، المستشارة الأوربية المكلفة في البرلمان الأوروبي بصياغة التقارير عن ليبيا، أشارت بأصبع الاتهام إلى دول الخليج حيث قالت:
“على جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي أن يمارسا مزيدا من الضغط على مختلف الدول التي ترفض التعاون”.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، فإن الحسابات تبدو مبدئيا شفافة والأرصدة في المتناول.
وهكذا فإن إيطاليا قد أرجعت في شهر نونبر 2012 ما يربو عن مليار دولار كانت مودعة في أوني كريدي وفينميكانيكا. ولكن حذار من الأبناك… يقول المحامي الأمريكي.
“كيف الحصول على مبالغ مودعة في بنك أودعها بدوره في بنك آخر؟ إنها شبكة في منتهى التعقيد.”
” سيما إذا ما علمنا أن مؤسسات بنكية تدعي النزاهة تعرف كيف تمثل دور الميت.”
يقول إريك فيرنيي وهو باحث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية بباريس:
“هذه الأبناك تعرف طبعا أن لديها أموالا ليبية، ولكنها تلتزم الصمت على شاكلة مؤمن ثروة عم أبيك حين يزعم أنه “نسي” أن يخبرك بأن المرحوم  قد توفي وترك عقدا رائعا للتأمين على الحياة…”
ما هي المبالغ التي تم استرجاعها؟
ما بين 5 و 10 ملايير دولار تقول بعض المصادر. لكن المبلغ الحقيقي لا يعرفه أحد، وذلك راجع إلى سبب انقسام حكومة علي زيدان.
“لقد كان عليها أن تعين مسؤولا واحدا فيتكفل بكل قضايا الاسترجاع، ولكنها لم تفعل”  يتأسف المحامي الأمريكي.
وهكذا نجد وزارات ومؤسسات تشتغل كل واحدة منها على شاكلتها لاسترجاع الأموال من الخارج، محاولة بالموازاة مع ذلك عرقلة مساعي جاراتها. بل هنالك أشخاص مستقلون يشتغلون بتفويض من بعض الجهات على أن يأخذوا 10 في المائة من الأموال المسترجعة.
إن هذا التهافت المسعور على أموال العقيد الراحل، يحيلنا بكلمة وجيزة إلى صيادي المكافآت في عهد رعاة البقر.
أمام هذا الوضع المزري، انبرى للساحة رجل قوي الشكيمة محاولا وضع شيء من النظام في هذه الفوضى العارمة. ففي نهاية شهر يونيو 2011، تكفل القاضي بشير العقاري بمصلحة إدارة نزاعات الدولة في وزارة العدل، ولم يكن صديقه الحميم سوى مصطفى عبد الجليل، القاضي السابق الذي سيصبح فيما بعد رئيس المجلس الوطني الانتقالي.
وهكذا تعاقبت الحكومات وظل العقاري في منصبه.
” اليوم، تحسنت الأوضاع نسبيا لما شرع الوزير الأول ينصت إلينا باهتمام.” يقول الرجل.
” رسميا لا توجد أي إدارة مكلفة بهذا الملف، لكن في الواقع، هنالك مصالح كثيرة تتحرك بكيفية غير شرعية بواسطة بعض التفويضات. أنا لا أكل من توضيح ذلك للحكومة مؤكدا على أن أشياء من هذا القبيل، لا يمكنها إلا أن تعرقل جهودنا وتنال من مصداقيتنا.”

منافسة  مشتعلة

لتجاوز جميع الحواجز الحساباتية والقانونية عبر العالم، يعمل العقاري ومن معه على الاستفادة من خدمات الشركات الدولية.
” لا نريد خدمات شركة واحدة، وعلينا التحلي في ذلك بكثير من الصبر”يقول العقاري.
فالشركات الكبرى متواجدة كلها في طرابلس وتتنافس فيما بينها تنافسا شرسا، إذ كل واحدة منها تستغل معارفها القديمة التي تعتقد أن يدها ما زالت طويلة.
وهكذا فإن شركة: DLA Piper
وظفت السيناتور الأمريكي السابق توم دالشي، أحد المقربين من الرئيس أوباما، ووظفت كذلك رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، خوسي ماريا أثنار.
وبخصوص الملفات ذات الحساسية الفائقة، فإن مكاتب يتسم عملها بكثير من السرية هي من تتكفل بها، أما الملفات ذات الطابع المحدود، فهي تعطى لشركات صغيرة، سيما إذا ما عرض بعض الأمنيين فيها خدماتهم وقنواتهم. فمجموعة كوهن التي أبرمت أخيرا عقدا مع طرابلس، ليست سوى شركة كاتب الدولة السابق في الدفاع وليام كوهن. وشركة إيرن لاون بعثت إلى ليبيا دبلوماسيا سابقا يدعى فيكتور كومراس.
أما شركة كوماند كلوبل سرفسز التي تعاقدت مع مكتب بشير العقاري، فينشطها شارل سيدل وهو ضابط سابق في وكالات الاستخبارات الأمريكية يتميز بإتقانه للغة العربية وسبق له أن أشرف ما بين سنتي 2002 و 2005على مكتب الوكالة في كل من بغداد وعمان.
ويساعده في إطار مهمة استرجاع الأموال الليبية، هيك ملكستيان، رئيس شركة تأمين خاصة تتعامل مع مكتب التحقيقات الفدرالي.
وفي خضم هذه المطاردة المسعورة للكنوز، تبدو مساعدة بعض السجناء في غاية الأهمية. فسيف الإسلام القذافي، خليفة والده، وعبد الله السنوسي، رئيس المخابرات السابق، والبغدادي المحمودي، الوزير الأول السابق، من مصلحتهم أن يتكلموا لأجل تخفيف معاناتهم وراء القضبان. يقول العقاري.
“إنهم يشكلون بطبيعة الحال مصادر معلومات حيوية.  فمن منهم دل قبل ستة أشهر على الأبناك وعلى أسماء الحسابات التي اختفى المال الليبي وراءها في جنوب إفريقيا؟
وإذا كانت ليبيا ترفض حتى الآن تسليم السجينين الأولين إلى المحكمة الدولية، فمعنى ذلك أنها تريد أن تستخرج منهم أقصى ما يمكن من معلومات.

قضية سياسية

في تونس، يعتبر استرجاع أموال عشيرة بن علي والطرابلسي ضرورة اقتصادية.
أما في ليبيا التي هي أكثر غنى وأقل نسمة، فإن استرجاع دولارات عشيرة القذافي ليس بالأمر الحيوي، لأن القضية هي أولا وقبل كل شيء،  قضية سياسية بامتياز.
إذ كلما عادت مبالغ إلى الوطن، إلا وتوخى من ورائها علي زيدان تسجيل نقط هامة لصالحه أمام الرأي العام.
كما أن النظام قد يجد شيئا من العزاء وهو يشعر بأنها أموال ناقصة من أرصدة الناجين من أتباع العقيد الراحل.
تقول البرلمانية الأوربية آنا كوميز:
“يتتبع النظام الليبي بكثير من القلق هروب أعضاء من النظام السابق، إدراكا منه بأن هؤلاء الأشخاص بمقدورهم تعبئة أرصدتهم للقيام بعمليات زعزعة النظام القائم.
فحنبعل يوجد في الجزائر، والساعدي في النيجر، ومحمد وعائشة في عمان.
إن أبناء “المرشد” الذين نجوا من الموت، لا يخفون نيتهم في الانتقام ولا يزال لديهم أصدقاء وإمكانيات.
يقول في هذا الخصوص دبلوماسي يقيم في الخليج:
“إذا ما قدم عندك أحد من الجماعة، فإنه يأتي على متن طائرة خاصة” وهنا يطرح السؤال:
هل يوجد هنالك أمين واحد للصندوق، يدير الأرصدة ويقوم بتوزيعها ؟
“الاحتمال بعيد جدا، لأنه لو تمركزت الأرصدة في جهة واحدة ووقع الاستيلاء عليها، تبخر الكنز وسقط الجميع في الخصاص.” يفسر إيريك فيرنيي
“العائلة في حاجة ماسة لتكثير وتنويع المسالك”
وهل هذا بالذات هو ما فعله البشير صالح؟  لا أحد يعرف.
كما أن الجماعة الهاربة يمكن لها أن تعول كذلك على بعض الموظفين السامين الذين عرفوا بالفساد في النظام السابق وبقوا في طرابلس.
” فهل سيستغل أحد هؤلاء للتعرف على بعض الحسابات؟  أشك كثيرا في ذلك.”
يقول المحامي الأمريكي:
“أعتقد أن الليبيين لن يسترجعوا شيئا ذا بال لأن القسط الأكبر من الكنز قد أفلت من بين أيديهم”.

بشير صالح الآمن المطمئن

هذه الصدفة جمعت مواطنا  ليبيا بالبشير صالح خازن ثروة القذافي  يوم 2 يونيو الأخير في ميكال أنجلو، أحد الفنادق الفاخرة في ساندتون قرب جوهانيزبورغ.
قال الليبي للبشير وهما يأخذان المصعد معا:
ـ أين وصلت مذكرة الاعتقال الدولية التي صدرت في حقك؟
ـ لا جديد حتى اليوم…
فمنذ أن أخرج من فرنسا بواسطة ساركوزي ثلاثة أيام قبل فشل هذا الأخير في الانتخابات، أي في يوم 3 ماي 2012 ، فإن البشير صالح يتجول آمنا مطمئنا في جنوب إفريقيا منتقلا من فندق فاخر لآخر.
بل أكثر من ذلك، فالرجل له حظوة في الأوساط الراقية، إذ في شهر يناير المنفرط، حضر احتفالات الذكرى المئوية  لإنشاء حزب المؤتمر الوطني الحاكم في مانكونك، وفي شهر مارس، تسلل إلى كواليس قمة بريكس في دوربان، ورغم احتجاجات نواب المعارضة في حزب الرابطة الديمقراطية على حكومة جاكوب زوما، فإن شيئا لم يتغير، مما يدل دلالة قاطعة على أن الرجل يتمتع بحماية من النظام.
فمنذ شهر مارس 2012 والحكومة الليبية تطالب بترحيله إلى الوطن لأجل متابعته بسبب تورطه في عمليات الغش، مما حذا بالشرطة الدولية أنتربول إلى استصدار أمر باعتقاله، لكن هذه المذكرة على ما يبدو غير كافية في نظر حكام بريتوريا الذين يطالبون بمذكرة رسمية من النظام الليبي الذي لم يفعل شيئا إلى اليوم.
فهل هم حقا على عجلة من أمرهم لاسترجاع الهارب؟ لا نعتقد.
فقد التقى البشير مرتين بمبعوثين من طرابلس جاؤوا يقتفون أثر كنوز القذافي.
المرجح هو أنه تفاوض على شيء مقابل تعاونه معهم.

عن «مجلة جون أفريك»