الوطن الذى كان ملئ العين ..

agfatmamouya5

الوطن الذى كان ملئ العين ..

فى نهاية الخمسينيات انتقلت أسرتى الى مدينة سبها عاصمة ولاية فزان، وفى مدرستها المركزية التقيت بزملائي القادمين من كل أنحاء الولاية الشاسعة المساحة،قليلة السكان، تعدادهم وقتها خمسين الف نسمة، والميزانية خمسين الف جنيه، اى لكل فرد جنيه واحد سنويا.

فى عام 1952 كان عدد المدارس الابتدائية للبنين 17 مدرسة ارتفع عددهاالى 54 مدرسة فى عام 1962، فتحت. اول مدرسة للبنات عام 1954 التحقت بها 45 طالبة ,ثم ارتفع عدد المدارس حتى بلغ فى عام 1962 ا 13 مدرسة التحق بفصولها 1115 طالبة (المصدر احصائية نظارة المعارف).

مدرسة سبها المركزية كانت تضم الى جانب فصولها الدراسية المتواضعة مبنى القسم الداخلى، مكان اقامة الطلبة القادمين من خارج سبها، فبالرغم من قلة الإمكانيات كانت تقدم للطلبة ثلاثة وجبات، اضافة الى وجبة صباحية تقدم للجميع ضمن المساعدات الامريكية، وتتمثل فى قطعة جبن وكوب حليب ساخن وقطعة خبز يابسة كنا نقوم بتكسيرها بواسطة حجر صوان صلب، يعجز فى كثير من الأحيان فينكسر قبل الخبز، اضافة الى حبة فيتامين لزيت كبد الحوت كنا فى الغالب نتقاذفها عوضا عن ابتلاعها.

القارة والقرضة والجديد هى احياء صغيرة تتكون منها سبها، لم تكن ترتفع الى مستوى قرية ولكن اطلق عليها مجازاً اسم مدن. صحراء قاسية شديدة الحرارة صيفا، فى الشتاء الجاف تتحول بشرة ساكنيها الى أشبه شئ بثمرة التين اليابسة اذ كانت تنزف جلودنا دما من شدة الجفاف. فى ساحة المدرسة كان يجمعنا الصباح على تحية العلم فتنطلق حناجرنا ”يا بلادى انت ميراث الجدود، لا رعا الله يدا تمتد لك”، فى مدرسة سبها المركزية تعلمنا التلاحم الجغرافي للوطن، فى الاستراحة كنا نتبادل المعلومات عن اوبارى ومرزق وغات وغدامس، سمنو وبنتبيه وونزريك، براك والقطرون وتراغن، زويلة وجرمة وعسه الخ من اسماء الأماكن التى انحدروا منها.

نحو الشمال
————-
على ظهر سيارة شحن للبضائع (ترنتا كواترو) تم إرسالنا الى مدينة طرابلس للالتحاق بمعهد المعلمين، كناحوالى خمسة وعشرين طالبا، استغرقت الرحلة أسبوعا كاملا، عبر طريق غير ممهد، سرعة السيارة لا تتعدى العشرين كم فى الساعة، فى القرى التى مررنا بها وبالرغم من الفقر المدقع كان يستقبلنا أهلها بالترحاب والتمر والماء وخبز التنور، وعندما وصلنا الطريق الساحلي استقبلتنا روائح البحر الرطبة وزخات المطر وهلل الكثيرون انبهارا عندما شاهدوا البحر لأول مرة.

فى معهد المعلمين اتسعت دائرة المعارف لجغرافيا الوطن، فعدد الطلاب يتعدى الألف طالب يستوطن غالبيتهم القسم الداخلى الذى يضم الطلبة القادمين من كل أنحاء ولاية طرابلس بالاضافة لمجموعتنا ألذى اطلق عليها بعثة ولاية فزان، هذا العدد الكبير كان يدار بالية حازمة وصارمة كان المدير المربى الكبير الاستاذ محمد الفيتورى، كان النوم فى أربعة عنابر كانت من مخلفات الجيش البريطاني يضم كل عنبر اكثر من 100 سرير متعدد الطوابق لسعة 200 طالب. فى المطعم كانت الوجبات ساخنة فى مواقيت محددة. كان طلبة القسم الداخلى يذهبون الى مدنهم وقراهم فى عطلة نهاية الأسبوع ونبقى نحن الفزازنة، بانتهاء العطلة يعود زملائنا محملين بالزميطه والبسيسة ليتقاسموها معنا مصحوبة بدعوات أمهاتهم لنا.

الخيمة التى جمعت وطن
—————————-
صدق القائل: لقد نجح كشاف ليبيا فى جمع وطن كامل تحت سقف خيمة، فى سوانى بن يادم كان معسكر كشاف ليبيا ويقال ان الغابة كانت ملكا لمستعمر إيطالي تكرم بالسماح للكشاف بإقامة معسكراته الصيفية على ارضها، فى السواني التقينا فرقا كشفية قادمة من الولايات الثلاثة طرابلس وبرقة وفزان، ورغم اختلاف الشعار المرسوم على مناديل الرقبة ولكننا كنا ننطلق من معتقد كشاف ليبيا وتنطلق اهازيجنا (ذاك نور يتلألأ فى سماء ليبيانا).

فى سوانى بن يادم اتسعت رقعة جغرافيا الوطن لتشمل كل الوطن الذى ورثناه، البراقوة والفزازنة والطرابلسية والذى لا يحتمل الا تسمية واحدة لا شريك فيها وهى ليبيا. خرجنا الى الحياة العملية كل منا يمتلك ثروة من العلاقات رصيدها الحب والمودة والمشاركة فى مستقبل واحد ومصير واحد. ان أبناء جيلى عندما يذكر اسم قرية او مدينة أمامهم تتحول فى الذاكرة الى اسماء لاحبة واصدقاء وزملاء شركاء فى مستقبل واحد، اختزلت فيه مفاتيح بيوتنا فى مفتاح واحد.

يا الله.. ماذا جرى ؟!!
———————-
أيها السادة انا انتمى الى جيل كان الوطن فيه ملء الكف، كان لنا اسم واحد ونشيد واحد وعلم واحد، سالتكم بالله مالذي جرى؟ الوطن.. تمزق الى أشلاء، والعلم.. تعدد الى أعلام صفراء وسوداء وحمراء وخضراء، أبناء القرية الواحدة تحولوا الى ممالك وطوائف، استبيح دم الوطن بفتاوى الفكر المظلم، الوطن يحتضر ونحن امام شاشات التلفاز نتمتع بسادية غريبة وكأننا نشاهد احداث على ظهر كوكب اخر.

أستاذنا عبدالله القويرى فى كتاباته كانت له نبؤات، فى مسرحيته “الصوت والصدى” أعلن عن قرب قدوم العسكر للحكم. وجاء الانقلاب، كان يقول رحمه الله “هذا بلد يتم تحضيره وتجهيزه لشعوب اخرى غيرنا”.

انا لا اريد ان اخيفكم، ولكن ما يجرى الان هو توطئة ومقدمه لتحقيق النبؤة، وليرحمنا الله مما هو قادم.

المهدى كاجيجى

Advertisements