“ثورة جياع قادمة”

المفكر حسن حنفي: “ثورة جياع قادمة”

يرى المفكر المصري حسن حنفي أنّ من السابق لأوانه الحكم بفشل الربيع العربي الذي بات يتأرجح بين الاستبداد الديني واستبداد العسكر، مؤكدا أن ثورة ثالثة في الأفق، وهي ثورة الجياع. DW حاورت حنفي حول رؤيته لإصلاح الفكر الديني.

Hassan Hanfi Philosoph Marrakesch

في مراكش على هامش مشاركته في ملتقى فكري نظمته مؤسسة”مؤمنون بلا حدود” (مؤسسة للأبحاث والدراسات مقرها الرباط) حاورت DW المفكر الدكتور حسن حنفي، حيث جرى تكريمه باعتباره أحد رواد فكر التجديد في الدين الإسلامي من منظور معاصر، مستلهماً فكرة حركة الإصلاح الديني التي أطلقها مارتن لوثر في ألمانيا في بدايات القرن السادس عشر.

DW:هل يمكن تحقيق العلمانية في العالم العربي والإسلامي دون إصلاح ديني؟

الدكتور حسن حنفي:لا يمكن تحقيق ذلك، لأنّ العلمانية إذا سمعها الشعب رفضها منذ البداية، حتى دون أن يسأل ما تعني، فهي تعني الاتجاه للعالم، ألم يقل الرسول محمد “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”؟ ردا على سؤال طرح عليه بشأن تأبير النخل، كونه مسألة علمية زراعية. إن المفهوم السائد عن العلمانية كونها فصل للدين عن الدولة أو إلحاد أو تبعية للغرب، ( مفهوم) خطأ لأن اللفظ ليس له فقط معنى اصطلاحي.

Saeculum باللاتينية أو Secularism، لا تستطيع أن تأخذ معناها من القاموس، بل من المفهوم التداولي لهذا اللفظ عند الناس. كما ان البحث عن جذور العلمانية في الإصلاح الديني، موقف يرفضه السلفيون. فالإصلاح الديني منذ عهد جمال الدين الأفغاني، بمعنى الثورة ضد الاستعمار وتوحيد الأمة، للأسف لم يستمر طويلا نظرا لفشل العُرابيين، عبر (زعيمهم) أحمد عُرابي تلميذ الأفغاني، في مواجهة البريطانيين سنة 1882. وعندما قامت ثورة 1919 وقامت نهضة من جديد بزعامة سعد زغلول، وهو من تلاميذ الأفغاني، ثم قامت الثورة الكمالية (نسبة إلى كمال أتاتورك) في تركيا سنة 1923، خشي رشيد رضا (صاحب مدرسة المنار التي مزجت بين عقلانية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وبين المدرسة النصية المتمثلة في الوهابية ) أن تتكرر التجربة العلمانية في باقي أنحاء العالم الإسلامي بعد أن سقطت الخلافة، فارتد سلفيا ثم جاء حسن البنا تلميذ رشيد رضا، وبدأت العلمانية تأخذ معنى سلبيا نظرا لأن الحركة الإسلامية تعرضت للسجون إثر ثورات الاستقلال العربية.

Hassan Hanfi Philosoph Marrakesch

الدكتور حسن حنفي يحاوره منصف السليمي

الإصلاح الديني كسبيل

كيف يمكن إذن إعادة الأمور إلى نصابها بعد كل ما حدث؟

الأفضل هو إقالة الحركة الإصلاحية من عثرتها والرجوع بها إلى جذورها عند الأفغاني، وإنهاء ردود الأفعال على الثورة الكمالية في تركيا وعلى الثورات العربية الأخيرة، والبدء من جديد بطرح سؤال بسيط، ما هي التحديات الرئيسية المطروحة أمام الأمة وما هي أدواتك لمواجهتها؟. وهي برأيي سبعة تحديات رئيسية، تحرير الأرض – فلسطين- باعتبار الأرض جزء من الإلوهية، تحرير المواطن، توحيد الأمة، العدالة الاجتماعية، التنمية، قضايا الهوية، الجماهير وكيفية حشدها بطرق سلمية من أجل قضايا الأمة…

تحت وطأة نزعات التطرف والعنف التي تأخذ صبغة إسلامية، ترتفع الأصوات الداعية إلى تحييد الدين بشكل تام عن شؤون الدولة المدنية، لكنهم يصطدمون بالمؤسسة الدينية التقليدية وكذلك بنفوذ الحركات الإسلامية في الشارع، فما العمل، وهل هنالك مدخل لمعالجة هذه الإشكالية من داخل المجال الديني؟

هذا تصحيح خطأ بخطأ. إن ربط الدين بالإرهاب، باعتباره مظهرا لتداخل بين الدين بالسياسة، هو تصوير خاطئ للمسألة، كما أن محاولة الفصل بينهما، أو جعل الدولة ذات اليد الطولى في أمور الدين، هو خطأ آخر.لا يوجد مفهوم للإرهاب هكذا، فالدولة تمارس الإرهاب عندما تضع مواطنيها في السجون، حاليا هنالك زهاء 24 ألفا في سجون مصر. وقد كانت السجون باستمرار مليئة بالخصوم السياسيين.

إن ما يُسبب الإرهاب هو إحساس المواطن المسجون بأنه عُذب ظلما. انظر إلى حياة سيد قطب الذي كان شاعرا وناقدا أدبيا من أنصار الحداثة وأنصار العقاد، وهو من أوائل من كتبوا عن نجيب محفوظ، وعندما أتت الثورة المصرية في 1952 استدعاه جمال عبد الناصر ليكون رئيسا للتحرير وسمح له بالأحاديث في الإذاعة المصرية، وكتب “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و” معركة الإسلام والرأسمالية” و”السلام العالمي والإسلام”، ولكنه في نهاية المطاف وبعد تعرضه للتعذيب كتب “معالم في الطريق” الذي كفّر فيه المجتمع، وللأسف نسي الناس أعمال سيد قطب الأولى ولم يقرأوا إلا كتابه الأخير”معالم في الطريق”.

Hassan Hanfi Philosoph Marrakesch

مؤسسة مؤمنون بلا حدود تكرم المفكر حسن حنفي

إن ما يصطلح عليه بالإرهاب هو رد فعل على فعل وليس فعلا (من صفر)، وبالتالي فان بناء المجتمع الديمقراطي والمدني الذي يؤمن بالرأي والرأي الآخر، هو السبيل للتخلي عن الإرهاب. أما الفصل بين الدين والدولة، فهذا هو النموذج الغربي، الذي أخذوا به بعد فشل محاولات فكرية كثيرة في إصلاح الكنيسة، إلى أن جاء المصلح مارتن لوثر ودعا إلى حرية المسيحي في مواجهة سلطة الكنيسة، كسبيل لإصلاح الفكر المسيحي…

لا توجد سلطة دينية في الإسلام

ولماذا لا يحدث إصلاح في الإسلام على غرار إصلاح لوثر في المسيحية أو سبينوزا في اليهودية؟

لأنه لا توجد سلطة في الإسلام، ولا توجد كنيسة في الإسلام، فلا الأزهر ولا مشيخة العلماء ولا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لا سلطة دينية لهم. فالسلطة الوحيدة هي سلطة العلم، والعلم فردي لأن العلم في رأس العالِم، ولذلك لا توجد أي هيئة دينية لها السلطة، وحتى المذاهب الأربعة فهي متعددة. ولذلك لا توجد ثورة، كما حدث عند مارتن لوثر ضد الكنيسة في المسيحية أوعند سبينوزا ضد الكنيس في اليهودية، لأن هنالك سلطة دينية في المسيحية واليهودية، أما الإسلام فلا سلطة فيه.

والسلطة التي نشأت هي سلطة سياسية منذ عهد الأمويين، واستمرت المؤسسة الدينية عبر التاريخ الإسلامي كجزء من الحكم، حتى الآن، حيث تُعين الدولة شيخَ الأزهر، كما تُعين شيخَ الطرق الصوفية.. ولم يصدر شيخ الأزهر قرارا مخالفا للسلطة. فأثناء الجمهورية الأولى، بعد حرب 1967 وإثر مؤتمر القمة العربية في الخرطوم الذي صدرت عنه اللاءات الثلاث: لا صلح، ولا مفاوضات، ولا اعتراف بإسرائيل، أصدر الأزهر بيانا وفتوى بأنه لا يجوز الصلح ولا المفاوضات ولا الاعتراف بإسرائيل. وعندما ذهب رئيس الجمهورية الثانية (أنور السادات) إلى تل أبيب وأبرم اتفاقيات كامب ديفيد سنة 1978 ثم معاهدة السلام سنة 1979، أصدرت نفس مجموعة المشايخ من نفس المؤسسة (الأزهر) بيانا وفتوى تقول”وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”. فمن تصدق؟ إذن ، العالِم هو فقيه السلطان.

Marokko Marrakesch Konferenz Mai 2014

الدكتور حسن حنفي خلال مشاركته في مؤتمر بمراكش حول تجديد الفكر الديني

من خلال قراءتك لمسار سيد قطب، هل تتوقع أن يقود وضع آلاف الإخوان المسلمين في السجون إلى تفريخ جماعات متطرفة وعنيفة جديدة، على غرار ما حدث قبل ثلاثة عقود، أم أن الأزمة الحالية التي تواجه الإخوان ستدفعهم إلى مراجعات وتغيير عميق ليتجهوا إلى تدشين تجربة سياسية مختلفة على غرار حزب العدالة والتنمية في تركيا مثلا؟

هنالك محاولات لإقامة بدائل إسلامية لهذه الجماعة الكبرى، وتمت مراجعات في السجون وصدرت عنها 8 كتيبات صغيرة، لكن كان الأمن وراءها، حيث استُدعى جزء من هذه القيادات إلى المؤسسة السياسية للدولة، وهنالك الآن مجموعة من الشباب يرفضون العنف ويحاولون تأسيس حزب من قبيل حزب العدالة والتنمية، ولكنهم يحاورون الدولة والمؤسسة السياسية الرسمية.

ولكن حتى الآن، لم يوجد تيار إسلامي قوي، يعطي البديل للتيار الإسلامي القائم لأن الظروف لم تُهيأ لنشأة مثل هذا التيار، وأصبح بالتالي الآن التيار الغالب، هو تيار خريجي السجون الذي يصعب نفسيا أن تطلب منه أن يكون سياسيا حاضنا ومحاورا لباقي التيارات.

ثورة ثالثة في الأفق

هنالك قراءات كثيرة في العالم العربي وفي الغرب أيضا، تقول إن الربيع العربي انتهى، هل هذا سابق لأوانه وأن المرحلة الانتقالية قد تطول، أم أننا بصدد مرحلة جديدة يقودها منطق سيطرة الدولة في مواجهة تيارات العنف؟

مختارات

 

دعوات فكرية لـ”تجديد الدين” لمواجهة الإسلام السياسي

الغنوشي لـ DW: النظام القديم لم يمت في تونس ومصر بحاجة لتوافق

محمد أركون: إحياء التنوير العربي ضروري للخروج من محنة الحاضر

لا تهمني كثيرا أحكام الغرب على شأن الربيع العربي، ولكن يهمني مصير الربيع العربي في الداخل، وحكم العرب على أنفسهم، ففي الغرب، يغيرون أحكامهم ومواقفهم طبقا لمصالحهم.

لكن يهمني أن أبيّن أنه طالما أن الربيع العربي سيظل يتأرجح بين الاستبداد العسكري والاستبداد الديني، فستضيع مبادئ ثورة 25 يناير الأربعة وهي الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

وفي ظل وضع ترتفع فيه الأسعار بطريقة رهيبة والغلاء يزداد والرواتب تتجمد، والتفاوت بين الأغنياء والفقراء يشتد، فان ثورة الجياع قادمة، فهؤلاء الذين قاموا تلقائيا بشرعية ميدان التحرير في 25 يناير 2011 وسئموا من كلام السياسيين والعسكريين، سيقومون يوما لاسترداد حقهم بأيديهم. المهم أن لا نكرر التجربة ويقع تيار واحد من جديد فوق السلطة، فوق الثورة الثالثة، فوق ثورة الجياع ويستبد من جديد باسم الأمن والاستقرار في الدولة أو باسم الحاكمية لله. أعتقد أن الناس تعلموا وهم شعوريا ينتظرون بارقة أمل جديدة.

* تعرض حنفي بداية ثمانينيات القرن الماضي إلى حملات تكفير من قبل جماعات أصولية، كما تعرضت مؤلفاته الفكرية في سنة حكم جماعة الإخوان المسلمين 2012 إلى محاولات مصادرة، إضافة إلى اتهامه بالتكفير من قبل مجمع بحوث تابع للأزهر، قبل أن يتم التراجع عنها بحكم قضائي.

أجرى الحوار في مراكش منصف السليمي

Advertisements