الثورة صراع بين الظلم و العدل و بين الحرية و العبودية و التجربة التونسية في خطر

أحمد مختار الشنقيطي للشاهد: الثورة صراع بين الظلم و العدل و بين الحرية و العبودية و التجربة التونسية في خطر

الشاهد_يُجمع كلّ الملاحظين أن الربيع العربي يشهد انتكاسة في أكثر من بلد لأسباب عدة، منها ما هو مشترك، ومنها ما يختلف من دولة إلى أخرى، و من ثورة إلى أخرى.

و يُجمع أغلب المتابعين للثورات أن التجربة التونسيّة مازالت تمثل أمل الربيع العربي في إرساء ديمقراطيّة حقيقيّة، رغم كثرة المطبات والصعوبات التي تعترضها.

غير أنّ بعض الرموز المعروفة في الساحة العربية لا تُخفي تشاؤمها من عودة المنظومة القديمة في تونس، وتتقاطع في ذلك مع جزء من الرأي العام الداخلي.

ومن هؤلاء الأستاذ محمد المختار الشنقيطي الذي يحبذ صفة الإسلامي بأفق إنساني. الشاهد حاورت الشنقيطي حول رؤيته للديمقراطية، وتجربة الثورات العربيّة، ومآلات الأمور في تونس بعد الانتخابات الأخيرة،

فكان الحوار الآتي:

من خلال اهتمامك الواضح في تغريداتك الأخيرة بالشأن التونسي، هل تعتبر ما حصل في

الانتخابات الأخيرة انتصارا للعلمانية على الإسلام أم انتصارا للثورة المضادة؟

ما حدث ليس انتصارا للعلمانية على الإسلام، ولن تنتصر العلمانية على الإسلام مادامت الشعوب ترضى بالإسلام منهج حياة. ولكني أعتبر ما حدث في تونس انتصارا للثورة المضادة، وانتكاسة للثورة التونسية للأسف.

فقد استطاعت قوى الثورة المضادة أن تعود بوجه شرعي إلى تونس. وعموما هناك نظرتان لما حدث في تونس،فبعض المحللين يميلون إلى اعتبار ما حدث انتصارا للديمقراطية، وخسارة للنهضة. وبعضهم يعتبرون ما حدث انتكاسة للثورة التونسية على يد الثورة المضادة.

وأنا أميل إلى هذا التحليل الأخير، لأنّ الأنظمة التي تسقط بالثورات كثيرا ما تتسلل في الفراغ والفوضى المصاحبة لكل الثورات، وتعيد إنتاج نفسها بشكل جديد لمصادرة ثمرات الثورات. وقد تضطر أي ثورة إلى التعامل مع فلول النظام القديم وإدماجها في الحياة السياسية الجديدة.

لكن ذلك لا ينجح -دون مخاطرة بالثورة- إلا بشرطين، أحدهما أو كليهما: أن تكون قوى الثورة أقوى من قوى النظام القديم، أو أن تكون قوى النظام القديم قد تابت توبة نصوحا من ماضيها، لا أن تكون مجاهرة ومفاخرة بماضيها في قمع الشعوب. وقد عبّر وزير الثقافة التونسي السابق د. مهدي المبروك عن ذلك بشكل دقيق في مقال نشره  مؤخرا بصحيفة (العربي الجديد).

و هل حدث هذا في تونس؟

لا، هذا ليس هو ما حدث في تونس. فأنا أرى أن ما حدث في تونس هو أن الثورة المضادة قد عادت للحكم بقوة، وبوجه شرعي أيضا.

ولو كان الوضع في تونس منعزلا عما يحدث في المنطقة لما كان هذا خطرا كبيرا، ويمكن لأي ثورة أن تنتكس مؤقتا ثم تقوم من كبوتها بعد ذلك.

ولو أن حزبا علمانيا من قوى الثورة انتصر على حركة النهضة  في الانتخابات لما كان ثمة من خوف على الثورة.. فالمشكلة ليست في أن النهضة لم تفز بالأغلبية، بل المشكلة أن الحزب الذي فاز بالأغلبية لم يكن من أحزاب الثور، بل هو امتداد للنظام القديم.

كما أن الوضع في تونس ليس منعزلا عما يحصل في المنطقة كلها من ردة سياسية عن الربيع العربي بغطاء سياسي دولي، وغطاء مالي إقليمي. ولو لم يكن الأمر كذلك لما كان من قلق على الثورة التونسية.

فما حدث في تونس مقلق لأنه جزء من زحف الثورة المضادة على المنطقة كلّها. فقد ظهرت الثورة المضادة في كل دول الربيع العربي، وهي ظاهرة حربائية تتلون في كل بلد بلون، فهي في اليمن قبلية، وفي سوريا طائفية، وفي مصر فرعونية، وفي تونس ليبرالية!! لكنها هي بذاتها في كل مكان، وداعمها الإقليمي والدولي هو بذاته.

هل ترى أن تونس تسير على مسار صحيح نحو إرساء الديمقراطية؟

الديمقراطية التونسية ما بعد الثورة دقيقة ونزيهة من الناحية الإجرائية، لكنها ينقصها الأساس الأخلاقي والسياسي الصلب الذي يضمن استمرارها، وأول بنوده التحصين ضد من مارسوا تزوير إرادة الشعب في الماضي.

الخطأ ليس في الإنتخابات التونسية الأخيرة، بل فيما قبلها، وهو عدم وجود التحصينات السياسية والقانونية.

هل صحيح أن الثورة تجبُّ ما قبلها؟

لا، الإسلام هو الذي يجبُّ ما قبله، أما الثورة فهي لا تجبُّ ما قبلها. فالثورة ليست صراعا بين أكثرية وأقلية، بل هي صراع بين الظلم والعدل، بين الحرية والعبودية. والثورات تقوم بها دائما أقليات ضد الدكتاتورية، وغاية الثورات هي تحرير إرادة الناس، وبناء نظام أخلاقي جديد للحكم، أساسه العدل للجميع والحرية للجميع.

والخطر على الثورة يأتي ممن لا يؤمن بحق الجميع في الحرية أو في العدل.

فالخلل في التجربة التونسية –في رأيي- هو عدم تحصين الثورة ضد من لا يؤمن بحق الجميع في العدل والحرية، وقد برهن بتاريخه وسلوكه السياسي على ذلك من قبل.

أما من لا سوابق له فالأصل فيه براءة الذمة، وله كل الحقوق المدنية والسياسية.

ما هو السبب الرئيسي لعودة رموز النظام القديم في تونس مثلا؟

هناك عوامل عديدة فيما يبدو، ومنها –في رأيي- أن الأحزاب التي قادت المرحلة الانتقالية لم تحسن إدارة الدولة، ولم تهتم بما يكفي بقضايا الحياة اليومية، وهذا أمر لاحظه بعض من زاروا تونس في العامين الماضيين، ولاحظوه حتى بتأمل بسيط في الشوارع والحدائق العامة.

لكن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه حكام المرحلة الانتقالية من قادة أحزاب الثورة هو عدم تحصين الثورة كما ذكرت.

ليس مطلوبا طبعا أن تؤسس قوى الثورة لحزب شمولي يحكم بالصوت الواحد –كما فعل البلاشفة مثلا-  لكن معايير الحق والعدل، ومصلحة الثورة ومستقبلها، كلها أمور تقتضي عدم السماح لمن أفسدوا الحياة السياسية في الماضي وظاهروا حكام الجور السابقين، أن يكونوا جزء من المشهد الجديد.. وليس في إقصاء هؤلاء أي ظلم، بل هو أقل ما يستحقونه، جزاء على الأفاعيل التي ارتكبوها ضد وطنهم وبني وطنهم.

وهذا أمر ليس خاصا بتونس، بل وقع في دول أخرى تراخ مع الفلول أكثر مما وقع في تونس، ففي اليمن مثلا تجد السفاح الذي قاد البلاد ودمرها ثلاثين عاما، وسفك دم الثوار في جمعة الكرامة وغيرها -وهو علي عبد الله صالح- يقود حزبا سياسيا، ويستمر في تخريب مستقبل اليمن.

ألا ترى أن قوى الثورة بنت أسس الدولة على أرضية القديم وهذا خطأ؟

أعتقد أن القوى الثورية التي حكمت تونس في الفترة السابقة اتسمت بمثالية مفرطة، وكانت تحتاج إلى أن تكون أكثر واقعية وحذرا وحيطة. فلا ينبغي لأي ثورة أن تحسن الظن بقوى النظام القديم حتى يترسخ الأساس الأخلاقي للثورة، ويصلب عود الديمقراطية الناشئة .

المشكلة لا تكمن في فوز حزب نداء تونس، بل في أن هذا الحزب يمكن أن يخرج على مبادئ الثورة بدعم إقليمي ودولي، ويمكنه أن يهدم الأساس الأخلاقي الجديد للسلطة. طبعا قد أكون أنا متشائما أكثر من اللازم، وأتمنى أن أكون مخطئا في توقعاتي حول مستقبل الثورة التونسية، ولكن إذا ربطنا الوضع التونسي بما يدور في المنطقة فلربما يكون للتشاؤم ما يبرره.

ماهي الأرضية المشتركة بين القوى الإسلامية والعلمانية التي يمكن البناء عليها للتعامل والتأسيس المشترك؟

هي مبدأ “الحرية للجميع والعدل للجميع”. أنا أؤمن أنه يمكن بناء حلف عريض بين الإسلاميين الديمقراطيين والعلمانيين الديمقراطيين.

أما من شاركوا في إفساد الحياة السياسية من قبل، فتجب عقوبتهم سياسيا بحرمانهم من العمل السياسي ومن المناصب العامة، إن لم تمكن محاكمتهم جنائيا على ما اقترفوه. ولست أقصد رجال الإدارة الفنية والبيروقراطية الحيادية، بل أقصد صنَّاع القرار السياسي، ومنفذيه ومسوغيه ومسوقيه.

إن الصراع الأهم اليوم ليس بين الإسلام والعلمانية، بل بين الإستبداد والحرية، بين معسكر الحرية بإسلامييه وعلمانييه ومعسكر الاستبداد بإسلامييه وعلمانييه. ونحن في مسيسي الحاجة اليوم إلى معسكر من المؤمنين بالحرية والعدل يتجاوز الخطوط التقليدية بين الإسلاميين والعلمانيين.

فالمسألة ليست أيديولوجية، بل هي مسألة أخلاقية في جوهرها.، ولن تنجح الثورات دون وجود هذا الحلف الأخلاقي العريض.

وحيثما وُجد سيكون أكبر ضمان لنجاح الثورات.

هل يمكن أن نقول أن خطأ قوى الثورة يكمن في تشتتها وعدم وحدتها تحت سقف الحرية؟ لا شك أن من أخطاء معسكر الثورة تشتته وعدم تعاضده. ولو توحد معسكر الثورة لما تجرأت الثورة المضادة على الرجوع بهذه القوة، سواء في مصر أو في تونس أو في غيرهما. فالثوار دائما ما تجمع بينهم المبادئ وتفرّق بينهم البرامج.

وفي مرحلة منازلة المستبد ووضع الأساس الأخلاقي الجديد لنظام الحكم يجب التركيز على المبادئ لا على البرامج. لأن من أخطر الأمور على الثورات التعجل إلى التنافس الحزبي بين قوى الثورة، وتنافسها على مغانم الحكم قبل أن تترسخ قيم الثورة وقاعدتها الأخلاقية.

أين يتجه الربيع العربي؟

على محبتي الكبيرة لأهل تونس، وإيماني بالحكمة السياسية الموجودة لدى قادة الحياة السياسية في البلاد، وأولهم أستاذي العزيز على قلبي الشيخ راشد الغنوشي، إلاّ أني لست متفائلا بالأوضاع في تونس الآن.

بل أرى –للمفارقة- أن الأمل الآن أكبر في ليبيا منه في تونس، والسبب أن الثوار الليبيين لم يضعوا السلاح.

فقد كُتب على شعوب المنطقة أن تدافع عن حرياتها بالقوة، والثوار الليبيون فهموا أن الثورة مغالبة لا مطالبة، فرفضوا أن يتخلوا عن سلاحهم، والثورة إذا لم تتخل عن سلاحها فيبقى ثمة أمل في أنها ستنتصر في نهاية المطاف، أما إذا تخلت عن سلاحها أو عن عناصر قوتها السياسية والقانونية فإنها تخضع لمزاج الثورة المضادة وللقوى الإقليمية والدولية، وهي قوى لا تريد الحرية للشعوب العربية.

تقدّم نفسك كإسلامي بأفق إنساني، فماذا تعني بذلك؟

أقصد أني أرى أن القيم الإسلامية تتناغم مع القيم الإنسانية، وهذا أمر غاب عن بال كثير من المسلمين اليوم. لقد أصبح هاجس الخصوصية مسيطرا على أذهان العديد من المسلمين حتى غدوا منعزلين عن بقية الإنسانية. فأنا أدعوا إلى أن يندمج المسلمون في المسار الإنساني من جديد، وإلى التركيز على ما يجمعنا مع بقية الإنسانية.

وأعتقد أن صديقي العزيز الرئيس التونسي د. منصف المرزوقي تحدث عن هذا في أحد كتبه التي أهداني إياها منذ أعوام حين التقينا أول مرة في الولايات المتحدة، حيث طالب العرب والمسلمين في الكتاب أن يتبنوا ما يوافق قيمهم من الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان –وهو الأكثر- وأن يسعوا إلى تطبيقه في واقع مجتمعاتهم، بدل الإنشغال بالجدل حول الجزئيات التي تخالف الفقه الإسلامي من تلك الإعلانات.

رسالتك إلى تونس؟

كل التحايا العطرة لشعب تونس الذي فتح ثغرة في الطريق المسدود، وأتمنى أن تظل هذه الثغرة مفتوحة لتعْبُر منها كل الشعوب العربية إلى شاطئ الكرامة والحرية. ووصيتي لأهل تونس: أنتم من فتحتم تلك النافذة على النور، فلا تفرِّطوا فيها..

– See more at: http://www.achahed.com/%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%86%D9%82%D9%8A%D8%B7%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-198586/%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%AE%D8%A7%D8%B5.html/#sthash.OPAPoCmo.dpuf

Advertisements