الثقافة الليبية: عام الحزن

     عام سيئ جداً، امتلأت فيه ليبيا بالدمار والنزوح والصراعات المسلحة والضحايا. لا نشاطات ثقافية، لا كتب تطبع، معظم الجرائد توقفت عن الصدور، بسبب التهديدات الأمنية، ووقوع المطابع في مناطق اشتباكات. هرب عدد كبير من المثقفين خارج البلاد، وقائمة طويلة من الاغتيالات والخطف طالت المثقفين.

المرأة، التي كانت تمثّل لنا كل جميل في ليبيا، طالتها يد الغدر، اغتيلت الناشطة السياسية فريحة البركاوي، عضو المؤتمر الوطني، في وضح النهار بوابل من الرصاص وهي واقفة في محطة وقود.

سلوى بوقعيقيص هي الأخرى قتلت في بيتها واختطف زوجها. وفي الشارع العام اغتيل مفتاح بوزيد، رئيس تحرير صحيفة “برنيق”، بينما هو متوقف للإشارة الضوئية. ومن قبله الشاعر عبد السلام المسماري، صاحب ديوان “مدن الخوف” ومقولة “لا بد من ليبيا وإن طال النضال”، إذ اغتيل عند خروجه من صلاة الجمعة. أمّا الكاتب فرج العشة، فقد اختطف من وسط مقهى في طرابلس لعدة أيام، وحين عاد صمت تماماً.

المثقفون الجادون انسحبوا من المشهد بعد خطف الثورة

ناشطون شباب وإعلاميون قُتلوا بدم بارد، لا لشيء سوى أنهم عبّروا عن رأيهم بحرية. كان هؤلاء الشباب يعوّلون على وزارة الثقافة في حل بعض مشاكل إنتاجهم، لكنها أكلت حقوق المثقفين والكتّاب، ووصل الأمر ببعض المثقفين إلى رفع الأمر للمحاكم. وماذا يفيد إذا كانت معظم هذه المحاكم معطّلة ولا تمتلك القوة لتنفيذ أي حكم، بسبب الفوضى.

وماذا يقال أيضاً عن 2014؟ مبدعون غادروا الدنيا من دون أن يلتفت لرحيلهم أحد. الوضع الحالي لا يسمح لك بالتأبين، وتسارع الأحداث الدامية يجبرك على الانتقال إلى حدث دامٍ جديد. دم يتراكم على دم، جبل أسود من الدم ارتفع فوق جثتنا.

    خلت الأربع سنوات الماضية من الإصدارات المهمة. حتى الكتّاب المعروفين كالكوني والفقيه وغيرهما، شبه متوقفين إبداعياً. يكتبون سيرهم الذاتية فقط. الرسامون تحولوا إلى مصوري فوتوغرافيا، بعضهم نزح عن بيته وترك مرسمه للدمار. ها هو التشكيلي محمود الحاسي، الذي ضاع ابنه في الحرب منذ أربع سنوات، وما زال مفقوداً، يبحث عنه كما يبحث عن لوحة حية سيرسمها، وقد هجر منزله الواقع في منطقة اشتباكات، وتشرد من بيت إلى آخر.

    المثقفون الجادون تركوا الساحة السياسية والثقافية، وقفوا مع الشباب الصغار الذين قاموا بالثورة في بدايتها، وبعد أن خُطفت الثورة انسحبوا إلى الوراء، وانتهز الفرصة بعض أشباه الشعراء والكتّاب ومناضلي “فيسبوك”، فتقلّدوا مناصب رفيعة في الدولة، حتى صارت المناصب في ليبيا الآن سُبّة وإهانة.

الأوساط الثقافية الشبابية الليبية تحتاج إلى مَن ينقذ البلاد، ولا أحد تقدم ليلعب هذا الدور الصعب. معظم الشباب المثقف يبحث عن الصادق النيهوم، الكاتب الذي كان قادراً على التأثير في الشعب، وكان يمكنه أن يؤثر في الأحداث بكلماته، كما فعل من قبل، حين كان قراؤه في بنغازي يقفون في طابور للحصول على جريدة يكتب فيها مقالة أسبوعية. لكن النيهوم مات، والذين قلّدوه عاجزين أن يكونوا مثله، وكتبه التي تباع إلى الآن وتُقرأ، عاجزة عن التأثير من دونه.

يقول أحد المبدعين الليبيين المعروفين، الذي يفضّل التصريح من دون أن ذكر اسمه: لا يمكن أن أعمل مع عصابات، وميليشيات، ومسخ لا يمكننا أن نسميه دولة، لا بد أن أحترم العِلم والإبداع الذي في رأسي فلا أسكبه في طبق قذر. المثل الليبي يقول: “إن وضعت نفسك في النخالة، يبربشك (يعبث بك) الدجاج”.

طرابلس – محمد الأصفر

28 ديسمبر 2014

Advertisements