في ذكرى شاعرنا الكبير خليفة التليسي

في ذكرى شاعرنا الكبير خليفة التليسي قصيدة بديعة، تذكرنا بكلاسيكيات الشعر العربي، لغة ووزنا وقافية ونظما وشاعرية، رحم الله أحد مبدعي ليبيا الكبار:-

قد كُنت احسبه يصون مواهبا ****فرأيته للنابغين محاربا
وطن رضعنا حبه فأثابنا**** عن حبنا ألما وهماً واصبا
سنظل نعشقه على عّلاته ****ونُضيُء فيه مجاهلاً وغياهبا
ونظل نبدعه قصيداً رائعاً ****يُغني جوانحه وفكراً ثاقبا
ونظل نحملها رسالة مؤمن ****يلقى الحياة مجاهدا ومحاربا
أبداً نذود الضيم عن جنباته ****ونرد صرح الحاقدين خرائبا
نعطي ونعطي لا نبالي نالنا ****عنت يرد المكرمات مثالبا
لا يملك الدوح العظيم ظلاله ****قدر المواهب أن تفيض مشاربا
إن يتلف الإنفاق ذخراً مقتنى ****فالفكر يمنحه العطاء مكاسبا
عبثا نعيش حياتنا إن لم تكن ****أيامها ضرماً وجمراً لاهبا
تتقلب الأرواح في وقداته**** فيزيدها وهجاً ووحياً واهبا
حيّا الحيا تلك الربوع وان غدت ****سوقا تنيل الطارئين رغائبا
ما كان أسعدنا بها إذ أهلها**** يستمطرون من السماء سحائبا
كنا على شح السماء مروءة ****وشهامة تكسو الوجود مناقبا
وأخوة في الضيق يسند بعضها ****بعضا فتزداد الهضاب مناكبا
فإذا تعالت صرخة سرنا لها**** سيلاً يهد معاقلاً وكتائبا
وإذا تزاحمت الخطوب رأيتنا**** كفا موحدة وسيفا ضاربا
كنا الأخوة والفتوة والندى ****والمؤثرين على البعيد قرائبا
واليوم يسألنا (القريب) هوية ****ويلاه يحسبنا القريب أجانبا
خمسون من عمر الزمان**** وهبتها للفكر ارفع كل يوم جانبا
متحديا قهر الظروف وناحتاً**** في الصخر في الصخر الأصم مساربا
وتصدني عند الحدود حراسة**** جعلوا لها هدر الكرامة واجبا
ذخرت بشاعتها وجفوة طبعها ****للأقربين وشائجاً ومناسبا
ويقلبون هويتي لكأنها**** حملت لهم تحت السطور عقاربا
ما كاد يرمقها ويبصر لونها ****حتى انزوى عني وقطب حاجبا
ويمر قدامي الغريب كأنه**** رب الديار منازلا ومضاربا
والدار تعرف أهلها وعشيرها ****إما تضرمت الدماء لواهبا
ويفتشون ملابساً ودفاتراً**** ويقلبون محافظا وحقائبا
قل فتشوا قلبي ففي أعماقه**** حب يعم أباعدا واقاربا
أو فتشوا فكري ففي ومضاته**** نور يضئ مع المروج سباسبا
أو فتشوا نبض العروق ****فإنها هتفت بكم همما وجيلا واثبا
ويجيئ يسألني الذين وهبتهم ****نور العيون مقاصداً ومأربا
فلمن إذن تلك السنون تضرمت**** ولمن أقوم الليل شبحا راهبا
ولمن أعانقها وارفع صوتها**** بين المحافل شاعراً أو كاتباً
ولمن أفاخر بالقديم أصالة ****وعلام احتضن الجديد مواهبا
وعلام ارفعها بأعلى قمة**** وأرى عطاء النفس فرضاً واجبا
وأضيء في حلك الدياجر شمعة ****تمحو الظلام مشارقاً ومغاربا
وأعانق الأطفال فيه براءة ****وأخاطب الشبان عزماً غاضبا
لو أنصفوا التاريخ كنا أنجماً**** تتألق الدنيا بهن جوانبا
أوهكذا تغدو الأصول غريبة ****في أرضها وتصير كماً سالبا
لا ينكر الشجر العريق جذوره**** كلا ولا النجم الوليد كواكبا
وبقدر أعماق الجذور وغوصها**** في الأرض ترتفع الفروع مراتبا
خليفة التليسي

Advertisements