مظاهرة باريس.. الضربة الناعمة

الخميس — 22 يناير 2015 

 

 

إذا ضُرب الكبير، فلا بد أن يرد.. والرد لا بد أن يكون بحجم الضربة أو أقوى، وقد يرد بأكثر من فعل واحد.. تلك هي القاعدة في لعبة القوة.
لم يكتف جورج بوش الابن بضرب أفغانستان ردا على هجمات سبتمبر (أيلول). كانت أفغانستان وجبة أصغر من حجم العدوان الذي ضرب أميركا. العراق هو الهدف الذي يروي الغليل، والمبررات من المقبلات التي يسهل إعدادها.
قتل إرهابيان صحافيين فرنسيين في قلب باريس نهارا، ومعهما رجل شرطة، وقتل آخر 4 مواطنين آخرين. لا بد للكبير أن يرد بقوة. قُتل القاتلون، لكن المطلوب وجبة أكبر. دعا الرئيس هولاند إلى الوحدة الوطنية، فالقتلة مسلمون، ومن بين القتلى مسلمان و4 من اليهود، والجميع فرنسيون. وترجم صيغة الوحدة التي نشدها بالدعوة إلى مظاهرة وطنية حاشدة تدين مذبحة صحيفة «شارلي إيبدو» والمتجر اليهودي، وتعلن رفض المساس بالنسيج الوطني الفرنسي المتنوع دينيا وعرقيا.
وبحساب سياسي تتقنه الآلة الحزبية، نجح هولاند في تعبئة فرنسا الاجتماعية والسياسية والإعلامية إلى جانبه، ونجح في إنزال قوته وراء الخطوط، خارج فرنسا، وغدت المظاهرة التي دعا إليها على مستوى فرنسا معركة الضمير والفعل السياسي الدولي. تقاطر العشرات من زعماء الدنيا على باريس تعبيرا عن إدانتهم للمذبحة التي تعرض لها الصحافيون والمواطنون الفرنسيون السبعة عشر، وتضامنا مع الشعب الفرنسي وحكومته. رافقت ذلك كله حملة إعلامية وشعبية عالمية تقف إلى جانب فرنسا. بدا الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في الداخل الفرنسي وفي الخارج – جنرالا – سياسيا يقود معركة واسعة على الإرهاب، ويدافع عن الوحدة الوطنية الفرنسية وأمن فرنسا في معركة يساندها الجميع.
تحلق خصومه من حوله.. سارع غريمه السياسي الرئيس السابق نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.. سار وراءه في مظاهرة يوم الأحد العالمية.. أبعد ماري لوبان زعيمة اليمين المتطرف عن المشهد المحلي العالمي بأسلوب لا يأتيه النقد السياسي والإعلامي من القوى المضادة له. قرر وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي الذين تنادوا إلى باريس مراجعة إجراءات حركة مواطنيهم داخل فضاء شينغن، وأعلنت الولايات المتحدة عن عقد اجتماع قمة دولي لمواجهة الإرهاب.
أسئلة كثيرة طرحها الفرنسيون حول التدخل العسكري خارج حدود بلادهم، وارتفعت أصوات من بعض الأحزاب في حملة تعبئة مضادة لذلك التدخل لاعتبارات انتخابية مقبلة.
نجح الرئيس الفرنسي هولاند في جعل مظاهرة ميدان الجمهورية موقعة سياسية يوجه فيها ضربة ناعمة، لكنها في غاية القوة والفعل السياسي على المستويين المحلي والدولي. خفتت الأصوات التي تحمِّل الحكومة مسؤولية التقصير الأمني، وتعالت الأصوات داخل فرنسا وخارجها تلهج بفرنسا التي تواجه العنف الدموي الذي يستهدف هويتها وخياراتها المبدئية.
السياسة هي إدارة إمكانات القوة بكل أدواتها. والكبار يضربون عندما توجه لهم الضربات، لكن الدهاء القيادي يكتب وصفة الرد.. الضربة الناعمة أيضا فعلها رهيب.

Advertisements