الحرب في ليبيا: على صفيحٍ من نار

الحرب في ليبيا: على صفيحٍ من نار

أحد مقاتلي “فجر ليبيا” يصوب سلاحه تجاه قوات موالية للحكومة اثناء اشتباكات بالقرب من قاعدة جوية Libya, on Jan. 5, 2015 – Xinhua/Hamza Turkia

اشتدت الحرب الأهلية الليبية في الفترة التي شهدت حواراً وطنياً بوساطة الأمم المتحدة في الفترة الواقعة بين سبتمبر 2014 ويناير 2015، حيث قُتل أكثر من ألف شخص، في حين قصفت العديد من المدن بالمدفعية الثقيلة أو تعرضت لضرباتٍ جوية، فضلاً عن الصراع المتواصل على حقول النفط واستمرار انهيار الاقتصاد. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت الخلافات مجدداً بين الأطراف المتنازعة بينما تواصل أطرافٌ خارجية التدخل في الشؤون الليبية.

وفي 29 سبتمبر 2014، استضافت مدينة غدامس الليبية غرب البلاد جولة للحوار الوطني، بمبادرة من الأمم المتحدة، ضمت  برلمانيين من مجلس النواب المنعقد بطبرق (HoR) الذي وجهت له انتقادات من قِبل قوات “فجر ليبيا” التي تتخذ من طرابلس مقراً لها. كما زار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون طرابلس في 10 أكتوبر، يرافقه وزير الشؤون الخارجية الإيطالي، إلا أنه رفض لقاء السلطات هناك، واكتفى بلقاء أعضاء مجلس النواب الليبي المقاطعين لجلساته المشاركين في الحوار الوطني.

كانت تلك أولى الجولات التي استمرت ليومٍ واحدٍ فقط، إلا أنّ العنف تضاعف منذ ذلك الوقت.

الصراعات

حدثت أعنف المعارك في مدينة بنغازي، ثاني أكبر المدن في ليبيا وعاصمتها الشرقية، التي سيطرت عليها قوات التنظيم الإسلامي “فجر ليبيا” في صيف عام 2014، لتُحتل تدريجياً من قِبل فصائل أكثر تطرفاً بما في ذلك “أنصار الشريعة” وأتباع تنظيم “الدولة الإسلامية”.

ومع ذلك، لم تتمكن قوات “فجر ليبيا”من السيطرة على المدينة بشكلٍ كامل، إذ بقيت جيوب للمقاومة فضلاً عن الإنقسام في صفوف قواتها. وفي أكتوبر، شن “أنصار الشريعة” هجمات انتحارية ضد قوات “كرامة ليبيا” المناهضة للإسلاميين، بهدف القضاء على جميع أشكال المعارضة مما أسفر عن مقتل العشرات من الجنود والمدنيين. في حين رد اللواء حفتر، قائد عمليات “كرامة ليبيا” بهجمات جوية متواصلة (ربما بدعم من مصر) قبل أن يعلن 15 أكتوبر باعتباره يوم “تحرير” بنغازي.

كما اعتمد اللواء حفتر أيضاً على البروبوغندا الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر الأخبار، مكثفاً هجماته ذلك اليوم. واعتمد في استراتيجيته على النموذج الأمريكي “للتدفق” الذي يتضمن زيادة القوات والاعتماد على الدعم المحلي. كما انضمت “مجموعات المواطنين”، معظمهم من الجنود السابقين أو  البروليتاريا الرثة إلى القتال وشرعت في حرب العصابات ضد “فجر ليبيا” في بنغازي. ومع نهاية أكتوبر 2014، باتت أجزاء كبيرة من المدينة تحت راية حفتر، إلا أنّ ذلك أسفر عن مقتل أكثر من 500 شخص.

كما تم التخطيط لشن هجوم مماثل في طرابلس، حيث هزت الغارات الجوية والاشتباكات المتقطعة المدينة في شهر ديسمبر المنصرم، إلا أنّ “تحرير” طرابلس لم يتم قط وذلك بسبب قوة حصون “كتائب مصراتة” في المدينة. كما أثبتت حكومة طرابلس (المناهضة لحكومة طبرق المعترف بها دولياً بقيادة رئيس الوزراء عبدالله الثني) مرونتها. بالإضافة إلى ذلك، حاول حفتر، دون جدوى، إطباق سيطرته على معبر راس جدير على الحدود التونسية. وبحلول نهاية شهر ديسمبر، بسط “فجر ليبيا” بقبضة من حديد سيطرته على طول الشريط الساحلي من طرابلس إلى تونس.

وصلت هجمات “فجر ليبيا” إلى طبرق،  حيث نتج عن إنفجار قنبلة بالقرب من مقر البرلمان إصابة ثلاثة نواب بجراح، بالإضافة إلى الهجوم على مطار الأبرق الذي يعدّ أحد قواعد سلاح الجو الرئيسية لقوات حفتر. وفي 24 أكتوبر، بدأ توازن القوى بالظهور عندما ضربت طائرة تابعة لـ”فجر ليبيا” الزنتان، المدينة الغربية المشاركة في عملية “كرامة ليبيا” ومقر فصيل “جيش العشائر”. وحتى ذلك الحين، كانت الضربات الجوية حكراً على حفتر وحلفائه.

بدأ الهجوم المضاد الحقيقي لـ”فجر ليبيا” في االرابع عشر من سبتمبر، عندما أطلق البرلمان في طرابلس (المؤتمر الوطني العام) عملية شروق الشمس ، التي تهدف إلى “حماية” ما يسمى الهلال النفطي شرق ليبيا، الذي يقع بين بنغازي وطرابلس (البريقة، ورأس لانوف، والسدرة). عملية شروق الشمس هي امتداد لعملية “فجر ليبيا”، وذلك باستخدام القوات البرية والبحرية والجوية. من جهة أخرى، تعرّض ميناء السدرة، أكبر ميناء لتصدير النفط في البلاد، للتدمير الجزئي فضلاً عن إحراق ملايين براميل النفط. كما تمت أيضاً محاصرة منشآت النفط في الجنوب، التي تقع ضمن سيطرة الزنتان، من قبل “فجر ليبيا”.

ردّ حفتر بضرب مدينة مصراتة لأول مرة، هذا ويُنظر إلى مصراته باعتبارها العاصمة الاقتصادية “لفجر ليبيا” إلى جانب تزويدها طرابلس بالقوات.

من جانب آخر، ظهرت صراعات أخرى، عرقية وسياسية واقتصادية، في جنوب ليبيا (سبها، أوباري) وغربها (كيكلا)، إذ أنهم متورطون بشكل غير منضبط بالصراع الشمالي بين “فجر ليبيا” وعملية “الكرامة”، وباتوا يعيثون فساداً في العديد من المناطق مما أسفر عن سقوط مئات القتلى.

وهناك حوالي 300,000 نازح في ليبيا، ونحو مليوني شخص فروا خارج البلاد (من أصل عدد سكان البلاد البالغ ستة ملايين)، كما قُتل عدة آلاف، وتم تدمير 80% من المطارات في ليبيا عام 2014، كما يواجه الصحفيون خطر التعرض للاغتيال والاختطاف، وبالتالي سيكون عام 2015 عاماً صعباً آخر.

السياسة

لم تكن الأمور، على الصعيد السياسي، أكثر إشراقاً، حيث تشاجر أعضاء من مجلس النواب المنعقد بطبرق، الذي انتخب في يونيو 2014، والحزب الذي يشكّل غالبية المقاعد- حزب التحالف الوطني بقيادة رئيس الوزراء السابق محمد جبريل، مع رئيس الوزراء عبدالله الثني. كما برزت خلافات أيضاً بين جبريل (أي البرلمان) واللواء حفتر، وبين الأخير وحكومة الثني. وبحلول أكتوبر، أعلن حفتر عن نيته الاستقالة من قيادة “عملية الكرامة”.

ولكن سرعان ما أعلن البرلمان بأنّ حفتر وميليشياته جزء لا يتجزأ من قواته، إذ لم يعدّ هو وضباطه “منشقين” أو جنود “متقاعدين” بل بات اليوم الجيش الرسمي للحكومة الليبية المعترف بها دولياً. هذا والتقى المتحدث باسم البرلمان عقيلة صالح عيسى مع اللواء حفتر في 25 أكتوبر في البيداء، حيث ينعقد البرلمان بانتظام.

بدأت حكومة طرابلس دفع رواتب الموظفين وادارة شؤون الدولة. كما أدان رئيس الحكومة في طرابلس، الحاسي، دعوة المتحدث باسم البرلمان في طبرق صلاح عيسى التدخل الأجنبي في البلاد. وفي نوفمبر، ألغت المحكمة الدستورية نتائج انتخابات يونيو وتم حل البرلمان. هذا وكان يُنظر إلى المحكمة باعتبارها واحدة من آخر المؤسسات المحايدة في البلاد، ولكن، نظراً لتواجد مقرها في طرابلس وبسبب الفوضى السائدة في ليبيا، أتخذ القرار بالتزكية.

ولكن بدأت الانقسامات أيضاً تظهر داخل “فجر ليبيا”، وخصوصاً بين الإسلاميين حيث طالت الانقسامات الداخلية كل من جماعة الإخوان المسلمين، والقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، فضلاً عن الخلافات بين الإسلاميين وبين الفصائل الأقل أيديولوجية ونخبة مصراتة الذين يحركهم الدافع الاقتصادي. وعلاوة على ذلك، بدأ حلفاؤهم الدوليين بالتواصل بشكل متزايد مع أعدائهم، فعلى سبيل المثال تتشاور قطر وتركيا والسودان مع سياسيين في طبرق لإيجاد حل سلمي لهذ الصراع المتأجج.

كما قام قادة طبرق بعدة زيارات إلى القاهرة، مؤكدين على التعاون العسكري والاستخباراتي. حفز هذا ردّ الفعل المصري المضاد من “فجر ليبيا” بما في ذلك التضييق والإغتيالات وعمليات الخطف. في حين استمرت وتيرة المساعدات الإماراتية (الإمارات العربية المتحدة) لحفتر بالارتفاع حيث تم الكشف عنها في مناسبتين مختلفتين، الأولى عندما تم التعرض لشاحنة عسكرية محملّة بالعتاد في ديسمبر الماضي، والثانية عندما تم خطف طائرة شحن محملة بالأسلحة في وقتٍ لاحق من قِبل “فجر ليبيا”.

هذا وتعمل كل من مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والجزائر على تنسيق والإتفاق على الشؤون الاستخباراتية والسياسية في ليبيا، حيث تعرضت سفاراتهم في طرابلس إلى عدة هجمات في الأشهر الأخيرة، إذ يُشتبه بتورط فصائل تابعة “لفجر ليبيا” في هذا الشأن.

ومع بداية عام 2015، تُشير التقديرات إلى أنّ الاقتصاد الليبي، الذي يعتبر الأكبر حجماً في العالم العربي، تقلّص بنسبة تقارب الـ30%. وبلغ معدل التضخم حوالي الـ5%، وارتفع العجز في الميزانية لأكثر من 50%. وحالياً، تنتج البلاد أقل من 900,000 برميل نفط يومياً (مقارنة بـ 1,65 مليون برميل عام 2010، أي قبل عامٍ من اندلاع الثورة)،  ومع انخفاض أسعار النفط عالمياً، انخفض أيضاً مدخول النفط في ليبيا إلى النصف.

كما التقى مبعوث الامم المتحدة برناردينو ليون مع مختلف الأطراف منذ سبتمبر: رئيس المؤتمر الوطني العام، نوري أبو سهمين ورئيس الوزراء الحاسي، والمتحدث باسم البرلمان في طبرق- صلاح عيسى ورئيس الوزراء الثني، واللواء حفتر وآخرون. وبعد عدة تأجيلات، أعقب الحوار الوطني في غدامس أخيراً باجتماعات جنيف، التي عُقدت في الـ14 من يناير في مقر الأمم المتحدة وأعتبر هذا الأمل الأخير لعودة ليبيا إلى سابق عهدها.

Advertisements