فبراير.. زين على زين

حرية التعبير,حقوق الانسان,ليبيا

“أنا نادم على فبراير”، “أنا مش نادم على فبراير”،

“أنا الصراحة كفرت بيها”، “أنا مازلت مؤمن بيها والله”.

قد تظن لوهلة أنّ الخلاف أعلاه فكري، أو أنه اختلاف في الآراء بين ألبير كامو وسارتر، لكنه للأسف مجرد “تصكير راس” ليبي باهظ الثمن، بين شخصين متشابهين تماماً، كل منهما جالس– أو راقد على بطنه– في بيته، بينما تلبي أخته أو أمه أو زوجته طلباته، تطبخ له وتغسل ملابسه وتناديه “سيد التريس” أو “غزال أمه”.

ارحمونا أرجوكم.. ماذا يعني لنا ندمكم من عدمه؟ ماذا يعني للنازحين واللاجئين والمشردين والقتلى؟ ماذا يعني لليبيا أساساً؟

نحن ندين لهؤلاء جميعاً وليبيا باعتذار صادق، نعتذر عن الوقاحة والنرجسية التي جرتنا للهاوية وشخوصها، نعتذر عن الأنا خاصتنا التي ورطت شعبنا البسيط في حروب غبية وشرسة. نعتذر عن المطالبة بحرية لا يعيها شعبنا ولا تعنيه، بل إنها غير مقبولة بالنسبة له أصلاً، لقد استبقنا الحرب على الفكر، وورطنا البسطاء في حرب حرية المرأة والتعبير وحرية المعتقد وحقوق الإنسان، ألم يكن ذلك ما سوّق للعالم؟ بينما كانت البروباغاندا الداخلية تخبره أنها حرب من أجل الله والفلوس!

لماذا لا نعتذر له عن توريطه في أحلامنا الخاصة؟

شعبنا يحارب التطرف الديني باقتباسات من ابن تيمية وابن باز والعثيمين وصحيح البخاري. فبالله عليكم لماذا نرسله إلى الموت في حرب ضد الإرهاب؟ ونلملم في سمائه طائرات “اللي يسوى واللي ما يسوى” مرة أخرى! وكما قال فولتير:”اللي يفتح فمه يخشله الذبان”، ومن هنا بالذات يتوجب علينا الاعتذار لليبيا شعباً وتراباً عن القبول بقصف طائرات الأمم العظمى والأمم المومس عام 2011، أن نعتذر لأطفالنا وجثثهم.

يجب أن نعتذر لـ”بنيّاتنا” اللواتي بنينا حولهن سوراً كالنعاج في ساحات سميناها “حرية”، يجب أن نعتذر عن تحويل ميدان حرية إلى مسجد، ومنصة حرية إلى منبر خطابة وخرافات. هذه اعتذارات مهمة لأنفسنا ولليبيا، ومن بعدها لك مطلق الحرية أن تعض أصابعك ندماً أو أن ترقص وتهز وسطك في ميدان الشهداء، هذا شأنك وحدك ولا يعني لأحد شيئاً عزيزي النرجسي. أما التنصل من أخطائنا والتهرب منها فهو في نظري قمة الخسة والدناءة أمام ما يواجه شعبنا اليوم من فظائع، نحن نتحمل المسؤولية مقاسمة، ويجب أن نبدأ من هنا.

ويجب علينا أن نكف عن تذكير البسطاء بجرائم القذافي ولومهم حتى لمجرد الشكوى، فقد وصلت بالبعض الوقاحة أن يحتقر شعبنا المروَّع لمطالبته بالأمان، الأمان حاجة إنسانية ضرورية من هرم مازلو وليست مطلب رفاهية “يتمخطر” به الشعب الليبي على بقية النسل البشري. ارفعوا أقلامكم عن المساكين أو اخرجوا للشارع ودافعوا عن أمنهم.

الإنسان الليبي البسيط ليس جزءاً من هذا كله، هو مجرد إنسان “متمرمد” تلاعب به الضجيج الإعلامي من كل صوب، ورقص في كل ساحة مر بها، إنسان ينتظر مرتبه ويقول “ربي يفرجها”. لذا – من اليوم وغادي – من أراد تحريره من شيء فليخرج إلى الشارع وليتحمل مسؤولية ذلك كاملة، عدا ذلك ابنِ مسرحاً أو أنشئ مكتبة وانتظر ثورة ما، أما “دف الطواجين” وزعزعة حياته دون أي رؤية فكرية ولا سياسية، فقط لمجرد تجربة العبث، ومن ثم تطلب من المسكين الصبر وتقول له:”تي يا راجل ماهو القذافي شنق ناس زمان وقطع مرتباتنا وبهدل حياتنا”، يعني يا سي ***** ضروري أن يعيش المسكين القهر مرتين ويردد “الثالثة ثابتة” ليفرّ من أحلام نرجسية لأخرى!

كل ما سبق أعلاه أوجهه لنفسي أولاً ولكل من نظّروا – من أي طرف كانوا – لحروب ومطالب لا تعني شيئاً للناس، كل من فعل ذلك على أية ساحة، افتراضية كانت أم بالشارع، وإلى كل من صمت عن جثث أطفالنا التي تبعثرت في الشوارع تحت غزو ميليشيات القرى المسعورة، وعن عجائزنا الذين قضوا ليالي الشتاء في العراء والمخيمات. وقد يقول أحدهم: “ماذا عن الطرف الآخر؟ لماذا لا يعتذر هو الآخر؟”، فبعضنا للأسف يربط الأنا خاصته بمبادئه، الأمر برمته مجرد صفقة مفاوضة وسياسة.

نحن مدينون بالاعتذار عما نتحمل مسؤوليته فقط ولا علاقة لنا بالآخرين، ولن يعني اعتذارنا هذا اعترافاً لهم بأنهم رائعون أو محقون، هذا منطق أعوج جداً. ولتحفظ السماء الأبرياء.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تعبر عن رأي إذاعة هولندا العالمية.

Advertisements