يوميات «القيصر» بوتين


النسخة: الورقية – دوليالثلاثاء، ١٧ مارس/ آذار ٢٠١٥ (٠٠:٠ – بتوقيت غرينتش)

فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «الغيارى» على صحته، بظهوره على الإعلام مطلع الأسبوع، بعد غياب استمرّ أياماً، استدعى تكهنات عن إصابته بعارض صحي، لم تنفع في تبديدها تأكيدات الكرملين أنه يزاول أعماله اليومية كالمعتاد، وأنه قادر على «تحطيم يد من يصافحه»، لإظهار قدراته، وذلك بعدما كان بوتين شخصياً ساهم في وضع معايير جديدة لرئيس روسيا، من شروطها أن تترافق طاقاته الذهنية مع صورة الـ «ماتشو مان» التي رسمها لنفسه.

صورة بوتين كزعيم حازم وقوي، أسهمت في رفع شعبيته في روسيا إلى مستوى قياسي بلغ 88 في المئة، كما تفيد استطلاعات الحكومة وقد تتضمن شيئاً من المبالغة، لكن ما من شك أن الرئيس الروسي نجح في جذب الاهتمام في بلاده وأنحاء العالم، بتعمّده إضفاء شيء من الضبابية واللغز على شخصيته. والدليل على ذلك، اجتياح التكهنات حول غيابه وسائل الإعلام الغربية ومواقع التواصل الإلكترونية، مترافقة مع إشاعات راوحت بين إصابته بجلطة أو تعرّضه لمؤامرة داخلية أطاحته، وصولاً إلى الاعتقاد بأنه سافر إلى سويسرا لحضور ولادة صديقته طفلاً!

ونسجُ صورة للرئيس الروسي تحاكي «الأسطورة»، يلبي نظرية ماكيافيللي في أن يكون الحاكم لغزاً، أقرب إلى فرض المهابة على مواطنيه من كسب مودتهم. ومن متطلبات الأسطورة في بلد مثل روسيا، استحضار صورة قيصر، يجمع المتناقضات لجهة كونه مستبداً وعادلاً في آن.

وكانت صحيفة «إندبندنت» البريطانية نشرت الصيف الماضي، «يوميات بوتين» استناداً إلى مقال لمجلة «نيوزويك» الأميركية لخّص كتاباً عن سيرته. وأظهرت تعليقات القراء على المقال، ميلاً إلى احترام «ذكاء» الرئيس الروسي، و»قدرته على التخطيط في شكل يجعله متقدماً بخطوتين عن سائر نظرائه في الغرب».

ولم تفت الصحيفة الإشارة في شكل لافت، إلى أن بوتين يبدأ نهاره متأخراً بفطور من الأجبان والبيض التي يتم إحضارها مباشرة من مزارع البطريرك كيريل، ما ينمّ عن مدى حرص الكنيسة الأرثوذكسية الروسية على توفير أسباب الراحة والرخاء للرئيس، وفي ذلك إشارة ضمنية إلى وقوف هذه المؤسسة، الأقوى بلا منازع، وراء القيادة.

وفيما يفصل التحقيق روتين الرئيس الروسي ورياضاته اليومية وأهمها السباحة، فهو يتحدّث عن اهتمامه بجمع المعلومات، إذ يستهلّ نشاطه يومياً، بقراءة ثلاثة مجلدات تحتوي تقارير الأجهزة وقصاصات صحف تتضمن خصوصاً ما يكتب عنه. ويمكن استخلاص بعض الملاحظات المهمة، وهي تقيّد الرئيس في شكل صارم بجدول أعمال معدّ مسبقاً، واهتمامه بقراءة المؤلفات التاريخية خصوصاً المتعلّقة ببلاده، إضافة إلى عدم استخدامه أجهزة كومبيوتر وكرهه للكرملين الذي لا ينتقل إليه إلا نادراً، وتفضيله مقر إقامته الحالي في نوفو أوغاريوفو، وهو قصر في غرب العاصمة موسكو كان مخصصاً لضيافة الرؤساء واستجمامهم.

وفي هذا القصر الذي استحدثت حوله مجمعات للسكن والعمل المرتبط بدوائر الرئاسة، تتوافر للرئيس خصوصية تبقيه بعيداً من عدسات المصوّرين وأعين المتطفّلين.

وفي هذا الروتين بعض من التناقض مع صورة الرئيس «الحيوية»، إذ يبدو مملاً إذا ما أضيفت إليه نزعته إلى قلة الكلام الموروثة من تاريخ عمله في الاستخبارات.

لكنه يُروى أن من المرات النادرة التي فتح فيها بوتين قلبه في جلسة مع مجموعة من المعاونين والأصدقاء، سألهم عمن يعتقدون أنهم أعظم الخونة في تاريخ روسيا، وأكمل قبل أن ينتظر جواباً، بأنهما نيقولا الثاني، آخر أباطرة روسيا، وميخائيل غورباتشوف، آخر قادة الاتحاد السوفياتي، وذلك يشير إلى أي مدى هو مسكون بهاجس قوة النظام واستمراريته.

Advertisements