المسألة الليبية واليونانية وجهان لعملة واحدة

b39af501d849cd4b64d96e1570e5a813

    عاش اليونانيون لأكثر من نصف قرن في أوقات عصيبة. وفي فترة الثلاثينيات، عاشوا تحت حكم ديكتاتورية وحشية نمذجة نفسها على غرار ألمانيا النازية، ووظفت لحسابها شرطة سرية مثل الشرطة النازية السرية الجيستابو، ونفت المعارضين لها إلى معسكر اعتقال في إحدى الجزر. ثم حدث بعد ذلك شيء غريب: غزا بينيتو موسوليني البلاد.

      وكتحدٍ من أجل الحفاظ على احترامهم لأنفسهم ولبلادهم؛ وضع اليونانيون كراهيتهم لديكتاتورية ميتاكساس جانبًا، واحتشدوا لمحاربة الغزاة الأجانب. وقد قام اليونانيون بعمل جيد في الدفاع عن بلادهم إلى درجة أن أدولف هتلر اضطر إلى تأجيل غزوه لروسيا لإنقاذ الإيطاليين. وربما أنقذت هذه الخطوة جوزيف ستالين؛ حيث أجبر هذا التأجيل الجيش الألماني على القتال في طين وثلوج وجليد روسيا وهو ما لم يكن الجيش الألماني مستعدًا له. ولكن، وللمفارقة، أنقذت أيضًا هذه الخطوة ديكتاتورية ميتاكساس والنظام الملكي. فقد فرّ الملك وكبار المسؤولين اليونانيين جميعًا إلى مصر المحتلة من قبل بريطانيا، وكحلفاء جدد، تم إعلانهم كجزء من “العالم الحر”.

     وفي الوقت نفسه، نهب الألمان من اليونان الكثير من الصناعة، والنقل البحري، والمواد الغذائية. وبدأ اليونانيون في التضرر جوعًا. وكما لاحظ موسوليني قائلًا: “لقد أخذ الألمان من اليونانيين كل شيء حتى أحذيتهم”.

      ثم بدأ اليونانيون القتال مرة أخرى. وفي أكتوبر 1942، أنشأ اليونانيون حركة مقاومة أصبحت في غضون سنتين هي الأكبر في أوروبا. وفي حين ادعت فرنسا أن أنصار الحركة عددهم أقل من 20 ألفًا؛ كانت الحركة تضم حوالي 2 مليون فرد، وحاصروا على الأقل كتيبتين من الجنود الألمان. وقد فعلوا ذلك دون مساعدة خارجية.

وفي حين أصبحت نتيجة الحرب واضحة، كان رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل مصممًا على أن تعود اليونان إلى الحكم الملكي والنظام القديم الذي كان سائدًا قبل الحرب. وكان مدفوعًا بالخوف من تزايد النفوذ الشيوعي داخل حركة المقاومة.

وقد حاول تشرشل أن يجعل الجيش الأنجلو أمريكي الذي كان يستعد لغزو إيطاليا أن يهاجم اليونان بدلًا من ذلك. وفي الواقع، فقد حاول جاهدًا أن يغير خطة الحرب إلى درجة أنه كاد ينهي العلاقات مع التحالف العسكري للحلفاء. وعندما فشل في ذلك؛ ألقى بكل الجنود الذين لا زالوا تحت سيطرته إلى داخل اليونان؛ مما عجّل بحلول الحرب الأهلية التي مزقت اليونان. وقد اختلف القادة السريون للحركة وتم القضاء على حركتهم. واستأنفت البيروقراطية والشرطة والبرامج التي كانت سائدة لديكتاتورية ما قبل الحرب سيطرتها على الأمور.

وبعد الحرب، ومع الأزمة المالية لبريطانيا وكونها لم تعد قادرة على الاستمرار في سياستها؛ حولت لندن مسألة اليونان إلى الأمريكيين الذين أعلنوا “مبدأ ترومان” وأمدوهم بالأموال لمنع انتصار اليساريين. وقد انتصرت الأموال الأمريكية بشكل مؤقت، ولكن اليد الثقيلة للنظام السابق خلقت جيلًا جديدًا من شأنه أن يصبح من الديمقراطيين الذين تحدوا الديكتاتورية.

وكانت هذه هي الفكرة الرئيسة التي أثارت بشكل جميل المخرج كوستا غافراس لإخراج فيلم “Z” من بطولة إيف مونتان. وكما يوضح الفيلم حالة الحراك الليبرالي في بداية الستينيات والتي تم قمعها بواسطة ديكتاتورية عسكرية جديدة من “حكم الجنرالات”.

وعندما تمت الإطاحة بالمجلس العسكري في عام 1974، تمتعت اليونان بفترة ضئيلة من “الحالة السوية”؛ ولكن لم يتم رأب أي صدع من الصدوع العميقة في المجتمع. وبغض النظر عن الوزراء الذين اختارهم الحزب السياسي، كانت البيروقراطية الدائمة لا تزال مسيطرة، وكان الفساد مستشريًا، والأهم من ذلك كله، تحولت اليونان إلى النظام السياسي الذي كان يسميه أرسطو الأوليغارشية.

واستخدم الأغنياء للغاية أموالهم ليخلقوا لأنفسهم دولة فعلية داخل الدولة. وتغلغلوا بسلطاتهم داخل كل قطاع من الاقتصاد وقاموا بتنسيق النظام المصرفي الذي أصبح محصنًا بشكل أساسي. وقد امتلأ ميناء بيريوس باليخوت العملاقة المملوكة للأشخاص الذين لا يدفعون الضرائب، وكانت لندن مملوكة جزئيًا لأشخاص متخمين من الاقتصاد اليوناني. وكانت “الأموال الذكية” لليونان مدخرة في الخارج.

  تأمل ما بين السطور ترى الازمة الليبية في جوانب شتى .. يتكرر المشهد 

Advertisements