لزوم ما يلزم

لزوم ما يلزم

انتقد المؤرخ وعالم الاجتماع “ابن خلدون” راي المؤرخ “ابوبكر ابن العربي” في ثورة “الحسين بن علي” الذي قال في كتابة ” ان الحسين قتل بسيف جده” فعلى عكس ابن العربي كان ابن خلدون يرى ان الثورة والخروج واجبان ان توفرت العصبية والرسالة للثائر , من اجل وصول الامير العادل ” ومن اعدل من الحسين؟” كما يقول ابن خلدون في رده على “ابن العربي”.
“ابن خلدون” برايئه هذا يتناغم مع اطروحاته النظرية التي حوتها مقدمته والتي ناقضتها بعض فصول تاريخه بكل اسف وان ظل سياق ذلك التاريخ العام نموذجا مدهشا للنظرية والتطبيق على الصعيد المنهجي والمعرفي في ذلك العصر.
“ابن خلدون” الذي يعتبر اول منظر للتغير الاجتماعي الشامل, لسقوط ونهوض الحضارات والامم, واسباب وعوامل ذلك السقوط والنهوض ,كان داعما نظريا لتلك الثورة التي قادها “الحسين بن علي” وكل ذلك منطقي ومتوقع , وقد لايحتاج المؤرخ ختى لتصريح ابن خلدون هذا كي يعرف موقفه من تلك الثورة , ولكن هل كان موقف ابن خلدون من الثورة مطلقا ؟ هل كان مع الخروج على الحاكم يشكل مطلق ان توفرت شروط الثورة التي وضعها؟
ابن خلدون الذي كان شاهدا على انهيار امبراطورية وعالما بانهيار اخريات ” دون نهوض تلك المنهارة حتى بالثورة “, كان ورغم السياق النظري الثوري محافظا ومترددا, في تبرير الثورات والدعوة لها , بل كان محذرا منها ومن فشلها, فلقد كان يرى الخروج الفاشل يستوجب معاقبة الخارجين باقصى العقوبات , وكل ذلك حفاظا على “مسيرة المجتمع وتطوره االطبيعي ” للوصول الى لحظة الخروج التاريخية التي ان سبقناها او تأخرنا عنها جلبنا الكارثة .
ابن خلدون يقدم “بارادوكس” نظري للخروج على الحاكم والقعود عن ذلك ويتعامل مع البشر كما لو كانوا ظواهر طبيعية تحكمها قوانين الفيزياء والحساب , كل ذلك متوقع من رجل عقل وفكر , امضى عمره بحثا عن اسباب وعوامل ولحظات التغير الحضاري .
الفرنسي “اوجست كونت” والذي يعتبره الكثيرون تلميذ “ابن خلدون” ومؤسس “علم الاجتماع ” بمعناه الحديث ومؤسس “الفلسفة الوضعية” ومنظر “الثورة الفرنسية الاحدث للخروج من ازمتها ومظاهر فشلها في عصره” يخرج من نظرية ” الديناميكا الاجتماعية” او ضرورة وحتمية التغير والثورة التي هو مبتدعها وصاحبها, الى نظرية ” الاستاتيكا الاجتماعية ” كما يسميها وذلك لكبح جماح تلك الثورة ويقدم الفلسفة الوضعية كوصفة طبية لايقاف نزف تلك الثورة, وخلق التوازن والاستقرار الاجتماعين , وذلك بكبح الطموحات الفردية واذابة الفرد في المجتمع والسلم بين الطبقات المتصارعه والانتقال بالتفكير من “الخرافي واللاهوتي” الى “الوضعي او العلمي “كما يسميه , انه يدعو وببساطة تامة الى ايقاف طوفان الثورة.
اوجست كونت الذي ربما لايذكره الآن الا بعض معلمي علم الاجتماع في جامعاتنا كان ومعه الكثيرون من المفكرين مهندس الاستقرار والبناء في فرنسا واوروبا , ببساطة لأنه قاد العقل السياسي الفرنسي في تلك الفترة للخروج من نفق “الثورة الدائمة” الذي صنع ماكينة اعدام لا تتوقف عن قطع روؤس الجميع , وتجر الشعب من المصانع والمزارع ليعملوا كمصفقين لتنفيذ القتل والتعذيب اخلاصا للثورة !!
“ادونيس” المفكر والشاعر العربي والذي كتب كتابا دفاعا عن الشاعر الروسي المنشق “بوريس باسترناك” صاحب رواية “دكتور زيفاجو” في زمن الاتحاد السوفيتي وشبة السيطرة الكاملة لليسار العربي على مصطلح وقيم الثورة في ذلك الوقت , نظر للتحول والتغير الاجتماعي وللثورة عبر مسيرة طويلة من الشعر والنثر , وناصر الثورة الايرانية بحماس شديد ” رغم عمة الثورة و جلبابها” وتحفظ على ما يجري في سوريا لهيمنة الطرح الديني المتطرف كما رآه منذ البداية .
ابن خلدون و اوجست كونت وادونيس , عربيان وفرنسي وغيرهم بالتاكيد الكثير من المفكرين والعلماء, طرحوا اراء هامة جدا في قضية الثورة والتحول والخروج وتميزوا عن غيرهم بهذا التناقض كما يبدو للوهلة الاولى, ولكنه تناقض مع واقع وليس تناقضا في ذواتهم , تناقض حكمته مراحل الثورات وادواتها ,بكل ما فيها من تناقض وانحرافات , تناقض لابد منه لتصحيح المسار ووقف نزيف مجتمعاتهم بعد الثورات وفي اثنائها.
الفرق المهم بين افكار ابن خلدون وادونيس واوجست كونت ,ان افكار الاخير تحولت االى برامج عمل للبناء والاستقرار , لتظل افكار ابن خلدون وادونيس مثارا للدهشة وللعنة احيانا من امتهم “امة اقرا”

Advertisements