أيام ليبيا .. رحلتي الى الجنوب

    في اكتوبر من عام 2002 وطأت قدماي أرض ليبيا لأول مرة للعمل في جامعة تقع في اقصى الجنوب الليبي. الخطوة الأولى في بنغازي كانت توحي بأجواء مختلفة.. الاحساس كان مصدره لوحات معلقة في اماكن كثيرة تحمل صورة العقيد ومعها عبارات غريبة ومع ذلك لاتخلو أبداً من فلسفة..الطفل تربية امه.. الأجراء عبيد.. السود سيسودون العالم..المركوب ( السيارة) حق لكل مواطن.. الحزب هو الديكتاتورية العصرية..الخ.. تنضح شخصية الحاكم على المكان وليبيا كانت غريبة وقتها مثلما كان حاكمها ونظامه غريباً .. عبر طريق صحراوي سرنا فيه بالسيارة نحو 12 ساعة الى الجنوب الليبي تشعر انك في دولة فقيرة أو دولة لديها امكانيات ابتلعتها صحراء الديكتاتورية وبالطبع ليبيا ليست فقيرة.. صور جمال عبد الناصر كانت ترافق صور العقيد في اماكن كثيرة وشارع جمال عبد الناصر هو شارع رئيسي في كثير من المدن الليبية ويوم 23 يوليو اجازة رسمية.. بالتدريج تتكشف امور تؤكد لك انك على ارض تحكم بالقوة المفرطة ويحكمها ديكتاتور كبير حتى ولو جذبتك فكرة اللجان الشعبية التي تمثل الشعب في اتخاذ قراراته.. بالطبع الفكرة على اليمين والواقع قابع في اليسار.. وقتها كانت ليبيا تخلو من شبكات الهواتف المحمولة.. العقيد كان يوفر لهم اساسيات الحياة ولا اكثر من ذلك واساسيات الحياة بالطبع منزل وسيارة ودعم كامل للسلع والخدمات ولكن كل هذا لم يصل بالمواطن الليبي الى حد الرفاهية الذي وصله وتعداه بمراحل نظيره الخليجي.. والليبي يمتلك بترول مثلما يمتلكه الخليجي.. ينتشر الأفارقة في ليبيا ولكن كعادتهم لا تستطيع ان تراهن عليهم في عملية تقدم فهم في اغلب الأحيان مخالفون للقانون ومشغولون بممارسة مهن غير اخلاقية.. ولكن افريقيا والأفارقة كانوا يشبعون رغبة العقيد في الزعامة وخطبه في اراضيهم كانت مشهودة بالفعل .. وقتها لم يكن هناك صحافة في ليبيا وقناة وحيدة تبث على استحياء وبتوجيه واضح ونادراً ما تخلوا من العقيد وخطبه .. عندما تذهب لإجراء اتصال في أي سنترال فاعرف ان مكالمتك مراقبة ومن السهل ان تلحظ ذلك وعليك في اتصالك ان تتحدث عن نفسك وعن اخبارك ولا تتحدث عن ليبيا.. المثابة الثورية او حماية ثورة العقيد كان لها ممثلين في كل مكان.. وفي كل بيت هناك ممثل للمثابة الثورية ومن ثم لا يتحدث الأخ مع أخيه في السياسة.. في الكلية التي عملت بها كان هناك مسؤول امني يتلقى معلومات من موردي معلومات ومن ضمنهم بالطبع عاملين بالسنترالات وطلاب يسجلون ما يدور في المحاضرات واعضاء نشطين في المثابة الثورية.. وفي المحاضرات عليك ان تتحدث بحرص عن اقتصاد السوق والعولمة فليبيا تسير او تقف في اتجاه مختلف تماماً.. المفارقة ان مقررات ادارة الأعمال التي تدرس في ليبيا وغير ليبيا خارجة من رحم اقتصاد السوق والعولمة.. كنا ومقرراتنا ومحاضراتنا في واد وكانت ليبيا في واد آخر.. الخوف كان سيد الموقف في ليبيا.. ومجرد التفكير في الاعتراض يعني الانضمام لقائمة الأموات.. كان يصعب تصور ان تحدث ثورة في ليبيا ولكن ما كان كامناً في النفوس كان اكبر من القدرة على كتمانه..جاءت لحظة الانفجار لتؤكد ان قوة الكبت اكبر واعظم من سطوة الخوف….

 almesryoon 

Advertisements