الحكمة وغضب الله!

محمد عقيلة العمامي

كنت قد أخطأت، عندما كتبت بمقال سابق، أن الحكومة الملكية التي أسقطها القذافي هي حكومة المرحوم عبد الحميد البكوش، وقد نبهني إلى هذه الهفوة صديقي المتابع الدقيق هاني الكيخيا، مؤكدًا أنَّ المرحوم ونيس القذافي هو مَن كان رئيسًا للحكومة عندما أسقطها القذافي وضباطه الأحرار.

سبب هفوتي أنني كنت قبلها أكتب عن المرحوم عبد الحميد البكوش، بشأن اهتمامه بالشخصية الليبية، التي كانت في ستينات القرن الماضي مشتتة بين العروبة، وأيديولوجيات متنوعة أخرى، منها أعناق مشرئبة نحو الغرب وأخرى نحو الشرق.

وأذكر أنني تناولت، في السابق، برنامجًا قد أعده، واهتم به وزير إعلامه المرحوم الصالحين الهوني ونُفذ جزء منه سنة 1968م بالجامعة الليبية في بنغازي تركز على إبراز الشخصية الليبية. ولعل هذا الاهتمام مرجعه حرص المرحوم الملك محمد إدريس السنوسي على تأكيد هذه الشخصية واستقلاليتها. هذا الحرص الذي بدأنا ننتبه إليه في ما أصبح ينشر من معلومات لم تكن متوافرة لدينا في ذلك الوقت، خصوصًا أثناء فترة تغييبنا عن تاريخنا، فأنا مثلاً لم أعرف عن زيارة ذلك الموفد الأميركي إلى الملك بشأن استقطاع قيمة بسيطة من عائدات النفط الذي تفجَّر في بلادنا وتخصيصها لأفريقيا، ولم أعرف أن الملك رحمه الله أجابه صراحة أن ما يفيض من سد احتياجاتنا أولى به إخواننا المسلمون، والعرب بصورة خاصة.

وهذه حادثة كان المرحوم علي الساحلي شاهدًا عليها كما علمنا في ما بعد. ولم أكن أعرف، لولا كتاب المؤرِّخ مفتاح السيد الشريف (ليبيا- الصراع من أجل الاستقلال) أن الملك، رحمه الله وجَّه خطابًا، في أكتوبر سنة 1951م إلى السيد أدريان بلت مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا قال فيه: «السيد المفوض، عليك ألاّ تنسى أنَّ ليبيا، إلى جانب كونها أولاً بلدًا عربيًّا، هي أيضًا مطلة على البحر الأبيض. وكانت دومًا على صلات باللاتين والإغريق. ونحن من الناحية الروحية والسياسية، نتوجَّه إلى الشرق، وبالتحديد إلى الأماكن المقدسة للإسلام. ولكن ماديًّا سوف تكون لنا دائمًا روابط مع الغرب وهذا يعني أن سياستنا، في حالة الضرورة، عليها أن تنهج الطريق الوسط».

لم يخطر ببالنا، أبدًا، أنَّ القذافي في الواقع كان يمثل (غضب الله) على سوء تقديرنا، واحترامنا للمرحوم الملك محمد إدريس السنوسي.

ولقد أطلقت المملكة الليبية اسم «أدريان بلت» على واحد من أفضل شوارع بنغازي* في ذلك الوقت (سمي في عهد القذافي شارع عبد المنعم رياض!) لأنَّ السيد بلت ساعد في نيل استقلالنا المزيف، كما كان إعلام القذافي يردد .

وقبل أن يسكن المرحوم ونيس القذافي شارع أدريان بلت، كان جاري في شارع محمد موسى، وبالمناسبة فإن المرحوم ونيس القذافي لم يستثنَ من الوزراء الذين اعتقلهم نظام معمر القذافي بسبب القرابة، فالحقيقة أنه لا صلة قبلية بينهما، لأنَّ المرحوم ونيس، أصله (قماطي) واكتسب لقب القذافي بسبب زوج المرحومة والدته.

ويقول ضباط ممَّن كانوا مقربين من معمر القذافي، إنه اتصل بالسيد ونيس القذافي عندما كان ضابطًا لمساعدته في طبع كتاب عن التعبئة العسكرية، فلقد كان القانون يمنع العسكريين من النشر من دون موافقة مسبقة من الدولة، ولما رُفِضَ الكتاب التجأ إليه وحاول مساعدته، ولعل هذا السبب هو ما شفع له بعد سقوط النظام الملكي.

وكان المرحوم خليفة الفلاح متواجدًا طوال الوقت بشارعنا، لصلة قرابة وثيقة بأخت المرحوم ونيس القذافي، غير الشقيقة، التي كانت تقطن معه. وأذكر أنَّه عندما سأله المرحوم حسن بوخيط، بعدما سمعنا اسم معمر القذافي، عن صلتهم به، أجاب بصرامة أنه لا يعرفه، بل إنه لم يسمع باسم معمر في حياته.. لا قذافي ولا(كرنكاطي)! والحقيقة أن اسم معمر، في المنطقة الشرقية، لم يكن متداولاً أبدًا لارتباط هذا الاسم بفعل اصطلح به عن فعل بيولوجي نخجل من تداوله أمام أهالينا! وأذكر، أيضًا، أنه قبل أن نعرف أنَّ معمر هو قائد تلك الثورة، مثلما كنا نراها في حينها كشباب مأخوذين بالثورة المصرية، وبشخصية (ولد شارعنا) الملاكم الضابط الأنيق عبدالسلام عزالدين المدني، ونتصوَّر أنه قائدها، وليس حتى شقيقه الأكبر فتح الله .. لم يخطر ببالنا، أبدًا، أنَّ قائدها في الواقع كان يمثل (غضب الله) على سوء تقديرنا، واحترامنا للمرحوم الملك محمد إدريس السنوسي.

* في طرابلس أيضًا أُطلق اسم «أدريان بلت» على شارع الشط.

محمد عقيلة العمامي

Advertisements