فزَّان، بين فوضى الصراعات القبلية وإهمال الحكومة المتعمد

 من يس

   لقد فرغت لتوي من مكالمة هاتفية مع الاستاذ غيث سالم سيف النصر، من مدينة سبها مسقط رأسي، وهو صديق لوالدي محمد بشير أفندي رحمه الله، وبعد معايدة مقتضبة، آلمني  الرجل بحديثه عن ما يدور اليوم في جنوب ليبيا بصفة عامة وفي عاصمته سبها بصفة خاصة، إذ كنت أستمع لحديثه بصعوبة بسبب أصوات قصف المدفعية والدبابات، نتيجة للقتال الدائر في الضاحية الجنوبية  للمدينة، القريبة من مطار سبها الدولي  (كامبو الطيوري) بين قبيلتي التبو والطوارق، والذين تزايدت أعدادهم مؤخراً في المدينة خاصة بعد أحداث ثورة فبراير، حاملين معهم صراعاتهم القديمة إلى عاصمة الجنوب المسالمة لتحولها إلى أرض معركة تستخدم فيها كافة أنواع الاسلحة، وسط رعب سكانها وفزعهم. أضف إلى ما ذكرت، أنتشار الجريمة والقتل والسطو المسلح، حيث زادت جرائم القتل المسجلة بسبب ذلك في شهر رمضان وحده عن (60) حالة قتل لأسباب إجرامية وليس نتيجة  لقتال قبلي أو جهوي، ويضاف أليها عشرات الجثث التي لم يتم التعرف على أصحابها. يعاني سكان سبها بصفة عامة من إهمال متعمد من حكومتي ليبيا الحاليتين ، فحكومة الانقاذ  والتي مقرها طرابلس، لا ترى  في الجنوب سوى بحيرة ماء عذبة، تنقل مياهها عبر منظومة النهر الصناعي العظيم، ليستمتع بها سكان الساحل ولتروي بها حدائقهم ومنتزهاتهم، وخزان نفط وغاز لا ينضب لتمتلئ بها خزائنهم وليصرفوا بها على حوائجهم، ولا أريد القول ملذاتهم، ولا يصل منها لأهل الجنوب سوى النزر القليل والذي بات شبه معدوم هذه الايام. ولتحمي ذلك (أي النفط والماء) فقد قامت حكومة الانقاذ بنشر قواتها، ليس لحماية مدن الجنوب وسكانها وتوفير الامن لهم، بل لتعزل الجنوب وأهله عن المناطق ذات الاهتمام للحكومة، سواء منابع النفط في السرير أو حقول مياه النهر الصناعي العظيم شمال وادي الشاطيء فهي بذلك تعمل كخطوط دفاعية لحكام طرابلس من أي خطر قد يأتيها من الجنوب وهم يقومون في ذلك  بنفس الشيء الذي فعله الرومان سابقاً، حينما بنو الحصون علي طول الساحل الليبي لحماية مدنهم الساحلية وأهاهم، دافعين بسكان البلاد الليبيين نحو الصحراء القاحلة ليلتهمهم حرها وعطشها. فقوات الدروع موجودة في قاعدة براك الواقعة شمال وادي الشاطيء وليس جنوبه، كذلك الحال في قاعدة تمنهنت الواقعة شمال سبها وليس جنوبها، بينما لا تجد أحداً منهم في قاعدة الويغ مثلا الواقعة جنوب سبها أو في غات أو أوباري أو مرزق وكلها مدن وقواعد  إستراتيجية جنوب سبها. أما الحكومة المؤقتة والتي مقرها مدينة  طبرق، ونكاية في أهل الجنوب فقد سلطت عليهم المجرمين من قبيلة التبو الشرسين القادمين في معظمهم من تشاد، ليمارسوا فيهم السلب والنهب و ليهجروا معظم سكان واحات الجنوب المسالمين، حول مرزق ووادي عتبة وأم الارانب وغيرها، من بيوتهم، ليستولوا عليها وعلى ممتلكاتهم، بحجة أنهم كانوا مواليين للنظام السابق، وأن هؤلاء من  التبو هم اليوم ذراع حكومة  طبرق الطويلة  في كامل الجنوب الليبي، من الكفرة و حتى غات، وهم أصحاب الارض الجدد، وهم  المتحالفين مع اللواء حفتر وجيشه والمستفيدين من ما يمنحه لهم من أموال لقاء ذلك،، هذا يضاف إلى عوائد عمليات التهريب  لكل ما تقع عليه أيديهم من وقود وسلع تمونية مدعومة وخلافه، والتي ولا نعفي من  مزاولة هذا النشاط أيضاً بعض أبناء قبائل الجنوب الاخرى، مِن من وجدوا في ذلك وسيلة سهلة للكسب السريع وسط غياب الدولة أن لم يكن تشجيعها لهم فيما يفعلونه. فسكان فزان اليوم والبالغ عددهم أكثر من خمسمائة ألف نسمة يعيشون تحت  حصار حقيقي أسوأ من حصار قطاع غزة، والذين هم (أي أهل غزة) على الاقل يتنسمون نسائم البحر، التي تلطف  أجوائهم وتمنح لهم وسيلة للتواصل مباشرة  مع العالم، أما سكان فزان بمجموعهم،  فقد زادت من مصيبتهم حرارة الصيف والانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، وضعف شبكات الاتصال، ونقص الوقود الذي أصبح يباع علانية في محطات الوقود التابعة للدولة بسعر نصف دينار للتر الواحد (وبدون إحراج كما يكتب أصحابها في مداخل محطاتهم) ونقص السلع التموينية، وإقفال لمطار سبها الدولي، بوابة الجنوب الوحيدة نحو العالم، لمدة تزيد اليوم عن السنة، و شبه توقف الخدمات الصحية وشح السيولة المالية في المصارف، وتغول العصابات الاجرامية المسلحة، والقتال القبلي شبه اليومي، وقطع الطريق والبوابات الوهمية على الطرق الواصلة بين مدن الجنوب ببعضها البعض أو مع مدن الوسط والساحل. في مقابل ذلك يصمت نواب الجنوب سواء في المؤتمر الوطني وعددهم (31 عضو) أو في مجلس النواب وعددهم (31 عضواً) وأعضاء لجنة الدستور وعددهم (20 عضو) بدون أدني حس أو حركة، وكأن علي رؤوسهم الطير، وقد أمضى أغلبهم عطلة العيد في مناطقهم وشاهدوا بأم أعينهم معاناة أهلهم، فهم لا يحاولون حل مشاكل مناطقهم ولا يتحدثون ولا يجتمعون أو ينسقون فيما بينهم ولا يضغطون علي مجلسهم أو مؤتمرهم، إلا بما يخدم مصالحهم الشخصية  أو مصالح من يحركهم من تكتلات سياسية متناحرة لا تهتم لهم ولا لأهلهم ومعاناتهم. قد لا يعلم سكان ساحل ليبيا ولا يهتمون اليوم بما يدور في الجنوب، ولكن وإذا إستمر الحال على هذا المنوال فسوف يشاهدون قريبا قوافل آلاف المهاجرين الآتية إليهم من الجنوب، الذي تغيرت خريطته السكانية والبشرية في السنوات الاخيرة  بشكل مفزع، وستتوقف لا محالة  خطوط نقل النفط والماء الواصلة اليهم، للتجه بإنتاجها جنوباً لوسط أفريقياً بدلا من شمالها، حين ذلك قد يكون الوقت متأخراً لفعل أي شيئ، مثلما حدث للسودان وجنوبها، وسيتذكرون أنه كان لهم في الماضي، عمق أستراتيجي مليء بالخيرات، أضاعوه، أسمه فزان.

الكاتب: خالد محمد بشير

 خالد محمد بشير

تفاصيل الخبر على الرابط التالي: http://www.eanlibya.com/archives/37830

Advertisements