المجتمعات المنهكة لا تقوم بالثورات

بلال علاء Headshot

في تحليله للثورة الفرنسية 1789، رأى أليكي دو توكفيل في كتابه “النظام القديم والثورة الفرنسية” أن ما ساعد على قيام الثورة في فرنسا تحديداً، وليس ألمانيا ولا إنجلترا، أن ظروف الطبقة الوسطى والفلاحين في فرنسا، كانت أفضل من ظروفها في ألمانيا وإنجلترا، وليس العكس، وأن تحسن أوضاعها المعيشية نسبياً، هو الذي منحها الطموح في الحق في العدالة والمساواة، كمثال، الفلاح الفرنسي كان من حقه تملك الأرض عكس الفلاح الألماني، وهو ما جعل الفلاح الفرنسي يرى أن الفرق بينه وبين الإقطاعيين فرق كمي في النهاية، وكمثال آخر كانت الطبقة الوسطى في فرنسا في وضع جيد نسبياً مقارنة بنظرائها في بقية الدول، حيث كان يتم إسناد مهام إدارية متزايدة لها في إدارة الدولة والأملاك، بينما اقتصر دور الإقطاعيين بالوقت على الملك فقط دون الحكم، وذلك هو ما جعل هذه الطبقة تشعر بالنقمة على الطبقة الإقطاعية التي استمرت في ملكيتها للأرض ، لكنها صارت أكثر كسلا من أن تقوم بإدارتها، وإذن رأت الطبقة الوسطى أن من حقها أن تنافس على الملك كما أصبحت تنافس على الحكم.

كانت رؤية توكفيل هنا، هو أن الناس لا يثورون على الظلم دائماً وأبداً، يثورون فقط على الظلم الذي انهارت مبرراته النظرية، والممكن تخيل عدم وجوده، وأن شيئاً من خفوت قوة هذا الظلم، هو ما يجعل الناس أكثر وعياً بمدى الظلم، وليس العكس، ولهذا يرى أن الناس يقومون بالثورات في الأوقات التي يصبحون فيها أقوى وأكثر قدرة على مجابهة القمع، وأقل قابلية لرؤية هذا الظلم كحتمية قدرية لا فكاك منها.

ينطبق ذلك جزئياً على وضع الطبقة المتوسطة مع مبارك، الطبقة التي توسعت وأصبحت بالوقت منفتحة على العالم والثقافة والسياسة، وتعيش حياة ميسرة نسبياً، ومكنتها الحرية النسبية وقت مبارك- وطول فترة حكمه- على كسر حواجز الخوف بينها وبين الطبقات الأخرى من جانب، وعلى الاقتراب من بعضها البعض من جانب آخر، والوصول إلى خطوط عامة متفق عليها لما يريده ممثلوها السياسيون من إسلاميين وعلمانيين، وتمتلك شرائحها المختلفة قناعة بقدرتها وأحقيتها بإدارة الدولة، بديلاً عن الطبقة الحاكمة التي سيطر عليها الفساد، وكانت هذه الثقة النسبية بنفسها من أسباب اشتراك الطبقة الوسطى الكبير في الانتفاض على مبارك .

ما نواجهه الآن، في ظل نظام السيسي، يكاد يكون هو العكس تماماً. ينطلق النظام أصلاً من أن انقساما ًحاداً حدث بعد الثورة في المجتمع، هذا الانقسام أتى الجيش أخيراً ليحسمه بالانحياز إلى أحد أطرافه، الذي فوضه للقضاء على الطرف الآخر، وإذن استخدم الحد الأقصى من القمع ليهزم هذا الطرف الآخر تماماً، ذلك الحد الأقصى الذي كانت أولى نتائجه إغلاق المجال العام تماماً، وفي وجه الجميع، وليس في وجه الإخوان فقط.

القمع الشديد جداً والمنفلت من أي معايير، يساهم بالوقت في خفض أفق الطموح السياسي لعموم الناس، وليس في إثارتهم، بالتأكيد يجعل القمع بعض الكتل المجتمعية أكثر استعداداً للعنف، لكنه يجعل أغلبية المجتمع أكثر ميلاً للابتعاد عن السياسة لفداحة ثمن الانخراط فيها. كما أن الهوة الكبيرة بين الأطراف السياسية المختلفة، والتي يساهم في استمرارها إغلاق المجال العام، واستكانتها إلى حلولها الخاصة التي تستبعد فيها الطرف الآخر حال انتصارها، إما لأنه إرهابي أو لأنه خان الثورة، يجعل حكم الجيش مستمراً بفعل قدرته على تبرير نفسه بأنه يمنع الفوضى التي ستتحقق حال ترك الأمور لإدارة المدنيين، الذين لن ينجحوا في أي شيء سوى محاربة بعضهم البعض.

يبدو، أخيراً، أن سيناريو المجتمع المفخخ- بتعبير المفكر السوري ياسين الحاج صالح- هو خيار العسكر الأكثر منطقية. القمع الشديد للتيارات السياسية بجوار إغلاق المجال العام، ومحاصرة الصحافة، يؤول بالقوى السياسية المختلفة أن تصبح كل منها في جزيرة منعزلة تماماً، أقل قابلية للنقد الذاتي أو للتحالف مع الآخرين على الحد الأدنى من المطالب. يصبح المجتمع مفخخاً ليس فقط لأن النظام ينجح في زرع مخبرين وأمنيين في كل مكان، ولكن لأن المجتمع تسوده حالة عامة من الترقب والحذر والعداء بين مختلف مكوناته، ما يجعل احتمالية الحركة بشكل جمعي للمطالبة بشيء محدد، ضئيلة جداً، أو مشوبة باحتمالية تقاتل داخلي فيما بينها.

كان المجتمع وقت مبارك، مجتمعاً يعاني من التضييق والقمع، لكنه كان قمعاً سياسياً أي لم يكن يستهدف في حربه على التيارات السياسية سوى إبعادها عن المنافسة على السلطة، وليس القضاء على جذورها الاجتماعية، وإذن ظل المجتمع رغم القمع، مجتمعاً حيوياً، يحتوي على أطياف كثيرة ومبادرات متنوعة ومساحات للشد والجذب والتفاوض بين الأطراف، وهو ما مكنه في النهاية، وفي أكثر لحظاته حيوية، أن يقوم بالانتفاض على النظام، وأن يطرحه أرضاً.

يراهن النظام الحالي، على إنهاك المجتمع نفسه، وليس تياراته السياسية فقط، إغلاق المجال العام، ومحاربة أي مبادرات مجتمعية والتضييق التام على الصحافة والإعلام. يرى النظام أن مساحات الحرية والحركة التي كانت موجودة في عصر مبارك، تلك المساحات التي أفرزت مختلف الحركات و التيارات السياسية، كانت هي السبب الرئيسي في سقوطه، وأن القمع إذا ظل محصوراً بشكل فوقي على الحركات السياسية فقط، فهو يغامر بأن يترك للجذور الاجتماعية للمعارضة حرية أن تظل موجودة وتقوي نفسها بالوقت، ما يجعلها في حالة انتظار للحظة المناسبة للانقضاض عليه. ذلك هو تحليل النظام لانتفاضة 25 يناير، أن مبارك ترك مساحة واسعة لنمو الحركات المضادة له، ويبدو النظام مصمماً على ألا يقع في الخطأ نفسه. وإن كان انتصاره في هذا الرهان- إنهاك المجتمع- لا يبدو بتلك السهولة التي يتخيلها بسبب قوة وعمق الجذور الاجتماعية للثورة وتياراتها، ما يجعل الوصول بها إلى حالة إنهاك تام مسألة تتطلب سنيناً طويلة، في حالة إن كانت هذه التيارات واعية بأهمية المحاربة من أجل الحفاظ على مساحات حرة نسبياً وسط الجنون الحادث، وعلى الحفاظ على كتلها الاجتماعية في حالة حيوية وعدم إنهاكها في رهانات متسرعة أو إرباك مؤيديها بخيارات كثيرة متناقضة تؤول إلى تشتتهم التام عنها. أي أنه أخيراً تنبغي حماية حيوية المجتمع نفسه، بعيداً حتى عن تياراته السياسية، لأن المجتمعات الفتية هي من تقوم بالثورات، بينما المجتمعات المنهكة تقوم بالحروب الأهلية.

Advertisements

فكرة واحدة على ”المجتمعات المنهكة لا تقوم بالثورات

  1. ليلى

    النصابين B|

    نشرت جريدة المصرى اليوم فى 11 فبراير 2015 شهدت القاهرة، قمة مصرية روسية بين عبدالفتاح السيسى وفلاديمير بوتين، بحثا خلالها تعزيز التعاون فى الاستخدامات السلمية للطاقه النووية وتدريب كوادر مصرية، وبناء محطة نووية بالضبعة !

    وفى دراسة بألمانيا تمت لحساب المكتب الأتحادى الألمانى للحماية من الأشعاعات ونشر نتيجة الدراسة فى شهر ديسمبر 2007 أحدث صدمة فى ألمانيا بعدما ذكر بها أن البشر الذين يعيشون بالقرب من المفاعلات النووية لديهم خطورة أكبر للأصابة بالسرطان.

    لماذا نشترى مفاعل نووى تزيد تكلفته على 5.52 مليار إيرو ، و 300 من مراوح توليد طاقة الرياح تنتج ما يعادل مفاعل نووى و تتكلف 900 مليون إيرو فقط؟!!! و بعد نهاية خدمة المفاعل النووى يلزم تفكيكه و تخزينه وهذا يتكلف حوالى 600 مليون إيرو….

    ستنتج مصر بعد كل الفرقعة الاعلامية والتكلفة الباهظة 4000 ميجاوات فقط لا غير من خلال 4 مفاعلات نووية .. فى حين أن ألمانيا تنتج حاليا 20 ألف ميجاوات من الكهرباء من الطاقة الشمسية ، و هو ما يعادل أنتاج 20 من المفاعلات النووية وإيضا تنتج 31 ألف ميجاوات، من طاقة الرياح.

    فى تصريحات صحفية فى إبريل 2011 يقول د.فاروق الباز ، مدير مركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية ، أن توليد الكهرباء بأستخدام الطاقة النووية تنتج عنه مواد مشعة فشلت كبرى دول العالم في التخلص منها، و أنه يمكننا تطوير الطاقة الشمسية فى الصحراء الغربية لتحقيق جميع أحتياجاتنا فى وادى النيل، كما أنه يمكن الأعتماد فى منطقة البحر الأحمر على طاقة الرياح ، و” أن المرحلة الحالية تتطلب تطوير تكنولوجيا الطاقة الشمسية والأستفادة منها “.

    من المنتظر أن يستغرق العمل 40 سنة لأزالة الأنقاض ، تكاليف تعويضات ضحايا الكارثة النووية فى فوكوشيما وأعمال إزالة المخلفات 100 مليار إيرو، قاع البحر أمام فوكوشيما سيتم تغطيته بالخرسانة ، و بتكلفة قدرها 10 مليار إيرو ، وهناك تقديرات بأصابة حوالى 100 ألف طفل بأمراض سرطانية نتيجة كارثة فوكوشيما..”

    بعد كارثة فوكوشيما أوقف عن العمل ال 48 مفاعل نووى فى اليابان و حتى اليوم. و تقول إيفا جلفشنيج ، رئيسة حزب الخضر فى النمسا، تكنولوجيا المفاعلات النووية لا يمكن التحكم بها، هناك كارثة نووية كبيرة كل 25 سنة و هذا لا يمكن التسامح تجاه ، و يجب أنهاء الطاقة النووية و التحول للطاقات المتجددة النظيفة ، و أنه نتيجة الأشعاعات النووية يموت الأطفال قبل أن يصل عمرهم إلى 16 سنة .

    وقالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل : “إن الأحداث التي وقعت في اليابان تبين لنا أنه حتى الأشياء التي تبدو مستحيلة من الناحية العلمية قد تحدث، أنه لم تنجح اليابان برغم كل أجراءات الأمان الشديدة بها التحكم فى المفاعلات النووية و لن تستطيع بلد فى العالم أن يقول أن هناك مفاعل نووى أمن” ، ألمانيا تخرج 7 مفاعلات نووية من الخدمة فورا و هى التى يزيد عمرها عن 25 سنة و تتعجل أخراج الباقى بحلول عام 2022 و التحول إلى الطاقات المتجددة النظيفة ،

    ألمانيا و بلجيكا و سويسرا يقرروا إنهاء الطاقة النووية و أغلاق مفاعلاتهم النووية تدريجيا ، و إيطاليا تظل خالية من الطاقة النووية، هو قرار الإيطاليين فى أستفتاء شعبى و الذى صوت بنسبة 95 % ضد الطاقة النووية. علما بأن النمسا و الفلبين بعد بناء مفاعل نووى على أرضهم لم يتم تشغيله و أصبح مزارا للسياح .

    وفى مصر بعد استيراد المبيدات المسرطنة فى عهد مبارك جاء الأن الدور لإستيراد مفاعلات نووية تسبب أنواع جديدة من السرطانات مثل سرطان الدم للمصريين.. المهم العمولات!

    و لا يفوتك معرفة الجانب المظلم من الصناعة النووية و لوبى المفاعلات النووية فى مصر و مشاهدة صور أطفال ولدوا مشوهين نتيجة تعرض الأب أو الأم لأشعاعات نووية فى مقال ( ثقافة الهزيمة .. من أجل حفنة دولارات ) بالرابط التالى

    http://www.ouregypt.us/culture11/culture40.html

    إعجاب

التعليقات مغلقة.