دارفور: حتى لا يضيع الأثر بين كثبان الرمال


(1)
السؤال الاول: متى بدأت حرب الألفية الاخيرة في دارفور؟ الاجابة: عام 2003م. ممتاز. إجابة صحيحة. السؤالين الثاني والثالث: من الذي بدأ الحرب؟ من الذي اطلق الطلقة الاولى؟ الاجابة: الحركات المتمردة. تلك كانت إجابتي، وهي في نظري إجابة صحيحة، ولو أنصف المصحح فإنني استحق عليها الدرجة الكاملة. ولكن حبيبنا الاستاذ صديق محمد عثمان، ممثل حزب المؤتمر الشعبي في العاصمة البريطانية، لندن، أعطاني صفراً كبيراً داخل كعكة حمراء. إذ قرر أن إجابتي خاطئة، وألزمني بأن أجلس للامتحان مرة اخرى بعد ان اُحسن قراءة واستيعاب تاريخ الصراع في دارفور.
(2)
في مقال نشرته في زاويتي الراتبة بهذه الصحيفة الاسبوع الماضي، تحت عنوان (بازار العواطف المجانية) كتبت رداً على من أراد ان يحمّلنا، نحن أبناء الشمال (وفق التعريف الواسع) ما لا طاقة لنا به، وكأننا نحن الذين حملنا السلاح ثم انطلقنا الى ربوع دارفور فأحلناها خراباً، وتركناها يباباً، ينعق فيها البوم وترعاها ألسنة النيران.

كتبت: (أبناء الشمال لم يبتدروا أهل دارفور بحرب، ولم يغتصبوا نساءها. وإنما ابتدر الحرب والفساد عام 2003 متمردون حملوا السلاح ضد الدولة السودانية. ثم دخلوا مدن دارفور، فاقتحموا البنوك الحكومية والتجارية، ونهبوا خزائنها. ثم هاجموا دور الوزارات والمصالح الحكومية، فكسروا أحرازها وقتلوا حراسها، وسرقوا الأموال العامة والخاصة، وروّعوا الناس، وأدخلوا في قلوبهم الرعب.
وعندما تطور الأمر الى اقتتال بين الزرقة، حاملي السلاح، والعرب، تكاثرت القبائل العربية وكونت مليشياتها، بدعم حكومي او بغيره، لحماية أرضها وعرضها وحيوات منسوبيها. ومن هنا استعرت جذوة الحرب بين الحركات المسلحة وجندها من الفور والزغاوة والمساليت، ومن والاهم من وراء الحدود، من طرف، والمليشيات المسلحة ومناصريها من القبائل الدارفورية العربية من طرف آخر. فأين أبناء الشمال من كل هذا الطيش، يا راشد، يا فارس التهميش)؟
(3)
إتفق معي الاستاذ صديق عثمان، ولله الحمد والمنة، في جوهر مقالي الأصل، ثم خالفني بعد ذلك، فكتب: (ورغم اتفاقي التام مع انتقادك للروح العامة للمقال، والتي تجري على منوال تصوير الصراع السوداني-السوداني على اسس عنصرية وجهوية .. إلا أنه لفت إنتباهي إعتمادك الرواية الرسمية لبداية الصراع الحالي في دارفور، وفي ذلك ما لا يفوت عليك من خطر، فمن حق السلطة أن تروج ما شاءت من روايات تبريرية، ولكن حين يتبنى هذه الروايات أصحاب الأقلام يقع ظلمٌ عظيم على تاريخنا الذي سوف يستند كثير من مدوّنيه على مصادر مفتوحة مثل كتاباتكم).

وبعد ان استطرد تلميذ الشيخ الترابي وممثله في لندن في ايراد البيّنات المعضدة لوجهة نظره حول الخلفيات والكيفيات التي اندلعت عليها الحرب في دارفور، فإنه ناصحني وحثني على أن أفرز عيشتي في التفكير والتعبير السياسي، فأبتعد عن (هذه النخبة الصفوية المتسلطة على بلادنا)، لأنها بحسب كلماته (شحيحة النفس، عديمة المروءة، قصيرة النظر).

وقد كان بودي ان آخذ بنصيحة هذا الحبيب، فأفرز عيشتي عن خالي الفريق بكري حسن صالح، وصهري البروفيسور ابراهيم غندور، وأبتعد عن نخبتهم (المهبّبة)، وأفارقها فراق الطريفي لجمله، ثم أقترب من نخبة اخرى (كريمة النفس، وفيرة المروءة، بعيدة النظر)، كتلك التي تقود الجبهة الثورية مسيرتها القاصدة نحو آفاق السودان الجديد. ولكنني لسوء الحظ وقعت مباشرةً بعد مطالعتي مقال الاستاذ صديق ونصيحته، على مقالة أخرى سطرتها الاستاذة رشا عوض، إحدى نجماتنا الساطعة في سماء المعارضة السودانية، وجهت عبرها نقداً مروّعاً لقيادة تلك الجبهة، و(كشفت حال) نخبتها، فارتعبت وأخذ الخوف بأقطار نفسي من هول ما قرأت.

وكان الاستاذ ضياء الدين بلال قد بسط على صدر صفحته في الكتاب الوجهي مقالاً، ثم وضع في مقدمته عبارة: (هدية الى الصديقة رشا عوض). ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام قبِل الهدية إلا ان رشا لم تقبلها، فرفضتها وردّتها، ثم شفعت رفضها بحيثيات مزلزلةٍ مجلجلة، جاوزت في العدد ألفين من الكلمات.

ضمن حيثياتها اعترفت الاستاذة رشا عوض – التي ظلت عبر السنوات تمخر عباب الحياة العامة تسخر مدفعيتها الاعلامية الثقيلة لتوفير السند المعنوي المستديم للحركة الشعبية لتحرير السودان – اعترفت وأقرّت بصحة الانباء التي تواردت مؤخراً بشأن الجريمة البشعة التي راح ضحيتها العميد هندي احمد خليفة، أحد قادة الحركة، في مواجهة انكارٍ خجول ورد فعل متذبذب من لدن ممثليها.

وكان رئيس الجبهة الثورية، مالك عقار، كما بيّنا في مناسبة سابقة، قد أمر باعتقال الرجل، الذي تطاول حبسه حتى مات في محبسه تحت التعذيب. وذلك إثر خلافٍ منشؤه اعتراض القتيل على الكيفية التي تصرف بها عقار في أموال تلقتها الحركة من الخارج (بعث رئيس الجبهة الثورية بالسيدة الفضلى زوجته في يناير الماضي الى مدينة واستند البلجيكية، حيث شرعت في التفاوض مع اسرة القتيل، وهي المفاوضات التي انتهت بوصول وفدٍ عال من قيادة الجبهة الى بلجيكا في مارس الماضي لتقديم التعازي وإنجاز التسوية النهائية مع الاسرة).

كتبت الاستاذة رشا عوض بشجاعة ووضوح يُحمدان لها، تندّد بصنيع الجبهة الثورية، وتستهجن فعائلها المُنكرة: (.. الذين تم التخلص منهم بوسائل شبيهة بالوسيلة التي تخلص بها السيد مالك عقار من الهندي أحمد خليفة، أو أكثر بشاعة. وهي [أي وسيلة الاغتيال] تجد مني شخصيا الإدانة الكاملة. وهي إدانة لا تتوقف عند شخص السيد مالك عقار، بل تتجاوز ذلك إلى إدانة حالة الهزال التي تعاني منها الحركة الشعبية والحركات المسلحة الأخرى في تقاليد المؤسسية، والشفافية المالية، ونظم محاسبة القادة على انتهاكات حقوق الإنسان).

قلت انني قرأت ما كتبت الاستاذة رشا عوض فارتعبت، و(تكلّب) شعر جلدي، وشكوت لله صاحبي الاستاذ صديق عثمان. ثم خاطبته في سري: “يا سيدي فال الله ولا فالك. أتريدني يا حبيب ان أفرز عيشتي من نخبة خالي وصهري، وألتحق بنخبة اخرى مثل نخبة الجبهة الثورية، تودع قادتها وكادراتها غيابات السجون عند اول خلاف، ثم تقتلهم صبراً وقهراً، بعد أن أفنوا زهرة شبابهم في خدمتها، وقدموا شهد العطاء تحت رايتها”؟
(4)
بين يدي نسخة من كتاب (أزمة دارفور: نظرة في الجذور والحلول الممكنة)، الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية في دولة الأمارات العربية عام 2009. وهو كتابٌ تجده في أغلب مكتبات الجامعات والمعاهد المتخصصة العربية والغربية، إذ يعتبره الباحثون من عيون المراجع المعتمدة في شأن الحرب الدارفورية. والكتاب يحمل على غلافه اسم الدكتور عبد الوهاب أحمد الأفندي، استاذ العلوم السياسية بجامعة ويستمينيستر في بريطانيا، ومدير مركز دراسات الديمقراطية بتلك الجامعة.

وقد أكمل الافندي هذا العمل المتكامل ودفع به الى المطابع في ذروة معارضته لنظام الانقاذ عام 2009 (وإن كان حبيبنا هذا يبلغ ذرىً جديدة من المعارضة في كل يوم تشرق فيه الشمس). وسأغرف، بتصرف شديد، لصاحبي صديق عثمان من هذا المعين الثر. وما أحسبه يرنو الى مطعن في مرجع صلد كهذا يلقى احتراماً واسعاً في الدوائر الأكاديمية. كما لا أظنه يقدح في جودة منتوج رفيق خندقه القديم، فكما أن الغريب للغريب نسيب – في قول أمرئ القيس – فكذلك الكوز للكوز، والله أعلم!
(5)
يرجع تفجر الأزمة في مطلع عام 2003 إلى سلسلة قرارات مترابطة اتخذتها ثلاثة أطراف سودانية (الحكومة، حركة التمرد الجنوبية، وحركات سياسية في دارفور) بين عامي 1990 و2002، بدأت بصراع تفجر داخل قطاع دارفور في الجبهة الإسلامية القومية التي كان جناحها العسكري قد استولى على السلطة في عام 1989. وكان داؤد يحي بولاد، الزعيم الطلابي الإسلامي السابق، قد اختير رئيساً لذلك القطاع في منتصف الثمانينات ولكنه استبعد من ذلك الدور إثر خلافات مالية وسياسية وتنظيمية جعلت بولاد ناقماً على قيادات الحركة.

في عام 1990 وصل الخلاف إلى نقطة اللاعودة حين استبعد بولاد من أي موقع في السلطة الجديدة، وقرر الانضمام إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان وقيادة حركة تمرد في دارفور. وبالفعل تحرك بولاد إلى دارفور في ديسمبر من عام 1991ضمن قوة من الجيش الشعبي يتولى القيادة العسكرية فيها القائد عبدالعزيز الحلو، الذي كان يتولى قبل ذلك قيادة أحد قطاعات التمرد في منطقة جبال النوبة. وقد تم القضاء على تلك الحركة في وقت قياسي بعد أن استنفرت الحكومة ميليشيا قبيلة بني هلبة العربية المسماة بالفرسان، حيث تم القضاء على التمرد واعتقل بولاد وأعدم في مطلع عام 1992.

في عام 1999 وقع الانشقاق الكبير في الحزب الحاكم، وتم إقصاء الشيخ حسن الترابي زعيم الحزب ورئيس المجلس الوطني من مواقع السلطة بعد أن كان الرجل الأول فيها. وقد أدى هذا الموقف الى فرز انحاز فيه قطاع كبير من عضوية الحزب في دارفور للمؤتمر الشعبي الذي أنشأه الترابي لينافس به حزبه السابق (المؤتمر الوطني) الذي أصبح الحزب الحاكم. وفي نفس تلك الفترة بدأت حملة إقصاء واسعة لإسلاميي دارفور المتهمين بالتعاطف مع المعارضة.

أضافة إلى ذلك، وبتأثير من هذه التطورات، كان بعض أنصار الحكومة السابقين من أهل دارفور قد بدأوا تجميع أنفسهم في تنظيم سري يسعى إلى الدفاع عن مصالحهم. وقد تم إنشاء أول خلية سرية لهذه المجموعات في الفاشر في عام 1993 للبحث في سبل إصلاح الحركة الإسلامية، أعقبتها خلايا أخرى كانت إحداها في الخرطوم عام 1997.

وقد أدت جهود بذلتها هذه المجموعات بدءاً من عام 1997 إلى نشر وثيقة تحت اسم “الكتاب الأسود” في عام 2000، فصّل فيه أنصار هذه التيار ما وصفوه بعدم التوازن في تمثيل أبناء الأقاليم الغربية والجنوب في المناصب العليا في الدولة منذ الاستقلال واستئثار مجموعة من ثلاثة قبائل في وسط وشمال السودان بمعظم هذه المناصب. وفي العام التالي قامت هذه المجموعة بإرسال عدد من أفرادها إلى الخارج، كان من بينهم الدكتور خليل إبراهيم، الذي كان قد شغل قبل ذلك عدة مناصب، من بينها وزير الصحة في إقليم دارفور، ومستشار لحكومة الجنوب. وفي أغسطس عام 2001 أعلن خليل إبراهيم في بيان أصدره من هولندا إنشاء حركة العدل والمساواة.

وفي عام 1996 انعقد في الخرطوم اجتماع ضم المحامي عبد الواحد محمد نور مع أحمد عبدالشافي (الطالب في كلية التربية بجامعة الخرطوم وقتها) وعبده عبدالله اسماعيل (طالب دراسات لغوية)، وجميعهم من قبيلة الفور. وقد بدأت هذه المجموعة في تعبئة الطلاب وغيرهم من الفور المقيمين في الخرطوم لدعم الجهد العسكري، وسعت للاتصال بميليشيات المساليت ولكنها لم تفلح.

إلا أن تلك المجموعة نجحت في يوليو عام 2001 في الاتصال بمقاتلي قبيلة الزغاوة الذين كانوا قد بدأوا بدورهم في إنشاء معسكرات للتدريب العسكري. وهكذا تم إنشاء التحالف الذي بدأ عملياته في صيف عام 2002 قبل أن يعلن عن نفسه بصفة رسمية في مطلع عام 2003 باسم جبهة تحرير دارفور، ثم جيش تحرير السودان.

عندما تهيأت الوسائل والبنية التنظيمية لشن الحرب في دارفور، بدأ المتمردون مساعيهم لتوسيع الدعم السياسي الداخلي والبحث عن دعم خارجي لا تقوم الحروب بدونه. داخلياً تم الاتصال بالتحالف الفدرالي السوداني الذي يرأسه حاكم دارفور الأسبق أحمد ابراهيم دريج (من قبيلة الفور). وقد أبدى نائبه شريف حرير، وهو عالم انثروبولوجيا يقيم في النرويج وينتمي إلى قبيلة الزغاوة، تعاطفاً مع الحركة واستعداداً لدعمها. إلا أن أحمد ابراهيم دريج نفسه رفض من حيث المبدأ فكرة العمل المسلح، مما أدى إلى انشقاق شريف حرير وانضمامه إلى حركة التمرد.

من هنا اتجه المتمردون إلى دولة تشاد، ورئيسها إدريس ديبي، الذي ينتمي بدوره إلى قبيلة الزغاوة طلباً للدعم. وكان قطاعاً كبيراً من أفراد قبيلة الزغاوة من دارفور قد قاتلوا إلى جانب إدريس دبي وإخوانهم من زغاوة تشاد. ولكن معظمهم عاد إلى السودان إما لخلافهم مع ديبي بعد قيامه باغتيال وزير دفاعه عباس كوتي، الذي ينتمي إلى فرع كوبي من قبيلة الزغاوة. وإما لأنه قام بتسريحهم من الجيش تحت إلحاح المانحين الذين دعوه لتخفيض الجيش التشادي. وقد ظن هؤلاء أن علاقة القربى ستدفع بالرئيس التشادي لدعم التمرد في دارفور. ولكن ادريس ديبي، الذي انطلق بنفسه من دارفور للاستيلاء على الحكم في تشاد عام 1990 بدعم ليبي سوداني، كان يعلم أن تحركاً مثل هذا سيجره الى حالة عداء حاد مع حكومة الخرطوم، ويفتح عليه باباً قد يصعب اغلاقه، فرفض المشاركة بتقديم العون العسكري للحركة المتمردة.

ولكن أسياس أفورقي ونظام إريتريا الذي كان يسعى لتقويض حكم الاسلاميين في السودان بكل وسيلة، أو على الأقل الضغط عليه لفك تحالفه مع اثيوبيا، سارع بغير تحفظ إلى دعم التمرد. وهكذا أصبحت العاصمة الاريترية أسمرا هي ملتقى المتمردين المفضل.

في يناير من عام 2003 التقى وفد من المجموعة الدارفورية المتمردة بزعيم الجيش الشعبي العقيد جون قرنق، الذي سارع إلى دعم التحرك، ونصحهم بأن يغيّروا الاسم الذي اتخذوه لأنفسهم من (جبهة تحرير دارفور) إلى (جيش وحركة تحرير السودان)، وهو ما تم بالفعل. وقد تمت صياغة مانيفستو الحركة الدارفورية الجديدة في رمبيك، عاصمة جون قرنق في جنوب السودان. كما قام الجيش الشعبي بإرسال شحنات من الأسلحة وضباط لتدريب مقاتلي دارفور وإسنادهم.

بعد اكتمال هذه الترتيبات قامت الحركة بشن أول عملية لها، حيث قامت باحتلال مدينة قولو في منطقة جبل مرة في فبراير من عام 2003، والإعلان عن نفسها باسم (جبهة تحرير دارفور). وعقب ذلك الهجوم ببضعة أيام أعلن عبدالواحد محمد نور في اتصال هاتفي بوسائل الإعلام تغيير اسم الحركة إلى (حركة وجيش تحرير السودان)، وأعلن ان حركته معنية ب (مظالم وقضايا المهمشين في كل أنحاء السودان)!

بعد أيام من هجوم جيش تحرير السودان على قولو، في فبراير 2003، أعلنت حركة العدل والمساواة بدورها بدء العمل المسلح، وذلك بهجوم شنته على موقع حكومي بالقرب من كبكابية حيث استولت على ثلاث سيارات. وهكذا انطلقت شرارة التمرد في دارفور.

وفي هذه الأثناء شهدت الجبهات العسكرية تصعيداً كبيراً، بدأ بالهجوم على قولو والمواقع المدنية قرب كبكابية، في فبراير 2003، ثم الإعلان رسمياً عن قيام حركات التمرد المسلحة. وأعقب ذلك في مارس الهجوم على مدينة الطينة على الحدود بين تشاد وولاية شمال دارفور. تلاه في الخامس والعشرين من أبريل من ذات العام أن قامت قوة مشتركة من جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة بالهجوم على مدينة ومطار الفاشر عاصمة شمال دارفور.

كان هذا التصعيد إيذاناً للحكومة المركزية في الخرطوم بتغيير استراتيجيتها، واعتماد الحل العسكري الشامل. وابتداءً من صيف عام 2003 قامت القوات الحكومية، وسلاح الطيران بالتعاون مع مليشيات القبائل، بتحرك منهجي ل “تنظيف” مواقع التمرد ومعاقله في مناطق جبل مرة ودار مساليت.
(6)
تلك هي النقاط التي اجتزأناها من كتاب (أزمة دارفور: نظرة في الجذور والحلول الممكنة) بغرض تبيان الخلفيات وتسلسل الوقائع التاريخية في أمر التمرد الدارفوري. ولكن الأمانة تقتضينا ان نثبّت هنا ان الدكتور عبد الوهاب الافندي، لم يقتصر بطبيعة الحال على ما ذكرنا، وانما تطرق ايضاً، وبكثير من التفصيل، الى دور الحكومات المتعاقبة في صناعة المليشيات العربية وتسليحها. وعبّر عن قناعته بأن فقدان دور الدولة كحكم في الصراعات المحلية، وتحولها الى طرف فيها، يربض في قلب العوامل التي أدت الى تفجير الأزمة. وتلك نتائج وخلاصات نقبل جانباً منها، ونتحفظ على كثير، من منطلقات رؤي وقناعات راسخة لدينا، نملك في شأنها البيّنات والبنود، والشواهد والشهود. ولكن ربما لم يكن هذا هو المنبر والوقت الملائم للتداول حولها، ولكن أذان أوان.

أما أذان اليوم، فهو الذي رفعه صديقنا ووديدنا الاستاذ صديق عثمان. وها قد جئناه في مسجده، والصلاة جامعة. نقول له، ولكافة المصلين: ذاك هو التاريخ الذي ما يزال نابضاً بالحياة، لم ترثّ أوراقه بعد. تحدثنا صفحاته أن أول حملات التمرد في دارفور، وقد قادها داؤد يحي بولاد، لم تكن دفعاً لمظالم، ولا حميةً لشعب. بل كان دافعها الأوحد شهوة الانتقام والانتصار للذات. وانما كانت تعبيراً عن غلٍّ موتور، وحقدٍ مصرور، ومرارة ممضّة، غصّ بها حلق إنسان طموح، كان عزيزاً في حركته الاسلامية، ف(همشته) الحركة، وأنزلته من صياصيه في مواقع القيادة، ونزعت عنه تاجه وصولجانه.

ثم تحدثنا الصفحات أن جون قرنق دي ما بيور هو الذي تكفل برعاية وسعاية (جبهة تحرير السودان)، حتى انه عندما لم يستحسن اسمها، بدله تبديلاً، واخترع لها من عنده أسماً جديداً، فقبل به المتمردون لفورهم، وكيف يرفضون أمر سيدهم، وهو الذي آواهم واطعمهم وكساهم، وقدّم لها السلاح والمدد. بل أن مانفيستو التأسيس الذي اعلنته إيذانا بميلادها، جرت صياغته في رمبيك، عاصمة جون قرنق، بحضوره ومباركته، وأغلب الظن ان يكون هو الذي سطر كلماته.

أما حركة العدل والمساواة، فلم تأت الى الوجود، ولم يكن اصحابها قد فكروا او حتى سمعوا، مجرد سماع، بلفظة (تهميش) إلا بعد ان فقدت عناصرها السلطة في اعقاب المفاصلة الترابية العُمرية. وبعد ان أدرك هؤلاء انهم قد انحازوا الى المعسكر الذي فاز بالسهم الأخيب، وباء بالخسران المبين. وكانوا قبلها في عزّ من أمرهم، يلعقون الشهد، ويتقلبون في طنافس الدولة الانقاذوية، ويتمرغون في بساتينها. وإنما أذلهم العزل والإقصاء، ومحق كبرياءهم الحرمان من الحكم. ومن تربى على مبدأ (سلطة للساق ولا مال للخناق) شق عليه فراق المنصب.
(7)
نعم، أيها الصديق، الحركات الدارفورية المتمردة هي التي ابتدرت الحرب في دارفور عام 2003 وتحديدا في فبراير ومارس من ذلك العام. وفي غداة يومنا هذا، فإنها هي، وليس غيرها، من يتصدى لقطاعات واسعة من النازحين الراغبين في العودة الطوعية لمدنهم وقراهم، فتحول بينها وبين مرادها قهراً وجبروتاً. بل انه في علم الكافة أن حركة تحرير السودان التى يقودها عبد الواحد محمد نور قامت باغتيال عدد كبير من المؤيدين للعودة الطوعية.

ليست تلك (الرواية الرسمية التبريرية) التي تروجها السلطة. بل تلك هي الحقيقة الساطعة كما عاشها الناس وخبروها، وكما رصدها المؤرخون وكتبوها.

نعم، الحركات الدارفورية المتمردة هي التي بادرت باقتحام المدن الآمنة، واستولت على الممتلكات العامة والخاصة، ونهبت وسلبت وقتلت، وعاثت في الأرض فسادا. وهي التي قوّضت الحياة الطبيعية لمئات الآلاف من الأحرار والحرائر، من أبناء دارفور وبناتها، فجعلت منهم لاجئين مستذلين، يتكففون الإحسان من تحت راحات الفرنجة، بعد ان كانوا أسياداً في مدنهم وقراهم، موفوري الكرامة، يدهم العليا، وهاماتهم تعانق الجوزاء.

الحركات المتمردة هي التي جعلت من دارفور، التي عرفت الاسلام منذ بواكير القرن الرابع الهجري، والتى اشتهرت بنار القرآن يُضئ لياليها، وبكتاب الله المحفوظ يلجلج في صدور أهاليها، أكبر ساحة للتنصير في افريقيا، يجول المبشرون بين ابنائها في معسكرات الهوان، وفي ايديهم صورٌ لمسيح أسود، تحمله امٌّ سوداء!

سودانيز اون لاين
مصطفى عبد العزيز البطل

Advertisements