طموح كاتب وصدمة الواقع!

كتاب

   تستفزّ وتثير قريحة الكُتَّاب أي قضية أو أي مواقف من المواقف بتنوّعها الجميلة والسيئة التي تمرّ أمامه يومياً -وهي لا تحصى ولا تُعد .. يثور الكاتب أو حتى “الكويتب” الصغير مدفوعٌ برغبةٌ فضوليةٌ تعصرُ في أنحاء جسده مصحوبة برعشة وهيجان غير عادي لا يهدى ولا يستكين إلاّ بعد أنَّ يِفرغ ما بداخله من مشاعر على الورق

أشياءً كثيرة يصادفها المرء يومياً منها اجتماعية وبعضها دينية أو سياسية وغيرها من المواقف، فتجتاحه رغبة جامحة للتعليق عليها وطرحها بشفافية ويحرّكه فضول جارف دون أنّ يستطيع كبت مشاعره وقمعها إلا أنّ مجتمعاتنا وحكومات بلداننا القمعية التي تكره الحقيقة والصوت الناقد لعاداتها وتقاليدها وسلوكها وتحب من يسوق لها الوهم ويسير وفق أهوائها ورغباتها لا تترك لأحد ولو هامش بسيط من الحرية ليطرح ما بجعبته من أفكار كما يريد بل تحاربه وتقمعه بقوة ولا تسمح لأي أفكار تخرج عن المألوف لتظلّ تدور في نفس الدائرة دون أن تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام.. لذا يضطر الإنسان الصادِق والذي لا يجيد النفاق والتزلَّف إلى الاختلاء مع نفسه وممارسة هذه الهواية بعيداً عن أنظار الناس تجنباً من الأذى وخوفاً من ردة الفعل التي ربما قد تصل إلى استهداف حياته !

شعرتُ بألمٌ كبير وحسرة على حال أمتنا التي تغرق بمستنقع الجهل وهي مستمتعة ولا تريد أن تخرج من هذا القبو أبداً، تقمع كل من يحاول أنّ ينتشلها منه .. وأيضاً شعرتُ بألم كبير جداً على حال كُتابنا الذين يحملون أفكاراً تنويرية وناقدة لسلوك وعادات المجتمع وأخرى أبداعية من الذين يعانون كثيراً فيضطرون إلى الانزواء وتفريغ  ما بجعبتهم دون أنّ يطَّلع عليها الناس وأحياناً تذهب في المشمش نتيجة محاربتها بجهالة رغم أهميتها وضرورتها لتشفي هذه المجتمعات المهووّسةِ من عللّها وتخرجها من أزماتها الكثيرة والمدمرةِ .. صاحبني هذا الشعور بعد أن قرأت مقالاً عن أحد الكُتاب العرب من العراق الكاتب الكبير “معروف الرصافي الذي كتب واحدا من أهمّ الكتب حول الإسلام “كتاب الشخصية المحمدية”، خالف فيه الكثير من الأفكار السائدة حول النبوّة، وتصدّى للأساطير والخزعبلات والقراءات غير العقلانية في التراث الإسلامي، إلاّ أنه حسب ما جاء في المقال “لم تجرؤ دور نشر على طبعه في بلده الأمّ أو في سائر البلدان العربية، وعندما تيسّرت طباعته إنما كان ذلك في ألمانيا وبمبادرة من )منشورات الجمل( وحتى بعد طباعته مُنع من المكتبات ولم يُسمح له.

لا استطيع أن أتخيل حجم القهر والمعاناة التي واجهها الكاتب الكبير معروف الرصافي الذي عاش هذا الشعور قبل حوالي ثمانون عاماً وهو يرى عُصارة أفكاره يحاربها مجتمعه وأبناء أمُّته بجهالة ويصدون عنها وهي الدواء الذي يساعدهم على الشفاء والخروج من براثن هذا الواقع المأساوي. كيف أستطاع مواجهة جحود أمُته تجاه هذه الثروة الفكرية التي لا تُقدر بثمن ؟ مع أننا كمفسبكين أصحاب أفكار فجَّة وسطحية أحياناً نموت قهراً على منشور لا يساوي نقطة في كتابه أو كُتب عظماء مثله ظُلِموا واضطهدوا وحُوربوا من مجتمعاتهم .. لعلَّه الآن يشعرُ بآلام العراق ويتألم في قبره ثم يقول”قومي لم يسمعوني حياً فكيف يسمعوني ميتاً؟ ”

أي قهر أنّ تعيش في أمُّة مبدعيها وكتابها يمارسون هواياتهم بعيداً عن أنظار الناس ويولّدون أفكارهم خلسةٍ دون أن تخرج ليُستفاد منها فيذهب فيما بعد كثيرا منها إلى مكب النفايات والقليل يبقى في أرف المكتبات دون أن يقتنيها أحد تحت تهمة الكفر والشرك الباطلة. كيف لك أنّ تكون بخير وأنت تعيش في مجتمعات مبدعيها يُمارسون هذه المهن والهوايات العظيمة والشريفة خفيةٍ كما تُمارس العادة السرية في الدهاليز والحمامات؟ كيف ستشعرُ بالسعادة وسط هذه المجتمعات العدوانية، المنغلقة والمنكفئة على نفسها وأنت تملك هذا الحس الفضولي الذي يجعلك في صدام دائماً معها؟ هذا يحتاج منك إلى قوّة احتمال خارقة للعادة وصبر من نوع خاص.

المصدر

Advertisements