عالم بلا سياسيين

انتبه جنابك إلى هذه الظاهرة العربية التي لا شبيه لها في أي مكان على الكوكب: نحن من أكثر الشعوب استخدامًا لكلمة «سياسة»، لكنْ عالم بلا سياسيين. قبل 23 يوليو (تموز) كانت مصر مليئة «بالسياسيين»، يعبّرون تقريبًا عن سياسة وطنية واحدة. 23 يوليو ألغتهم جميعًا وحوّلت كل مصر إلى حزب واحد: لا نحاس ولا زغلول ولا مكرم عبيد ولا أحمد ماهر ولا عبد الخالق حسونة ولا أحد. فعندما تقول السياسة الخارجية، تعني رجلاً يوضّب كل شيء وفقًا لرأي الرئيس، وليس للحكومة أو البرلمان. وفي العراق وسوريا وليبيا صارت البرلمانات مكتظّة بصوت واحد. ولم تعد الحكومات سوى مشكاك من الأسماء التي تظهر ساعة تأليف الحكومة. ومن بعدها لا مكان في الصورة لأحد.
بقي لبنان محافظًا على لون «السياسة» والمشاركة. لكن جميع الوزارات، دون استثناء، كانت «تستأنس» برأي دمشق في كل شيء. وفي أي حال انتقلت «العسكرية» من الحكم إلى المعارضة أيضًا. وتقضي «سياسة» الجنرال عون ورحابتها بأن ينتخب رئيسًا قبل الذهاب إلى الاقتراع في مجلس النواب، وإلاّ فلا رئيس.
كانت السياسة في لبنان صنعة أو فنًا: رياض الصلح، وبشارة الخوري، وكميل شمعون، وشارل مالك، وتقي الدين الصلح، وفؤاد شهاب، وريمون أده، وكمال جنبلاط، وعادل عسيران، وهلم جرا. الآن يجب أن نتساءل: هل هناك سياسة لكي يكون هناك سياسيون في المستقبل؟ طبعًا لا يزال لدينا أكثر من سوانا حتى الآن، ولكن كيف ستكون صورة العالم العربي في المستقبل؟ هل ستعود الحياة السياسية إلى مصر بذلك المعنى الكبير، حيث كان كل مصري شريكًا في العمل السياسي من خلال نائبه وكاتبه وحتى حارته؟
هل سيعود العراق وسوريا إلى الطبقة التي عرفها في مرحلة الاستقلال؟ هل يمكن أن نرى في ليبيا في المستقبل البعيد، رجالاً متواضعين عارفين يعملون لصالح الدولة، لا لصالح التفتت المتغول والنهب الهمجي للثروات؟ السياسة ليست أرقى الأشياء. لكنها أوسع صدرًا من الديكتاتوريات والاستبداد والسطوة على قرار الناس وأرزاقهم.
لن نستطيع استعادة سعد زغلول ومصطفى النحاس ورياض الصلح، لكن الحريّة السياسية تمكننا من البحث عن أشباه معاصرين لمرحلة معاصرة. وإلا فإن غياب الحوار والنقاش والانفتاح سوف يظل يولد نوعًا من الأبطال يتلذذون بحرق ضحاياهم بعدما يوثقون أيديهم وأرجلهم. ومن يستطع منكم تحمُّل هذه الصورة فليلعن العمل السياسي. الديمقراطية اختراع صهيوني!

سمير عطاالله

Advertisements