سجين رأي .. وبعد ؟

    على مدى عقود من قيام الدولة الشمولية ..، كان المواطن في هذا البلد الجميل يُعتقل في فكرة ويُعذَّب بسبب كلمة، ويُشرَّد لرأي رآه أو لمبدأ تبنّاه، فيُغيّب خلف الشّمس، ويُحال بينه وبين أهله وبينه وبين أسباب الرّزق، ويُمنَع سجين الرأي من النّجاح في المناظرات العمومية رغم تألّقه، وذلك لأنّ اسمه مدرج في القوائم السوداء لدى الدوائر الأمنية في وزارة الداخلية، ويمنع من جواز السفر، ومن التنقل داخل المدينة أو بين المحافظات من دون إعلام مخفر الشرطة، وتُغلَق دونه الحدود والأبواب، لأنّه خرج عن سمت النظام الحاكم، أو فكّر خارج السّبل المسطورة، ولأنّه من المغضوب عليهم، يُسلَّط عليه سيف العذاب فيعيش ضنك العيش، وتلحق به نعوت مرذولة شتّى، وتهم خطيرة عدّة، يضيق بتفصيلها المقام، ويتحوّل البلد إلى سجن كبير، يعيش فيه المظلوم بالكاد، ويقضي الضحية نحبه مكلوماً، أو يرحل عن عالم النّاس شهيد كلمة وفداء وطن…
     ويشهد التّاريخ أنّ آلاف ضحايا الاستبداد توزّعوا بين السّجون والمنافي، ودفعوا زهرة أعمارهم بسبب قولهم قولاً، أو تبنّيهم فكرا لا يروق للحاكم وبطانته، فقد كان الرّأي المخالف جريمة يُعاقب عليها القانون، وكان نقد السّلطان أمراً معيباً يؤدّي بالفرد، أو الجماعة، إلى مهاوٍ لا منجاة منها، وإلى مجاهل لا أحد يعلم مخاطرها، ويُسمّى المخالف معارضاً بالضّرورة، ويُصنّف باعتباره خارجا عن الملّة، ناكراً النّعمة، خائناً الوطن، فلا يُؤْكل من مائدته، ولا يُشْرَب من مائه، ولا يُصاهر ولا يُعاشر، ولا يُقابَل، ولا يُمشى في جنازته، ويُعامَل على أنّه مواطن من درجة ثانية في الحياة الدّنيا، ويُعدّ مبتدعاً أو أفّاكاً ومحدثاً في الحياة الأخرى… آلاف مساجين الرّأي ضحّوا بالغالي والنّفيس، بالبخس والرّخيص، حتّى يفكّوا أغلال الاستبداد عن النّاس، وحتّى يمهّدوا الدّرب إلى الحرّية. جرّدهم زبانية السّلطان من ثيابهم ومن هويّاتهم، داهموهم في عزّ اللّيل، فحرموهم لذّة النّوم وسكينة اللّيل، وسرقوا أحلامهم، وخطفوا خبزهم، وهتكوا أعراضهم، ونكّلوا بهم وبأُسَرِهِم، وبقيت بصمات الظّلم باديةً على أجسادهم، وفي قلوبهم، وعلى أصواتهم. كانوا يكابدون في صمت، ويجاهدون في إباء، ما رضخت إرادتهم، ولا ترددّت ألسنتهم في قول لا، وكلّفهم ذلك غالياً زمن الدّولة القامعة وبعدها.
    تكلّم سجناء الرّأي زمن صمَتَ كثيرون، وزمن صفّق آخرون للمستبدّ وأعوانه. تجرّعوا السمّ الزؤام، وشربوا العذاب ألواناً وما وهنوا. تخلّى عنهم القريب قبل البعيد، وسكنوا أقصى المدينة أو جوف الرّيف أو نئيّ المنافي وما تعبوا. كانوا على يقين من أنّ فجر التنوير سيشرق، وعلى علم بأنّ دولة الظّلم ساعة ودولة الحقّ إلى قيام السّاعة.
حلّت الثّورة، بعد أن راكمت جهودهم عبر عقود، فكانت نتاج تضحيات مناضلين كثر ملأوا مشهد منازلة الحاكم بأمره، ومنازعته سلطاناً ليس له، وكانوا ينتمون إلى أطياف سياسيّة وثقافيّة وفكريّة شتّى، فمنهم اليساريّ، ومنهم الإسلاميّ، ومنهم القوميّ، ومنهم الليبراليّ، ومنهم المتديّن، ومنهم غير المتديّن، ومنهم المتأدلج، ومنهم غير المتأدلج، التقوا جميعاً عند حبّ الوطن والشّوق إلى الحرّية، ورفض الاستبلاه الجماعي في عصر الدّولة المستبدّة. ولمّا جاء عصر الثّورة، ظنّوا الدّولة الجديدة ستنصفهم، وستعيد لهم اعتبارهم، وترفع شأنهم وتكرّمهم، بل وتعتذر لهم، لأنّ أجهزتها البوليسيّة ومؤسّساتها التنفيذيّة والتشريعيّة والرّدعيّة أرهقتهم وعذّبتهم وشرّدتهم سنين عددا. وظنّوا أن يكون الاعتذار سبيلاً إلى تضميد الجراح وطيّ صفحة الماضي والتأسيس لدولة الحقّ والواجب، حلموا كثيراً، وتمنّوا لو تزهر سنواتهم العجاف، في زنزانة صفراء باردة، برياحين النّصر وتباشير الحرية وإعادة الاعتبار. لكن، من دون جدوى. تمنّوا وحلموا، وفرحوا وبذلوا، وكدّوا وسعوا. فإذا هو السّراب البلقع، جاء آخرون من آخر الزّمان ليزايدوا عليهم، ليعتبوا عليهم، لأنّهم ناضلوا بدلاً عنهم. جاءوا ليحوّلوا جهدهم إلى كرة ثلج تذوب تحت نار الوصوليّة والتحزّب البغيض والتأدلج المغلق والتهافت الرّهيب على السّلطة. وقام في أنحاء المدينة “ثورجيّة” جدد، ما عرفوا السّجن يوماً، ولا العذاب لحظة، وما رأوا سوط الجلّاد إلّا في لوحة رسم أو في كابوس عابر. جاءوا يُكابرون ويزايدون. ويبخسون المناضلين حقّهم في جبر الضّرر واستئناف الحياة. يريدون أن يسرقوا حياتهم إلى الأبد، وأن يصادروا حلمهم إلى الأبد. ونسوا قول فولتير ذات يوم “وقوفي لحظة واحدة في قفص الاتهام، وأنا بريء، ينسيني ألف كتاب قرأته عن الحرية” . 
أنور الجمعاوي
Advertisements