ادريس دبي وتحديات الولاية الرئاسية الخامسة

دولة تشاد التي تقع في وسط القارة الإفريقية شكلت -عبر تاريخها الطويل- جسرًا للتواصل والتلاقح الحضاري بين العرب والأمازيغ والطوارق شمالاً، وحضارات حوض النيل شرقًا، وبين الحضارات الإفريقية المختلفة جنوبًا وغربًا؛ مما جعل الشعب التشادي البالغ 13.21 ملايين نسمة (حسب تعداد عام 2014)(1) يتكون من أكثر من 200 مجموعة عرقية ولغوية مختلفة تتوزع على مساحة جغرافية تقدر بـ1.284 مليون كم² هي الخامسة إفريقيًّا، ودولة تشاد دولة حبيسة (أي لا سواحل لها على البحر)؛ تحدها ليبيا شمالاً، والسودان من الشرق، والنيجر من الغرب، وجمهورية إفريقيا الوسطى من الجنوب؛ بينما يحدها كلٌّ من الكاميرون ونيجيريا من الجنوب الغربي.

الإسلام والمسيحية هما الديانتان الأكثر انتشارًا؛ حيث يتركز غالبية المسلمين في الشمال والوسط، والمسيحيون في الجنوب، ولدولة تشاد لغتان رسميتان؛ هما: الفرنسية، والعربية، فضلاً عن عشرات اللهجات المحلية التي تستعمل في مختلف أقاليم الدولة.

في الوقت الذي شكَّل فيه التنوع العرقي واللغوي والموقع الجيوسياسي المهم للتشاد مكامن قوة ومنعة؛ مكَّناها من تأدية أدوارٍ تاريخية مهمة ومفصلية في المنطقة؛ إلا أنهما بالمقابل جرَّا لعنة الجغرافيا على الدولة التشادية منذ الاستقلال وحتى الآن، دون أن تتمكن الحكومات المتعاقبة -التي في معظمها حكومات عسكرية جاءت إثر انقلابات دموية- من التصالح مع الذات التشادية متعددة الأعراق واللغات، الشيء الذي عمل على إعادة إنتاج أزمات تشاد في متلاحقة عبثية وكأنه قدر سيزيفي لا فكاك منه، شأنها شأن معظم جاراتها في منطقة الساحل الإفريقي؛ التي تتقاطع في كونها الأفقر عالميًّا، وأن معدلات الفقر والبطالة والأمية فيها هي الأعلى على مستوى العالم، فضلاً عن الانقلابات العسكرية الدموية التي أضحت سمةً تلازم دول المنطقة كالبصمة؛ كل هذا رمى بثقله على المؤشرات التنموية والبنية التحتية في دول الإقليم؛ مما جعل دول الساحل الإفريقي أحد أهم مُصَدِّري المهاجرين غير الشرعيين في العالم.

جدلية الشمال والجنوب

نظرًا إلى وجود أغلب مدن تشاد في منطقة الجنوب؛ حيث تتواجد 80% من مدارس الدولة، كانت نسبة التمدرس بالجنوب عالية قياسًا بالشمال؛ الذي لا يلتحق إلا 10% من أطفاله بالمدارس، هذا الأمر جعل معظم رجال الأعمال من منطقة الجنوب حتى الآن؛ وهو الأمر الذي جعل معظم رجالات الدولة بعد الاستقلال بمن فيهم منصب رئيس الدولة من الجنوب المسيحي الأكثر تعليمًا وتمدنًا، واستحواذ الجنوب على النصيب الأوفر من النفوذ والسلطة؛ مما أدى إلى اندلاع حرب أهلية بين الشمال والجنوب بعد مرور 5 سنوات فقط على الاستقلال؛ أي في عام 1965، ولم تتوقف إلا في عام 1979 لتعلن نهاية هيمنة الجنوب وسيطرة الشماليين على مقاليد الحكم لتتجدد صراعات مسلحة دامية بين رفقاء السلاح من الشماليين؛ جعلتهم يتناوبون على السلطة في انقلابات دموية؛ كان آخرها الانقلاب العسكري الذي أوصل الرئيس “إدريس دبي إتنو” إلى سدة الحكم في ديسمبر/كانون الأول 1990 بمساعدة من الجارتين ليبيا والسودان.

المرحلة الانتقالية

استبشر الكثيرون من الشعب التشادي بتسلُّم “إدريس دبي” للحكم خلفًا لسلفه حسين حبري؛ الذي اتسمت فترته بالشمولية والقسوة في قمع معارضيه، وتكريسه السلطة في فئة معينة استحوذت على نصيب الأسد من المال والنفوذ.

بل إن بعضًا من المراقبين رأوا فيها مرحلة انتقالية بين النظام الدكتاتوري والديمقراطية؛ لاسيما بعد خطاب “إدريس دبي” الأول، الذي قال فيه قولته المشهورة: “لم آتيكم بذهب ولا فضة إنما جئتكم بالديمقراطية”(2)، وعرفت تشاد سجالاً سياسيًّا خصبًا لمؤسسات المجتمع المدني وللأحزاب السياسية الفاعلة في تشاد دام 6 سنوات، تمخض عنه إقرار دستور 1996 في استفتاء شعبي، هذا الدستور الذي نص على أنه يحق للرئيس الترشح لفترتين رئاسيتين فقط، مدة كل منهما خمس سنوات:

الفترة الانتقالية: حكم الرئيس “إدريس دبي إتنو” المسلم المنتمي إلى قبيلة الزغاوة؛ التي تتواجد في شرق تشاد وغرب السودان، خلال الفترة الانتقالية من 1991 إلى 1996 بشرعية ثورية، استمدها من إطاحته بسلفه.

الولاية الرئاسية الأولى: بعيد إقرار دستور 1996 في استفتاء شعبي تم إجراء انتخابات رئاسية تقدم لها 8 مرشحين، فاز بها “إدريس دبي” في الجولة الثانية بنسبة 69.1%.

الولاية الرئاسية الثانية: دخل دبي الانتخابات في 20 من مايو/أيار 2001 ممثلاً لحزب الخلاص الوطني الحاكم بعد أن تحالف مع ما يُقَدَّر بـ‏27‏ حزبًا آخر، وهو ما أدى دورًا حاسمًا في تفوقه على منافسيه الستة الآخرين، استفاد “إدريس دبي” من نقاط ضعف أدت إلى تشتيت أصوات منافسيه، وضمنت له الفوز في الجولة الأولى؛ مما جنَّبه الدخول في جولة ثانية كان منافسوه يعتزمون توجيه كل مؤيديهم للوقوف خلف المرشح الذي سيدخل ضد دبي في الجولة الثانية‏. استفاد “دبي” من تشتت أصوات الجنوبيين بوجه عام بين خمسة مرشحين؛ بينما لم يتقدم من الشمال سوي دبي ومنافس آخر لم يكن على مستوى باقي المنافسين في الجنوب‏. ‏كان “نجارليجي يورونجار” من حركة الاتحاد من أجل الجمهورية أقوى منافسي “إدريس دبي”، وفاز دبي من الجولة الأولى بعد حصوله على ‏67.35%‏ من الأصوات، وتلاه “نجارليجي يورونجار” بــــ‏13.94%‏ من جملة أصوات الناخبين‏. ‏

الولاية الرئاسية الثالثة: استطاع “إدريس دبي” إجراء استفتاء حول تعديل المادة (61)؛ التي تحول دون ترشح (الرئيس الحالي) إدريس دبي لمدة رئاسية ثالثة؛ وبهذا ضمن ترشحه إلى عدد غير محدود من الولايات، بعد أن كانت تلك المادة تقيِّد الرئيس بولايتين غير قابلتين للتجديد. وقد قوبل ذلك التعديل بموجة رفض عارمة من المعارضة التشادية؛ التي قاطعت انتخابات 2006 (خصوصًا فيدرالية العمل من أجل الجمهورية، وتنسيقية الدفاع عن التحالف، التي تضم 20 حزبًا)، وعلى الرغم من ذلك أُجريت الانتخابات، وفاز دبي بولاية رئاسية ثالثة بنسبة 64.67% دون وجود منافسة جدية له، وسط تزايد التوتر مع الجارة السودان، وارتفاع معدلات البطالة؛ التي غذَّت تمردًا متناميًا تجسد في فرار العديد من أفراد الجيش التشادي؛ التي احتضنتها الجبهة المتحدة من أجل الديمقراطية الساعية للتغيير المسلح، والأخطر من ذلك محاولة الانقلاب في 14 من مارس/آذار 2006؛ التي تم إحباطها على أيدي أفراد من الجيش الموالين لدبي.

الولاية الرئاسية الرابعة: مع تزايد حالة الاحتقان الداخلي، وإعادة تنظيم المعارضة التشادية لصفوفها للاستفادة من الزلزال الذي حصل في شمال دول القارة، وتصاعد وتيرة العمليات العسكرية ضد “القذافي” الحليف الاستراتيجي لإدريس دبي، جرت الانتخابات الرئاسية في 25 من إبريل/نيسان 2011 بعد تأجيلها لثلاثة أسابيع، واللافت هنا أن ثلاثة من أهم زعماء المعارضة؛ وهم: “عبد القادر ود كاموغي”، و”نجارليجي يورونغار”، و”صالح كبزابو”، أعلنوا انسحابهم من سباق الرئاسة؛ بسبب ما وصفوه بـ”المسرحية السياسية”، وحثّوا المواطنين على مقاطعة الانتخابات(3)، وكما توقع المراقبون فاز دبي من الجولة الأولى بنسبة كبيرة بلغت 88.66% وسط نسبة إقبال متدنية من المقترعين.

الولاية الرئاسية الخامسة: بعد إعلان ديوان الرئاسة التشادية نية الرئيس إدريس دبي الترشح لولاية رئاسية خامسة هذا العام (2015)، رأى المراقبون أنها خطوة محفوفة بالمخاطر والتحديات في توقيت بالغ الدقة في منطقة الساحل الإفريقي وفي الداخل التشادي، خطوة سيواجه فيها دبي تحديات كبرى قد تتجاوز ما عُرف عنه من حنكة ودهاء في التعاطي مع المستجدات والمخاطر؛ لعل أبرزها:

المعارضة التشادية السياسية والعسكرية في الداخل والخارج؛ التي تجتمع ولأول مرة على رفض ترشح إدريس دبي لعهدة رئاسية خامسة.

العلاقة الفاترة مع فرنسا؛ التي حمته مرات عديدة، كان آخرها دحر قوات المعارضة التي حاصرت القصر الرئاسي بنجامينا سنة 2008.

التحدي التنموي الذي ازداد سوءًا بعد اكتشاف النفط، والبدء في تصديره منذ 2003، وتزايد معدلات البطالة، واستشراء الفساد والمحسوبية.

العلاقة الملتبسة والمخاتلة مع الجارتين ليبيا والسودان.

الدور التشادي في الحرب على الإرهاب.

النموذج البوركينابي وهواجس الربيع الإفريقي.

المعارضة التشادية

مع حلول عام 2000 أصبح عدد التشكيلات والتنظيمات السياسية المعترف بها داخل تشاد 60 تنظيمًا، معظمها يعارض حزب “جبهة الخلاص الوطني الحاكم”، وأهم هذه التنظيمات: حركة الوحدة والاشتراكية (ACTUS)، والتحالف الوطني من أجل الديمقراطية والتنمية (ANDD)، والحركة الوطنية للسلام (MPS)، والحركة الديمقراطية الاشتراكية في تشاد (MDST)، وحزب الحرية والتنمية (PLD)، والمجمع الوطني للديمقراطية والتقدم (RNDP)، والاتحاد الديمقراطي الجمهوري (UDR). ومن التنظيمات التي لا يعترف بها النظام التشادي: المجلس الديمقراطي الثوري (CDR)، جبهة تشاد للتحرير الوطني (FROL – INAT)؛ التي تتمركز في الجزائر، وجبهة تشاد الوطنية (FNT) التي تتمركز في السودان، وحركة الديمقراطية للتنمية (MDD)، وجيش المقاومة ضد القوات المناهضة للديمقراطية (RAFAD) ويتمركز في شمال نيجيريا، واتحاد القوى الديمقراطية (UFD).

منذ أواخر عام 2005 شهدت تشاد فرار أعداد كبيرة من الجيش التشادي، شملت ضباطًا من ذوي الرتب العالية، وسرعان ما تكونت جبهة عريضة من الفصائل والحركات المسلحة المعارضة لحكم إدريس دبي؛ أبرزها الجبهة المتحدة من أجل التغيير الديمقراطي (FUC)؛ التي كانت بقيادة السيد محمد نور عبد الكريم، وحركة اسكود (SCOD) بقيادة السيد تيمان أرديمي، والقوات التي يقودها السيد أبكر طوليمي، واستطاعت هذه الجبهة أن تحاصر القصر الرئاسي في العاصمة نجامينا يوم 13 من إبريل/نيسان 2006، ولولا استماتة القوات الموالية لدبي من جهة، والمناورات السياسية التي قام بها إدريس دبي، ودور القذافي في شراء ذمم المناوئين وشق تلك الجبهة؛ لنجحت تلك المحاولة في إسقاط حكمه.

وبعد ذلك تكوَّنت جبهة أخرى تسمى باتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية (UFDD)؛ التي يتزعمها السيد محمد نوري، وفشلت هي الأخرى في الوصول إلى سدة الحكم في تشاد بعد أن سيطرت قواتها على أجزاء كبيرة من العاصمة عام 2008، وكادت تُسقط النظام، وكان لفرنسا هذه المرة الدور الأبرز في إفشال هذه المحاولة، ودحر القوات المناوئة لدبي.

ثم كان اجتماع فصائل المعارضة التشادية في الداخل أيام 16 و17 و18 من يناير/كانون الثاني 2015 في نجامينا لتدارس المسار السياسي، وسبل الخروج بتشاد من السيطرة المطلقة لإدريس دبي؛ الذي ضيَّق الخناق على العمل السياسي المعارض.

يرى المراقبون أن توحيد جهود النخبة السياسية والثقافية من المعارضة التشادية في العاصمة الفرنسية سيكون له دور في الأيام القادمة.

العلاقات الفاترة مع فرنسا

ظلت تشاد جزءًا أصيلاً ومهمًّا في الاستراتيجية الدفاعية والعسكرية الفرنسية في وسط القارة الإفريقية منذ الاستقلال وحتى وصول الرئيس فرانسوا هولاند إلى قصر الإليزيه؛ الذي أحدث تغييرات جوهرية عميقة بخصوص علاقات فرنسا بالأنظمة الإفريقية؛ التي لا تنال ثقة شعوبها؛ (فإن قادة الإدارة الاشتراكية الجديدة يبدو أنهم قرروا المقاطعة السياسية، وفك الارتباط السياسي مع بعض رؤساء الدول الإفريقية؛ الذين أصبحوا عالة على السياسة الفرنسية في إفريقيا؛ لا سيما مع قادة أنظمة دول إفريقية لا تتوافر لديها أدنى شروط الحكم الرشيد والديمقراطية والعدالة واحترام حقوق الإنسان في بلادها، وفي خلال حملته الانتخابية تعهد هولاند بعدم التعامل مع أنظمة دكتاتورية لا تحترم شعوبها، ولا تشرع في إصلاحات واضحة على الأرض، وقرر أيضًا صراحة أنه سيقاطع البرنامج الفرنسي القديم سيئ الصيت: (FranceAfrique). ويعتبر هذا البرنامج جزءًا من شبكة كبيرة وقديمة ومعقدة تضمُّ أفارقة وفرنسيين من الساسة والمثقفين ورجال الأعمال والاستخبارات والعسكريين؛ الذين يقومون بوضع خطوط مستقبل أي حاكم إفريقي وتحديد علاقته مع باريس، وهي تتحكم في مصير حكام القارة الإفريقية؛ الذين تدعمهم فرنسا في المجال السياسي والمالي، وتثبيت أركان الحكم في بلادهم…)(4).

إلغاء الإليزيه لزيارة التهنئة التي كان يعتزم الرئيس إدريس دبي القيام بها إلى باريس مطلع عام 2013 لتهنئة الرئيس الجديد، والرفضُ غير مرة لتلك الزيارة؛ التي كان يعوِّل عليها دبي كثيرًا جعل العلاقة تتدهور بين باريس ونجامينا مع حرص الطرفين على الإبقاء على خيوط من بقايا علاقة فاترة؛ إلا أن الحرب على الإرهاب في شمال مالي -التي قادتها فرنسا سرعان ما أعادت الدفء إلى العلاقة بين باريس ونجامينا؛ حيث شاركت القوات التشادية بفعالية في عملية “القط المتوحش – سيرفال”؛ التي قادتها فرنسا.

التحدي التنموي

التحدي التنموي واستشراء الفساد والمحسوبية من أهم التحديات التي تواجه الرئيس دبي؛ الذي لم يستطع أن يقدم فيها إنجازات مقنعة للشارع التشادي أو للمستثمرين الأجانب؛ ولاسيما بعد اكتشاف النفط والبدء في تصديره بكميات تجارية منذ عام 2003، والغريب أن أول مبلغ من عائدات النفط تسلمته الحكومة في تشاد تم توجيهه لشراء أسلحة بمبلغ 4.5 ملايين دولار(5)؛ وعلى الرغم من امتلاك تشاد لمخزونات كبيرة من الذهب والحديد واليورانيوم والزنك والرخام، فإن اللافت أن الدولة لم تستفد منها حتى الآن. وما زالت تشاد تحتل مرتبة متدنية في مؤشر التنمية البشرية فمن بين 177 دولة شملها المؤشر أتت في المرتبة 167)، وتعتبر من الدول منخفضة الدخل، وترتفع فيها معدلات البطالة والفقر، وتعاني من تدني الخدمات الصحية والتعليمية، ويعيش حوالي 8.4% من السكان تحت خط الفقر!

العلاقة الملتبسة مع الجارتين ليبيا والسودان

العلاقة مع ليبيا

نالت تشاد نصيب الأسد من مغامرات القذافي وطموحاته القارية والإقليمية في تأدية دور يتجاوز قدرات الدولة الليبية؛ حيث كانت ليبيا منذ عام 1971 حاضرة وبقوة في المشهد العام في تشاد؛ وذلك عبر دعم وتسليح القبائل الشمالية في تشاد؛ التي في معظمها قبائل عربية تشكل امتدادًا لقبائل عربية في دول الجوار العربي الشمالي وتحديدًا ليبيا، فمن المعروف أن معظم قبائل الجنوب الليبي (زوية – أولاد سليمان – الحساونة – القذاذفة – التبو وبدرجة أقل ورفلة والمقارحة) هاجروا بشكل جماعي إلى شمال تشاد إبان الغزو الإيطالي لليبيا، واندمجوا هناك مع القبائل التشادية، وتعايشوا معهم، ورجعت مجموعات كبيرة منهم إلى ليبيا منذ الاستقلال حتى أواسط سبعينات القرن المنصرم، كما أن قبائل التبو توجد أراضيها التاريخية في الشمال التشادي والجنوب الليبي، ودون الدخول في تفاصيل الحرب الليبية التشادية؛ التي باتت معروفة للجميع، فقد حرص القذافي على جعل تشاد جزءًا من مخططاته للتوسع جنوبًا في القارة الإفريقية، وعندما مني جيشه بهزيمة نكراء في منتصف ثمانينات القرن المنصرم، وأُسر الكثيرون من الجيش الليبي بمن فيهم قائد تلك الحملة “الفريق خليفة حفتر”؛ الذي يقود حاليًّا قوات الجيش الوطني الليبي في حربه ضد ميلشيات أنصار الشريعة في بنغازي؛ فيما يعرف بعملية “الكرامة”؛ إثر تلك الهزيمة النكراء قرر القذافي تغيير استراتيجيته في التعامل مع تشاد، ولجأ إلى قوة المال السياسي عوضًا عن القوة العسكرية، وفي هذا السياق تحقق له النفوذ والامتداد إفريقيًّا عبر البوابة التشادية، باتباع سياسة شراء الذمم، ولاسيما بعد أن أوصل إدريس دبي إلى سُدَّة الحكم بمساعدة الجارة السودان.

بعد سقوط نظام القذافي قام حكام ليبيا الجدد (الذين يرون أن إدريس دبي ظل حتى آخر لحظة وفيًّا للقذافي؛ بل إنهم يُشِيعون أنه دعمه بمرتزقة ومقاتلين تشاديين) بإطلاق سراح العقيد اللاشي مهدي، الضابط التشادي (من قبيلة التبو)؛ الذي قضي 21 سنة في سجون القذافي، ودعموه ماديًّا وعسكريًّا ليقوم بتشكيل فصيل تشادي مسلح في مدينة القطرون الليبية، ويستعد في أية لحظة للالتحاق بالفصائل التشادية المسلحة في السودان للهجوم على نجامينا، كما استغلت فصائل مقاتلة تشادية معظمها من التبو حالة فوضى السلاح والانفلات الأمني في ليبيا لتكوين معسكرات لها في المنطقة الحدودية بين البلدين، والسيطرة على تجارة التهريب ومسارات الهجرة غير الشرعية القادمة من منطقتي القرن الإفريقي ودول الساحل، والتنسيق مع التنظيمات الجهادية بالمنطقة؛ ولاسيما تنظيمي المرابطين والقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي.

العلاقة مع السودان

بحكم كون إدريس دبي من قبيلة الزغاوة التي تعيش في شرق تشاد وغرب السودان؛ فقد كان له دور فاعل في دعم المعارضة السودانية بدارفور؛ التي أقلقت الخرطوم، وظلَّت العلاقة متوترة مع الجارة الشرقية إلى أن تمت المصالحة بينهما في سرت من قِبَل القذافي، ودام شهر العسل بين نجامينا والخرطوم 5 سنوات، ليعود التوتر من جديد؛ ولاسيما بعد تسريب وثيقة سرية في أواخر عام 2013 عن وزارة الدفاع السودانية تثبت تورط الخرطوم في تدريب واحتضان المعارضة المسلحة التشادية في معسكرات تدريب على أراضيها(6).

الدور التشادي في الحرب على الإرهاب

بعد أن اطمئن إدريس دبي الذي نجا من محاولتين انقلابيتين كادتا تطيحان به في عامي 2006 و2008؛ ولأن معظم المحاولات العسكرية كانت تأتي من الجارتين ليبيا والسودان؛ فقد حرص دبي على خطب ودِّهما من خلال العلاقة الوطيدة والمميزة مع طرابلس، كذا عبر زواجه من سودانية من بيت من أعيان البلد، وجعل سقوطُ الحليف القذافي إدريس دبي يتطلع إلى لعب دور إقليمي كان يغطي عليه سطوة القذافي وحضوره في الشأن الإفريقي؛ لذا كنت مشاركته في التدخل العسكري مع القوات الفرنسية في جمهورية إفريقيا الوسطى، وتاليًا إرسال قوات النخبة التشادية التي شاركت بفعاليةٍ أشادَ بها الجميع في عملية “سيرفال”، إلا أن توسيع عمليات الجيش التشادي لمحاربة فلول الجهاديين في النيجر، وكذا لمحاربة “بوكو حرام” في الكاميرون ونيجيريا (التي تمتلك أقوى جيش في إفريقيا!) قد أفصحت بقوة عن تطلع تشاد إلى تأدية دور إقليمي بارز في الحرب على الإرهاب، وفي هذا السياق كانت مبادرته بالوقوف خلف نواكشوط في إنشاء “مجموعة 5 بالساحل”؛ التي تريد العاصمتان أن تكون الواجهة الإفريقية لمحاربة الجهاديين في منطقة الساحل، وفي عام 2013 قام إدريس دبي بتوجيه نداء ملحٍّ لحلف شمال الأطلسي ليكمل ما بدأه في ليبيا قبل ثلاث سنوات، وعزز هذه الدعوة بتحالفه مع قائد عملية “الكرامة” في ليبيا الفريق خليفة حفتر، كما قام في مارس/آذار الماضي بوضع 1300 جندي تشادي تحت تصرف القيادة المشتركة للدول الإفريقية وحلف شمال الأطلسي في الحرب على الإرهاب ضد الحركات الجهادية”، ويأتي كل هذا بعد أن أرست القوات الفرنسية في نجامينا قيادة عملية “الشمال” التي تتحكم في العمليات التي تستهدف منطقة الساحل الإفريقي والصحراء(7).

النموذج البوركينابي وهواجس الربيع الإفريقي

لا شك أن أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2014 في بوركينافاسو عندما احتشدت الجماهير في العاصمة البوركينابية “واجادوجو” وغيرها من المدن الكبرى لإفشال مساعي الرئيس “بليز كومباوري” لتعديل الدستور للسماح له بفترة رئاسية جديدة، لا شك أنها حاضرة في ذهن المعارضة التشادية بشقيها السياسي والعسكري، وإن كانت أقل قوة في ذهن الرئيس إدريس دبي؛ إلا أن المراقبين يرون أن ربيع نجامينا سيكون دمويًّا بكل المقاييس؛ نظرًا إلى تعود البلد على التغيير عبر القوة (21 محاولة تغيير بالقوة خلال أربعة عقود كُلِّلَ 6 منها بالنجاح).

قراءة في المشهد

منذ مطلع هذا العام بدأت المعارضة في الداخل تتحضر لجولة جديدة حاسمة ضد إدريس دبي، ولأول مرة تنسق جهودها مع سياسيي الخارج؛ ولاسيما الطبقة السياسية الفرانكوفونية في فرنسا؛ التي يُتَوَقَعُ لها أن تؤدي دورًا فاعلاً عكس ما عُرف عنها من مهادنة، خلافًا للتشكيلات المسلحة للمعارضة التي تتواجد في معسكرات في السودان، أو في المنطقة الحدودية الليبية التشادية.

بناء على درجة التنسيق العالية بين معارضة الداخل والخارج، وجاهزية التشكيلات العسكرية للانقضاض على نجامينا؛ فإننا نرى أنه في حالة تقدُّم إدريس دبي رسميًّا لولاية رئاسية خامسة ستعم مظاهرات عارمة رافضة في العاصمة وغيرها من المدن التشادية، وستصاحبها حملة إعلامية كثيفة بدأ التحضير لها في باريس منذ مارس/آذار الماضي، وسيعطي هذا الزخم دافعًا للتشكيلات المسلحة لاجتياح العاصمة، دون أن تتدخل القواعد العسكرية الفرنسية هذه المرة لحماية إدريس دبي؛ الذي تتعامل معه باريس على مضض لحاجتها إليه في حربها على الإرهاب في منطقة الساحل؛ هذا مع اعتقادنا أن سياسيًّا محنكًا كإدريس دبي ذا تجربة سياسية تربو على أربعة عقود قضى منها ربع قرن في سدة الحكم؛ لن يُقْدِم على مغامرة خطيرة وسط مخاطر شتى وهو يرى أهم صديقين له قد خرجا من السلطة جراء الحسابات الخاطئة؛ هما: القذافي، وكومباوري، جعلت الأول يدفع حياته ثمنًا لعناده وعدم تبصره بالعواقب، والثاني يخرج ذليلاً مطرودًا إثر عدم التقدير الصحيح للموقف والمعطيات.

 د. الحسين العلوي (*)

الهوامش والإحالات :

(*) د. الحسين العلوي – باحث وأكاديمي موريتاني.

1 – تشاد – عدد السكان, الاقتصاد التجاري، انظر الرابط التالي:

http://ar.tradingeconomics.com/chad/population

2 – منصور الحاج :جدلية «الولاية الخامسة» للرئيس إدريس ديبي, تشاد بيتنا (تاريخ النشر: 9 ديسمبر/ كانون الاول 2014), انظر الرابط التالي:

http://tchadnotremaison.net/2014/12/09/%D8%AC%D8%AF%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%B3%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A5%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D8%AF/

3 – تشاد: بدء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية, بي بي سي، 25 أبريل/ نيسان 2011), انظر الرابط التالي:

http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2011/04/110425_chad_presidential_elections.shtml

4 – كلياني محمد: تدهور العلاقات التشادية الفرنسية, حركة العدل والمساواة السودانية, 24 مايو/ آيار2013, انظر الرابط التالي:

http://www.sudanjem.org/2013/05/%D8%AA%D8%AF%D9%87%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9/

5 – تشاد: الموسوعة الحرة ويكيبيديا, (تاريخ آخر تعديل للمادة : 7 يوليو/ تموز2015), انظر الرابط التالي:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%AF

6 – الوثيقة المسربة عن وزارة الدفاع السودانية (تم تسريب هذه الوثيقة في ديسمبر 2013 ونشرت في العديد من المواقع الالكترونية العربية والأجنبية)

7 – العربي: الرئيس التشادي يتوسّع في أفريقيا بمباركة فرنسية, صحيفة الراكوبة السودانية, (تاريخ النشر 2 يوليو/ تموز2015), انظر الرابط التالي:

http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-182360.htm

المراجع

1 – Celeste Hicks: As oil-rich Chad splashes the cash it must beware white elephant projects, The Guardian (Date of publication: Monday 5 August 2013 07.00 BST), (Date of entry: Wednesday 9 July 2015)

http://www.theguardian.com/global-development/2013/aug/05/chad-oil-infrastructure-investment

2 – Celeste Hicks : Chad’s Charcoal Challenge,The Guardian(Date of publication: Wednesday 30 May 2012 17.24 BST),(Date of entry: Wednesday 9 July 2015)

http://www.theguardian.com/journalismcompetition/longlist-chad-s-charcoal-challenge

3 – REUTERS: Cameroon Says Chad to Send Large Military Contingent to Fight Boko Haram, New York Times (Date of publication: JAN. 15, 2015, 9:00 P.M. E.S.T),(Date of entry: Wednesday 9 July 2015)

http://www.nytimes.com/reuters/2015/01/15/world/africa/15reuters-nigeria-violence-cameroon.html?_r=3

4 – The Economist : Chad , President repeals controversial law, The Intelligence Unit,(Date of publication: December 11th 2014),(Date of entry: Wednesday 9 July 2015).

5 – The Economist : Chad , The president slims down his cabinet, The Intelligence Unit,(Date of publication: April 22nd 2014),(Date of entry: Wednesday 9 July 2015).

6 –  مؤشرات التنمية في تشاد, البنك الدولي,(تاريخ الدخول: 9 يوليو/ تموز 2015),

http://data.albankaldawli.org/country/chad

7 – Library of CIA: The World Factbook: CHAD, CENTRAL INTELLIGENCE AGENCY,(Page last updated on July 07, 2015),(Date of entry: Wednesday 9 July 2015)

https://www.cia.gov/library/publications/resources/the-world-factbook/geos/cd.html

Advertisements