انقلاب 17 سبتمبر 2015 في بوركينافاسو.. الأَسباب والمخاوِف

الثورة لا تعتبر ثورة إلا إذا اجتثت جميع أركان النظام السابقِ وقامت بتقديمهم  للعدالة، كل ثورة تحملُ بذور فنائها إذا  لم تحقق أهدافها،  ولم تستخدم «عاصفة القول والعمل» أو تساهلتْ مع أعداء الثورة والثُوَّار، لكلِّ فعلٍ ردَّةَ فٍعلٍ، هناكَ ثورةٌ وثورة مضادَّة، ينبغي الإيمان بها، ووضعها نُصب أعيُن الثوار، والثورة المضادَّة ردَّة فعل طبيعي من أعداء الثورة، والثوري هو الَّذي يعي هذه الثوابت التي لا تتغيَّر مع الطغاة والمُستبدِينَ والمُستعبدِينَ على مرّ العُصور…

اندلعت  الثورة البوركينبية في  30 ـ 31 أكتوبر 2014م، لإحياء الأمل في نفوس الشباب البوركينبي، الشباب الَّذين يتسكعون بلا عمل، وضعٌ مُزْرٍ صعبٌ، مُحزن، يفتقد فيه الإنسان إنسانيته، شباب همشتهم النظام المستبد، تكاد التخمة والسمنة أن تفجر بطونهم، يرى الشباب هؤلاء المسؤولين وهم يرفلون من أموالهم المنهوبة في النعيم ، ويقطنون فللاً ومنازلاً غاليةً، تَسِعُ الواحدة منها عشرات العائلات الفقيرة الكادحة ، ويمتصون ثروة الوطن بلا رقيبٍ ولا حسيبٍ، يترحلون من منتجعٍ أوروبي إلى منتجعٍ آخر، أموالهم التي تهدر في البارات وعلى طاولات القمار والملاهي الليلية والنهارية  تكفي لسدّ حاجيات الفقراء المساكين ، لكل هذه وغيرها اندلعت الثورة لزرع التفاؤل والتفاعل في نفوسهم الذي كان منقطعاً، لسبب ديمقراطية لا تقدر ظروف الشعب ولا بمعاناتهم، فهي  ديمقراطية الجيب والنهب.

لم نخطأ إذا قلنا إن بوركينافاسو «دولة الانقلابات» ، قلت في مقال لي بعنوان «ثورة (30 أكتوبر) في بوركينافاسو: قراءة سياسية ونظرة مستقبلية» نشر 2014 في هذا الموقع : «بوركينافاسو دولة العسكريين، يسود عليها لغة الانقلاب، ليكون أمام المتابع مشهدَيْن لا ثالثَ لهما، وهو حاكم انقلابي يصل إلى الحكم عبر انقلاب أو حاكم ديمقراطي ينقلب زملاءه عليه»، وضحتُ للقارئ الكريم نبذةً عن حُكَّام بوركينافاسو منذ الاستقلال عام 1960 إلى 2014م بطريقة موجزة يمكن الرجوع إليها لمن يريد التوسّع فيها.

لتبسيط الوضع للقارئ العربي أو المستعرب الأفريقي وزعتُ المقال على محورَين الرَئيسين:

المحور الأول/ أسباب الانقلاب على ثورة الشباب البوركينبي.

المحور الثَّاني/ المخاوف الداخلية والخارجية على هذا الانقلاب العسكري

المحور الأول/ أسباب الانقلاب على ثورة الشباب البوركينبي.

لكل شيءٍ سبب إذا عرفته بطل العَجَبُ والدَّهشةُ، فمنذ اندلاع ثورة 30 أكتوبر 2014، وهروب الرئيس بليز كومبوري إلى حلفاءه في دول الجوار، عاش الشعب البوركينبي في أسعد أيامه، وعانق الحرية والإنعتاق، وسُرعان ما تبدد هذا الجوّ اللَّطيف لشعبٍ عانى الاضطهادَ والظلمَ والقهرَ والتَّسلط طيلةَ حكمِ بليز كومبوري ورجالاته الذين كانوا يَسُومونهم سوءَ العذابِ.أدخلوا  الشَّعب في ظروفٍ اقتصاديةٍ صعبةٍ، اتبعوا سياساتٍ فصلوها تفصيلاً لتعريَّةِ الشَّعبِ البوركينبي وتَجْوِيعِهِ. اتبعوا سياسةَ «جَوِعْ كلبكَ يَتبعكَ» وبعد ذلك اتبعوا خُطواتٍ كثيرةٍ للانقلاب على طموحاتِ الشَّبابِ، وهو فشلٌ آخرَ يضافُ إلى تاريخ الأسود لبليز كومبوري، وأسباب الانقلاب على ثورة 30 أكتوبر 2014م كثيرة، رتَبتُ المقال على قَلَقِياتٍخطيرةٍ :

1 ـ قلَق إقليمي ودولي من الفشل لقضايا غرب أَفريقيا:

كان نجاع الثورة البوركينبية مُفاجئة لكل المنظمات الإقليمية والدولية، وضربة قاضية على أنصار بليز كومبوري في المنطقة الَّذين يحملون أموالاً طائلاً ومليشيات قوّية، شَعر حلفاءه الإقليميين والدوليين بخيبةِ أملٍ شديدٍ بمغادرته، كان بليز عميدا لهم، وركناً مهماً في أنديتهم، ومرشداً لبعض البلدان في المنطقة والعالم، بل كان قِبلةً لحل بعض قضايا المنطقة، فإخراجه بهذه الطريقة خسارة كبيرة لن تُعوَّض، وخيانةً أيضاً لحليفٍ وفيٍّ وقفَ معهم.

 تدخل في حلّ نزاع جمهورية توغو عام 2005م، حيث أصبح رئيس توغو «فُورْ ياديما» ابن بليز كومبري الوفيّ، يطلق عليه  في غرب أفريقيا «ابن بليز كومبوري» .

وتدخل أيضاً لحل الصراع الدَّموي في كوت ديفوار، دَرَّب الشباب الَّذين حرَّروا كوت ديفوار من قبضة لوران باغبو، يطلق عليهم في بوركينافاسو «شباب بليز كومبوري» دعمهم بالمال والأنفس، حيث اعتقلوا باغبو في أبريل 2011م من أبيدجان، ويحاكم حالياً في محكمة الجنايات الدولية لاهاي، دُرِّبوا جميعاً في بوركينافاسو، وهم القوَّة الضاربةِ والحاكمة حالياً في كوت ديفوار، والدولة بيدهم، يسيطرون عليها سياسياً وعسكرياً منذ 2011 إلى وقتِ كتابِ هذه السُّطور.

تدخل بليز كومبوري في غينيا كوناكير كوسيط بين داديسكمارا والثورة التي اندلعتْ ضدَّه، فعقب المجزرة التي ارتكبت عام 2009 في ملعبِ كرة القدم بالعاصمة الغينيةكوناكيري حيث قُتل فيها عشرات الغينيين، وفي اتهام متبادل بين الرئيس وحرَّاسه ورجالاته، أَطلقَ حارسه الشَّخصي النار على الرئيس دَادِيسْكَمَارا وأُصيب إصابةً بليغةً، كادَ أنْ يَقضي عليه، وحسبَ الاتفاقات والوساطة التي قام بها بليز قرَّرُوا إبقاءه في بوركينافاسو، ويُقيم حالياً في واغادوغو.

 وتدخل بليز كومبوري كوسيطٍ في شمال مالي، عُيِّنَ وسيطاً إقليمياً بتكليف من «منظمة الاقتصادية لمجموعة دول غرب أفريقيا (CEDEAO» كان علاقته مع قادة الطوارق علاقة جيدة، وصلَ مرتبةِ «الحَلِيفِ الإسْتِرَاتِيجِي». فإذا نظرنا إلى ملف شمال مالي اليومَ نجد أنّ غياب بليز تركَ ثغرةً كبيرةً إلى حدّ الآن وفق رؤية فرنسية، لم تجد فرنسا رجلاً مناسباً يسدّ هذه الثغرة الخطيرة.

 وعُيِّن بليز  وَسِيطاً أُمَّمِياً في دارفور بتكليفٍ من الأمم المتحدة، فعَيِّن بليز كومبوري وزير خارجيته «جبريل باسولي» المرشح المستبعد لرئاسة الدولة مندوباً له في دارفور، فقدم عملاً جباراً للأمم المتحدة في دارفور.

ومنذ هروب بليز كومبوري لوحظ تنقله بين المغرب وساحل العاج وغيرهما،  فهذه التَّحركات تُنبئ عن حدوث شيء خطير يدبر وراء الكواليس في بوركينافاسو، لأنّه لم يغادر بوركينافاسو بإرادته، أرغم على الذهاب ثورة شبابية قوية.

 الكل يلاحظ هذه الأيام تصعيد العنف في كوت ديفوار من أنصارِ لُورَانْ بَاغْبُو، شكَّلوا كُتلةً شبابيةً لعرقلة الانتخابات الإفوارية القادمة، يحدثون حالياً بلبلة في هذه الدولة المستقرة بعد خروج قائمة المنتخبين، تحمَّسوا لتلك الشغب بعد دراستهم للوضع الإيفواري، كان خوفهم الوحيد هو نظام بليز في واغادوغو الَّذي يساندبكل قوّة نظام الحَسَنْ وترا.

كان علاقة بليز بالمملكة المغربيَّة قوية ومتينة أشرتُ إليها في مقالٍ لي على هذه الصفحة، بين بوركينافاسو والمغرب نشاط اقتصادي ضخم، تقدر بالمليارات، أبرمت في ظل حكم بليز كومبوري، تستثمر المغرب في مجال الاتصالات السّلكية واللاسلكية، وتقوم بتدريب الجيش لبوركينبي؛ فعلاقتها مع بوركينافاسو علاقة اقتصاديةٍ مٍن جهةٍ وأمنيةٍ استيراتيجيةٍ من جهةٍ أخرى، حيثُ يقفُ بوركينافاسو مع المغرب في خَندقٍ واحدٍ  في كثير من الملفات الإقليمية والدولية.

هذه حوصلة متواضعة التي عرضتُها لكَ، وهي دليلٌ على أنَّ بليز رجلٌ إقليميٌّ ودوليٌّ، يمكن وصفه بـ «أخطبوط غرب أفريقيا»، فنجاع الثورة البوركينبية والتَّغلب على حليفٍ أوروبي وإقليمي كهذا الرَّجل لن يكون هيناً وسهلاً، فليس من مصلحة قوات إقليمية ودولية خروج بليز من المشهد السّياسي الأفريقي والإقليمي بهذه الصورة والبساطة؛ لأنَّه مهندسُ بعضٍ، ومخططُ استراتيجي للآخرين، ويوفّر اقتصاداً قوياً للطرف الثَّالث، يتمتع بليز بخبرةٍ قويَّةٍ، وذكاءٍ حادٍّ، وقُدرةٍ فريدةٍ في هَنْدَسَة السِّياسة الأفريقية وبخاصَّة في غرب أفريقيا…

2 ـ قلق سياسي داخلي من إقصاء أنصار بليز:

بينما كان يعيشُ الشَّعب البوركينبي في أروعِ أيامه بعد ثورة 30 أكتوبر كان يَعيش أنصار بليز في حُزنٍ واضطراباتٍ نفسية، واتهامات متبادلة، وفي أسوءِ أيامهم السِّياسية والاجتماعية والاقتصادية، حياتهم كانت بين مسجونٍ، ومطارد، ولاجئ سياسي، ومُختفٍ جبان، فهم أغنياء الدولة ورجالاته، يمتلكون أموالاً طائلاً، وأكياس من الذهب التي لا تَثقُبُ، ومع ذلك لا يمكنهم العيش بكرامةٍ، «عندما يثور الشّعوب يصبح الطغاة كالجزذان» ليس لديهم إلاَّ الحفر والمستنقعات العفنة.كانوا يجولون بين العواصم الأفريقية والأوروبية بغية إنتاج نظام كومبوري بأية طريقة، فطبق قانون «العزل السِّياسي» الّذي طبَّقة المجلس الانتقالي البوركينبي على أنصار بليز كومبوري وعلى الأحزاب التي ساندته.

عندما كان يسعى بليز لتعديل مادة(37) من الدستور، يتيح له الترشح لفترة أخرى، سانده أحزاب وشخصيات إسلامية وسياسية واقتصادية، أدرج جميعهم ضمن «قانون العزل السياسي»؛ حيث وضعت لجنة الانتخابات لوائح وقوانين جديدة لانتخابات الرِّئاسية التي بقي أيام معدودات، التي كانت مقرّرة انعقادها يوم 11 أكتوبر القادم 2015م، فوجدوا أنفسهم خارج السلطة تماماً وهو أشدّ عليهم من القتل.

لقد تمكن بليز بحنكةٍ سياسيةٍ وبذكائِه الثعلبية أنْ يوظف كل رجالات الدولة لخدمته، تحالف معه  أقدم حزب في البلد،  وهو ( RDA) برئاسة زلبير نويل ويدروغو، فهو حزب قديم في غرب أفريقيا يتخذ الفيلَ شعاراً له، ومن أقدم الأحزاب السياسية عُمراً في أفريقيا، عزل سياسياً بسبب دعمه لبليز كومبري وتحالفه معه.

 وطُبق «قانون العزل السياسي» أيضاً بموجب تلك القوانين واللوائح على وزير الخارجية في وقت بليز كومبوري جبريل باسولي، مندوب بليز في دافور، وهو عسكري وزميل موثوق به لبليز كومبوري وإن كان ينتقد حكم بليز، كان جبريل من رجال خيمة بليز كومبوري.

منع المحكمة الدستورية في 7 أبريل 2015م بطلب من مجلس الانتقالي مرشح حزب بليز كومبوري المسمى «إيدي كومبوغو EDDIE KOMBOGO »؛ لأنَّه من الَّذين يشملهم قائمة العزل السِّياسي، كان مِن الَّذين شجعوا بليز كومبوري لتغيير الدستور. وتم عزل كل شخصيةٍ أو حزبٍ ساندَ كومبوري في تعديلِ الدستور، فاضطر أنصار كومبوري إلى تقديم دعوة قضائية لنقد هذه اللوائح والقوانين الانتخابية أمام محكمة العدل التابعة لـ «مجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (CEDEAO»، لكن لم يجدوا تضامناً واضحاً أو دعماً حقيقياً من هذه المجموعة التي تعرف جيداً صوابية قرارات لجنة الانتخابات.فاتحدوا جميعاً، لتجويع الشّعب البوركينبي، قطعوا عليهم الكهرباء، والمياه، وعبثوا بأمنهم لكي يثوروا على المجلس الانتقالي الذي هو ثمرة من ثمرات الثورة 30 أكتوبر، وفشلوا في ذلك.

وهكذا رحّب بتعديل الدستور الذي أطاح بليز بعض قادة المسلمين، والعسكر، وشخصيات قضائية، واقتصاديَّة، وأمنية، فقانون العزل السِّياسي حَكَمَ بالموت عليهم سياسياً واقتصادياً، فـ «السِّياسة والاقتصاد تَوْأَمَان». فيطبق عليهم قانون العزل السياسي.

3 ـ قلق داخلي عسكري مِن الثأر والقضاء على زملاءِ بليز:

إنَّ رئيس المخلوع أو الهارب بليز كومبوري رجل عسكري، ركَّز على بناء الجيش البوركينبي، فكوَّن لنفسه كتيبةً قوِّيةً سمَّاها كتيبة(RSP) وهو اسم منحوت من«securitepresidentielle   Regiment de= وحدة أمن الرئاسة» أو «كتيبة أمن الرئاسة» وهي أكثر الكتائب تجهيزياً وتدريباً، أسست عام 1996 ويقال عام 1995م بمرسوم رئاسي من بليز كومبوري، عناصرها رجال أقوياء أشدّاء، نالوا تدريباً جيدا، لا يقل عددهم من 1300 عنصراً، وهناك مَن يقدّر عددها بـ 5000 آلاف عنصر، منهم رئيس الوزراء إسحاق زيدا المحتجز مع الرئيس الحالي ميشال كفاندو، ويقود هذه الفرقة أو الكتيبة أو الوحدة الرجل الحديدي يطلق «رجل الظل» يحكم وراء الكواليس، «زلبيرجنجيري Gilbert Diendéré» ، وهو العقل المدبر لتشكيل هذه الكتيبة القوية والمجهزة بكافة أنواع الأسلحة. والحاكم الفعلي للدولة حالياً.

إن «زلبيرجنجيري» الذي يسعى ليرأس بوركينافاسو حالياً حسب أول إعلان هذا الانقلاب العسكري، شخصية عسكرية معروفة لدى قادة الأفارقة وأوروبا وأمريكا، رجل هادئ وصامت، قليل الكلام، لكنَّه بركانٌ يمشي، هو الصندوق الأسود للأمن في بوركينافاسو، وذاكرة لنظام بليز، بيده الأمن وأجهزة متعددة للدولة، خدم في الجيش أكثر من ربع قرن، وهو الأكثر اطلاعاً لوضع الأمني للدولة، من الضباط الذين يعرفون جيداً منطقة الساحل والصحراء، استجوب عدَّة مرات في موضوعاتٍ لها علاقة بمحاكمة تشاريرتيلور رئيس المخلوع لجمهورية ليبريا الخاضع حالياً لمحكمة الجنائية الدولية لاهاي، وشهد زلبير مسرح عمليات اغتيال توماس سنكارا يوم الخميس 15 أكتوبر 1987م، وربما شارك فيه، حسب كتاب « سانكارا، وكومبوري، والثورة البوركينبة» للكاتب لدو ماريتنز. وزليبر من النخبة Flintlok ، وهم القلة القليلة من كبار قادة الأفارقة الذين تم تدريبهم من القوات الخاصة الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب في الساحل والصحراء، وتخرج بتفوّق، كما نال وسام شرف وتفوّق من القوات الخاصّة الفرنسية في مايو 2008م أثناء وجوده في فرنسا.

كلفه بليز كومبوري بتدريب «غِيُومْ سُورُو» وزملاءه الذين حرّروا كوت ديفوار من قبضة لوران بغابو الذي يواجه قضاء عادلا في محكمة الجنائية الدولية لاهاي، بسبب سفكه دماء الشعب الإيفواري والمقيمين، ويقال إنّ زلبيرجنجيري زار تشاد يوم 1 ديسمبر 1990م في نفس اليوم الذي فرّ فيه حسين حبري من انجامينا، الرئيس السابق لجمهورية تشاد. واتهم أيضاً بملفات أمنية في سيراليون وغيرها، وهوصديق وفيلفرنسا.

أصاب زلبير منذ مغادرة بليز يقلق كبير، ولم يعد يثق بالمجلس الانتقالي والأحزاب السياسية المعارضة، وزاد هوّة هذا القلق تصاعد طلب الرئيس الجمهورية والمجلس الانتقالي تفكيك كتيبة (RSP)، وخاصة بعد انضمام أقرب حزب سياسي للفوز في الانتخابات القادمة حزب (MPP))  برئاسة روك مارك كرستين كابوري، طالبوا جميعاً بتفكيك هذه الكتيبة وضمها للجيش.

 وصدر أول مقترح لتفكيك الكتيبة كان 30 ديسمبر 2014م، وأعيد النظر فيها 4 فبراير 2015م، حيث قرر المجلس الانتقالي والأحزاب السياسية ورئيس الدولة ورئيس الوزراء تفكيك هذه الكتيبة لتهديدها الواضح سير مرحلة الانتقالية ومحاولتها الدائمعرقلة موعد الانتخابات القادمة، فخططوا تفكيك المجلس الانتقالي قبل تفكيك الكتيبة.

 يرى زلبير أن يوم تفكيك الكتيبة يعني يوم القبض عليه وتقديمه للعدالة. حيث اهتم هو وكتيبته بارتكاب جرائم كثيرة في بوركينافاسو، من قتل وتعذيب، طال الطلاب، والصحافيين، ورجال القضاء، وشخصيات سياسية، وعسكرية، نسب إلى الكتيبة قتل دافيد ويدروغو سائق فرانسوكومبوري الشقيق الأصغر للرئيس بليز كومبوري عام 1998م، وقتل الصحفي الثوري الوطني نوربيرزونغو بسبب مطالبته التحقيق النزيه في مقتل دافيد ويدروغو، حيث قتل بطريقة بشعة، كوي جسده لنزع اعتراف غامض، فاغتيل الصحافي نوربيرزونغو حرقاً في سيارته مع مرافقَيْه. وينسب كل الاغتيالات السياسة والاختفاء القسري في البلد وهي كثيرة جداً أكثر من تعد وتحصى إلى كتيبة(RSP) .

أدرك قائد  كتيبة (RSP) زلبير خطر إجراء الانتخابات في موعدها عليه وعلى كتيبته؛ لأنّ الفائز المحتمل هو رئيس حزب MPP))) الذي يطالب بتفكيك الكتيبة؛ لأنها أسست لخدمة شخص واحد وهو بليز كومبوري، فكل الأحزاب السياسة كذلك تنادي بتفكيكها، وأدخلت موضوع تفكيكها في برامجها الانتخابية وهذا تهديد واضح لكتيبة(RSP) الأمنية القوية المجهزة بأسلحة حديثة.

فحاولت هذه الكتيبة يوم الخميس 17 سبتمبر 2015 ساعة 14:30 بتوقيت المحلي يوم أمس، الاستيلاء على قصر الرئاسة، وإيقاف رئيس الدولة، ورئيس الوزراء، وهم في اجتماع كعادتهم لمناقشة مشاكل الدولة وإصدار قرارات تنفيذية،يرى بعض المراقبين أنّه كان من ضمنها قرارات تخص تفكيك هذه الكتيبة.

يلاحظ أنَّ هذه المحاولة الانقلابية هي الرَّابعة التي تقتحم فيها كتيبة(RSP) قصر الرئاسي وتطلق النار حوله، كان أولها، طلب دعم مادي لتحسين رواتبهم، وفي 29 حزيران سمع أصوات إطلاق نار حول القصر الرئاسي وكان أبرز مطالبهم، انسحاب زملائهم العسكريين من الحكومة الانتقالية، ولم يتم تلبية مطالبهم على فوره، فقدموا مهلة للرئيس ورئيس الحكومة بضعة أيام لتعديل الحكومة، وفعلاً تم تعديل الحكومة بمفاوضات طويلة وصعبة، وصلوا في النهاية إلى حكومة توافقية ترضي الكتيبة والحكومة والمجلس الانتقالي.

ثم اتهموا زميلهم رئيس الحكومة إسحاق زيدا بالخيانة، حيث شارك الرئيس ميشيل كافندو والمجلس الانتقالي بفكرة تفكيك كتيبة(RSP) في حين دخل زيدا الحكومة باسمها، فطلبوا منه الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء، رفض ذلك الرئيس الجمهورية ميشيالكفاندو، واكتفى بإسقاط حقيبة الدفاع منه، وبقي إسحاق زيداً رئيسا للحكومة وهذا لم يعجب عناصر كتيبة (RSP). ومرّة في عودة إسحاق زيدا من  تايوان البلد الصديق لبوركينافاسو يوم 28 يونيو 2015م، حاولوا إيقافه في المطار، واستجوبوه لعدة ساعات قبل إطلاق سراحه، وسمع إطلاق نار كثيف أثناء احتجازه في المطار، ولم يعرف حقيقة ما جرى بينهم في تلك اللحظة.

كما حاولوا قبل ذلك اعتقاله عند عودته من كوت ديفوار حيث زار أبيدجان لمدة (48) ساعة في 7 يوليو 2015م، وكان الشباب الثوار في موعد في المطار للدفاع عنه، وسمع إطلاق نار في محيط القصر الرئاسي حيث المقر الرئيس لهذه الكتيبة(RSP)، وأشار هذه الزيارة شكوك لدي بعض المتابعين للسياسة البوركينبية حيث زار يعقوب زيدا مدينة يقيم فيها بليز كموبوري، مما جعل البعض يتهم زيدا بالتواطئ مع كتيبة (RSP) سراً لإعداد انقلاب في بوركينافاسو.

4 ـ قلق داخلي من قوانين مكافحة الفساد:

قرّر المجلس الانتقالي وضع رُزمةٍ من القوانين لمكافحة الفساد في بوركينافاسو، ومحاسبة المفسدين في جميع المجالات، فحدّد وقت العمل، وأقف استغلال ثروات الدولة لمصالح شخصية، وخفّفت المنح التي تخصص لأسر الوزراء والنواب، ووضع ضوابط لسوق العمل، ومحاربة الرشوة والمحسوبية، ومراجعة قوانين المعادن مثل الذهب، ومحاربة الفساد الإداري، واعتماد قانون عسكري جديد، وإنشاء محكمة عليا لمحاكمة المسئولين السابقين أو قادة سابقين، من الشخصيات العسكرية والاقتصادية والقضائية والإدارية، ووضع الحد لاستخراج جوازات السفر الدبلوماسية لكل من هبّ ودبّ، أي بطريقة غير قانونية، كذلك جواز السفر للموظفين التي كانت تستخرج بقوانين غير نظيفة، فهذه القوانين كلها والتي تصب في صالح المواطن البوركينبي المسكين تعيق عمل كبار اللصوص في الدولة.

المحور الثَّاني/ المخاوف الداخلية والخارجية على هذا الانقلاب:

هناك مخاوف داخلية وخارجية لتبعات هذا الانقلاب العسكري الغير المبرر، ولهذا حاول المدبر لهذا الانقلاب أن يقنع المجتمع الدولي في اتصال بـ زِنْ أفريك Jeuneafrigue ، حيث قال: ” الانتخابات الرئاسية ستعقد”، وأضاف قائلا:” نحن نريد أن نناقش مع جميع الأطراف السياسية الفاعلة لإعادة ترتيب الأمور، وسوف تجري الانتخابات، ولا نريد الاحتفاظ بالسلطة”،  وفي إجابة لعلاقته بحزب بليز كومبوريقال:”لسنا جهة مشتركة مع حزب المؤتمر من أجل الديمقراطية والتقدم CDP فيما نحن عليه ، لدينا أصدقاء في هذا الحزب كما هو الحال مع جميع الأحزاب السياسية الأخرى”, وأجاب لما سئل عن اتصاله ببليز كومبوري قال:” لم أتصل به ولم يتصل بي”، وسئل عن صحة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فقال:” وضعوا في الإقامة الجبرية، منذ يوم أمس، وهم بصحة جيدة وسيتم الإفراج عنهم لاحقاً”، على الرغم من هذه التضمينات إلا أنّ الشعب البوركينبي والمجتمع الدولي يتخوف من هذه الكتيبة(RSP) وعناصرها الدمويين الذين لا يحترمون حقوق الإنسان ولا تعترف بالديمقراطية.

وتتمثل مخاوف الشعب في التخوفات التالية:

1 ـ تأجيل كتيبة (RSP) الانتخابات لمدة سنة على الأقل، واستحالة إجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة في ظل حكم قادة هذه الكتيبة.

2 ـ احتمال ترشيح عسكري من عناصر كتيبة(RSP) وضمان فوزه، وهذا ضرب للديمقراطية ولن يرضى الشعب البوركينبي به.

3 ـ استمرار القتل والاعتقالات إذا استمرت هذه كتيبة(RSP) في الحكم أو في قيادة المرحلة الانتقالية، فالشعب البوركينبي لن يصمت أمام هذه العناصر القليلة التي سرقت طموح الشعب.

4 ـ إدخال الدولة في فوضى عارمة، في حالة الخروج على هذه الكتيبة، واحتمال تدخل الجيش الوطني وإن كانوا أقل تجهيزاً وتدريباً.

الخاتمة:

يمكن القول بعد هذه الجولة السياسية المختصرة:

1 ـ إن كتيبة (RSP) بقيادة الجنرال زلبيرجنيجيري Diendéré   قام بانقلاب 17 سبتمبر 2015م، للدفاع عن مصالح الكتيبة وبقائها، والدفاع أيضاً على مصالح حزب بليز كومبوري حزب المؤتمر من أجل الديمقراطية والتقدم CDP، حيث تحالفاً معاً لإعداد هذا الانقلاب العسكري الدموي الذي هو إعادة إنتاج نظام بليز كومبوري الهارب.

2 ـ إنّ المجلس الانتقالي الذي جاء به الثورة تم إزالته ليحل محله المجلس الوطني للديمقراطية الذي جاء به كتيبة(RSP) والذي لا يمثل الشعب ولن يرضو به أبداً.

3 ـ منذ بداية الثورة الشعبية في 30 أكتوبر 2014م حاولت كتيبة (RSP) عرقلة سير هذه المرحلة الانتقالية، وصرح بعضهم بانقلاب عسكري إذا أصرّ المجلس الانتقالي ورئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها يوم 11 أكتوبر تشرين الأوّل المقتل 2015م وهذا ما حدث بالفعل.

4 ـ يَدَّعي قائد كتيبة (RSP) زلبيرجنجيري أنّ سبب الانقلاب هو انحراف المجلس الانتقالي ولجنة الانتخابات عن مسارهما الديمقراطية، حيث طبّقوا سياسة الإقصاء على الحياة السياسية في بوركينافاسو، وهذا الكلام فرية ما بعده فرية، إذن لماذا يعتقلون رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء وبعض الوزراء في حكومته، ولماذا لا يكون الرفض على قوانين الانتخابات فقط دون المساس بهيبة الدولة وكرامتها؟!!!

5 ـ هناك أيادٍ إقليمية ودولية في أزمة بوركينافاسو، ليس في صالح بلدان وشخصيات إقليمية ودولية فوز حزب وطني يعمل لصالح الشعب البوركينبي، فبليز كان حليفا وفيا لهم، كان والد بعض ومهندسهم في حياتهم السياسية؛ فيرون ضرورة إعادة إنتاج نظامه لخدمة مصالحهم الشخصية.

6 ـ إن قوانين إعادة تشكل الجيش، وحل كتيبة (RSP) سبب توترات عميقة بين الرئيس والمجلس الانتقالي من جهة وقادة هذه الكتيبة من جهة أخرى، مما أفضى إلى هذا الانقلاب العسكري الدموي.

7 ـ إن المجلس الوطني للديمقراطية لا يمثل الشعب البوركينبي ولن يرسخ الديمقراطية في بوركينافاسو، فالشعب يريد المجلس الوطني الانتقالي بكافة أعضائه الوطنيين.

8 ـ كان لا بد أن يحدث الانقلاب لبعض العوامل التي ذكرت بعضها.

  •  د.محمد الأمين سوادغو- أكاديمي من بوركينافاسو ، متخصص في الشؤون الأفريقية، لديه العديد من المقالات المنشورة في مجلات عربية وأفريقية. .
  • الصورة اعلاه .. مظاهرات في بوركينا فاسو رفضا للانقلاب العسكري
Advertisements