ليبيا .. وطن في مهب الريح

    Featured Image -- 3839
   مضت سنوات من عمر الثورة .. وصار بالامكان القول .. ان القضية ما عادت قضية وطن .. ولا قضية حق وباطل .. انما هي العاطفة القبلية تحكم كل المواقف .. ثم يأتي البعد الجهوي اوالايدولوجي لفرض الخيارات .. اما ابيض .. او اسود .. ولا مكان لبقية الوان الطيف .. اما ان تكون مع هجوم بدو الجبل البسطاء وكتائب النظام السابق على بنغازي والانتقام منها وتدميرها . باسم الكرامة .. وتقبل بمشاهدة مسيرات تجوب شوارع مدينة الشرارة وتهتف باسم نظام الاستبداد العفن الذي ازكم مستقبل البلاد اربعة عقود ولا زال  .. او ان تنحاز للخيار الثاني المسيطر غربا .. ايدولوجيا رجعية قاصرة .. تبيع وتشتري باسم الدين لتصادر الكلمة وتكمم الافواه .. وفي باطنها الانفراد بالسلطة باسم الثورة ..  وهي وان كانت اهون حالا  ودمارا .. ولكن لا فرق شاسع بين الاثنين على المدى البعيد  ..  بل ولا فرق بينهم وبين استبداد النظام المنهار . . كلاهما اشد وطأة منه او تضاهيه ، حتى ظن العوام والبسطاء المتعطشين بالأمس للثورة والانتفاض ، انهم ارتكبوا جريمة عندما قالوا ” لا ” بعد اربع عقود من الصمت . وطغيان الرأي الواحد والوحيد .
    وكما حدث بالامس ..   القذافي  ..  ما ان شعر بالانتصار ، تخلص من شركائه في الانقلاب  ، هام به الخيال وشطح ، تضخم الانا حتى تجاوز حدوده القصوى ، فاصبح المبشر بعصر جديد للإنسانية ، ومبدع الحل النهائي لمعضلات كل العصور .. منذ عصر التكوين الى يوم ان سطر نظريته ، وملك ملوك القارات ، ومبدر الثروات ومشعل الحروب  .. نشوة النصر في غياب المنافس ، الذي صار مطحونا ..  جثمان يلفه كفن .. شعب مسند على شفا قبر .. وظل هكذا الى اخر لحظة .. مكابرا .. وقد اخذته العزة بالإثم .. سالت الدماء في الشوارع .. وظل على تعنته .
      ساركوزي الجريح .. ينتظر فرصة ، فلا هو بالعشرة مليار الموعودة ، ولا بسيسيليا ، ولا  ربح الرهان على بن على تونس ، فكان سباقا .. ودخلت الانتفاضة في مرحلة اخرى اكثر دموية .. وخرجت من ايدي الليبيين .. ومن ايدي من انتفضوا .. ومن ايدي القذافي نفسه .. لتصبح قضية دولية .. باقرار جامعة الدول العروبية .. والمؤتمر الافريقي .. وكل الكيانات الهزلية الدولية في العالم الثالث المتخلف حيث كل شيء للبيع .
     انتهى القذافي نهاية بائسة ، يتساءل مواطن موحد ، لما اراد له الله هذه النهاية المهينة  .. لابد انه ظلم كثيرا  ، كان يمكن ان ينتهى بطلقة رصاصة قتلت الالاف ممن ضحوا بأرواحهم دونه ، من الصحراء الى الصحراء .. كان سباقا للاستعانة بالأجنبي ..  وقد استعدى الافارقة على اهل وطنه .. بل وجلب المرتزقة من كل اصقاع الفقر في العالم .. من امريكيا اللاتينية الى دول بقايا حطام الاتحاد السوفيتي .
   انتصرت الانتفاضة .. وأصبحت ثورة .. وان بلا اهداف محددة سوى الاطاحة بالدكتاتور .. والتف حولها عالم غير مرئي ، خطط بدهاء لكل صغيرة وكبيرة من وراء كواليس الوطن ، داخل زواريب مغلقة بفنادق عواصم غربية وعربية  ..  وولد جسم هزيل سمي المجلس الانتقالي ، افرغ الخزائن باسم جرحى وقتال ، وتنقلات وسفارات وهبات وتعويضات ، وبعثر كل الاوراق والاستثمارات ، حتى  تأكد ان ليس بمقدور اي جهة رقابية او محاسبية مراجعة ما حدث ، وان بعد قرن من الزمان .. وانقض المترجمين القادمين من وراء البحار باسم معارضة على كل شيء ، ينسبون لانفسهم فضل التمهيد للاجنبي الذي سخر طائراته لقصف ليبيا ، وهم الاحق بإدارة الدولة ممن قبعوا اربع عقود تحت الضيم ، ومن ثاروا بالحجارة .. وتقاسمت الدول الراعية الوزارات والرئاسات .. وكل دولة تختار من يكون سفيرا لها من بين المترجمين المتشربين لثقافتها ، الحاملين لجنسيتها .. وغاب عن المشهد من ثاروا من اهل الداخل ، بل فرض عليهم العزل السياسي لأنهم لم يهاجروا ويتركوا الوطن ، فهم مدنسين بإثم القدافي ، وموظفين عنده .. رغم ان المواطن في عهدة لم يكن مختارا ، وغير مسموح له بالعمل خارج دائرة الدولة .. وبدأ الحديث عن مدن منتصرة واخرى مهزومة ، مدن ثائرة ومدن رجعية ، وتاه المركب ، وانقلبت الكتائب المسلحة القبلية والجهوية تدرع الوطن ، وتنهب خزائنه باسم الثورة .. والشرعية الثورية التي حكم بها القذافي 42 عاما .. الوريث يتقمص صفات الموروث .. ووجد المترجمين فرصتهم في اقتسام الكعكة خلال رحلة عابرة  .. ما قبل الهجرة الاخيرة .. ومن صار وزير .. غدا امير .. بعيدا عن وطن لم يألفه بالأمس كما اليوم .. عاد من حيث اتى .
      صارت العاصمة عاصمتان .. غربية وشرقية ..  وكل له من دوائر الدولة ما استحوذ علية ووقع في حيازته .. وكل له مترجميه ومهربيه .. هنا الخارجية .. وهناك الحسابات العسكرية .. وظل المواطن البسيط فاغر الفاه ، يبحث عن الامان ، ولم يعد الوطن وطن .. واندلعت الحرب ثانية .. شرقا وغربا .. بل والتهمت الجنوب المنسي اصلا .. الذي اصبح خزان الجنود بالإيجار .. وكما بالامس .. من دار فور الى بوركينا .. ووراء كل ما جرى ويجري .. غرف عمليات .. بعواصم الفرقاء .. الدوحة .. استنبول .. عمان .. القاهرة .. دبي .. باريس .. لندن .. والعاصمة الام .. واشنطن .
      كل الخيارات المطروحة اليوم لا تنقد الوطن ، فهي – من ناحية – مستمدة من ذات المدرسة التي حكمت البلاد والعباد لأربعة عقود .. وكانت  فترة طويلة جدا ، وفي مجتمع يفتقد الوعي والثقافة ، ويسيطر الدهماء على القرار .. صار يصعب التكهن باكتشاف نور في اخر النفق .. الدول تبنى بالمعارف والخبرات الصادقة .. ومن ناحية اخرى  : ان الامور جميعها الان اصبحت  رهن بيد الاجنبي رسميا .. لقد وقع زمرة من المترجمين للمرة الثانية ..  بالأحرف الاولى .. وهذا كاف .. لتفويض المجتمع الدولي .. وها هي ايطاليا تطالب بحصتها وتعين جنرالا لبسط الامن في ليبيا .. وها هي فرنسا استكملت قواعدها في شمال تشاد والنيجر وترنو الى امجادها القديمة بالجنوب .. وقد ربطت بمطارات وقواعد ومعسكرات .. ومؤامرات .. وجند بالإيجار من دارفور الى تشاد والنيجر وبوركينا .. هم ذاتهم بالأمس مع اختلاف القائد ، وأحلاف جدد .

        عز الفرح .. ولم يعد يغري انتصار اي من  الوجهين المتناحرين ..  وجهان لعملة واحدة .. اسمها ” الاستبداد ” وقد عاد في جبة ثورية او انقلابية جديدة .. الفرق الوحيد هو ان حكم العسكر سبق تجربته .. وهو سبب ما نحن فيه من بؤس وشقاء .. وحرب وابتلاء  ..  حاجة للخروج عن الصمت .. ونزع  غطاء الرهبة والخوف .. والانتصار للوطن لا لفئة او قبيلة او جهة او مدينة او نظام هاري اوصلنا الى ما وصلنا اليه .. الوطن للجميع وبالجميع .. الحل ليبي ليبي بعيدا عن تدخلات الاجنبي .. وكذا عرابيه .. (  هذا لا ينطبق على المناطق التي لا علاقة لليبيين بحكمها .. سرت .. والجنوب ) .

  رعد الهاروج
Advertisements