الانتصار للنيهوم

منشور‏ ‏‎Salem Alkubti‎‏ 
 
الانتصار 

_____
والنيهوم انتصر برؤاه وموهبته وحتى بهناته واخطائه على الاقلام المزيفة والمواهب الكاذبة . النيهوم اكبر منهم جميعا . عاش فترة القلق والتمرد واكتشاف الجديد منذ صغره . ولد فى بنغازى ونشاْ عقب وفاة والدته فى بيت خاله محمد الصنهاجى فى سيدى حسين حتى بلوغه العام الثامن (1945) ثم فى سوق الحشيش عند والده رجب النيهوم .. البحار والنقابى . كانت الحرب قد توقفت . الادارة البريطانية .
والجوع يفتك باْبناء المدينة والقرى المجاورة . انهم يهربون فى البحث عن دقيق الشوفان وعلب الحليب فى معسكرات الانجليز فى البركة والفويهات وراس اعبيده . حالة البؤس والياْس . كان الواقع صعبا ومرا والطفولة لم تكن مرفهه للجميع . ورغم ذلك خطا وابناء جيله نحو المدرسة والرغبة فى التمرد على الساكن والاكتشاف للجديد تنتاب اعماقه . شيئ اسمه التمرد والرفض لما بعد الحرب واثارها والجوع والتقاليد والحلم بتاْسيس مجتمع متنور . كان النيهوم ابرز الطلاب فى حصة الانشاء والتعبير . كان استاذه على محمد حمد (الشاعر الذى نظم .. ارايت سوسة) يطوف بكراسته الفصول الاخرى ويفاخر به .
لم تكن موهبة النيهوم مزيفة . لم تكن خرزا ملونا . كانت جوهرة . وكان الزيف والكذب يسود الاقزام وحدهم فقط . وفى الجامعة .. وفى حياته مع اصدقائه . وفى انصرافه للثقافة والقراءة .. وفى الواقع المعاش .. فى البيئة كان هو النيهوم نفسه الذى يحمل فى داخله سيدى حسين وسوق الحشيش وجليانة والناس والكلمات ودروب المدينة والوطن . . وحلم التمرد وتحريك الساكن . لم ياْت النيهوم للكتابة من فراغ . لم يكن صدى لادعاء او تباه او غرور . لم يتقولب فى مهنة المعيد وفر من اطار الدراسة الاكاديمية لمزيد من التمرد والاكتشاف . القلق كان فى صدره يهدر بلا توقف . النيهوم فى بنغازى محطة وتجربة لايعرفها الكثير من الاقزام . والذى لايعرف فهو يجهل الامور . والجهل كارثة تدعو للرثاء . الاقزام كارثة .. فماذا يفعل لهم النيهوم ؟
وكان البقاء فى هلسنكى محطة اخرى وتجربة مهمة تضاف الى رصيده . لم يكن ذلك هروبا من الواقع بل كان التصاقا به وتاْلفا معه . لم ينفصل عن الواقع . الذين عرفوا النيهوم منذ صغره وفى شبابه اكدوا باْن نقاشاته وارائه فى ذلك الوقت كانت جريئة وقوية وصادمة مثلما كانت لاحقا . خيط واحد ربط تجربته . الامتداد تواصل . النقاشات والكتابات هى نفسها انعكاس لحياته وتجربته . لم يكن يمارس زيفا.
البداية تواصلت مع بقية التجربة التى بداْت هنا .. هنا فى بنغازى واستمرت فى هلسنكى .
لهذا كله حصلت نقطة الصدام وكان هو فى المنتصف تماما لكنه اعتاد الخروج الظافر من الصدام وكان لابد من اعلان الحرب عليه والغارة على تجربته وافكاره والصاق التهم به واللجوء الى الحسد والغيرة والحقد ومحاولات التشويه والاقصاء . هذه بداْت مبكرا فى الواقع واستمرت ايضا مع المزيفين ولابسى الاقنعه . لكنه كان يركل كل ذلك بقدمين راسختين ويمضى رافع الراْس ناظرا الى البعيد .
النيهوم صاحب تجربة وليدة معاناة وحياة حقيقية عاشها وجيله ولم يكن نتاج الواسطة او الطبطبة او مرض الغرور او الشللية او قذف الاخرين بالحجارة والشتائم . كان بثقافته وفهمه اكبر من ذلك . كان يفهمهم جيدا . لم يكن فى حياته صاحب شلة تجيد الثرثرة الادبية والكذب فى المقاهى او المرابيع . لم يكن تقليديا يكتب الافتتاحيات ويمدح الشرور . لم يعر التافهين والمزيفين اى اهتمام . لم يكن يعرفهم او يهتم بهم لانه اكبر موهبة . واكبر من تفاهاتهم واكاذيبهم وكان خروجه ظافرا ومنتصرا من الصدام بالرغم عنهم . وتلك ضربة قاتلة لهم .. اولئك الاقزام !!
عجبت كثيرا ويعجب جيلى من اقاويل واكاذيب تطير فى الهواء مثل الخفافيش السود بلا توقف بعد وفاته خاصة .. باْنه كتب الاخضر . وباْنه كان شاهدا على صديقه رشاد الهونى فى محاكمة الصحافة وباْنه على علاقة بالقذافى قبل سبتمبر فى اوروبا حيث كان القذافى فى دروة فى بريطانيا . وانه عرفه منذ ان كان النيهوم طالبا فى الجامعه ….. !! وكثير من الاكاذيب والاغاليط التى تستدعى ان تزج باْصحابها الى القانون والمحاكم .. ولكن الاقزام تظل اقزاما امام العمالقة فهى لاتجيد شيئا سوى الاقتراب من الاماكن القذرة فى الارض . انها تتحدث عن النيهوم ولاتعرفه . لم تقراْ له . لم تتابع تجربته . لم تر الى نتاجه بعلمية وحيادية ونظرة تعتمد على العقل والمنطق والفكر . الاختلاف مطلوب ولكنها لا تفهم ذلك ولاتعيه . ان الاقزام تفقد الاشياء وفاقد الشىْ لايعطيه .
النيهوم سيظل قطعة متوهجه فى التاريخ الثقافى المعاصر فى ليبيا . والاقزام لاتستطيع النظر الى شموس العمالقة . ماذا نفعل للعيون المطفاْه .. ماذا نفعل للاقزام ؟ !

Advertisements