ماحدث للمهندس الشهيد طه الشريف بن عامر

د. أحمد ابراهيم الفقيه: ماحدث للمهندس الشهيد طه الشريف بن عامر
د. أحمد ابراهيم الفقيهبحث

ماحدث للمهندس الشهيد طه الشريف بن عامر

وشهادة سفير فلسطيني عن غيرته الوطنية التي تعلو فوق ولائه الوظيفي

المهندس الشهيد طه الشريف بن عامر وعلى يمينه صديقه المهندس فتحي جعودة (اطال الله عمره)

الطبيعة الاجرامية للنظام الانقلابي، تجعله يحيط كثيرا من اعماله بالتكتم والسرية، مما يجعل من العسير اكتشاف كل الحقائق التي تحيط بتاريخه لدى المتصدين لكتابة هذا التاريخ، بعد ان انتهى زمان ذلك النظام وطويت صفحته، زد الى ذلك ان الاسلوب العشوائي في ادارة البلاد، يجعل الوثائق ايضا تغيب، واذا توفرت فقد لا تكون كاملة وشاملة لكل الوقائع، مما يقتضي تضافر الجهود لجمع هذه الوثائق من مختلف مصادرها، وان يتقدم الشهود الى تسجيل شهاداتهم، خاصة وان النظام، رغم اعتماده على اهل الجهل والقصور، كان يحتاج دائما الى الاستعانة باهل الجدارة والكفاءة والنزاهة، واحد هؤلاء كان المهندس المغدور المرحوم طه الشريف بن عامر. 

واسوق هنا صفحة مجهولة من صفحات النظام الانقلابي، ما كان لي ان اعرفها لولا الصدفة المحضة، فقد توثقت علاقتي بشخصية فلسطينية رفيعة المرتبة، هي شخصية الصديق السفير سعيد كمال، الامين المساعد للجامعة العربية سابقا، واحد اقطاب ومؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، والذي يقيم بالقاهرة ويعمل كعضو في امانة التضامن الاسيوى الافريقي، وجاء عرضا في جلسة من جلسات الدردشة في الشأن العام، اسم المرحوم المهندس طه الشريف بن عامر الذي عمل وزيرا مع القذافي،  فتوقف الصديق السفير عند هذه النقطة في الحديث، متأثرا للغياب الفاجع لهذا الرجل منذ ما يقرب من اربعة عقود مضت، وكيف خسرت ليبيا في هذا الرجل  كفاءة وطنية من طراز رفيع جدا، واثقا ان موته في حادث الطائرة كان بتدبير من رئيس النظام الانقلابي، وكان يعمل اثناء مصرعه وزير الاتصال في قلم ذلك الرئيس.  ورغ يقيني بان الحوادث القاتلة التي تذهب ضحية لها شخصيات سياسية، لا تحدث في ليبيا بعيدا عن تدبير وتآمر النظام الانقلابي ورئيسه، فانني سالت صديقي السفير سعيد كمال، عما يملكه من ادلة على ان موت المهندس طه الشريف بن عامر، رحمه الله كان مدبرا، فقال لي انه التقي بالرجل في عدد من الزيارات التي قام بها الى ليبيا مبعوثا من الرئيس ياسر عرفات الى هناك، وادرك عبر هذه اللقاءات مدى ما يتوفر عليه المهندس الشريف من مؤهلات عقلية ورؤى وطنية وما يتمتع به من امانة ونزاهة وشفافية، الى حد ان رآه جسما غريبا عن اجواء خيمة القذافي ببدائيتها وعشوائيتها وشطحات صاحبها غير العقلانية، الا انه استطاع ان يدرك ان طه الشريف بن عامر كان موجودا في ذلك الموقع، ليس بغرض خدمة صاحب الخيمة، ولكن بغرض تجنيب البلاد الويلات التي يمكن ان يصنعها صاحب الخيمة بقراراته وسياساته فيحاول ترشيده اذا استطاع او الحيلولة دون الايغال في التطرف والجنون، وفي حالات اخرى بذل جهده في افساد خطة يراها سوف تضر بالبلاد، اذا استطاع الى ذلك سبيلا.

السفير الفلسطيني الصديق سعيد كمال

وقال لي الصديق السفير الفلسطيني ان في جعبته سرا، يتصل بهذا الرجل، لم يعد يعرفه سواه الان، بعد ان مات خمسة اشخاص كانوا يعرفون هذا السر، هم طه الشريف بن عامر، والرئيس السادات، والرئيس ياسر عرفات، والفريق عبد الغني الجمصي، رئيس الجيش المصري، ومسئول امني هو اللواء شوكت، ومندوب فلسطين في ليبيا ابوطارق الشرفا، رحمهم الله جميعا، وقال لي انه اثناء وجوده في ليبيا، جاء مندوب منظمة التحرير ابو طارق، يقول له ان المهندس طه الشريف بن عامر، يريد ان يلتقي به لقاء غير رسمي، وليس في مكتب او مكان عام، بل لقاء سريا اذا امكن، وتم وضع خطة لهذا اللقاء، بان يأتي ابو طارق الى الفندق الذي يقيم فيه السفير سعيد كمال، الودان، ثم يسيران على الاقدام، عند الكورنيش، وكانهما يتنزهان في بداية الليل، وصولا الى جزء من الكورنيش يمر بمحاذاة مقر مجلس الوزراء سابقا، وهو مقر وزارة الخارجية الحالي، وهناك سيتظاهر المهندس طه الشريف بن عامر، بانه يخرج خروجا عاديا من المكتب، ويلتقي عرضا بالرجلين، ابو طارق وسعيد كمال، وكانه لقاء صدفة، وهو ما حدث حيث وقف معهما للتحية والسلام، ولمدة لا تزيد عن خمس دقائق، وانصرف ذاهبا الى سيارته التي كانت مركونة في مكان غير بعيد.

اثناء هذه الدقائق الخمس، افضى المهندس الشريف، الى السيد سعيد كمال بالسر الذي لم يكن يريد لاحد ان يعرف انه باح له به، وقال له انه يعرف قوة العلاقة التي تجمعه بالرئيس السادات، وهو يريد مساعدته في نقل رسالة سريعة الى الرئيس المصري، يتفادي بها جريمة كبيرة ستقع، يترتب عنها حقدا وثارا بين ليبيا ومصر سوف تتوارثه الاجيال. وابلغه هامسا، ان العقيد يعد لعملية كبيرة لاغتيال السادات، احضر خبرات دولية في الارهاب، من جماعات بادر ماينهوف الالمانية وبريجيتا روسو الايطالية، وزودهم باخطر الاسلاحة بما في ذلك الصواريخ والطائرات، واعد لهم قاعدة عسكرية بها غرفة عمليات تحت الارض، لا تبعد غير عشرين كيلو مترا، على الحدود المصرية عند السلوم، والخطة هي قتل السادات اثناء حضوره احتفالا سيقام بمدينة برج العرب بعد اسبوع، ولدى هذه المجموعة الارهابية من الامكانيات ما يوصلها الى مقر الحفل ودكه دكا بنيران القنابل والصواريخ، مما ستنتج عنه مجزرة يسعى المهندس الشريف الى الحيلولة دون وقوعها، ويرجو منه ان ينقل ما قاله الى الرئيس السادات على وجه السرعة لالغاء الحفل.

وبعد هذه الرسالة التي وصلته في اخر ايام مهمته في ليبيا، وكان قد قرر ان يبقى يومين للراحة والتبضيع، فراى ان لا وقت لذلك، وفي اليوم التالي مساء كان في مطار القاهرة، واتجه مباشرة الى بيت الرئيس السادات، طالبا ان يقابل الرئيس في مسالة عاجلة وطارئة وتتصل بامن البلاد وامنه الشخصي، رافضا ان يفصح عن الموضوع لاي انسان اخر، قائلا لجماعة الامن التي ارادت ان تعرف سبب المقابلة، بانه لن يتحدث مع اي انسان آخر غير الرئيس شخصيا، وبسبب ما ابداه من الحاح، امر الرئيس السادات باحضاره اليه في الحال، وما ان اخذ فكرة عن الموضوع حتى ارسل في استدعاء الفريق عبد الغني الجمصي وزير الدفاع ومسئول الجيش، واستدعي مسئول الامن السري في ذلك الوقت اللواء شوكت، وامرهما من التأكد بوسائلهما العسكرية والامنية والاستخبارتية سرية وعلنية، عن حقيقة هذه القاعدة وما تعتزم عمله، وبعد يوم واحد وصلت الى الرئيس التاكيدات على حقيقة ما نقله اليه السفير سعيد كمال، عن وجود القاعدة الماهولة بشخصيات اجنبية ايطالية والمانية عدا العناصر الليبية، وعن الاسلحة وتم التقاط تسجيلات تؤكد كل كلمة وصلت الرئيس السادات، وبعد هذه الدلائل والمعلومات الاكيدة، لم يكتف الرئيس بالغاء رحلته الى برج العرب، وانما اعد خطة لتدمير تلك القاعدة، وتكفل سلاح الجو المصري بعملية التدمير وكانت تلك هي الشرارة التي اطلقت الحرب المحدودة التي اندلعت بين ليبيا ومصر عام 1977، يوم 21 يوليو وانتهت بعد ثلاثة ايام، وكان الرئيس السادات عازما على ان يجعلها بداية حركة لاسقاط النظام بالتعاون مع المناوئين للرئيس الليبي، ولكن امريكا كما يقول السفير سعيد كمال، وليس الاتحاد السوفييتي الذي كان يبتز النظام الليبي ويلتهم اموال البلاد تحت ذريعة بيع الاسلحة، امريكا هي التي كشفت عن حقيقة دعمها وحمايتها لعميلها رئيس النظام الانقلابي، ومنعت الرئيس السادات من ان  يمضى في تنفيذ خطته لازاحته من السلطة، لانه نظام لم يكن قد استنفذ اغراضه ومازالت الادراة الامريكية بحاجة الى خدماته التي استمرت تتلقاها منه على مدى اكثر من ثلاثة عقود بعد ذلك التاريخ.

ويرى السفير سعيد كمال ان سلوك المهندس طه الشريف بان عامر، كان وضاحا، ولاشك ان العقيد الليبي، احس بان للمهندس ضميرا وطنيا لا يتوافق مع ما يسعى العقيد لارتكابه من دمار في حق البلاد، وتعددت بالتاكيد المرات التي اظهر فيه المهندس الشريف نواياه المتناقضة مع سياسات التخريب الممنهج للبلاد،  فاضمر له رئيسه الشر، وخطط له بان يلاقي مصيره في الحادث المدبر للطائرة المروحية في الصحراء الليبية.

واضافة الى حديث السفير الصديق، اقول، انني لم اعرف المهندس طه الشريف بن عامر، معرفة شخصية، ولكنني حضرت عددا من جلسات مجلس التخطيط الاعلى، وهو مجلس يتولى ادارته رئيس الحكومة او من ينوب عنه، وفي اول جلسة احضرها كان الذي يتولى ادارة الجلسة، ضابط من اهل الانقلاب يحمل رتبة رائد واسمه بشير هوادي، واظهر في تلك الجلسة جلافة في الادارة، وسوء اخلاق في المعاملة، ومركبات نقص تتجلى في العنطزة الكاذبة، وافتعال في التذاكي، لحظة ان يحاول بلوة الافكار، بطريقة تؤدي الى تشويه ومسخ كل ما قاله الحاضرون من افكار رشيدة، وجئت لحضور المجلس في جلسة ثانية، لاجد ان رئاسة المجلس اسندت الى المهندس طه الشريف بن عامر، بسبب غياب العسكري هوادي، فرايت فرقا مهولا في اسلوب ادارة المجلس ين الاثنين، رأيت السلوك الحضاري مقابل السلوك الهمجي، ورايت التعبير الجميل الراقي، مقابل التعبير السوقي، ورأيت الفهم والتهذيب والمعالجة العميقة للقضايا المطروحة، والتلخيص السليم والحكيم للافكار، مقابل الجهل والجهالة، وتاسفت كيف يستلم مقدرات البلاد مثل ذلك العسكري المسكين، ولكنني في نفس الوقت فرحت لوجود رجال دولة لهم كفاءة وتهذيب واسلوب الشريف بن عامر، وكان يملك قبولا، وبهاء في الملامح وصفاء يتجلى في نظراته وكلماته وتعبيرات وجهه، بشوشا مرحا لا يتكلم مع الاخرين الا بادب وتهديب ومودة، فترك انطباعا في نفسي لا يمحى، ولم اغالب عبرات سقطت حزنا عليه، عندما لقى مصرعه في هذا الحادث، الذي بدا واضحا من التفاصيل التي سمعناها انه حادث مدبر، لا محالة، ويجب ان نسمع ونرى شهادات اناس كانوا قريبين مما حدث علهم يكشفون الحقيقة بعد ان زالت كل الموانع لكشفها.

وما حدث باختصار شديد، هو انه في بقعة من الصحراء، كانت هناك طائرة مروحية، سسيتخدمها العقيد مع وفد الماني يزوره برئاسة نائب رئيس الجمهورية في المانيا الشرقية واسمه فيرنز لاميدز، يوم 6 مارس 1978، وكان القذافي اول الراكبين، الا انه عندما اطمأن الى ركوب الضحايا ممن تقرر قتلهم وهم نائب الرئيس الالماني ومرافقيه، والمهندس طه الشريف ومدير المراسم احمد ابو شاقور، ادعى انه تذكر شيئا واختلق عذرا للنزول من الطائرة، هبط واقفل الباب وراءه وكانت تلك هي الاشارة لعملاء ستاسي، وهي المخابرات التي كانت تتولى حراسته والمكلفة بالعملية، بزرع القنبلة الموقوته التي ستتفجر بعد اقلاع الطائرة، اذ ان نائب رئيس الجمهورية الالماني كان ايضا مستهدفا وارسل الى ليبيا من رئيسه هناك ليلاقي فيها حتفه. وبعد بضع دقائق كانت الطائرة المروحية تتحول الى كرة من نار تسبح في فضاء الله بين الارض والسماء. ولعنة الله على القوم الظالمين.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

Advertisements