تأملات كاتب في عقل سياسي مختلف

في محاضرة أقامها د. محمود جبريل بمدينة درنة في ديسمبر 2011م، حدثني أحد الأصدقاء الذي كان يجلس في خلف القاعة، أن أحد الشباب جاء متأخرا وجلس بقرب شاب آخر تظهر على ملابسه وملامحه مظاهر التشدد الديني، وسأله الشاب حين جلس : امنين هذا؟ فرد وعلامات الامتعاض على وجهه: يقولوا واحد علماني. فرد الشاب باستغراب : غريبة ، موش قالوا ورفلي؟!!

وهذه الطرفة المضحكة المبكية تشير إلى كم  التصنيفات التي لاحقت محمود جبريل والتي انتشر تداولها إعلاميا على كل المستويات، فتاه الرجل عن وطنه الذي يعرفه جيداً، وتاه أعداؤه والمعجبون به عن هويته الجوهرية، وهو في الواقع لم يكن علمانيا، لكنه كما أكد مرارا ينتمي فقط إلى تيار المعرفة و يؤمن بالعلم منهجاً للخروج من الأزمات. وهو ليس ورفلي بالمفهوم الضيق للكلمة، رغم أن المعارض الإسلامي السابق د. جمعة القمّاطي يتعمد في كل حديث تلفزيوني، وما أكثرها، أن يقول حين يضطر إلى التطرق إليه: محمود جبريل الورفلي ، ويؤكد بنبرة خاصة على (الورفلي) حتى تصل الرسالة إلى مشاهديه (خصوصا في مصراتة) المنصتين إلى أفكاره التي يقولها بصرامة يحسد عليها، وبيقين لا يأتيه الباطل. وهل ثمة لوم على شاب يافع جاء متأخرا إلى محاضرته إذا كانت نخبتنا، ومن الذين يحملون حرف الدال في بداية أسمائهم، أو الذين عاشوا سنوات طويلة في المنفى وسط مجتمعات ديمقراطية، يتصرفون بهذه الطريقة المغرقة في التخلف؟.

محمود جبريل الذي التحق بالعمل من أجل توطين العلم كمنهج، والتخطيط الاستراتيجي كسبيل لبلورة الأحلام الجماعية، وجد نفسه في خضم هذه الألقاب التي تُصبغ عليه، أو التهم التي تكال له، أو التصنيفات الكيدية التي يراد من ورائها إقصائه عن هواه الليبي وهويته الأكاديمية المتخصصة، مثلما أُقصي فيما بعد عن طريق قانون العزل السياسي الطويل المفصل على قامته القصيرة .

في مقالته “11 سبتمبر .. الدلالات والتداعيات والعواقب” المنشورة في جريدة الأهرام القاهرية يوم الأربعاء 19 سبتمبر 2001 ، العدد 41925 ـ وأرجو التركيز على التاريخ لأنها نشرت بعد الأحداث بأسبوع واحد ـ يتطرق إلى توقعاته لتداعيات هذا الحدث الذي “سيشكل علامة فاصلة في تاريخ العلاقات الدولية ولسنوات طويلة قادمة” كما يقول . وسأجرد هنا بعض توقعاته التي كتبها والدخان مازال يتصاعد من ركام برجي التجارة في منهاتن: “ما يتم الإعداد له الآن ليس تصفية أسامة بن لادن وأتباعه، وإنما تصفية الحسابات الحديثة والقديمة مع كل من اتهمته الولايات المتحدة بالإرهاب أو مساندته في يوم من الأيام في شكل عمل عسكري تصفوي لا تقف أمامه حدود أو سيادات دول سواء في أفغانستان أو في العراق أو في ليبيا ….. إن الأقدام والقنابل الأمريكية ستطأ أراض كثيرة في مستقبل الأيام القادمة”  ويضيف العديد من التوقعات التي يسميها هواجس :”أنظمة كثيرة مرشحة للاختفاء .. ومنظمات كثيرة ستفقد مصداقيتها وشرعيتها على رأسها الأمم المتحدة ذاتها … إن تحالفا بين الصين وكثير من دول العالم الثالث والرابع يلوح في الأفق في الأمد البعيد. من التداعيات المحتملة لتنفيذ مثل هذا المخطط أيضاً تفجر الصراعات الدينية بشكل دموي، ليس على مستوى الدول والحضارات فقط، ولكن على المستوى المحلي داخل كثير من الدول التي تحتوي تركيبتها الديموغرافية طوائف وأقليات دينية ..” ويختم مقالته :” تأسيسا على كل الهواجس السابقة ، فإن الخريطة الكونية مرشحة لتعديلات وتغييرات عدة قد تكون دموية في أغلبها وذات آثار بعيدة المدى قد تشكل مجرى أحداث تاريخ البشر لعشرات من السنين قادمة” .

هذه الهواجس التي لم تراوده، إنما هو من راودها من موقع تخصصه، ليست نبوءة شاعر أو شعوذة منجم، لكنها حدوس تنبع من المعرفة ومن منهج التخصص العلمي مرفودا بذكاء القراءة، وهي هواجس الخبير التي لم تأت من فراغ، فالمقالة نفسها تتطرق إلى العوامل والمعطيات والشواهد التي من المفترض أن تفضي لهذه النتائج .

أحببت أن استشهد بهذه الفقرات اللماحة لكي أؤكد على أهمية الاختصاص، وعلى أن إدارة الدول تحتاج إلى قراءة المستقبل المنطلقة من فهم الأوضاع الراهنة وتوقع صيروراتها، وليس بالارتجال والفوضى التي عانينا منها منذ 1969 وحتى يومنا هذا. 

أثناء فترة العمل على مشروع ليبيا 2025 الذي اقترحه مجلس التخطيط الوطني برئاسة محمود جبريل، وكلف به فريق عمل من مركز بحوث جامعة قاريونس آنذاك، أذكر عندما كنا نشتغل على كتابة سيناريوهات مستقبلية، أن نبهنا إلى التفكير في سيناريو بديل إذا ما حصل أي انخفاض مفاجئ في أسعار النفط، كان ذلك عام 2007 . وحصل الانخفاض المفاجئ عام 2014  لكن من طبيعة التخطيط العلمي الحديث أن يوسع دائرة حدوسه ويضع البدائل تحاشيا للارتباك وصدمة المفاجأة . 

بهذه المنهجية كان محمود جبريل، وأقول هذا دون مبالغة، عقل حراك فبراير السياسي، والذي أداره بحنكة وكاريزما جعلته يكسب شعبية كبيرة بين شرائح واسعة من المجتمع الليبي، وهو الأمر الذي جعل تحالف القوى الوطنية يفوز بأغلبية ساحقة في أول انتخابات تشريعية لارتباطه باسمه. لتنصب عليه بعد هذا الفوز سيل من التصنيفات التي تربط تياره بالأزلام أو بالعلمانية الكافرة أو بالليبرالية العميلة. فهل كانت العجائز الليبيات اللائي يدخلن مراكز الاقتراع وهن يقلن: وين صندوق (امحمود) علمانيات أو ليبراليات؟. فقط حصافة الشارع الذي أراد برنامجا سياسيا محددا، وليس شعارات، اقتات على رنينها عقودا. 

في الوقت الذي كان فيه الكثيرون يدغدغون عواطف الناس بالوعود البراقة، كان جبريل في معظم أحاديثه يُعمل قراءته المستقبلية للوقائع بحدوس كثيرا ما تخيف الليبيين ، وهي الحدوس التي هوجم بسببها آنذاك، ومن ضمنها خطر الاعتماد على النفط كمصدر وحيد آيل للنضوب أو لانهيار أسواقه، والتقديرات الضخمة لتكاليف إعادة بناء ليبيا، والتي سماها خصومه كوابيس محمود، لكن طبيعة العقل العلمي أن يبتعد عن العواطف، وأن يركز على المخاوف عند استشراف المستقبل، أو كما يقترح علماء النفس: التفكير في الكوابيس أثناء اليقظة قد يبعدها.  والآن ليبيا تعاني من تحقق تلك الكوابيس على أرض الواقع. وربما الجميع يذكر تحذيره من الفراغ السياسي الذي سيمتلئ بقوى تهدد سلام ليبيا، حذر من حرب أهلية، ومن حراك انفصالي، ومن تدهور للوضع الاقتصادي قد يؤدي إلى فشل الدولة، ومن فقدان السيادة الوطنية، ومن المناخ الملائم لنمو الجماعات المتشددة، وهي المخاوف التي عمل على تحاشيها في خارطة الطريق التي أعدها المكتب التنفيذي وارتبطت باسمه، وابتعد عنها الأداء بعد أن اخترق جماعة الأخوان، الذين ناصبوا جبريل العداء العلني، المجلس الانتقالي وسيطروا على رئيسه، فانحرف مسار بناء الدولة إلى مسار بناء التنظيمات الإسلامية التي كانت تسعى إلى الانفراد بالسلطة وإقصاء منافسيها. 

والآن يأخذ البعض عليه تركه للساحة وخروجه في الوقت الذي كانت ليبيا تحتاج إلى الكفاءات، لكن لم يكن أمامه ليبقى داخل الساحة سوى خيارين، إما أن يكون على رأس ميليشيا مسلحة كما فعل غيره، أو يحتمي بقبيلته العريقة، وهو أبعد ما يكون عن هذين الخيارين لأنه اختار العلم منهجا، وتيار المعرفة طريقاً.  

سالم العوكلي

التعليقات

Entisar M Badi

والله الوحد قرف من هذه الاشكال بصراحه……معقوله ليبيـا و الليبين قدرتهم على الانجاب و التربيه منحطه الى هذه الدرجه!؟!؟! هذه رجل فاشل بياع كلام فقط …كان عندي امل فيه لكن كان غبي جدا و مش نظيف ابدا…..يآخي بلاش كذب علي الناس قرفتونه…..

 
 
 

Goma Almansi

مفروض يكون فيه شوية دم أو حياء كل هده النمادج الفاشلة عليهم الابتعاد علي الساحة وترك الفرصة لليبيين حتي يخرجوا ببلادهم الي بر الامان محمود جبريل وغيره كثيرون ممن فرضوا علي ليبيا بالقوة او بالمال لم يقدموا شيئا للبلد وليس لديهم مايقدموه هم جاؤو للاسفادة الشخصية

 
 
 
– قدري عقوب
حقيقة خبير و مستشرف مستقبلي ..
واضح الخبرة في ادارة الازمة اثناء المكتب التنفيذي ..
وكذلك واضح هذا الوفاق بين الليبيين بعد المكتب التنفيذي .. طبعاً بو جِبْرِيل كان له الدور الابرز في هذا هو وتحالفه ..
كان غير ايخف روحه وايتوقعلنا شنو حيصير عندنا قبل ان يتوقف الدخان المتصاعد من ركام ليبيا.. تماماً كما فعل في 11 سبتمبر

 
 
–  الاصيلالاصيل

رصف الكلمات في نبش الاموات

    في محاضرة لمحمود جبريل رئيس حزب التحالفات  .. أحد الشباب جاء متأخرا وجلس بقرب شاب آخر تظهر على ملابسه وملامحه مظاهر التشدد الديني ، وسأله الشاب حين جلس : امنين هذا ؟ فرد وعلامات الامتعاض على وجهه : يقولوا واحد علماني. فرد الشاب باستغراب : غريبة ، موش قالوا ورفلي؟!!

     وهذه الطرفة المضحكة المبكية تشير إلى كم التصنيفات التي لاحقت الرجل سنوات ..  وانتشر تداولها إعلاميا على كل المستويات ، وكيف تاه الرجل عن وطنه مسافات .. وصار لطروحاته معجبين .. ولترهاته مهللين مزمرين  .. لم يكن علمانيا .. ولا ورفليا ..  بياع كلام في سوق الانعام  .. التحف جبة التخطيط .. وفي طبعه التنطيط .. أشاح بشعلة المعرفة والتعليم .. للخروج من ازمة الدين ..  نال الاصوات .. كما في سابق الاوقات ..  مديرا للمجلس التنفيذي للاقتتات .. وقبله مستشار البشوات .. وفشل كما في عهد فات .. كان دوما من المتنفذين .. وللشأن العام من المهووسين .. للكراسي من المتوثبين .. وللمال من النهمين الجشعين .. وللسلطة اب المتعطشين  .

   تقدم الصفوف مرات ومرات .. اورثنا الازمات تلو الازمات ..  غرقت البلاد جرفتها دوامات .. وارهقت المسير لسنوات  .. وهل ثمة لوم على شاب يافع جاء متأخرا إلى محاضرته إذا كانت نخبتنا له يمجدون ، وباسمه يتغنون .. ولكلامه يرددون .. منهم من لحرف الدال حاملون .. وآخرون في المنفى مهاجرون .. جاءوا يتقاطرون .. للوليمة حاضرون .. وللبيع جملة ايضا جاهزون ..  بالزهد يتظاهرون .. وفي طبعهم كالثعالب ماكرون .. فأنى تصرفون ؟

         نعم هرعت العجائز النساء .. لبت النداء .. منحته اصواتها والدعاء  .. وتأملت بلورة احلامها جمعاء ..  للأموات والأحياء .. وطال الرجاء .. وانشغل عنها بالتنطيط والتلون كالحرباء ..  سخر فضائيات يؤلب الدهماء .. يشتت الفرقاء .. يمزق الرفاق الاصدقاء .. ومن دويلة رعناء .. تدير البغاء .. اعلنها ثورة مضادة خرقاء .. فصارت خرابا كما دبر وخطط وشاء .. احرق بنغازي الابية .. ومنارتها العلية .. قصف العاصمة بالطائرات .. فلعنته الاجيال  في الحياة قبل الممات .

        شيطن الثوار .. ووصفهم بنحس المسار .. تحسسوا خداعه المفضوح .. وراوغته الجنوح .. ونتن مغامراته يفوح .. تيقنوا المؤامرة  .. اخذوا حذرهم .. صحو من خدرهم .. سدوا الطرقات  .. والمسارب والمنزلقات .. استحدثوا  العزل قانون .. وشريعة للصون ..  وظلم اخرون .. ولا زالوا آسرون مهمشون .

 

هذه ليست نبوءة شاعر .. ولا شعوذة منجم بائر .. ولا حدس صوفي سادر .. رحيقها المعارف  والتجارب ..  ولغة العقارب .

     أحببت أن استشهد بالقليل .. فما فعله كثير ثقيل .. خطيئة وبهتان .. فلا له بإدارة الاوطان ولا صفاء الخلان .. ولا يهمه ما كان .. قدر ان يكون السلطان .. ويقال كان يا ما كان .. في قديم الزمان .. سلطان ولهان .. حبر له كتبة ومثقفين .. وطبل له عساكر مهووسين  .. وصار جيل بعد جيل .. يروي قصة السلطان جبريل .. وفي القال والقيل .. ترنيمة العوكلي في فن التبجيل والتجميل .

 

Advertisements