متى بدأ ازدراؤه؟.. الموظف المصري

 
.

 

  

إذا كنتَ قد مررت ذات يوم على المتحف المصري، ووقفت قليلا لتتأمل هيئة رجلٍ يجلس متربعًا، ويمسك لفافة بردي على حجره، فأنتَ أمام صورة لتمثال الكاتب المصري الشهير. لم تكن كلمة “الكاتب” آنذاك تعني ما تعنيه اليوم، هذا الذي يحترف الكتابة ويصدر كتبًّا، بل كانت تعني في مرادفاتها الأولى: الموظف، فالمهمة الرئيسية للكتبة كانت مهمة إدارية في الأساس، فهم مَن يعدون إيرادات ومصروفات إمبراطوريتهم، يسطرون تاريخها، يسجلون بريشتهم على البرديات أو على الجدران مشاهد الحضارة الفرعونية القديمة، ينحتون بإزميلهم أيضًا الحجر لينطق بما يرون، يراجعون ويحررون النصوص الدينية اللاهوتية والطقسية والطبية والسحرية والتعويذية، ومع بدايات الدولة القديمة كانوا قد أنجزوا مهمتهم التدوينية وتفرغوا لتأليف نصوصهم الأدبية والسيرية وتأملات شديدة العمق تقترب من الحكم.

يعبر تمثال الكاتب المصري إذًا عن الموظف في الحضارة الفرعونية التي نزهو بها، وهو مَن أسس أوَّل دولة مدنية في العالم ووضع أسس البيروقراطية التي تعلمتها منه أوروبا وانطلقت بها إلى آفاق حضارة جديدة. ظل الموظف المصري هو قلب وضمير مصر وهو حافظ هويتها وحافظ تراثها وحافظ دفاترها وأضابيرها. وعبر الموظف تاريخًا ممتدًا لآلاف السنين حتى يصل إلينا في القرن الثامن عشر بكامل هيئته الوقورة المبجلة وسمعته المحترمة، ربما كلَّ ما تغير فيه هو استبدال جلسته المتربع فيها بكرسي حديث، واستبدال باروكته من الشعر الأسود القاتم وكأنها غطاء رأس بالطربوش الأحمر، واستبدال ريشته بالقلم الرصاص أو الكوبيا أو الحبر. وسيظل تقريبًا في الوضع نفسه عيناه تتابعان بجدية واهتمام ما يملى عليه ليسجله ويمناه في وضع استعداد للكتابة.


 

لن يتغير وضع الكاتب / الموظف كثيرًا حتى يصل إلى سبعينيات القرن العشرين، فهو صاحب أكثر المناصب تعرضًا للحسد حتى إن الأثرياء كانوا يصورون أنفسهم في وضع الكاتب المصري سواء كانوا كُتّابًا في حياتهم أم لم يكونوا.وعندما حقق محمد على نهضة مصر الحديثة كان الحسد قد بلغ أشده فهو المحترم والأفندي ومَن يتمرغ في تراب الميري، ولكن لم يجرؤ أحدٌ قبل الانفتاح الاقتصادي على إهانة الموظف والكاتب المصري حارس برديات وسجلات دولته والأكثر من ذلك حارس الطبقة المتوسطة التي انهارت بانهياره.

كان الموظف المصري يحصل على سبعة عشر جنيها في السبعينيات، وكانت كافية له تمامًا ليعيش حياة كريمة ويسكن في وسط البلد أو جاردن سيتي أو حتى الزمالك، هذا قبل أن يطلق السادات جملته المروعة المدهشة التي من المستحيل عبر التاريخ أن يطلقها رئيس في خطبة عامة: “مَن لن يغتني في عصري لن يغتني أبدًا”، بعدها على الفور اكتشف الموظف ــ الذي كان كل ما يزهو به هو تلقيه لقدر من التعليم ــ أن راتبه سيكفي بالكاد لدفع أجر زيارة واحدة للسباك، وأن مستواه الاقتصادي سيظل ينحدر براتبه الثابت حتى يسكن العشوائيات، بينما يسكن في أحيائه مَن أثروا ثراء فاحشًا وسريعًا عبر عقد من الزمان.. السباكون وتجار الشنطة والسماسرة وجمعيات المُتاجرة بالدين الإسلامي وأصحاب شركات استيراد وتصدير لم يعرف أحدٌ أبدًا ماذا تصدر وماذا تستورد، وكان ولا بد أن تصوره السينما المصرية، سينما مقاولات السبعينيات ــ لكي تجهز عليه تمامًا ــ الموظف المصري بشكله الكاريكاتوري، وهو يعود بالبطيخة والجريدة تحت ذراعه.

 أو وهو يحل الكلمات المتقاطعة في مكتبه أو وهو يتحرش بالموظفات أو وهو يأكل بنهم أقراص الطعمية والبصل أو وهو  يرتشي أو إذا كانت موظفة امرأة وهي تنظف الخضار في المكتب. 
ولا شيء يشغل بالها إلا اصطياد عريس من زملائها الموظفين. واختفت وإلى الأبد من السينما المصرية ــ ومع اختفاء الأفلام الجيدة وتغول سينما المقاولات الركيكة ــ صورة الموظف المثالية المثيرة للحسد، كما في فيلم: “زوجتي مدير عام”، ومعه اختفت الكثير من العادات والمشاهد كأن يصطحب الرجل زوجته في المساء إلى الأوبرا أو المرسح كما كانوا يطلقون عليه، وأصبح الموظف مرمى سهلا لكل سمجٍ على خشبة المسرح يريد استخفاف دمه، فيطلق سهامه على الموظف الجريح فعليًا حتى يقتنص من الجمهور ضحكة هنا أو هناك.

أحيانًا أفكر في رصد أسباب تدهور الموظف المصري الذي كان بدرجة كاتب بل منح للكاتب صفته، ولكنني أصاب بالضجر بالفعل، فالأسباب لا تعد ولا تحصى، وضربات الحكام له عبر التاريخ الحديث كانت جدُّ مؤلمة، ولولا أنني ضد نظرية المؤامرة لكتبت أن تحويل كلمة موظف من كلمة تثير حسد الآخرين إلى كلمة بذيئة كأنها شتيمة هو في الواقع مؤامرة لتقويض أسس الدولة المصرية التي كان وما زال كل مجدها يتلخص في مؤسساتها العريقة. فهل كان الأمر كذلك، منذ ما يقارب نصف القرن، هل طلب أحدهم مثلاً من جاسوس ما في مصر: أنه ليس مطلوبًا منك إلا استباحة الموظف المصري وشتيمتة ليلاً ونهارًا، مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي سابقًا إبان الحرب الباردة، حين جندت المخابرات المركزية الأمريكية مستشارًا للرئيس السوفيتي، وبعد كشفه حاول الكي جي بي إيجاد ما يدينه ولكنهم لم يجدوا شيئًا، فهو طوال فترة عمله كجاسوس لأمريكا لم يرسل أي معلوماتٍ ولم يتلق أي أوامر، بل كان الأكثر تفانيًا في عمله، وفي النهاية اعترف لهم بأنه تلقى أمرًا واحدًا عند بداية تجنيده وكان عليه تنفيذه إلى الأبد: وضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب. وبالفعل هذا ما فعله الجاسوس الروسي حتى انهارت إمبراطورية الاتحاد السوفيتي.
ومع افتراض أن كل الموظفين المصريين في وزارات التعليم العالي والتعليم والثقافة والإسكان والإعلام والعديد من المؤسسات الحاملة لهذا الوطن، هم مجرد كائنات كسولة ولا تعمل ومرتشية ووصلت إلى مرحلة حرجة حتى إن البعض ينادي الآن بإلقاء نحو سبعة ملايين موظف من سكان مصر ــ التسعين مليونًا تقريبًا ــ في النيل، أوَلم يتساءل أحدٌ عن بداية التصدع والانهيار؟ أوَلم تلمح إحدى الحكومات طوال نصف القرن بوادر سقوط الموظف فتحاول وضع خطط وإستراتيجيات للنهوض به، بدلاً من توبيخه وغلق أبواب الارتقاء الوظيفي والعلمي والتعليمي والتدريب المهني أمامه والتنكيل به ماديًّا وسرقة مقدراته المالية والمعنوية، أم أنها كانت مشغولة بتقويضه أكثر لكي تمنح مؤسساته الواحدة بعد الأخرى لأصدقائها الرأسماليين؟!
وبعيدًا عن فكرة المؤامرة، متى بدأ هذا الانهيار؟ هل بدأ مع الترجمة التنفيذية الخاطئة لكلمة التكنوقراط؟! فاستخدمها النظام السابق طوال عقود طويلة كشماعة، فلم يأت بأعضاء حكومة من الأكفاء المتخصصين كما ينبغي في مجالاتهم دون النظر إلى توجهاتهم السياسية، وإنما اختار أهل الثقة من الحزب الوطني ولجنة السياسات والقريبين من دائرة الحكم، ولم يكتف بوضعهم كوزراء وإنما وضعهم كقيادات على رأس معظم المؤسسات الحيوية في مصر، وكانوا في الغالبية العظمى غير متخصصين في مجالات مؤسساتهم بل يعملون في غير أوقات عملهم الأصلي الرسمية، ومع الأسف هؤلاء لم يتغيروا حتى هذه اللحظة وهؤلاء القادة أثقلوا الهيكل الوظيفي للدولة بالوساطة والمحسوبية ولم يبدعوا إداريًّا في قطاعاتهم ولم يطوروا ما استلموا مقاليده، فلفظهم الموظفون ولم يتعاونوا معهم كما ينبغي بل عاملوهم على أنهم دخلاء يريدون تقويض مؤسساتهم للاستيلاء عليها ونهبها ومنحها لرجال الأعمال، كما فعلوا مع مؤسسات القطاع العام، وهذا الأداء الثأري ويا للغرابة! من المسكوت عنه في علاقة الدولة بموظفيها، ولذلك صرتُ لا أندهش كثيرًا وأنا أرى موظفًا صغيرًا يشيح بيده قائلا بدون مبالاة: “هذا بلدهم هم… ويفعلون به وبنا ما يشاءون”.
 
المدهش أن معظم رموز مصر كانوا من الموظفين أو ما نسميه الكتبة العموميين في مؤسساتها المختلفة… صاحب جائزة نوبل للآداب، والوحيد الذي حازها حتى الآن في العالم العربي نجيب محفوظ كان موظفًا، توفيق الحكيم كان موظفًا حتى أصبح مديرًا لدار الكتب، محمد حسنين هيكل كان موظفًا بمؤسسة الأهرام، أوَّل كتاب مترجم عن اللغة الفرنسية في بداية نهضة الترجمة الحديثة على يد رفاعة الطهطاوي قام بترجمته موظفٌ، يحيي حقي كان موظفًا، أحمد رامي كان موظفًا حتى وصل إلى درجة نائب رئيس دار الكتب المصرية، والعديد العديد من الأسماء والرموز التي من المستحيل أن تحتملها هذه المساحة.
إذًا ومن جديد أتساءل: متى بدأ ازدراء الموظف المصري تحديدًا؟ ومتى تكالبت على جثته الضباع من كلِّ ناحية؟ هل بعد انطلاق صيحة عادل إمام في مدرسة المشاغبين: العلم لا يكيل بالباذنجان؟ عام 1973؟ لتكتمل منظومة شديدة التماسك والرداءة كان هدفها الأول والأخير الانقضاض على كلِّ منجزات مصر الجمالية والحضارية والريادية؟ منذ هذا التاريخ صار المدرس مزدريًا به والموظف حائط صدٍّ لركلات الحكومات المتعاقبة العشوائية، وانخفضت بالتالي روحه المعنوية، فهو يعرف جيدًا أنه تلقى تعليمًا يشبه التعليم، ويقوم بمهامٍ لا تعكس إستراتيجية واضحة للنهوض بوطنه، ولا يجد مَن يكمل له مهاراته التعليمية والفنية حتى يقوم بدوره، ومن ثم ألقى بنفسه يئسًا في أحضان تنظيمات تكاد تكون إرهابية أقنعته أن يشتري الآخرة بدنياه وهو على كل حال ليس له في هذه الدنيا نصيب. يعرف الموظف جيدًا أنه تم العبور على جسده بقاطرة لا يركب فيها إلا رأس المال والسلطة اللذان تزوجا على عوزه ودمائه ودماء الطبقة الوسطى التي كان يمثلها التي حافظت طويلاً على هذا الوطن.

تعرف النخبة السياسية والثقافية كل هذه البديهيات، لكن المدهش للغاية أنها أكثر مَن يشتم الموظف المصري كلَّ لحظة، بل سمعت من أحد المثقفين ذات يومٍ بأنه يرحب بإلقاء سبعة ملايين موظف في النيل، ربما هربًا من مسئولية القيام بدوره إزائهم. تعرف النخبة أيضًا أن الموظفين الذين نسميهم الكتلة الحرجة، هم مَن نزلوا إلى الشوارع بالملايين يوم 25 يناير 2011 ..  ليستعيدوا وطنهم من أيدي العسكر، بعد أن شاهدوا من واقع دفاترهم أن الوطن مهدد بالسرقة، وأن الجماعة غير أمينة على أراضيه ولا وثائقه ولا خرائطه ولا آثاره ومخطوطاته.منذ عام 1952 .

عزيزي الموظف المصري، إذا كان ما زال في جيبك ورقة مالية فئة المائتي جنيه، فتأملها جيدًا ستجد تمثال الكاتب المصري جالسًا متربعًّا يكتب ما يملى عليه ويسجله للتاريخ منذ الأزل، تأكد أنها من الممكن أن تكون صورتك من جديد، كما كانت صورتك قديمًا، فقط تحتاج إلى استعادة ثقتك بنفسك وبجهدك وعرقك وتعليم نفسك بنفسك، والارتقاء بوعيك حتى تصل إلى درجة الكاتب
د. سهير المصادفة
Advertisements