خوري الضيعة وعرافة فنجان ليبيا المقلوب

 

 في حقبة  التقاليد الإدارية الليبية التي ادركت ربما تخوم نهاياتها ،بعد تخرّجي من قسم الفلسفة بجامعة بنغازي عام 1978 كانت تطرق سمعي بين الحين والآخر في أجواء العمل جملة (التوصيف الوظيفي) ،وكأن هناك تقليدا إداريا متّبعا  في الدولة حتى ذلك الوقت لتحديد ملامح أو معالم الوظيفة التي يتقلّدها  المنخرط في سلك الخدمة المدنية .أما في مجال عمل المنظمات الدولية . فأنّي أعتبر نفسي كمايقول أهل العلم “الفقه ــ شرعي” “حاطب ليل” أوبالتعبير الدارج “على باب الله”  ، ورغم إضطراري لدراسة العلوم السياسية في ألمانيا إلى جانب تخصصي الأصيل في الفلسفة إلاّ ان مرونة النظام التعليمي الألماني أتاحت لي حرية دراسة فروع تخصصية  أخرى في العلوم السياسية دون هذا المجال. ولكن ردحا من الزمن أنفقته في عالم الأعلام والصحافة السياسية في الحقبة الليبية الخطرة عملا وإهتماما منذ بواكير حياتي وحتى هذا اليوم  يدفعني  إلى اليقين بأن المؤسسات و المنظمات الدولية التي أبرزها (المنظمة العامة للأمم المتحدة)  تتّبع  في كل أفرعها وشعبها كالوكالات والممثليات وفرق السلام وغيرها ليس فقط آلية توصيف الوظيفة بل توصيف المهمّة الموكلة للممثّل والوسيط والمراقب لأتفاق السلام بين المتنازعين  وغيرهم ، والتوصيف لايشمل المعني أو المعنيين بتقلّد الوظيفة والمهمّة ،والمسؤولين المباشرين عليهم فقط ، بل وهذا هو المهم تخص بشمولها الطرف المعني بتوفير الخدمة له ، والذي يمكننا تسميّته بـتعبير علم النحو بـ  (المفعول به ،أو لأجله) سواء أكان بلدا أو شعبا ، أو دولة .حسب متابعتي للشأن الليبي الراهن منذ التحوّل السياسي العاصف في 17 فبراير 2011 وما أعقبه من فوضى معمّمة سواء من خارج ليبيا حتى 14 .يناير . 2012 ومن داخلها حتى 29 . يوليو . 2014 ،ومن خارجها حتى يوم الناس هذا .أستطيع أن اتكهّن بأن المنظمة الدولية تخلّت  إستثناء لسبب ربّما يتعلّق بالحالة الليبية ذاتها عن تقليدها الإداري العتيد وهو توصيف وظيفة ومهمّة المندوب الأممي. في حالة ممثّلها  الأوّل  اللبناني (طارق متري) ،والوسيطين الذين أتيا بعده :  الأسباني (برناردينو ليون) ، والحالي الألماني (مارتن كوبلر) .والتوصيف الذي أعنيه ليس مانقصده نحن المختصون في الفلسفة بالتوصيف الظاهراتي (الفينومنولوجي) أو  العلمي/ المنهجي (الأبستمولوجي)  . بل التوصيف العّامي الذي يقترب من طبيعة وفطرة الليبيين الأصلية التي وحشّتها وأفسدتها ظروف عديدة أبرزها آليات  الدكتاتورية البدائية  في عقودها العجاف الأربعة.فــ (طارق متري) الذي تبوأ المهمة الليبية لم يكن شخصية خاصّة بمعنى أنه ليس موظفا دوليا تدرّج في مكاتب منظمة الأمم المتحدة ، بل هو شخصية بتفاصيل عامة عربيا ودوليا لم تكن تعني شيئا عند الليبيين ، ولكنها حدّدت مساره في التعامل معهم ، دون دراية المنظمة التي ارسلته مندوبا لها . فقد مارس منذ عام 1979 التدريس الجامعي في لبنان وسويسرا والولايات المتحدة، وعمل في مؤسسات مثل مجلس الكنائس العالمي في جنيف، حيث كان مسؤولاً فيه بين عامي 1991 و2005 عن العلاقات المسيحية-الإسلامية. وعمل كذلك في مجلس كنائس الشرق الأوسط بين عامي 1984 و1991، كما إنه من مؤسسي اللقاء اللبناني للحوار، والفريق العربي للحوار الإسلامي-المسيحي متقلدا.قبل تولّي مهمته الليبية التي حلّت عليه باللعنات وعلى الليبيين بالمصائب منصب وزير الثقافة في الحكومة المحاصصية اللبنانية.فيما بعد إتفاق الطائف الذي تتمظهر تداعياته اليوم  قمامة ملوّثة لكل ماهو سياسي ومدني لبناني . إستجابة لقراءة متسرّعة وفوقية لم  تنظر إلى جذور وحدودالمرض المجتمعي والسياسي! في المشهد الثوري الليبي تنصّل  (طارق متري) من حذاقة  “خوري الضيعة” اللبنانية ، متخذا إهاب المثقف في”برجه العاجي” متشائما منذ البدء إزاء مهمته مستلهما رديكالية (خليل الكافر) المستدعاة من رومانتيكية (جبران خليل جبران ) ، وبمساعدة الليبين الذين تصدّوا بعفوية لإعتبارات وظروف ليس هنا مكان تفصيلها  لشانهم العام بالسلاح وبدونه ساهم في  إفساد المشهد السياسي الليبي الفجّ والهّش والمفسد من اساسه ، مقترحا من ذاته توصيفا لمهمتّه الليبية ، التي حاول من خلالها رسم (كليشيه) . مؤطرا الليبيين لبنانيا موهما العدد المنتخب منهم بأنّ إختلاف مصالحهم الموازي في عفويته الطبيعية غير السياسية لأطماعهم ومخاوفهم غير الواضحة في اذهانهم  يجب أن يأخذ في  جوهره  صورة الصراع المعتقدي (الأيديولوجي) ،فيما  يقارب صراع الطوائف اللبنانية التي وصفها (جورج قرم) بــ (المغتونة) سياسيا التي خبر ربما اليات التعامل معها ،مبرزا عددا مبالغا فيه من المتحاورين الليبيين ،مدشّنا  آلية للحوار  وعّرت مسالك الليبيين ـ حسب عنوان كتابه ــ إلى الوفاق وأخذت بأيديهم إلى نفقه اللبناني المظلم مسلما مهمة الأستمرار فيه للوسيط الأسباني (برناردينو ليون) .طوال مكوثي في ليبيا في الفترة المبيّنة اعلاه،كنت اسائل نفسي دائما ماذا يعمل متري ؟ وماهي حقيقة مهمّته في ليبيا ؟ ولم اره  في وسائل الأعلام إلا في مناسبتين وهو يقدّم تقريره صورة بلا صوت إلى مجلس الأمن . المرّة الأولى التي اتيحت لي رؤيته فيها عيانا بيانا كانت في احياء أربعينية (نيلسون منديلا) ،التي نظمتها شتاء 2014 سفارة (جنوب أفريقيا) في فندق الودان بطرابلس بالتنسيق مع (رئيس مجلس طرابلس المحلّي) الذي استعان بشخصية اعلامية ليبية مشهورة بالعرافة الهدّامة  في ترتيب الندوة التي تسللت إليها فضولا وبدون دعوة. في كلمته التي سبّقت أوّلا بعذر إرتباطه المصطنع بموعد مسبق ، وعبر سيرة (منديلا)  مرّر طارق متري مصدقا عليه مثل العرب: “رمتني بدائها وأنسلّت” مساميره التي لم ينتبه لها الحضور المنتخب في جلّه أسلاماويا أو ربما تجاوب معها ضمنيا بعدم الأنتباه لأنها داعبت مطامعه ونوازعه السياسية الهدّامة . في مهمته الليبية المنكودة  تقمّص برناردينو ليون إهاب الدبلوماسي “الشاب /الطروب” مستعيرا القناع الموحي بالثقة من استاذه الأسباني الذي عمل معه : الوسيط الدولي الشهير (خافيير سولانا) جامعا في شخصه  ” ثنائية (الفارس/السخري الدون كيخوث) و( المغني ـ  الجوّال “التروبادور” ) ، بمخيّلة الفارس النبيل أوهم  ليون طواحين الهواء من  الفرقاء ! الليبيين أنّهم “الفرسان الأعداء” ، وبربابة المغني الجوّال أطربهم وأرقصهم “صمّ بكم لايفقهون” عبر العالم فوق طاولات “المفاوضات” التي أطلق عليها وفاء و” كرمى عين” (طارق متري) تحبّبا أسم “الحوار” ، إلاّ أن المضاف المميّز الذي طعّم به (برناردينو ليون) مهمته الليبية هو صبوات الشاعر المستدعاة من (فريدريكو غارسيا لوركا) ذلك  الذي قتلته غرناطته كما كتب الشاعر مواطنه (انطونيو ماتشادو) وهي شقيقة غرناطة الليبية القاتلة ، مفشلة  مهمات وسطاء الأمم المتحدة  .بعد ان وقّع ما سمّوا بالفرقاء اليومين المنفرطين على “الأتفاق السياسي الليبي”بمعيّة العراب الأممي الجديد”بلدياتي” أي مواطن مغتربي الألماني (مارتن كوبلر)  وهو التوقيع الذي ربمّا سيرجعون به فنجان ليبيا الذي قلبه (متري) إلى سوّيته ، وهو مايجعلني أتريّث في توّصيف مهمته أو وساطته  ، وهو ما اتمنّى منه الشروع فيها سريعا بحذاقة وواقعية ألمانية  وهو ماسأكتب فيه لاحقا ،حيث أدركني الصباح فلن أطيل مخافة العرّاف! ساكتا عن الكلام المباح .

نورالدين خليفة النمر

Advertisements