ركن العامرية كل عام ونحن بخير

فدوى بن عامر

نتمنى أن يكون هذا العام أحن على الليبيين من أنفسهم على أنفسهم.

تشاء الأقدار أن يكون أول أيام العام الجديد يوم جمعة تحديداً، فما كان من أحد الغاضبين أبداً الذين يعتلون المنصات في كل أسبوع إلا التحريض على تبخيس الحياة الدنيا وأنها فقط طريق عبور للأخرة، وهكذا ظل صاحبنا يلوك الكلم ويرجعه ولا معنى له ولا مغزى إلا الموت الزؤام.

موت الجسد حق لا ننكره، ولكن الموت الاختياري والماجن للذات والفكر هو ما نرفضه، فالحياة هبة لنا لنحياها كاملة غير منقوصة، أما الحديث عن الموت في خطبة أول جمعة من العام فلا تستسيغه نفس الشباب المضرّجة بالحياة، أو حتى الكهول، فالجراح طرية ومبعثرة على طول الوطن وعرضه.
ومع هذا فكل عام ونحن بخير!.

أليس غريباً ورود لفظة الموت في كل شيء تقريباً، فنحن في ثمالة العشق، وبلهجتنا العامية، نقول”نحبك نموت فيك” ونقول”ضحكت. فرحت. خفت لين قريب متت” ويمكننا الاسترسال في ضرب الأمثال إلى يوم بعيد.

حتى الغناء. نغني”حياتي بعدك موت” وفي الشعر قال أحدهم”الحب أوله شيء يهيم به. قلب المحب فيلقى الموت كاللعب”. و لم تنجُ الأناشيد الوطنية من الموت فنقول”نموت نموت ويحيا الوطن” أَوَ يحيا وطن ماتت أزهاره ويبست عروقه!. أليس ممكناً أن تكون الوطنية بعشق الحياة لا بالقفز على الموت!؟.

نتحدث هنا عن ثقافة الموت وهي ثقافة التهاون والتكاسل والتغابي هي ثقافة قائمة على صرف أنظار الناس عن مشاكلهم الأساسية من عوز ومرض و جهل

أما إذا طمعنا في النعيم فعلينا أن نموت لننعم مع حور عين وهذا لسان حال بعض الرجال فالأمر هنا لا يخص النساء مطلقاً!.

وكأننا في كل ذلك مجتمعٌ لا يحسّن إلا التفنن في إنتاج الموت والموت الماجن على الأخص.

ومع هذا كل عام ونحن بخير!.

نتحدث هنا عن ثقافة الموت، وهي ثقافة التهاون والتكاسل والتغابي.. هي ثقافة قائمة على صرف أنظار الناس عن مشاكلهم الأساسية من عوز ومرض و جهل حتى لا تطالب الساسة بأي عمل. إنها ثقافة عاطلة عن العمل مشبعة بتقديس الموت، و لذا لا تنتج إلا كائناً مشوهاً عقلياً ونفسياً مؤهلاً لتشرّب أفكار العنف والكراهية. إنها قتل الآخر وقتل النفس أما قتل الوقت فهو أخطرها! وأما الهروب والتهرب من المسئولية التاريخية فيندرج تحت بند ثقافة الموت الماجن والداعر أيضاً ولنا في تصرفات العديد من ساستنا أسوة غير حسنة.

في المقابل، تعني ثقافة الحياة العمل و الأخلاص فيه وإتقانه. إنها سيادة المنطق التي تحد من سيطرة الأساطير و الغيبيات و الغباء على عقل الإنسان، الشيء الذي يدفعه إلى التدبر لتحسين أوضاعه. إنها تقديم ما يفيد البشرية والإرتقاء على سلم الحضارة و بهذا تتجسد الوطنية البناءة و يُبنى بها الوطن و هذا هو الإبداع في سبيل الله لا الموت في سبيله.

أما آن لنا أن نكفّ عن الموت الماجن الداعر كعدم إجتماع مجلس النواب لعدم إكتمال النصاب في كل مرة و نتفرغ للحياة و نبدأ بتحمل المسئوليات الجسام كالرجالات.

عند اختياري لعنوان ثرثرتي هذه تذكرتُ مقالة عظيمة للمرحوم النيهوم عنوانها “كل عام و أنتم طيبون”، فحواها أن الإنسان يعمل و ينتج في العالم أجمع تقريباً إلا في بلادنا حيث لا عمل له إلا بيع الذهب الأسود و عند نضوبه سيرجع الليبي إلى خيمته و غنيماته و لا شيء غير ذلك.

ترى إن كان النيهوم لا زال بيننا هل تراه يختتم مقالته تلك كما فعل حين كتب “و مازالت لديكم وجبة عشاء و شركة المقاولات العامة و علاوة السكن و الإذاعة الليبية.. و مازال لديكم من يقول نارك ولاعة يا بلادي.. و سوف تظل النار ولاعة حتى تصلكم رائحة الشياط.. فمبارك ما يقول المغني و كل عام و أنتم- كالعادة- بخير”

أقول.. هل وصلتنا رائحة الشياط بعد!؟ أم نحتاج لحرق مزيد من المطارات و مزيد من خزانات النفط و مزيد من المؤتمرات الصحفية المخجلة!؟

ومع هذا كل عام ونحن بألف خير.

فدوى بن عامر | الاثنين 4 يناير 2016,
Advertisements