النضال الليبي من سجون سبتمبر إلى منافي فبراير

 

يجد سجين الرأي نفسه داخل تجربة وجودية فريدة تقيم ذاكرته خلالها المحاكم اليومية حول أسباب وجوده في هذا المكان ، وفي كل يوم تحط قبائل الأسئلة الجديدة رحالها داخل مضارب مخياله وتأملاته المفرطة في فرديتها ، فيبدأ بالتساؤل عن المفارقة الناتجة من الأفكار التي منحته لذة التحرر من الحس المشترك الذي صنعته السلطة الحاكمة وأقرَّه المجتمع لتعود وتضعه ذات الأفكار خلف القضبان ! .. وربما سيستنبتُ الكثير من الأسئلة المتعلقة بفلسفة العدالة الإنسانية ، وكيف استطاعت فئة حاكمة صغيرة أن تمتلك قرار نفيه داخل نفسه ، وتغييبه عن المجتمع لوقت طويل ! .. وستزداد الأمور تعقيداً عندما يخرج من سجن الدولة ليدخل سجن النظام المجتمعي السائد ، فيشرع بالبحث عن إجابات للأسئلة الكثيرة التي ألقاها ” مجتمع ما قبل الحرية ” في أفق تجربته الثقافية النضالية .

إن القارئ المُنصف في تاريخ الشعوب ونضالها ضد الديكتاتوريات تتوفر لديه قراءات تعزز وجود النضال الليبي كعلامة فارقة في تاريخ النضال الإنساني ضد الظلم في هذه المنطقة .. وتسفيه تلك القوة النضالية الحقوقية والثقافية من شأنه مصادرة الإطار التاريخي الذي من المفترض أن تنطلق منه الأجيال القادمة نحو تطلعاتها لمستقبل الحرية والتحرر ، وبهذا المعنى فإن الانتصار للنضال الثقافي الليبي في هذه المقالة يحكمه الهم الثقافي الذي يحاول ترتيب الأزمنة الثقافية النضالية داخل التجربة الليبية .. ومن وجه آخر فإن التشكيك ــ القائم على موقف المجتمع إزاء واقعه الراهن ــ بمصداقية النضال الثقافي الليبي في زمن النظام السابق ، يصور الليبيين شعباً من العبيد الذين تآلفت برودة عواطفهم مع الأغلال التي كسرها الصدأ بفعل الزمن لا بإرادتهم ، وليس المجتمع الحر من يتنكَّر لنضال أبنائه ضد الديكتاتوريات التي طمرت بلاده تحت التراب ، ثم تركت خلفها الباب مشرعا لقوى الدين والقبيلة .

عندما تداعت أسباب الوفاق الوطني بين الليبيين بتداعي النظام السابق الذي شكل إسقاطه محور تلك التوافقات ، اجتمع أهل ليبيا على أطباق الانتقام وشرعوا بالأكل حد التخمة. ولم يمر الكثير من الوقت حتى اندلعت ” حرب المواقع ” بين الثقافة الإسلامية السائدة التي أفرغت الديمقراطية من محتواها الفلسفي وهجنتها بالدين وفقه التمكين محاولة الحفاظ على الوضع القائم ، وبين رؤى مختلفة ــ على قلة منظريها ــ تحاول السير في اتجاه التحول الديمقراطي .. وهي تضع نصب أعينها أن المراحل الانتقالية لا يجب أن يتم الفصل بينها بشكل صارم.  . وسط أزمة المعايير والمفاهيم المتداخلة التي يعيشها المجتمع الليبي لم ينجُ النضال الليبي ضد الحكم الديكتاتوري السابق من الأحكام المجتمعية الموتورة ، بعد التحول الدلالي الذي طرأ على كلمة ” مناضل ” داخل قاموس الثقافة الليبية.

انتقل الإرث النضالي بعد ذلك من سجون النظام السابق إلى سجون المساومة ، وتعرض هناك إلى نكران جماعي بحجم ملحمي بعد وقوعه في قبضة التسفيه واستخدامها له بإفراط يدعو للريبة ! .. لكن.. وبالقليل من التقصي الإعلامي سنصل بسهولة إلى الجهات الإسلامية المشبوهة التي تقف خلف ذلك الاستخدام النفعي لقضية النضال.. والتي حاولت الزج بنفسها داخل صورة نضال الفئة الاجتماعية التي انخرطت في النظريات الاشتراكية واليسارية والعلمانية من أجل مشروع الدولة الوطنية .. ولم تنتهِ أزمة المثقف المناضل داخل سجون الديكتاتورية ، إلا لتتجدد بأشكال أخرى .. أشكال صنعها المجتمع الذي أرسله إلى منافي الإزدراء وحمله بجريرة الإسلاميين المسؤولية الأخلاقية الكاملة للوضع الراهن ، كأنَّ الرأي الحر في زمن الديكتاتوريات سبَّة وتطاول غير أخلاقي على السلطة الحاكمة ! .. دون أن تقدم القوى المجتمعية المدنية نقداً حقيقياً لأصل المشكلة ، المتمثلة في الفكر الديني الإسلامي والخطاب الديني والشعارات الدينية التي أطَّرت ثورتها منذ البداية .. بل وشكَّلت ثقافتها العامة منذ زمن بعيد ..  بدأ حديثي ــ هنا ــ وسينتهي مقتصراً في إثارته لقضية النضال الوطني الليبي على أعمدة الفكر الإشتراكي .. والمثقفين والشعراء والكتَّاب الذين كانت أحلامهم أكبر من واقع الجماهيرية فسُرقوا من البيوت الليبية وأودعوا سجون النظام السابق .. واستثنى بشكل مطلق كل الإسلاميين .. وهذا الاستثناء ليس من قبل الفرز الإيديولوجي أو التعميم الجائر .. ولكن احتراما للتجربتين التاريخية والمعاشة للمجتمع الليبي مع الجماعات الإسلامية المتنكرة في أثواب المعارضة .. تلك التجارب المؤلمة التي استطاعت كل شعوب المنطقة من خلالها فهم طبيعة الفكر الإسلامي الذي لم يكن بصدد التأسيس لمشروع الدولة الوطنية بيوم من الأيام .. وإنما كانت غاية أمانيه وأقصى أراجيه استدعاء نموذج الخلافة الإسلامية من غياهب التاريخ وجعله أمرأ واقعا شاخصاً في وجه الألفية الثالثة. واستثناء الحركات الإسلامية يأتي أيضا تحت ضرورة الاستجابة للشروط الأخلاقية.. لا سيما وقد استخدمت الأخيرة عقدة المظلومية داخل السجون كذريعة لشرعنة العنف والقتل وتنفيذ العمليات الإرهابية.. والوصول إلى السلطة تحت مظلة ” التصويت العقابي ” التي تلجأ إليها الشعوب عادة للانتقام من الإرث الظالم للأنظمة الديكتاتورية .. وإن كان للحركات الإسلامية مكاناً يحتوي مشاريعها الأصولية المنفصلة عن الزمن فلن تجد أفضل من السجن أو المصحات العقلية على أفضل تقدير. . ربما لم ينتبه المواطن الليبي الذي تحول إلى مواطن غير شرعي منذ عام 1969 أن ” خريجي السجون ” _ كما يصفهم أحد نجوم إعلام فبراير _ قد نجو من الحياة داخل أكبر محمية من محميات العبودية والجهل في العالم .. ولم يشاركوا على الأقل في ممارسة الفساد الذي حافظ على إيقاع النظام السائد .. ولعله ليس من قبيل المصادفة أن الصوت الذي انتصر لحلم الوفاق الوطني رغم تهم التخوين المجانية كان صوت لسجين رأي سابق من مدينة الزاوية .. في نهاية المطاف ، قد لا أكون مخولاً للكلام بلسان حال الجيل المثقف الذي يبتعد زمنه الثقافي عن واقعي الراهن بقدر ما تقترب همومه الثقافية من هواجسي ، الجيل الذي غيَّبه السجن ويُغيِّب نضاله اليوم المجتمع الليبي الذي أصدر أحكاماً تشوه كل شيء للتخلص من كل شيء .. ولكن ما أعرفه بنوع من التوقع أن انتفاضة 17 فبراير لم تكن ثورة الحرية للتيارات العلمانية واليسارية التي اختارت أن تكون قرباناً لتجربة المعارضة من الداخل .. ودفعت ولازالت تدفع ضريبة نضال الأمس بتبعات واقع اليوم.

الأحد 17 / يناير / 201602:21 مساءً

خاص لموقع 218

Advertisements