معلم القرن

 داليا الحديدي - مدونة مصرية
داليا الحديدي – مدونة مصرية

كلما شرعت في الكتابة عنه.. آثرت التأني خشية غمطه حقه أو التقصير في الكتابة عنه بما يليق بمقام علمه وإنسانيته، علماً بأني انتوي الإشادة بعلمه لا بشخصه وبحداثة خطابه واختلافه عما اعتدناه من جوقة المنابر البالية. فهو وبحق مجدد الخطاب الديني بهذا العصر.

إنه معلم القرن في العالم الإسلامي ومرادف الوسطية وعنوان العقلانية وبوصلتنا صوب المعرفة.

إنه أحد أفضل سفراء الإسلام في عالمنا، فهو من أزال غبرة الجهل من العقول ولا يزال يعمل على تنقيح الفكر الإسلامي من تراهات التصقت به بحكم العادات المتسيدة على حساب الشرائع بسبب تراخي المتأسلمين في استخدام عضلة المخ، في زمن جعلوا فيه التفكير مهنة لا فريضة.

انه عدنان إبراهيم الذي حارب لتكون كلمة الله المنزلة بالقرآن هي الأولى تصديقاً من الحديث الضعيف المفترى على الرسول.

انه من عدّل معيار الصوابية، فلم يجعله مرتبطا بعمامة بل بمدى توافقها مع ما ورد في المقدس.

إننا لسنا بصدد عالم لا ينكر الموسيقى، الرسم، والفنون فحسب، بل بمن يجاهر بحبه لأعمال الرحابنة وصوت فيروز، وهو من تصاحب مقاطع دروسه، خلفيات موسيقية لشوبان وبيتهوفن.

انه من قال أنا وأمي نحب «طاش ما طاش»!

قالها غير عابئ بتهكم الفارغين الذين خصصوا جل وقتهم لسبه رغم أنه لم يجعل صوته يوماً سوطاً عليهم لأنه عفو غير ذي انتقام.

إن خطبه الجمعية أشبه بوجبات البرانشط الدسمة، الشهية على تنوعها والتي لا يُشبع منها على فائدتها، فنحن بصدد وصفات فكرية من شتى أصقاع الفكر الإنساني.

لقد هرمنا من الخطب التلقينية، المباشرة التي تنادي بافعل ولا تفعل.. ثم ها هو يسيح بنا في جولات مع أدباء وفلاسفة من المشارق والمغارب، يتجول بنا ويخطف عقولنا لساعة، ثم يعيدها وقد أضاف لنا من خيرات العلم والفن.

وصدقاً، يصعب الاكتفاء بسماع دروسه لمرة، بل إن نصيحة العقاد بقراءة أي كتاب لثلاثة أفضل من قراءة ثلاثة كتب لمرة واحدة تنطبق على خطبه.. وحبذا لو استعنت بـ «جووجل» أثناء متابعتك له، لأنه حتما سيلقي عليك بمصطلحات حديثة بألمانيته تارة وبإنجليزيته تارات.. فقد حول خطب الجمعة لـ «سيمينار» ولا أستبعد استخدامه لشاشات عرض توضيحية قريباً.. ليته يفعل.

لقد أنسن الخطاب الديني وأحسبه الوحيد الذي ذكر بلا حرج زوجته على المناير وأورد أنه اثناء مزاولة لعبة «الكونكت فور» معها، وردت له خاطرة ايمانية، ما استوقفني كوننا نعيش بمجتمعات تتعامل مع الزوجات كعورات.

وقد صوره محبوه أثناء قيادته للعجلة بشوارع فيينا.. ثم أنه مصمم على عدم ارتداء العباءة لشرعنة وضعه كعالم دين.. وهو من القلة المهتمة بمظهرها، فلا كرش ولا حدب بل مظهر طيب يكشف عن جوهر أطيب.

إننا إزاء نوعية من البشر تبشر في وجوه من حولها بغض النظر عن انتماءاتهم وتوسع دائرة الحلال وتضيق عقدة الحرام.

إنه منا لا علينا وان لم نكن من عظامه عصبا من عصب ولكننا من رحم فكري ومعين إنساني واحد.. وأنا ضمينة ليقظتك أثناء خطبه الطاردة للملل، لا لنصاعة لغته وبياض منطوقه فحسب ولكن لحرصه الأصيل على البحث عن الحقيقة.

اننا بإزاء عالم لم يشرنق علمه على مبحث بذاته بل لديه من الشراهة المعرفية ما أفرز شخصية موسوعية جعلت الملايين يتسمرون لمتابعة المزيد من علمه.

تحية لخادم الفكر الإسلامي.. العلامة عدنان ابراهيم.

12 يناير، 2016

Advertisements