دويتشه فيله: عندما ينخر الفساد الاقتصاد الليبي؟

صورة ‏المنظمة الليبية للسياسات و الإستراتيجيات‏.
المنظمة الليبية للسياسات و الإستراتيجيات

دويتشه فيله: عندما ينخر الفساد الاقتصاد الليبي؟
.
http://goo.gl/ms29jy
.
أشارت نانسي بورسيا، مراسلة الموقع الألماني “دويتشه فيله” في تقرير نشر الأحد 21 فبراير الجاري، إلى أن النظام المالي في لبيبا يواجه أزمة عميقة، كما هو الحال مع بقية قطاعات البلد، فالفساد ينخر الاقتصاد الليبي، فيما يواصل المهربون تجارتهم الرابحة في تهريب العملة والوقود.

وبينت الصحفية نانسي بورسيا أن الانتظار الطويل أمام البنوك في طرابلس، ينتهي بعراك بين رجال يحملون حقائب ممتلئة بالنقود وموظفين ينتظرون استلام رواتبهم، فيما يقف محتالون ينتحلون هيئة رجال أعمال خارج الطابور يتأملون أن يساعدهم أحد العاملين الفاسدين على تحويل أموالهم خارج البلد، بينما تبين وثائق الاتفاقات بأيديهم، أنهم يريدون استيراد بضائع من شركائهم في تركيا أو مالطا أو من أي بلد في العالم الثالث، ليزودهم موظف البنك بوثيقة منح قرض تمكنهم من إيداع أموالهم في الخارج، مقابل عمولة 15 في المائة من المبلغ.

لكن، توضح الكاتبة، العقد المبرم لشراء هذه البضائع مزيف، ولن تصل البضائع إلى ليبيا أبداً، ولا يبدو على موظف البنك، الذي طلب عدم ذكر اسمه، اكتراثه بذلك، بحسب ما يقول: “يمكنك الذهاب إلى ميناء طرابلس ورؤية كم حاوية بضائع تصل فارغة أو محملة بـ20 في المائة فقط من البضائع .. حتى هناك، تعمي الرشوة أعين موظفي الجمارك”.

ومنذ وقوع قطاع النفط في ليبيا ضحية صراعات الأطراف المتناحرة في البلد، انخفض الإنتاج من 1.6 مليون برميل يومياً قبل الحرب -التي أنهت حكم القذافي- إلى 350 ألف برميل، فيما اتسع نطاق استعمال السيولة المالية، ما جعل من الفساد مرضاً مزمناً للاقتصاد الليبي.

كما أصبحت السوق السوداء للعملة الصعبة واحدة من أكثر القطاعات الاقتصادية نشاطاً في ليبيا خلال العام الماضي، وتختلس سوق العملة السوداء مبلغاً كبيراً يصل إلى 15 مليون دولار (13.4 مليون يورو)، يضخها البنك المركزي الليبي للبنوك التجارية سنوياً.

واعتبرت أن اتفاقية البيع تعد الخطوة الأولى لبدء العملية، حيث يقوم تجار العملة بعدها بمبادلة الدولار خارج البلد ويرسلونه نقداً إلى داخل ليبيا، ليتم بيعه في السوق السوداء، مقابل 4 دنانير ليبية للدولار الواحد، فيما يبلغ سعر الصرف الرسمي الثابت منذ سنة 2011، 1.4 دولارات للدينار.

ويقول أحد المهندسين الليبيين إنه “يريد الذهاب إلى أوروبا لحضور مؤتمر هناك ويرغب في تبديل العملة بمركز المدينة لشراء الدولار، لأنه لم يجد أي بنك يوافق على منحه بطاقة ائتمان بنكية”، وذلك لأن موظفي البنك المرتشين يرفضون التعامل مع أي طلب لفتح حساب أو استصدار بطاقة ائتمان، إلا مقابل دفع 15 في المائة عمولة لكل عملية، ويشير المهندس الليبي إلى أنه “في تركيا، تجد ليبيين يحملون أكثر من 20 بطاقة بنكية، ويذهبون هناك فقط لسحب الدولار وجلبه نقداً لبيعه في ليبيا”.

من جانبه، خفض البنك المركزي الليبي قيمة التعاملات بالدولار مع البنوك التجارية من 15 مليون إلى تسعة ملايين دولار خلال العام الماضي، وحدد المبلغ المتوفر في بطاقات الائتمان البنكية بخمسة آلاف دولار فقط لكل شخص.

دعم ولكن؟

وأشارت إلى أنه قبل اندلاع الثورة في ليبيا، قررت الحكومة الليبية زيادة الدعم الحكومي للغذاء والطاقة لتقليل تكاليف الحياة، وغداة الثورة، ما زالت المؤسسات الحكومية تتلقى 18 مليون دولار سنوياً من الدعم الحكومي.

وفي هذه الأثناء، أصبحت الشاحنات تحمل البضائع المدعومة حكومياً، مثل الدقيق والزيت والسكر، لتبيعها في تونس والجزائر، ولكن تبقى عملية تهريب النفط واحدة من أكثر طرق التهريب ربحاً في الفوضى الليبية الحالية.

عن ذلك، يقول أحد مهربي النفط: “لا توجد أية قوة تتحكم في هذه السوق، ويمكن لأي شخص دخول هذا المجال”.

ويأتي النفط من محطات التصفية في طرابلس والزاوية غرب ليبيا، ومن الحريقة وطبرق في الشرق، ويبلغ سعر لتر الوقود المدعوم حكوميا 10 سنت، وحسب القانون، يمكن لأصحاب محطات الوقود بيع عشرة آلاف لتر يومياً من الديزل و30 ألف لتر من البنزين، إلا أنهم غالباً ما يتخطون هذه الأرقام، ويوضح مهرب الوقود قائلاً: ” يتقدم البعض للحصول على ترخيص لافتتاح محطة وقود، فقط من أجل بيع الوقود في السوق السوداء”.

كما يميل سائق السيارة الاعتيادي إلى الحصول على ما يقرب من 1200 لتر، ويتنقل من أجل ذلك بين محطة وأخرى، ويحاول إخفاء النفط في عدد من الخزانات السرية بالسيارة.

ويتم تهريب الوقود عبر الطرق البرية ويكلف 50 سنتاً للتر الواحد، وعندما يصل الوقود إلى تونس أو الجزائر يتضاعف سعره، علما وأن “بعض محطات الوقود أقفلت أمام الزبائن، لأن أصحابها يفضلون بيع كل الوقود للمهربين الذين يضمنون لهم أسعاراً أفضل من التي يدفعها المستهلك”، بحسب المهرب.

عملية ؟

ويعد أصحاب السفن الكبيرة من اللاعبين المهمين في تهريب الوقود والنفط عبر البحر الأبيض المتوسط، فهم مستعدون لتزويد السفن في البحر بالوقود والماء والغذاء وغيرها من البضائع.

فالملاحة البحرية الليبية تزود الشركات بصورة قانونية بالوقود في المرافئ الليبية، لكنهم يلتفون على القانون ويبيعون كميات أكبر من الوقود المسموح بها قانونياً، ويقول مهرب الوقود: “بعض السفن تتزود بـ300 ألف لتر من الوقود، وغيرها حتى بثلاثة ملايين لتر”.

وحتى في السوق السوداء، انخفض سعر بيع الوقود من 70 سنت للتر في عام 2012 مع بداية عمليات تهريب النفط إلى 20 سنت حالياً، لكن تبقى عملية التهريب “تجارة مربحة للجميع، إذا افترضنا أن مهربي الوقود يمكن لهم بيعه في عرض البحر بسعر 40 سنتاً للتر الواحد، ما يضمن لهم ربحاً يقدر بين 150 و250 ألف دولار للرحلة الواحدة”، كما يوضح المهرب.

أما الناتج المحلي من مصافي النفط الليبية فلا يغطي سوى 30 في المائة من إجمالي استخدام الوقود في البلد، لذلك، تستورد ليبيا 70 في المائة من الخارج، وتستهلك سنويا ستة ملايين دولار في عملية دعم الوقود الحكومية، “30 في المائة منها تنتهي في السوق السوداء”، بحسب مصطفى صنع الله، رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية الليبية للنفط، المؤسسة التي بقيت على الحياد في الصراع بين الأطراف المتنافسة في ليبيا.

أصول

أما في شرق ليبيا، تتحكم “مليشيات” يقودها إبراهيم الجضران بالعملية، بحسب الكاتبة، وهذه “الميليشيات” لا تهرب الوقود فقط، وإنما النفط الخام أيضاً، ففي سنة 2014، صادرت قوات أمريكية سفينة شحن من كوريا الشمالية تدعى “مورنينغ غلوري” كانت متوجهة لنقل النفط من شرق ليبيا، واتهم صنع الله، الجضران بخسارة 14 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية.

ومن وجهة النظر المالية، لا يوجد هناك أي فرق بين انقطاع إمدادات النفط بسبب حصار تنظيم “الدولة” (داعش) والحظر على تصدير النفط الليبي من قبل الفيدراليين في سنة 2013، بحسب صنع الله.

هذا وقد انخفض الدخل الإجمالي للحكومة الليبية من 31.5 مليار دولار في سنة 2014 إلى 13.3 مليار دولار في سنة 2015، ما سبب عجزاً يبلغ 22 مليار دولار، الأمر الذي مهد الطريق للفساد المحتمل في الدولة النفطية الغنية.

ويقول مصطفى صنع الله: “مقاتلو “أبو بكر البغدادي” لا يحاولون السيطرة على المناطق النفطية، لكنهم يريدون ألا تتخطى الحكومة الليبية في المستقبل هذه الأزمة”.

الكاتبة: نانسي بورسيا من طرابلس، مراسلة موقع دويتشه فيله من طرابلس
* Image: Reuters

 
 
Advertisements