سيدة الحرف

 
صورة ‏احلام مستغانمى‏.
احلام مستغانمى

لأول مرة أُرفق منشورًا بصورة لصاحبه. أريد أن تتأملوا صورة هذا الفتى الجزائري الأمازيغي ، سليل القبائل الأشاوس ، الذي لعزة نفسه لم يطاردني لأنشر له أو أبارك موهبته ، وجاءتني رسالته هذه عن طريق العزيزة سارة سليم ، التي أقنعته بأن يكتب لي . كان لأعترافه بأنه تعلّم العربية من أجلي أكبر الأثر على قلبي . إنها جزائر الحبر والدم الواحد التي نحلم بها فإكرامًا لأمثاله أنا جاهزة لأتعلم الأمازيغية ، ومن أجل الغالي غازي جمعة الكردي الذي تعلّم العربية ليقرأ كتبي ، جاهزة لأتعلم الكردية . إنها جائزتي التي لا أباهي بسواها . أحبكم
___________________

سيدة الحرف
كبرت بعيدا عن العربية و أرغمني النسيان و التهميش في قريتنا الصغيرة على كره المسؤولين، و لما اكتشفت أن هؤلاء المسؤولين عرب كرهت بكل براءتي العرب…
لما كبرت قليلا و دخلت المدرسة ، درست هذه اللغة مرغمًا اضافة للأمازيغية. أتذكر حتى الآن نظرة الشّرز التي كنت أرمي بها مدرّسي لأنه يتكلم بلغة المسؤولين…
بدخولي للمتوسطة كنت قد خالطت عربًا فانهدمت كل قناعاتي السابقة، لكن الأهم من كل ذلك هو اكتشافي ل”ذاكرة الجسد” ، قرأتها و لم أكن أفهم كل ما كتبتِ فيها، لكن تلك.. تلك كانت انطلاقتي..
البارحة أُعلنت نتائج مسابقة أدبية احتللت فيها المركز الأول في القصة القصيرة مع أدباء كبار من عدة دول عربية… لما أردت أن أشارك ما كتبت مع من لهم فضل عليّ، تذكّرتكِ أنتِ لأنك لم تعلميني العربية.. بل حببتني فيها و في عبقرية ما تكتبين..
هذا جزء من النص الفائز، التزمت بإظهار جمال جزائرنا فيه كما تعلمت منكِ:
_______________________________
على الضَّوء الصَّادر من تلفازي العتيق مثلي، أتناول حبات حلوى أعددتها بنفسي، مع عصير جوزة الهند، متنقلة بين قنوات كاليدونيا الثَّلاث النَّاطقة بلغة “الفرنصيص”، لكن لا أجد فيها شيئا.. بائسة هي تلك القنوات، لا تنقل أي شيء يمكن أن يستوقفني، أو يستفزني.. لا خبر عن الجزائر، و لا صور لـحرائر بلادي المتألقات في جُــبَّاتـِهِنَّ القبائلية الفريدة و لا للبؤات الأوراس و شنوة و الصحراء.. لا أثر.
تشتعل الأحلام في رأسي كل ليلة كمصابيحَ مزعجة تحرم النَّوم عن أجفاني. عزائي الوحيد فيه -إن صحَّ أن يكونَ في الـمَنفَى عزاءٌ- هو هدوء المنطقة التي رموني فيها.. منذ صغري و أنا عاشقة للهدوء، و أي صخب مهما كان يسيرا كان ليجلب من الذاكرة صورا لصخب الحرب، فقد تـمُرُّ أمام منزلي شاحنة نفايات، فتمُرُّ بالموازاة معها مُـجَنْزَرَةُ مُـحْتَلٍّ في ذهني.. زوجي-رحمه الله- تعوَّد على أجوائها و شاحنات نفاياتها و كذا عزلتها أما أنا فما زلت غريبة، لم يترك لي فيها الوطن موطئ قدم إلا و ملأه حنينا..
أستحضر دون قصد و برتابةٍ، آخر يوم لي في الوطن، استيقظنا على وقع دقِّ الباب.. كاد الطَّارق يلُـــتُّـه، استيقظ السي شريف في ‘سروال اللَّوبيا’، ارتدى فوقه قندورته وهبَّ كالريح لفتح الباب.. و من ساحة المسجد، مد رأسه ناحية المنزل، ليخبرني بصوته الجهوري أنه ‘القايـــد’، أسرعت بدوري و وضعت ‘مِـحْرَمَة’ على رأسي و جلست أشاهد ما يحدث من شقِّ الباب، فهمت من نبرة ذلك الفرنسي و ردود فعل زوجي أن هناك مشكلة لكنَّني لم أفهم ما كانوا يقولونه.. أُخبرت أن أمر اشتغالنا كفدائيين قد كشف و أن فرنسا قرَّرت حسب القايد نفينا !..
كان هذا القرارَ الأعدلَ في نظره، حيث أنه كان بالإمكان أن نكون في عداد الأموات منذ يومين أو ثلاثة، لكنَّ (عدلَ فرنسا في ظلمها لنا) سيسمح لنا بالحياة مرة أخرى.. أيُّ حياة هذه التي عَتَقَتْها فرنسا، أحْيَتنا هنا لتغتالنا هناك، أماتَـتْنَا هنا لتُحيينا هناك.. هذا العدل الذي يتبَجَّحُ به هذا الجرذ الذي نسميه عبثا ‘القايد’ ليس إلا خطة استدماريَّة مدروسة بعناية، حيث أنها تختار ممن اعتقلتهم أكثرهم وطنية( من تأكدت أن التَّعذيب لن ينطقه) و تنفيه عشوائيا، عاما كاملا إلى إحدى الجزر التي أخذتها غصبا بحكم سبقها إليها، وتعود إليه حين يمر عليه الحول و تعرض عليه عودة مشروطة إلى وطنه: العمالة لها!..
مشتاقة أنا إلى حكايات جدتي-رحمها الله- حيث كنا نجتمع على ‘الكانون’ لتحكي لنا تلك القصص الرائعة عن ‘الغولة’ و ‘سيدي وادريس’ و ‘ثامزة’ و قصص أخرى.. كم تمنيت أن أجمع أبنائي يوما إلى ذلك ‘الكانون’ و أحكي لهم تلك القصص التي أحفظها عن ظهر قلب.. لكن لم تشأ الأقدار، و ها أنا في قمة حالات بؤسي في جزيرة في عرض المحيط، أرويها لنفسي كلما شعرت بالوحدة..
كان سي الشريف من قرية مجاورة لا يأتي إلا أحيانا لرؤية جدته، هكذا بدأت قصتنا، التقيته لأول مرة في ‘العينصر’، كان حضوره متميزا لدرجة لا يمكن معها إلا ملاحظته، فكانت الفتيات يتغنجن في شبقية مفضوحة كي ينلن إعجابه، أما أنا فلا طبيعتي المحافظة سمحت لي بالدُّخول في صراع الدَّجاجات هذا و لا مظهري الرثُّ وقتذاك، فانزويت جانبا و هرولت مسرعة نحو المنزل.. ثاني لقاء بيننا كان ثلاثة أشهر بعدها، في ‘زلاَّل’ و في موسم جني الزيتون، حيث جاء ليساعد جدَّته الأرمل في جني محصولها، فصادف أن التقينا بضع مرات في الطريق، حيث كنا ننقل السِّلال الممتلئة بالزيتون ذهابا و إيابا إلى مكان مستوٍ قبل نقلها إلى المعصرة، فكنت أسارع في كل مرة بإشاحة نظري عنه، و بما أنني امرأة/فُضُول، فقد استجمعت جأشي
و عزمت ألَّا أشيح نظري هذه المرة، فقط لأستطلع إن كان ينظر إلي أم أنه لم يلحظني حتى..
ما إن وقع عليه نظري و التصق به دون أن أتمكن من رؤية ملامحه بوضوح لحُمَّى غريبة كانت تسري في جسدي، حتى سقطت سقطة مدوِّية لأني لم أر نتوءا صغيرا في الأرض تعثَّرت به، فتبعثر على إثرها كل ما في السلة على طول الطريق.. سقطة كهذه أزالت حمَّى الحب تلك، و خلَفتها حمَّى و احمرار من نوع آخر: حمى الحشمة و الخجل.. رفعت بصري كالمعتوهة نحوه لأراه مطأطئا رأسه و مقبلا نحوي، مدَّ إليَّ يده و رفعني، فلمَّا استويت، سألني إن كنت بخير فأجبته أن نعم، و دون أن ينبس ببنت شفة بدأ في مساعدتي على جمع ما تبعثر من زيتون.. لهذا صارت ‘لزلال’ و ‘للعينصر’ قدسيَّة خاصّة لديَّ، تمتزج كلما تذكَّرتهما مشاعري..
بعد سنة أو أقلّ، تحقَّق أكبر أحلامي بالزَّواج منه، أضحكُ كثيرا كلَّما تذكَّرت ذلك اليوم الذي جلسنا فيه، كل يروي للآخر أوَّل مرَّة شاهد الآخر فيها، أخبرني أنه شاهدني في ‘العينصر’، أخبرني أن “حضوري كان ممميزا” ذلك اليوم و أنه ظل يتبعني بعينيه و أنا أُهَرْوِلُ إلى المنزل دون أن يلاحظ تلك الدجاجات في غُنْجِهِنَّ.. أمَّا أنا، و لأحافظ على ماء وجهي، و لأظهر كذلك بمظهر اللَّامبالية، أخبرته كاذبة أنَّني لم ألحظه يومها.. اغتاظ قليلا لكنه لم يلبث أن ثأر لنفسه بتذكيري بحادثة الزيتون المسكوب.. خرفي أحمد Kherfi Ahmed

Advertisements