وهم ليبي

أنيس فوزي

·

البرقاوي، شخص يعيش وهمًا كبيرًا، فهو زيادة على كونه يتنصّل من ليبيا في كل مناسبة، ولا يريد الإعتراف أنه جزء من وطن وليس عزيز قوم، وأن قبائله وعاداته لا تتجاوز باب المنزل، هو أيضًا يعتقد أنه مهمّش، والناس تتآمر عليه، ولا تحبّه، يشعر أنه شخص عظيم وأنه لؤلؤة نادرة ويعيش في مكانٍ ساحر، الكلّ يحاول النصب عليه. بينما في الحقيقة هو من همّش نفسه.
أنا أعيش في برقة، وأرى مجتمعًا قبليًّا، عندما يقدم المواطن على وظيفة، يأتي باسم عائلته بدل من شهادته الجامعية أو خبرته. وعندما يريد الترشّح إلى الإنتخابات يدعو الناس إلى مربوعته الكبيرة، يطهو لهم الرزّ واللحمة الوطنيّة، وعندما ينجح ويصير مسؤولاً ينشغل في الفساد والتزوير وإهمال الأمانة، إلى أن يتم إنقلاب أو ثورة، فيعود إلى قبيلته، وتحلف بالطلاق على حمايته. كيف ستُبنى دولة؟
عندما جاءت الحكومة إلى البيضاء، كل من هبّ ودبّ صار يعمل في العقارات، العارف وغير العارف، الجاهل والمتعلّم، الشقة التي كانت تُؤجّر بمئتي دينار صارت تؤجّر بألفي دينار، السلعة والمؤونة والدولار وسيارات الاجرة تتضاعف أسعارها. الكلّ صار موظّفًا في الحكومة، حتى إن موظفي ملف الجرحى أكثر من الجرحى أنفسهم. مجموعة من (الصيّاع) يدخلون إلى الفندق يهدّدون وزيرًا أمام عينيّ! دون حسيب أو رقيب. مجموعة أخرى تلحق سفيرًا بسيارته، وتضع في يده ملفًّا وفوق رأسه مسدسًا! لقد فاجئني أخي الأصغر منّي مرّةً، أنّ شخصًا في وزارة الخاريجة (لا يعرف كتابة اسمه) دعاه ليعمل في ديوان الوزارة! وأن زميلاً لي في الدراسة لا يعرف الارقام صار يعمل ديوان المحاسبة! الحكومة ولجنة الدستور والبرلمان و(جيش السرعة) كلها في برقة، فماذا فعلت؟ لماذا يلومون على طرابلس؟ لماذا يبكي البرقاوي ولا يتصرّف؟ لماذا يشتكي ولا يعمل؟ لماذا لا يقول أنا المغفّل؟ أليس مجلس النواب عاجز على إيفاء نصابه وحسم موقفه؟ هل تم انتخابهم من اجل يمتنعوا عن الحضور؟ ويناموا في الفنادق، بينما انتم لا بنزين ولا ضي ولا خبز ولا مال… هل يحتاج النصاب إلى فـياغـرا ؟
مؤتمر معزول أعضاؤه لا يتجاوزون التسعة، استطاع أن يكون قوّة موازية للبرلمان، لماذا؟ لأن الموضوع إدراي، وفيه ورقة وقلم، ولا يدار في المرابيع، ولا على الموائد.

الطرابلسي، كذلك، شخص يعيشُ وهمًا كبيرًا. حين يعتقد أنه مدنيّ حقيقة، بينما هو متخاذل ومتفرّد ويعيش حالة أنانية فظيعة. ويُترك الحديث عنه للطرابلسيين أنفسهم.

المهم، وخلاصة القول، ليبيا بلد واحد، ولم تبدأ سنة 1949 بل هي موجودة قبل أديانك وقبائلك واعراقك وتسمياتك، وستبقى هيَ وستموت أنت ولا يتذكرك أحد، في كلّ مرة تاكل على راسك بسبب غباءك “عين تضحك، وعين تبكي”.

Advertisements