كتاب: جذور الصراع في ليبيا – لفتحي الفاضلي

كتاب: جذور الصراع في ليبيا – لفتحي الفاضلي

2- الدفن في الشوارع وبيع الأطفال.

خضعت أغلب مناطق ليبيا، بحلول عام 32 قبل الميلاد، لحكم الرومان 1، وفى عام 435م طرد الوندال الرومان من ليبيا. والوندال قبائل جرمانية من شمال اوروبا، احتلوا فرنسا واسبانيا ثم الشمال الأفريقي، بما فيه ليبيا التي كانت تحت سيطرة الروم. وكانت فتره حكم الوندال التي استمرت زهاء مائة عام (من435 الي 533م)، إحدى اسوأ الفترات التي مرت بها ليبيا، حيث ساد الظلم والعنف والاضطهاد والاستبداد، وانتشرت الأمراض وعمت المجاعة، وتميزت هذه الفترة “بكساد في التجارة” وتدمير وتخريب في المزارع والطرق، وساءت حالة السكان، وتدهورت صحتهم، وارتفعت نسبة ألوفيات حتى أن الناس كانوا يدفنون موتاهم في الشوارع”2، مما أدى إلى قيام ألعديد من الثورات ضد الوندال في اغلب مناطق ليبيا. وأنتظر الناس اليوم الذى يرون فيه نهاية الاضطهاد والظلم والاستبداد، ولكن ذلك اليوم لم يكن قد حان بعد، فقد سقطت ليبيا بعد هذه الفترة في أيدي الروم، فانتقلت البلاد بذلك الى أيدى أكثر ظلما وعنفا وفسادا واستبدادا وانتقلت من سيئ الى أسوأ.

بيع الأطفال

ولا نريد أن نقدم في هذا المقطع وصفا تحليليا للعنف والقسوة التي اتصف بها الرومان، ولا عرضا تفصيليا للاضطهاد الذى عشقوه وأحبوه، فاتخذوه وسيلة لقهر الشعوب وقيادتها وقهرها وإذلالها. ولا نريده وصفا مطولا للدموية التي اشتهروا بها بين الامم، واصبحت خاصيه من خصائصهم، ولا نريده عرضا مفصلا عن البذخ والإسراف الذى اتصفت به دولتهم، وانتشر تأثيره على سائر الأمم التي خضعت لهم، بل سنكتفى بلمحة تخدم غرض هذه الرسالة.

لقد تعرضت الشعوب التي كانت تحت التسلط الروماني إلى الاضطهاد الديني والاستبداد السياسي. ولقد فاق ذلك ما مرت به أوروبا في اسوأ عصورها. يقول الشيخ ابو الحسن الندوي: “لم تكن الأمم والبلاد إلا خادمة لمصلحتها – مصلحه الإمبراطورية الرومانية – وعروقا يجرى منها الدم الى مركزها. فكانت الدولة الرومانية تستهين في ذلك بكل حق ومبدأ، وتدوس على كل شرف وكرامة، وتستحل كل ظلم وشنيعة، ولا يمنع بلادا من التعرض لهذا الحيف، والظلم، اشتراك في دين أو عقيدة أو وفاء أو إخلاص للمملكة، ولا يعترف لها في زمن من الأزمان بحق حكمها نفسها بنفسها، والتمتع بحقوقها في أرضها، إنما هي ناقة ركوب في بعض الأحيان، حلوب في بعضها، لا يقدم لها العلف، إلا ما يقيم صلبها ويدر ضرعها…”3

ولقد بلغ الاضطهاد ذروته، عندما كان الأهالي، وهم تحت نير الاستعمار الروماني، يضطرون الى بيع أطفالهم، ليتمكنوا من سداد الضرائب والديون للدولة، وقد يحدث أن يقوم الجنود ببيع الفلاحين الذين لا يستطيعون تسديد الضرائب المترتبة عليهم، فيقبضون اثمان اولئك البائسين بدلا منها.

وكان هدف الدولة ” ابتزاز الأموال من الرعية لتكون غنيمه للحاكمين، ولم يساورها ان تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية او ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة أو تهذيب نفوسهم او إصلاح أمور أرزاقهم، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء، لا يعتمد الا على القوة ولا يحس بشي من العطف على الشعب المحكوم”4، أما الحكام فقد كان لاهم لهم الا التمتع بملذات الحياة حيث “أصبح أهل البلاد في المملكة الرومانية طبقتين متميزتين تمام التمييز: طبقه الملوك والامراء ورجال البلاط الملكي وأسرهم وعشائرهم والمتصلون بهم والاغنياء، فكانوا يعيشون بين الأزهار والرياحين ويتقلبون في أعطاف النعيم وينعلون أفراسهم عسجدا ويكسون بيوتهم حريرا وسندسا .. وطبقة الفلاحين والصناع والتجار والصغار وأهل الحرف والاشغال، كانوا في جهد من العيش، يرزحون تحت اثقال الحياة والضرائب والإتاوات، يرسفون في القيود والأغلال ويعيشون عيش البهائم، لا حظ لهم في الحياة إلا العمل لغيرهم والشقاء لنعيمهم، ولا هم لهم إلا الأكل والعلف …..”5

العنف

ولم يتمتع الرومان بثروات الناس فقط، بل أخذوا يتمتعون بقتال الناس بعضهم بعضا، وذلك عبر تنظيم مباريات المصارعة، التي كانت تنتهى بموت أحد المتصارعين. بل بلغت بهم هذه الشهوة الدموية مبلغاً أدى بهم الى إقامة المباريات بين البشر من جهة، وبين الوحوش المفترسة من جهة أخرى. وكانوا لا يخفون تمتعهم بهذا النوع من المصارعة التي لا تدل إلا على الأمراض والعقد النفسية لدى الرومان.

التنصير

ومما زاد الأمر سوءا أن هذه الفترة من حكم الرومان تميزت، بالإضافة إلى العنف والترف، برفع لواء النصرانية التي اعتنقها قسطنطين، إمبراطور بيزنطة، فتحولت الحرب التي يقودها هذا الامبراطور في شمال افريقيا، الى حرب دينية، وكان انتصاره فيها انتصارا للكنيسة الرومانية.6 ولم يتوان الرومان عن دعم النصرانية بشتى الوسائل الدموية التي ذكرنا القليل منها، مما اضطر الكثير من الاهالي إلى اعتناق المسيحية رهبا لا رغبا. وعلى سبيل المثال، فرضت المسيحية على اهالي قرى كاملة مثل جالو وأوجله بالقوة. ومن جهة اخرى لم تكن النصرانية التي يدعون اليها هي النصرانية المتعارف عليها، بل حُرفت أسوأ تحريف. يقول الشيخ ابو الحسن الندوي “.. وأصبحت المسيحية مزيجا من الخرافات اليونانية، والوثنية الرومية، والافلاطونية المصرية، والرهبانية، اضمحلت في جنبها تعاليم المسيح البسيطة كما تتلاشى القطرة في اليم، وعادت نسيجا خشبيا، من معتقدات وتقاليد لا تغذي الروح، ولا تمد العقل، ولا تشمل العاطفة، ولا تحل معضلات الحياة، ولا تنير السبيل، بل أصبحت بزيادات المحرفين، وتأويل الجاهلين، تحول بين الإنسان والعلم والفكر، واصبحت على تعاقب العصور ديانة وثنيه…”.7، وتشجيعاً للمسيحية سلم الرومان لمن اعتنق المسيحية مناصب كبرى في الدولة ليكونوا لهم عونا وركزا.8 أما الذين قاوموا أو امتنعوا عن اعتناق المسيحية فقد عمل فيهم السيف عمله، واضطهدوا وطوردوا وشُردوا بمختلف مللهم ونحلهم، وكانوا يعيشون في الدولة في موقع الريبة والشك والاتهام.

وهكذا أصبح الأهالي يعانون الاضطهاد الديني والاستبداد السياسي معا، فكانوا بين ان يعتنقوا النصرانية قسرا، او إن يواجهوا دموية جنود الامبراطورية الرومانية.

وانتشرت الفوضى، وعم الإرهاب والفساد، وكثرت الثورات والقلاقل، وفُقد الأمن والأمان، وأصبحت ليبيا غابة، لا تحكمها شرائع، ولا تُنظمها قوانين، بل اصبح البقاء فيها للظلم، والزعامة فيها للقوة والاستبداد، وانتشرت الأمراض والاوبئة، وساد الفقر، وعمت المجاعة انحاء البلاد. ويقول وصف لبرقة في ذلك العهد، ان بنتابوليس (اسم لبرقة يعنى المدن الخمس) قد ضاعت، قد انتهت، قد اغتيلت، قد ماتت، ولا وجود لها، لا بالنسبة الينا، ولا بالنسبة للإمبراطور، ذلك انه بالنسبة للإمبراطور، فان اية ولاية لا تعطي فائضا ما، هي ضائعة، وماذا يمكن ان تعطيه ارض تحولت الى صحراء. 9

وفى اواخر العهد الروماني، أصبحت ليبيا بربرا، هم في الواقع خليط عجيب من شعوب وحضارات تنتشر بينها عدة لغات، وليست بينهم وحدة عقائدية شاملة، وإنما هناك معبودات وثنية ويهودية ومسيحية متعددة المذاهب، تتنافر وتتصارع فيما بينها، ويكفر أحدها الأخر. والى جانب هذا، دولة مستبدة غاشمة، سيئة الادارة والتدبير، وقبائل ثائرة ابدا على حاكميها، مع اقتصاد منهار، وعمران مندثر، لم يبق من معالمه غير الأطلال، وبقايا مدن لا تجتذب من حولها من السكان. 10

وهكذا، رزح اهالي ليبيا تحت وطأة القهر الروماني ردحا من الزمن، انتشر فيه التمرد، وعمت فيه الفوضى، وزاد فيه الظلم والقمع. وسيطرت فيه على الساحة الليبية، اجواء العنف والقتل والتشريد والاضطهاد الديني، واُنهك المواطن بالضرائب في أكبر عمليات للسرقة، تتم تحت حماية الدولة، بل تنفذها بقوة القانون. فهذه كانت حالة الشعب تحت الرومان، وانتهت هذه الحقبة بظهور الاسلام.

الفتح

وجاء الإسلام، وأخذ يزلزل الساحات ويهز عروش الباطل، ويقهر أباطرة الظلم والشر، ويخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة الله الواحد القهار، ومن جور الاديان الى عدل الاسلام، فشق الظلام الدامس نور من الحق، وتسرب الى النفوس المقهورة بصيص من الامل، ورأى أهالي ليبيا، وكغيرهم من الشعوب المضطهدة، أن الإسلام هو المنقذ من الرومان، ومن النصرانية التي شعروا بانها دخيلة عليهم هي واهلها.11

وانطلقت جيوش الاسلام … فدحرت سلطان الروم، بعد أن جاء الأمر من الفاروق عمر بن الخطاب الى عمرو بن العاص (رضى الله عنهما)، بالتوجه الى الشمال الإفريقي، فسار عمرو بن العاص يخترق الصحراء حتى بلغ برقة، ففتحها وصالح اهلها على الجزية، ثم توجه عقبة بن نافع الى جنوب برقه، فسار حتى بلغ زويلة، وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين، وذلك في عام21هـ (641م)، وسار عمرو بن العاص حتى نزل طرابلس، ففتحها بعد حصار دام شهرا لمناعة حصون المدينة.. ولما انتهى من فتح طرابلس، أسرع الى فتح صبراتة ففتحها.
وفى أيام معاوية بن ابي سفيان رضى الله عنه، فتح عقبه بن نافع فزان. 12، ويكون التاريخ قد سجل بذلك، اول تصادم بين الاسلام والنصرانية على أرض ليبيا.

وكانت بذرة الحرية التي بذرها الإسلام أكثر اهمية من هزيمه الروم العسكرية، فقد جاء الإسلام بقوانين تؤمن حقوق وكرامة الإنسان وتحميها، فالتحم الناس به واصبحوا جزءا منه. ولم تعد العلاقة بين الفاتحين وأهل البلاد، وكما ذكرنا، علاقة بين محتل ومحتل، او بين معتد ومعتدى عليه، بل اصبحت علاقه بين منقذ ومظلوم، وأرتبط مصير ليبيا بالإسلام، فـ “كانت الجيوش التي تخرج لاستكمال فتح المغرب، تستخدم ليبيا قاعدة لها، وتؤمن فتح ما يكون قد انتقض من كورها او ثغورها، وظلت ليبيا ممرا للجنود المسلمين والقبائل العربية المسلمة، في طريقها إلى المغرب، او قافله منها الى مصر”. 13

وإلى اللقاء.. في الحلقة الثالثة.. بإذن الله.. والحديث باختصار.. عن محاربة الدولة العبيدية (الفاطمية) للسنة وعلماء السنة في ليبيا، وهزيمة الدولة الفاطمية وسقوطها على ايدي أهل السنة في ليبيا.

د. فتحي الفاضلي

————————————————————————————
سانشر – باذن الله – كتابي ” جذور الصراع في ليبيا” على حلقات – اصدرت الكتاب في فبراير 1992م في ولاية ميزوري واستطاع بعض الاصدقاء تهريب نسخ منه الى ليبيا.. تم تداولها سرا وعلى رقعة واسعة في ذلك الوقت. سأنشر الكتاب كما هو. والله ولي التوفيق.

Advertisements