ليس ربيعاً بل شتاءً قاسياً

     طالعت باهتمام كبير عددا لا يحصي من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات لأهم وألمع الكتاب والمفكرين العرب حول ظاهرة الانتفاضات أو الثورات في المنطقة العربية، بالإضافة إلى متابعة آرائهم في الندوات وحواراتهم في وسائل الإعلام المختلفة، وكنت حريصا على معرفة الإيديولوجيات التي يعتنقونها أو ينطلقون منها، وهذا مجرد تحصيل حاصل لأَنِّي أعرف اتجاهاتهم مسبقا، ورغم اختلاف وتباين اتجاهاتهم، إسلاميون، ماركسيون، علمانيون، ليبراليون، قوميون. إلا أن رؤيتهم لهذا الحدث العظيم كانت متشابهة بل ومتطابقة أحيانا، وهذه مجمل وجهات نظرهم لخصتها في النقاط التالية

 – ما حدث في 2011 في بعض البلاد العربية يعد حدثا غير مسبوق في تاريخ المنطقة، وهو حراك شعبي تحول إلي ثورات شعبية حقيقية، مختلفة تماما عن انقلابات العسكر في العقود الماضية التي سميت ثورات.

– هي انتفاضات ضد الطغيان والقهر والفساد، مطلبها الأساس هو التغيير بشعارها البارز (الشعب يريد إسقاط النظام).

– الانتفاضة نهض بها شباب حالم وطموح، خارج الأطر والبنى السياسية المعروفة مثل الأحزاب والنخب والطبقات.

– لم تكن لها قيادات معروفة توجهها، بل كانت انفجار طبيعي للشارع والميادين، وهذا سيف ذو حدين، الجانب الإيجابي فيه هو عدم ارتهان الانتفاضة إلي تكتل واحد قد يضطر للمساومة ويرضخ ويتنازل، والسلبي هو غياب الدليل في متاهة الطريق.

– لا تقع هذه الثورات ضمن دوائر التآمر الخارجي، فقد تفاجأ بها المتربصون وراهن بعضهم على فشلها وثبات الأنظمة، ولكن التآمر بدأ في مرحلة لاحقة بالتدخل الغربي المباشر وغير المباشر لاحتوائها وتوجيهها والسيطرة على نتائجها.

– رغم مضي 5 سنوات على اندلاعها إلا أنها ماتزال في بداياتها، وستكون هناك موجات أخري ربما أكثر عنفا، وسيمضي وقت طويل حتى تظهر ملامح النظام الجديد الذي سوف تستقر عليه المنطقة.

– العوامل الاجتماعية وارتفاع نسب البطالة والحروب الأمريكية في الخليج وانتشار وسائل الاتصال الحديثة وزيادة الهوة بين النخب الحاكمة والشعوب، كل هذه العوامل وأسباب أخري أقل أهمية تراكمت على مدي العقود الماضية وكانت السبب الرئيس في الانفجار.

– ستمر الثورات في سيرورتها بفترات صعود وهبوط، تقدم وتراجع، فورات وانتكاسات، وستصارع أجنحة الثورة المضادة، وهذا ما يحصل في كل الثورات. وقد تخسر في مواقع ومعارك عديدة، ولكن انتصارها حتمي. فالثورة المضادة هي الدليل الأول علي نجاح الثورة.

– لن تستقر المنطقة العربية إلا بعد تغيير واسع وشامل وعميق اجتماعي وسياسي واقتصادي، فإطاحة رؤوس الأنظمة فقط لن يكون كافيا ليحدث التغيير. ولا تفوتني الإشارة إلى اختلاف الكتاب والمفكرين العرب في تسمية ما وقع في 2011، صحيح أن الغالبية يصفونها بالثورات، خاصة بالنسبة لتونس ومصر، ولكن البعض يراها انتفاضات أو احتجاجات لا ترقي أن تكون ثورة، ولهم بعض الحق في ذلك، لأن صفة الثورة ربما ينالها الحراك بعد فترة طويلة من الزمن حين يظهر أثرها بوضوح في تغيير مسار المجتمع، وهذه مهمة المؤرخين فيما بعد على كل حال، أما صفة الربيع العربي فهي مرفوضة كما يري البعض، وحجتهم وجيهة للغاية. فمثلا، يقول الكاتب منير شفيق أن ما جري مناقض تماما لما نعهده في الربيع من هدوء واعتدال، فنحن إزاء شتاء قاسي بعواصفه وزوابعه ورياحه، وهذا صحيح فما نراه بالفعل هو عواصف عنيفة مدمرة، تحطم العالم القديم بكل قسوة، لكي تتهيأ البلاد والعباد للجديد القادم، ولكن هذا التحول الذي يجري وسط العواصف العاتية سيخلف الكثير من الدماء والحزن والدموع. إنه الثمن الذي تدفعه الشعوب ضريبة مضاعفة جزاء التردد في مواجهة الاستبداد.

 عبد الله الكبير

Advertisements