مأساة والدي والأمل الجديد لدولة الإمارات

مروه

      على مدار أكثر من 600 يوم، ناضلت لأجل حرية والدي. مرت 600 يوم كنا فيها أنا وعائلتي وجماعات حقوق الإنسان والأمم المتحدة نشدد على براءة سليم العرادي، السجين السياسي الذي وقع ضحية تجاذبات السياسة الإقليمية. لقد بات واضحا الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن العالم مقتنع بحرية سليم وفي انتظار الإفراج عنه في 30 أيار/ مايو. وقع والدي، الكندي من أصل ليبي، ضحية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وشابت قضيته التي قدمت أمام المحكمة العليا الكثير من الخروقات التي أولها عدم مراعاة الأصول القانونية. أنفقت العائلة كل جهودها ووقتها لتحقيق العدالة لوالدي، بعد أن أدركنا أن انتظار إفراج السلطات الأمنية عن والدي أمر ميؤوس منه، وانصب تركيزنا على كسب والدي لحريته وإعادته إلى المنزل. لم يطل الوقت قبل أن تكسب قضية والدي زخما كبيرا إعلاميا وحقوقيا، خصوصا على صعيد التصدي العالمي لانتهاكات حقوق الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة. حاولت التواصل أول الأمر مع خبراء في مجال حقوق الإنسان، مثل أليكس نيف من منظمة العفو الدولية، لإرشادي إلى كيفية بدء الخطوات الأولى. بمساعدته، ومساعدة آخرين، نالت حملتنا للإفراج عن والدي، سليم العرادي، الدعم والاهتمام من كل أنحاء العالم. عملنا بلا كلل على توثيق حالة والدي، حيث بتنا نحصد ثمار هذا العمل أخيراً مع اتخاذ منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش مواقف داعمة لقضيتنا. كما قامت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالاحتجاز التعسفي بالتحقيق في قضية والدي جنبا إلى جنب مع 51 حالة أخرى، من أصل 1500 وصلتها العام الماضي، وأعدت المجموعة تقريرا مفصلا حول هذه القضية. وتطرق خبراء كُثر إلى الآثار القانونية والسياسية لما يقوم به جهاز أمن الدولة في دولة الإمارات العربية المتحدة، لأول مرة، فتضمن تقرير ممارسات حقوق الإنسان في البلدان لعام 2015 الصادر عن الخارجية الأمريكية توثيقا لمحنة أبي، عبر الإشارة إلى آراء الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش بشأن قضيته ضمن القسم الخاص بالإمارات. مع ذلك، وبالرغم من نجاحنا في خلق وإبراز قدر كبير من الاهتمام الدولي بقضية والدي، والقضية الأكبر المتمثلة في انتهاكات حقوق الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة، لم نتمكن من الحصول على اهتمام الحكومة الإماراتية نفسها. وقد شعرنا بدهشة عندما أدركنا مؤخرا أن المجتمع المدني في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ بات يهتم بهذه المسألة وذلك للمرة الأولى منذ فترة طويلة، حيث غردت شخصية إماراتية بارزة، وهو الدكتور عبد الخالق عبد الله، والذي يُعتقد أنه المستشار المقرب لولي العهد بدولة الإمارات، عبر تغريدة على حسابه تويتر، بأن الأدلة المقدمة في قضية والدي والأمريكيين الآخرين ضعيفة؛ وهو ما فاجأ خبراء كثرا في الشأن الإماراتي. إن حديث الدكتور عبد الخالق، وغيره، يدل على أن قضية والدي لم تجذب، فحسب، انتباه المجتمع الدولي إلى قضايا حقوق الإنسان في الإمارات، بل تمكنت أيضا من إطلاق شرارة محتملة لإصلاحات هامة وفعالة في دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها، وهو ما تحتاجه البلاد بشدة. منذ آخر جلسة لوالدي في نيسان/ أبريل، لاحظنا بسعادة أن صحافة الإمارات، في موازاة مع وسائل الإعلام الدولية والعربية ككل، بدأت تنشر حول هذه القضية. ومما ضاعف من فرحنا، هو اختفاء الإشارة إليه “بالإرهابي”، بل ووصفه “بالبطل” الذي دعم بنشاط الشعب الليبي عبر العمل الخيري خلال فترة الربيع العربي. تساءلت وسائل الإعلام بصوت عالٍ وواضح عن سبب تعنت جهاز أمن الدولة الإماراتي في تشبثه بمزاعمه بشأن قيام سليم بأعمال عدائية ضد ليبيا، في الوقت الذي تؤكد فيها أعلى سلطة عدلية مسؤولة عن الدعوى العمومية في ليبيا، عدم ارتكاب والدي لأي جريمة. من الواضح للعالم الآن أن القضية التي رفعتها نيابة أمن الدولة الإماراتي ضد والدي أساسها سياسي، حيث يريد جهاز أمن الدولة في البلاد حفظ ماء وجهه لا سيما بعد ظهور الحقائق أمام الرأي العام في دولة الإمارات المتحدة، وإظهار الكثير من الأكاديميين الإماراتيين البارزين لدعمهم لنا عبر تغريداتهم الداعمة لحملتي. يأتي هذا الدعم قبل جلسة النطق بالحكم في حق والدي وباقي رجال الأعمال الليبيين المقررة في 30 أيار/ مايو، والذي سنرى فيها، ما إذا كانت العدالة ستنتصر ويكسب والدي حريته ويعود إلى وطنه. نحن متفائلون ولكننا لن نركض وراء السراب. نحن نعرف أن لجهاز أمن الدولة الإماراتي أساليبه. ومع ذلك، فمن المعروف عن دولة الإمارات اهتمامها البالغ بسمعتها العالمية وعلاقاتها مع الدول الأخرى. قضية والدي غدت متنفسا لكل من يشعر بالإحباط داخل وخارج البلاد على حد سواء، حيث زادت الانتقادات الموجهة إلى جهاز أمن الدولة؛ ولا شك أن هناك محاولة على أعلى مستوى في البلاد لقفل هذا الملف. حققت الإمارات على مدى عقود إصلاحات في مجالات متعددة؛ وربما قد تفتح مأساة عائلتي، وحملتنا التي امتدت 600 يوم، الباب لإصلاحات واسعة، باتت ضرورية في مجال حقوق الإنسان، وأول هذه الإصلاحات هو وضع جهاز أمن الدولة تحت القانون وليس فوقه. نتمنى أن تقوم دولة الإمارات العربية المتحدة باتخاذ الخطوات والقرارات الصحيحة في هذا الصدد. لكن حتى ذلك الحين، لن نتوقف عن السعي حتى يعود والدي إلى المنزل. 

25 أبريل 2016 – 11:17
مروة العرادي
Advertisements