عن «المبدعين» و«الحمير» في ليبيا

القائد الذي هرب منه المبدعون حتى لا يكونوا حميراً..

 عن «المبدعين» و«الحمير» في ليبيا القذافي وكتابه الأخضر
 طلال سلمان

ها هم العرب، الذين كانوا دائماً رعايا، يعودون إلى دائرة الفعل في بلادهم كمواطنين… ولعل الليبيين منهم على وجه الخصوص قد استعادوا، في البدء، أسماءهم، إذ كان يُنادى عليهم في المؤتمرات الشعبية بأرقام اللوحات التي يحملونها. بل لقد مرت حقبة طويلة من الزمن وكل المسؤولين في «دولة الأخ القائد» لا يعرّفون بأسمائهم وإنما بمناصبهم فقط، وعلى القارئ النبيه أن يكتشف بنفسه اسم من يشغل منصب «أمين اللجنة الشعبية العامة»، أي رئيس الحكومة، أو «أمين المؤتمر الشعبي العام» وهو ما يعادل منصب رئيس مجلس النواب، وهكذا دواليك.

أقفلت الصحف جميعاً، لتصدر «اللجان» مطبوعة يومية هزيلة باسم «الجماهيرية» لا تنشر من الصور إلا تلك المتصلة «بالأخ العقيد» واستقبالاته أو بالضيوف الذين يزورون «الجماهيرية» مع إغفال أسماء مستقبليهم من المسؤولين، وبالطبع فلا أخبار فيها ولا تحقيقات ولا مقابلات… ثم استولدت صحيفة أخرى أسبوعية، باسم «الزحف الأخضر» لتنشر مقولات «الكتاب الأخضر» كبشارة بولادة العالم الجديد بالدين الجديد الذي ابتدعه الأخ القائد، وشروح وتفسيرات ترسم بالمطلقات صورة الغد.. المستحيل!

أما التلفزيون فكان في البداية مجرد صندوق ينقل ـ على مدى ساعات لا تنتهي ـ المهرجانات أو المؤتمرات الشعبية التي سيتكلم فيها «الأخ القائد» من لحظة بدء وصول الوفود وحتى عودتهم سالمين إلى بيوتهم وبعض التعليقات أو المقابلات مع ضيوف «القائد»، أو شروحات الكتاب الأخضر… وفي واقعة مشهودة فرض على الشعب الليبي أن يستمتع بمنظر فردة حذاء يحتلّ الشاشة، واستمرّ يحتلّها لثلاثة أيام لأنّ «الأخ معمر» أزعجه برنامج معين، فاستخدم زر التحكّم الموجود عنده ليلغي البرامج جميعاً فارضاً على رعاياه ذلك المنظر المبهج.

لا حياة سياسية بأحزاب وقيادات، لا حياة ثقافية بمنابر وساحات نقاش وإبداعات وكتّاب ومفكرين. فمن حباهم الله موهبة آثروا أن يبتعدوا لكي يستطيع واحدهم أن يفكّر وأن يقرأ وأن يكتب وأن ينشر، مراعياً ألاّ تفلت منه عبارة أو كلمة يشتمّ منها رائحة النقد أو الاعتراض أو التورط في موقف تفحّ منه رائحة السياسة أو التدخّل في شؤون السلطة أو هموم بلاده وعبادها الذين وُلدوا وشبّوا وشابوا في عهد «الأخ القائد»، الذي استطال حتى يئس الناس من أن يعيشوا حتى يشهدوا نهايته.

…ولأنني قد عرفت ليبيا، باسمها الأصلي، مباشرة بعد ثورة الفاتح، وأتاحت لي ظروف مهنتي أن أسافر إليها مراراً، وأن أجلس فيها إلى كتّاب أصحاب آراء ومبدعين في الرواية وفي الفلسفة وفي الشعر وسائر فنون الثقافة، بل وفي الصحافة أيام أن كان فيها صحافة، فقد رأيت من واجبي أن استذكر بعض ما عرفته من وجوه النهضة، بداية السبعينيات، وبعض من عرفت من رموزها، من غادرنا منهم ومن بقي ليعيش معنا لحظات التمزّق بين الفرح بسقوط حكم الطغيان وبين القلق على مستقبل تلك البلاد الغنية في ظلّ استيلاء الحلف الأطلسي على مقاليد الأمور والنطق باسم الثورة والتصرف بليبيا «المحرّرة» بمنطق الوصي، باعتبار الغرب الاستعماري هو الوكيل الحصري للديموقراطية وحقوق الإنسان في عالمنا هذا.

عن الصادق النيهوم والزواوي…

ذهبت إلى طرابلس الغرب أول مرة في أوائل كانون الأول 1971. كنت أعمل في دار الصياد محرِّراً متجوِّلاً بين العواصم العربية، ولقد صدف أن التقى أستاذي الراحل سعيد فريحة بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة الليبية في القاهرة فدعوه إلى زيارة بلادهم والتعرف إلى «الأخ معمر» وأحوال شعبها بعدما أعادت الثورة إلى ليبيا هويتها ودورها العربي، لكنه اعتذر ورشّحني لأنوب عنه في هذه المهمة.

وصلت المطار فوجدت ضابطاً لطيفاً في انتظاري، تولّى مرافقتي إلى فندق صغير على الشاطئ، ثم ودّعني قائلاً: سيتصلون بك، ويأتون لاصطحابك إلى موعدك في «القيادة».

كان في مفكّرتي رقم لهاتف أوحد: مهدي كاجيجي، الذي عرفت في بيروت أنه محرّر في جريدة «الحرية» بطرابلس، وأنه مراسل دار الصياد في ليبيا.

جاء مهدي كاجيجي متعجلاً، فرحاً. وقد أسعدني قدومه لأنني اكتشفت فيه إنساناً رقيقاً، يكتب بعقله، ويحاول التأقلم مع الثورة، فإذا ما صعب عليه الأمر برطم بالإيطالية التي يتقنها أو استنجد بأخيه بشير كاجيجي الذي سأكتشف فيه فناناً سريع البديهة، ظريف المجلس، يعرف أكثر مما يجب، ولذلك فهو يلجأ إلى النكتة مفيداً من ظرف أخذه عن أمه المصرية ليهرب من المواقف التي تستوجب صراحة غير مأمونة العواقب.

كان في طرابلس، آنذاك، صحف عدة، مقبولة المستوى، وأكثر من مجلة أسبوعية، ثم اقتحمت الميدان وانطلاقاً من بنغازي جريدة مميزة تحمل اسم «الحقيقة» أصدرها الأخوان بشير وإدريس الهوني وقد حاولا أن يكرّرا تجربة الصحافيين المصريين الكبيرين مصطفى وعلي أمين، لا سيما أنهما يماثلانهما في الشجاعة الأدبية وفي الاتكاء على نفوذ قبلي وعلى قدر من سعة اليد، وقدرة على الاستقطاب في لحظة لم يكن «الأخ القائد» قد قطع بعد مع كلّ من عمل أو أسّس لمشروع في «العهد البائد».

ولأنّ بشير وإدريس ومعهما الشقيق الثالث محمد كانوا يعرفون مصر جيداً ويعرفون عن لبنان ومنه من يحتاجون إليه فقد استقطبوا مجموعة من الكادرات المهنية الممتازة بحيث إنّ صدور «الحقيقة» شكّل حدثاً بارزاً ونقلة مهمة في تاريخ الصحافة في ليبيا.

على ان النجم في «الحقيقة» كان الصادق النيهوم الذي يحظى باحترام فائق لدى مواطنيه، وبعضهم كان يعتبره فيلسوفاً ويتابعون كلّ ما يكتبه بشغف ويعتزّون به إذا ما جاءت سيرة الثقافة والمبدعين.

لم تعمر «الحقيقة»، التي واكب صدورها الطفرة النفطية في ليبيا، وظهرت مع غروب الحياة السياسية واستئصال كلّ من كان قائماً وله حضوره في العهد الملكي، أو بذريعة أنه من رموز عصر ما قبل الثورة. وهكذا فقد أقفلت وشرّدت تلك الكوكبة من الكتّاب والصحافيين الذين تلاقوا فيها، في حين عقد الراحل الصادق النيهوم «معاهدة عدم اعتداء» مع الأخ القائد: عرض عليه أن يريحه ويرتاح، وهكذا ذهب ليستقرّ في سويسرا منشئاً داراً للنشر صدر عنها بعض أفضل الموسوعات عن دنيانا العربية، ومتفرّغاً لكتابة بعض المؤلفات في الثقافة والاجتماع والدين، هي من أرقى المحاولات في مجال تجديد الفكر العربي وتزخيم النقاش حول المستقبل.

كان الصادق النيهوم من أبرز المفكرين العرب، ثقافته واسعة، وإيمانه بقضية الحرية عميق، ثم إنّه صاحب رؤيا ويتمتّع بقدرة استثنائية على إعادة قراءة التاريخ والتصدّي لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي طالما تمّ ترويجها في بلادنا في مراحل التخلّف والقهر الاستعماري.

مبدع آخر قدّم نتاجه الممتاز لجريدة «الحقيقة» هو رسام الكاريكاتور الموهوب محمد الزواوي. كانت أفكار رسومه بسيطة جداً، وخطوطه واضحة، لذلك فإنّ أفكاره كانت تصل إلى الناس بيُسر فتُضحكهم من أنفسهم وتنبههم إلى الخاطئ أو النافر من سلوكهم، كما تدلّهم على مواقع الخلل في العلاقة بين الثورة التي سرعان ما باتت سلطة الفرد الأوحد وبين الشعب الذي وجد نفسه ـ فجأة ـ يعوم في بحر من الفراغ، تشغله هموم حياته اليومية عن شؤون السياسة.

ولقد رفض محمد الزواوي أن يغادر بلاده، برغم الحصار الذي فُرض عليه، وظلّ يحاول تقديم إبداعاته في فن الكاريكاتور، لا سيما مع اشتداد خطر التدخّل الخارجي الذي سرعان ما تحوّل إلى حصار قاسٍ. وهكذا فقد انزوى في بيته، لا يقابل إلا قلّة من الأصدقاء القدامى، حتى طواه الموت في صومعته، لكن الليبيين جميعاً، ومعهم من تيسّر لهم أن يتابعوا نتاجه المميز خارج ليبيا، قد حفظوا له تقديراً عالياً… ولعلّ كثيراً من المثقفين وأهل الرأي قد رأوا فيه «ناجي العلي» الليبي، بمعنى قدرته على تقديم الأفكار الباهرة ببضعة خطوط بسيطة تكفي لتأخذ القارئ إلى قصده البعيد، من دون بهرجة أو ادّعاءات أو فخامة شكلية.

إبراهيم الكوني وأحمد الفقيه..

في ركن خلفي من الفندق الكبير التقيت الكاتب المبدع إبراهيم الكوني، وقدّم لي باكورة إنتاجه من الروايات التي عرّفت العالم أجمع بشعب «الطوارق».

كان يكفي أن تُقرأ الرواية الأولى حتى تكتشف عمق الموهبة عند هذا الكاتب الآتي من دنيا مجهولة تماماً، بِناسها وبيئتها الاستثنائية، بعاداتهم وسلوكهم وفَهْمهم العميق لدنياهم المسحورة: الصحراء.

ولقد وعى إبراهيم الكوني طبيعة النظام الذي سيحكم ليبيا طويلاً، فتقوقع في عباءته الزرقاء، حاجباً فمه ومعظم وجهه، على طريقة «الطوارق» متواضعاً في طلباته: اتركوني أُكمل دراستي (ومن ثمّ حياتي) في بولونيا، أكتب رواياتي التي لا علاقة لها بالدولة أو بالسياسة، بشكلٍ مباشر، والتي تبتدع عالماً جديداً وتقدّم شعباً لا يعرف عنه إلاّ شكله، ولا يعرف عن بيئته إلاّ أنّها الصحراء، فلا يستطيع أن يُترجم صوت الريح، مع اختلاف تحوّلات الهواء بين الزمجرة والتسلّل نسمات رقيقة، ولا أن يفهم تكوينات الصخور والعلاقة بين ضوء القمر وهمسات الرمل.

في تقديري الشخصي أن إبراهيم الكوني أحد أخطر الروائيين العرب، فهو نافذ البصيرة، عميق الثقافة، وصاحب رؤيا، ثم إنّ قدرته على السرد الممتع ـ والصعب ـ غير محدودة. إنّه قادر على ترجمة الأخيلة والخرافات والأساطير ودمجها بالفلسفة وشيء من الصوفية فإذا أنت في عالم سحري من إبداعه.

في الركن نفسه كنا نلتقي الروائي الليبي الممتاز أحمد إبراهيم الفقيه الذي ينطق بعينيه أكثر مما يتحدّث بلسانه، والذي أنتج مجموعة من الروايات الممتازة، وكتب في النقد وفي الاجتماعيات، ورصد التحوّلات في الواقع ليحول شخوصها وأطوارهم إلى أبطال لإبداعاته الفنية.

ولأنّ السلامة غنيمة فقد اجتهد أحمد إبراهيم الفقيه حتى وجد عذراً شرعياً للإقامة شبه الدائمة في القاهرة، مع تيسّر السهولة في الحركة… وهكذا عاش في بيئة ثقافية، مكّنته من أن يعكف على إنتاج عدد محترم من الروايات المميزة آخرها «مجلد» بألف صفحة أو يزيد يصعب حمله كما يصعب إيجاد الوقت اللازم لقراءته، وكان الحلّ أن تأتي بمضمونه مسجلاً على أسطوانة يترجمها لك الكومبيوتر، فإذا «البدوي التائه» يخاطبك بواسطة آخر ما أبدعته العقول المعاصرة من وسائط المعرفة.

كنت أعرف الشاعر محمد الفيتوري سودانياً، لكنني حين التقيته في طرابلس تبيّنت أنه قد اكتشف جذوراً لقبيلته في ليبيا، وهكذا فلقد قبل العرض بأن يحمل جنسية الجماهيرية وبأن ينتسب إلى السلك الدبلوماسي لينتقل من الكهولة إلى الشيخوخة بيسر، وفي تلك الأجواء الملونة التي يحتاج إليها المبدعون من أجل أن يمتّعونا بإنتاجهم.

وهكذا فقد تحوّل شاعر حرية أفريقيا إلى مبشر بالثورة من موقع الصعلوك الهائم على وجهه إلى «سفير» له حرّية اختيار المقرّ، وكان طبيعياً ان يختار موقع «العمل» أبعد ما يكون عن طرابلس وعن «الأخ القائد» وإبداعاته الفكرية وتحوّلاته المزاجية التي لا يمكن رصدها أو التنبؤ بها مسبقاً.

أما أولئك الكتّاب والمبدعون الذين تعذّرت عليهم مغادرة الجماهيرية وفُرض عليهم أن يعيشوا فيها فقد غرقوا في الصمت حتى نسي الناس أسماءهم وقصائدهم، كأحمد الحريري ورفيقة عمره الأولى فاطمة محمود.

القائد يرى الليبيين حميراً…

تبقى واقعة أخيرة أفترض أنّها قد تفسّر الكثير من سلوك «الأخ القائد» وموقفه من شعبه ومن قضية الحرية.

في زيارتي الثانية لطرابلس، كموفد خاص من دار الصياد، صحبت إلى لقاء محدّد مع «الأخ العقيد» مراسل الدار هناك الزميل مهدي كاجيجي، الذي كان يكتب في مجلة «الحرية» الليبية، وهي ذات مستوى مقبول.

قال لي مدير مكتب «الأخ القائد» همساً وهو يشير إلى مهدي كاجيجي: مَنْ هذا؟! وعندما عرّفته به انتحى بي جانباً ليسأل: وهل هو ليبي؟! قلت: نعم، وهو كاتب وصحافي في مجلة «الحرية». وردّ بشيء من الحدة: لن يدخل معك. قلت: بل لا بد أن يدخل، فهو زميلي ثم إنّه مراسلنا هنا.

دخل مدير المكتب على «الأخ العقيد» ثم عاد إليّ مغضباً وهمس: لا يريد الأخ معمر أن يدخل معك.

أمام إصراري عاد فدخل على الأخ معمر، ثم جاءني يطلب أن أدخل وحدي، بداية، لأشرح له سبب الإصرار على أن يكون زميلي معي… ودخلت فبادرني الأخ معمر: مَنْ هذا الذي معك؟! وعندما سمع تعريفي لزميلي قال وهو يشيح بوجهه: إنسَ أمره. لن أستقبله. قلت: إذن سأعتذر منك عن إتمام المقابلة وسوف أخرج.

قال: ولماذا تصرّ على حضوره! إنه ليبي، إذن فهو حمار!

بُوغِتُّ فقلت بسرعة: عفواً؟!

قال بإصرار: الليبيون حمير، كلّهم حمير، لا يمكن أن يكون بينهم كاتب أو صحافي!

ويبدو أنّه تيقّن من أنني سوف أخرج من دون إجراء المقابلة فتشاغل بالنظر من النافذة بينما أنا أستأذنه في المغادرة، ثم التفت إليّ وقال كمن أسقط في يده: باهي، باهي… هات هذا الحمار طالما أنك مصرّ على صحبته.

وفتحت الباب لأطلب من مهدي كاجيجي الدخول محاولاً أن أثبت للقائد أنّ رعاياه ليسوا حميراً.

عند العودة، وجدنا بشير كاجيجي، الأخ الأكبر لمهدي، في انتظارنا في فندق قصر ليبيا، وبادرنا على الفور هامساً: هل قابل قائدنا واحداً من حميره!!

وامتنعنا عن الضحك علناً حتى لا نُؤخذ بالشبهة!

وللحديث عن غرائب صاحب الكتاب الأخضر تتمّة ستجد وقتها.

Advertisements