ثورات “الزمن الصعب”

ثورات "الزمن الصعب"

ذكّرتني محاضرة البروفسور المعروف، آصف بيّات، التي ألقاها قبل يومين بدعوة من برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا بمقالة له كان قد نشرها قبل ثلاثة أعوام، عنوانها “ثورات الزمن الصعب”، أشار فيها إلى أن إحدى مشكلات الثورات العربية أنها حدثت في وقتٍ كاد العالم فيه أن ينسى معنى الثورة. وقد سألته قبل المحاضرة المُشار إليها أن يفصّل أكثر في هذه النقطة، فكان رأيه أن العالم الآن لا توجد فيه “حركات ثورية” حقيقية، كما كانت عليه الحال خلال القرن العشرين، على الرغم من كل مظاهر عدم المساواة والفقر وضعف الحكم الرشيد… إلخ، فثمة فارق كبير، بحسب بيّات، بين وجود “حالة” أو مطالب ثورية، وأن تنتج هذه الحالة والمطالب حركات ثورية قادرة على بلورتها وترجمتها، والأهم من ذلك تنفيذها. وبالتركيز على العالم العربي، يشير بيّات إلى أن الربيع العربي لم يولد إيديولوجيا ثورية جديدة، فالمنطقة، بحسبه، شهدت ثلاث إيديولوجيات ثورية في القرن الماضي، وهي: الإيديولوجيا المضادة للحكم الاستعماري (أنتيكولونيال)، والأيديولوجيا الماركسية بتشعباتها القومية والوطنية، والأيديولوجيا الإسلاموية الراديكالية.
نقطة الضعف في انتفاضات “الربيع العربي”، كما يراها بيّات، عدم قدرة “الأقلية الثورية”، بحسب تعبيره، على الوصول إلى السلطة، والشروع في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وإعادة توزيع الثروة والسلطة بشكلٍ يضمن عدم عودة القوى القديمة مرة أخرى. ما يأخذنا إلى مفهوم الثورة بحد ذاته، والتي يعرّفها بيّات بأنها “حالة تحوّل جذري في الدولة ومؤسساتها وثقافتها، تتم فيها إعادة تشكيل علاقات القوة لصالح القوى والقيم الجديدة”، وهو ما لا ينطبق على جميع حالات الربيع العربي، بما فيها الحالة التونسية التي لا تزال في بداية مرحلة “الترسخ الديمقراطي”. وهنا مكمن الأزمة التي تعانيها الآن النخب الثورية (إذا جاز التعبير)، والتي لا تعاني فقط غياب الرؤية والاستراتيجية، خصوصاً في مرحلة ما بعد الثورة، وإنما أيضاً أصابها التشرذم والتفتت، ما ساهم في إجهاض الثورات، وعودة البنى القديمة إلى فرض نفسها ومنطقها في أكثر من بلد.
ولعل نقطة الخلاف مع هذا الطرح هو افتراض امتلاك الثوار، ابتداء، برنامجاً “ثورياً” جاهزاً، واستنادها إلي تنظيمات قويةٍ، تمتلك موارد كافية لتطبيق هذا البرنامج، فالثورات العربية (أو الانتفاضات إذا شئت) جاءت بشكل عفوي وتلقائي، ولم يتم التخطيط لها مسبقاً (دعك من عبث الحديث حول نظرية المؤامرة، وأن الثورات ما هي إلا مخطط غربي لتفتيت المنطقة، والتي يستخدمها السلطويون لتبرير قمعهم الثورات….إلخ)، ونتذكّر جميعاً أن مطالبها لم تكن، في البداية، ثوريةً، وإنما إصلاحية بالأساس كإقالة وزير، أو تعديل دستور، أو منح بعض الحريات، لكنها، بفعل رد الفعل السلطوي من جهة، وخروج الشارع من جهة أخرى، حوّلها إلى ثورات. بكلمات أخرى، لا يُلام الثوّار، بالضرورة، على عدم قدرتهم على تنظيم أنفسهم في مرحلة ما بعد الثورة، بقدر ما تُلام القوى التقليدية ذات البنى التنظيمية الراسخة، كالحركات الإسلامية، على حمل مطالب الثورة وترجمتها في برامجها ورؤاها، وهو ما لم يحدث. الأكثر من ذلك أن المؤسسات القديمة (كالجيش والشرطة والقضاء وشبكات المنتفعين من الاستبداد) لم تقف متفرجةً على الثورات والانتفاضات العربية، وإنما قامت بدورٍ قوي منذ بداياتها، من أجل إجهاضها. قطعاً، لا يُعفي هذا الطرح الثوار من بعض المسؤولية فيما آلت إليه الثورات العربية، لكنّ من التجني المنهجي والتحليلي إلقاءها بالكامل عليهم.
ويظل ما طرحه البروفسور بيات بشأن الثورات العربية أمراً مثيراً للنقاش والتفكير، خصوصاً أنه ينطلق من أرضيةٍ تحليليةٍ وأكاديميةٍ بحتة، وليس موقفاً أيديولوجياً رافضاً لها، كما قد يفعل باحثون آخرون شرقاً وغرباً.

خليل العناني
20 مايو 2016

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية. عمل كبير باحثين في معهد الشرق الأوسط، وباحثاً في جامعة دورهام البريطانية، وباحثاً زائراً في معهد بروكينجز.من كتبه “الإخوان المسلمون في مصر ..شيخوخة تصارع الزمن”.

Advertisements