كاسترو : كاوبوي الأبقار المقدسة

cyx3h9-xeaastar

الأسد، نصر الله، بو تفليقة الذي أعلن الحداد أسبوعا كاملا على كاسترو… صحافي من أكثر الصحافيين الوصوليين، كتب عنوانا على صحيفته التي ليس فيها سواه: رحل آخر العظماء! عظمة كاسترو كانت في مقارعة الإمبريالية، وكل هؤلاء يدعون بغض ليلى الإمبريالية وليلى لا تقر لهم بذاك. الناس الذين ليس لهم رب يبحثون عن رب فلا بد من أيقونة أو رب من بعيد.

إِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ…

حياة “فضل” كاسترو زاخرة بالأحداث فهو رجل استثنائي، ومن أكثر شخصيات القرن العشرين شهرة، الزعيم الساحر لجزيرة الكاريبي الصغيرة التي تبعد تسعين ميلا فقط عن أمريكا، استطاع أن يستمر في السلطة خمسين سنة، رغم تحديه لها في أمريكا اللاتينية ملعب أمريكا المعتاد، بل قارعها في أفريقيا وآسيا أيضا، لكني أحب قصة البقرة من سيرته، وواقعة الحمامة.

كان الثوار الكوبيون يتساءلون: لمَ لكوبا كل هذه السمعة الثورية وتعيش بكل هذا الغباء؟!
 كان الرجل الذي يقدس الماركسية اللينينية أسطورة حية، فصار وهو يرتدي أديداس خرافة ميتة. 

كان الكاتب الأمريكي جورجي أن جيير، يندب الحياة المتأنقة في كوبا، في الأربعينات، كما نندب نحن الفترة بعد الاستقلال في سورية، أو يندب المصريون عهد الملك فاروق، المهم أن “أمير حرب العصابات” وهو عنوان كتاب جيير، من الشخصيات الكاريزمية أمثال الخميني والقذافي وعبد الناصر وشافيز.. ويشير جورجي إلى أهم خصلة في الشخصية الكاريزمية وهي القدرة على توجيه الانفعال بعامل: المسافة. الكارزمي يحب أن يظل  غامضا ومبهما، وهو أمر لم يدركه زعيم أكثر من حافظ الأسد إذ كان يقدّس معادلة” الغيبة والحضور”، والسبب هو  معتقد طائفته. كاسترو حوّل جزيرة صغيرة إلى قطب عالمي، كما حول الأسد سوريا لاعبا إقليميا، كلاهما فعل ذلك لكن على حساب الشعب المغيّب، وكلا البلدين سيتحولان قريبا إلى ملعوب به، واحد تحول والثاني على الطريق، وهناك مراهقون صفقوا لراؤول الوريث عندما صدّ أوباما الذي وضع يده على كتفه، راؤول كان أنضج من كاسترو، وسلوكه أقل سوءا، لكنه سلوك شخصي، فكلاهما، الثائر والوريث وضع قدمه: على رقبة الشعب.

كان كاسترو كتوما، وصديقا حميما لمانغستو سفاح أثيوبيا الدموي، وصنوا لماريوس قبرص، وصديقا لماوتسي تونغ، ولمعمر القذافي، وبشار الأسد …

 الطيور على أشكالها …

إنه أحد أبطال القرن العشرين، والحق أنه ابتكر تكتيكا هو تكتيك مقاومة الضعيف، بدءا من عام 1959. كان هذا الرجل هو العامل الحاسم في سقوط خرشوف، والباعث على قتل كيندي، والموشك على إشعال حرب نووية، وهو بطل تجليل أمريكا بالعار في خليج الخنازير، جلل مقاتلون صوماليون أمريكا بالعار في الصومال لكنهم مجهولون حتى الآن، كاسترو أدى بأمريكا إلى غزو فيتنام، وهو الباني حائطا أكبر من حائط برلين حول كوبا، والذي هدد بفضيحة ايران جيت، وحوّل هافانا التي كانت قبلة السائحين إلى بلد فقير. يفرح أمثالي من العالم الثالث أو حتى من العالم الأول الذين يزورون كوبا فيرون شعبها فقيرا، متسولا إن لم يكن صراحة باليد فبنظرات العين، لقد بقيت كوبا على عصر همفري بوجارت، جمدت  وحنّطت مثل حشرة جميلة.

إنه كما قال عنه رفاقه: مثل الشمس من بعيد دافئة ومن قريب حارقة، والأغنية الشعبية الكوبية “ذلك رجل مأفون” لم تكن عن رونالد ريغان وإنما عن كاسترو!

رحل أكثر أصدقائه الثوريين بالانتحار: أوز فالدو دورتيكوس، أول رئيس لكوبا الثورية، وأوغستو سانشيز ووزير العمل وألبرتو مورا السفير الكوبي، الحكم على أورنالدو أكاوا سانشيز قائده في الموناكدو بالإعدام، يده اليمنى في الاقتصاد أوسماني سيانفو يجوس إلى سفارة فنزويلا… لاحقا صار الانتحار موضة ثورية بين شباب كوبا بسبب الإحباط…

أساليب التملق هي نفسها: زيارات السهرة، التي كان الناس ينتظرونها، كان يقوم بزيارات مفاجئة للشعب، وليس كالسيسي الغشاش الذي يزور رجال مخابرات متنكرين في زي الفلاحين، الذي ليس في حياته سوى شخصيات مثل زينب صاحبة الحلق وفتاة العربة.. أما كاسترو الذكر فيلخص تصريح الممثلة الكوبية التي صارت مترجمة له فحولته: ما أن يخلع سرواله حتى يفرغ بسرعة! كان دائما أمام العين لكنه غائب مثل زعمائنا الأفاضل. أما رفاهية الرفيق فحدث ولا حرج فهو ينتجع في “الجزيرة الرملية” المرفهة، التي كان يجري فيها صفقات هي جزء من النزعة الرأسمالية للرفيق الاشتراكي، ومنتجع بارلو فينوتو المعزول على كوبا والمفتوح على البحر..

 نشأ كاسترو في جاليشا، وهم قوم يتميزون بالكتمان، ولا يؤمنون بالحلول الوسط وإذا كنا نلعن النفط ونحيل إليه هزائمنا فإن المثقفين الكوبيين يلعنون قصب السكر.

هو ابن سفاح لجندي جاء مع الجيش الإسباني الغازي، وصار إقطاعيا، اسمه أنجيل كاسترو، يقال إن أكثر الطغاة هم أبناء زنا، ويروي مارت روربير صاحب كتاب رواية الأصول أن الأبطال يتامى باحثون عن الأب، ويحكى عنه أنه كان يغار من شقيق زوجته دياز ذي الأصول النبيلة، وكان فيديل عكس أخيه راؤول، عنيفا ويحب القمار مثل أبيه، حياته دائما كانت على الحافة، ولا يعرف عدد المرات التي نجا فيها من محاولات القتل والمغامرة الانتحارية..

أرسل وهو في كلية الحقوق تهنئة إلى الرئيس روزفلت ويطلب 10 دولارات عليها توقيعه وقد وصلته رسالة فعلا وعليها توقيع الريس فغضب صاحبنا لأنه كان يريد 10 دولارات!

تدرب على الخطابة وخفف من الإسبانية لصالح المحلية البسيطة، قاد مظاهرة طلابية لتخفيض أسعار النقل، فقابل الرئيس زعماء المظاهرة وأخذهم إلى الشرفة، فعرض كاسترو على زملائه رمي الرئيس من الشرفة، وإعلان الثورة! 

تأخر عندما اقترح عليه جيفارا الدخول في الشيوعية قال بشرط: أن أكون ستالين كوبا، وكان يقرأ كثيرا، ويتمنى لو يكون روائيا بقامة صاحبه ماركيز. كان زميله ليونيل جوميز أول ضحاياه قتلا، قتله بالرصاص على منافسات طلابية؟

يبدو أن معاداة أمريكا تفغر الذنوب عند اليسار..

واللافت أن كل علاقاته النسائية كانت مع بنات من الطبقة العليا اللاتي يتحدثن الإنكليزية، لكن كثيرات من غانيات الطبقة المخملية شكين ميله إلى الخطابة أكثر من الجنس، كان يكذب كما يتنفس، الكذب سماد الطغيان.

وكان يحب الديمقراطية فقط للوصول إلى السلطة، أحب ناتالي على زوجته مارتا، أما عشيقاته فكثيرات، أحب الناس تصرفاته الصبيانية، وطريقة البوح في الخطب.

ثمة مفارقة مضحكة وهي أنه عمل محاميا مرة لنفسه وهي واقعة لا تحدث إلا في المسرحيات، دافع عن نفسه في المحكمة بعد أن رضيت المحكمة أن يلعب الدورين: المتهم والمحامي، واقعة لا تقع إلا في فلم كوميدي، كان يحامي عن نفسه ثم يجلس في القفص!

قدرته على الإقناع كبيرة، يقال إن تشي غيفارا كان مستعدا للموت من أجل الماركسية، أما فيدل فكان مستعدا للعيش من أجلها.

كتلة الشحم والزيت صار “الرب وقيصر من لحم ودم” بعد الثورة

كان يعيد في خطاب الثورة أنه تولاها وهو في سنِّ المسيح عندما قام. يحب الاستعراض. في 1989 كان يحتفل بالذكرى الثلاثين للثورة، في تلك المناسبة، وقد بلغ الثانية والستين، وأشيع أنه مصاب بالسرطان وسيتوقف عن تدخين سيكار “روميو وجوليت”، خطب خطبه طويلة تشبه التأبيدة، هتف: الماركسية اللينينية أو الموت.

يومها أطلقت ست حمامات، فحطت إحداها على كتفه، فانسحرت به الجماهير، لقد رأوا معجزة رأي العين! كثير من الناس  سجد.

وقال أعداؤه الكارهين إن كاسترو كان يضع حبوب قمح على رأسه وقال بعض العلماء إنه حمام مروّض ومدرب، لكن كثيرا من حمام الحظ وغربان الخداع هبط عليه، وهو موهوب وشجاع، ومتهور، لقد كان ممثلا بارعا، طلب في تلك الخطبة أن تفتح له الجماهير الطريق ليقدم الاحترام للرئيس الصوري الذي يعادل عدلي منصور المصري، فبدا وكأنه خارج من أسطورة يونانية، وصفه مسؤول أمريكي بأنه رجل يعرف كيف يضغط الأزرار.

إنه صاحب ظاهرة “الفدللة”، التي يمارسها كل طغاة العالم، السيسي يمارسها تساعده كل أموال الأرض وكل طغاتها المنتخبين وغير المنتخبين.

ولأنها ثورة أحرق كاسترو ودمّر تماثيل من العهد البائد، ودمّر متاحف فريدة تحوي أنواعا من الحشرات والحيوانات، وكانت كوبا تسبح في النفط الروسي الرديء الذي يتسرب من الآليات في كل مكان، وكانت لكاسترو أحلام طوباوية، كان يحلم بكوبا من غير مال، شيوعية، ويروي الرواة كيف غضب يوما على قطع شجرة فأخبروه أنهم قطعوها من أجل تركيب برج الهاتف، فأطلق النار على خطوط الهاتف مثل دون كيشوت مجنون، كان يحلم بكوبا “قدِّ الدنيا”، واعترف أنه فاشل، وأراد إنجازا يسجل باسمه، كان يحلم بأن يصير الطلاب أساتذة فورا، البقرة هي التي خلبت لبه فصارت مشروعه القومي كما صار جهاز الكفتة مشروع السيسي، أظن أنّ صديقه المقرب، الروائي ماركيز، استلهم مشهد البقرة في السدة الرئاسية من حياة كاسترو، ربما خريف البطريرك أيضا، ماركيز روائي جيد، الشرف أمر آخر، أطعم الفم تستح العين، لو حظي كاتب هذا السطور بزيارة هذه الأيقونة الثورية، وصورة معها لأبرزها متباهيا بها…

لو كانت الزيارة للبغدادي أحسن!

بعد وقوع كاسترو في حبِّ البقرة المقدسة تحولت كوبا إلى مخبر جينات، كان يريد أن يخلق بقرة مثل ناقة صالح فهجن بقرتي الكيبو والهولستين. وصار مهووسا بالثيران، وهذا طبيعي فهي فحول البقر، إلى درجة أن إسطبلاتها كانت مكيفة الهواء! وكان يجرى لها جنازات إذا ماتت! وحين وصل أندريه فوازون إلى مطار هافانا كان كاستروا بانتظاره!

تصور معي: رئيس دولة وقائد ثورة يستقبل مهندس جينات متواضع في المطار، في الثانية صباحا! وبدأ كاستروا، حملة مقدسة لترسيخ “مذهب العشب”، وأصبح فوازون بطلا لكل أبقار كوبا المقدسة.

وحضر المهندس الزراعي الفرنسي رينيه ديون إلى كوبا عدة مرات، راثيا في نفسه، سوء الاقتصاد الكوبي وتآكل التربة، وكان من حسن فوازون أنه مات فعمل كاسترو جنازة رسمية له، وأبدى ديكتاتور الأبقار إعجابه بعقار الإنترفيرون، فاستدعى كارل كنتل من فنلندا، فذهب العالم الشاب ليقيم في قصر فاخر، يسمون عادة  هذه القصور بقصور الشعب ويقيم بها مسؤولون لا يُسألون، وهم يسألون! استغرب العالم الشاب أنّ المصور يصاحبهم دائما حتى على الغداء! وكانت البقرة مريضة، بها ورم خبيث، لم يفلح معه العقار الجديد، ونالت بقرته لقب “الضرع الأبيض” لكنها نفقت، أصيبت من كثرة المعالجة بالسرطان، فحنّطها، حتى تصير ملهمة للأجيال!

حتى موسم حصاد قصب السكر الذي شارك فيه مسؤولون كبار وضيوف مثل أندريه كروميكو الذي كان زائرا، لم ينتج من محصوله الموعود سوى تسعة مليون طن، وسيضطر الرفيق الكاوبوي إلى استيراد سكر أرخص وبجودة أقل!

وفي مناسبة هجوم المونكادا في 26 يوليو 1970 وقف وخطب قال إنه نادم و”ما عنديش”، اعترف بأخطائه وعرض الاستقالة وربما تأسى بعبد الناصر وهو يعرف النتيجة، فهتفت الجماهير التي صار أباً لها وقد خافت من اليتم: لا لالا.

تقول النساء اللاتي كان يطلبهن إلى قصره على ساحل فيراديرو إنه لم يكن يخلع حذاءه أبدا!

من طرائف هذا الرجل أنه أعلن الحداد على الدكتاتور فرانكو أسبوعا كاملا!
تكبير..

الإثنين، 28 نوفمبر 2016 05:07 م
كاسترو : كاوبوي الأبقار المقدسة

الجامعة العربية .. دار المسنين والعجزة

        العراق ، سوريا ، ليبيا ، اليمن ، تشتعل معا وفي وقت واحد .. والبقية .. حال مصر .. نار تحت الرماد تنتظر الفوران .. إيران تتحدى الخليج للهيمنة على المنطقة .. تقارب وتجاوب ايراني امريكي .. انحسار الدور الامريكي بوصفه الضامن النهائي للاستقرار.. كل هذا يحدث في وقت واحد .. يمكن للمرء أن يفكر او يتوقع من الجامعة العربية مسعى لاثبات وجودها ولتأكيد ذاتها .. لكن بدلا من ذلك ، اضحى هذا الجسم الرميم يتدحرج نحو انجراف الى العمق اكثر من أي وقت مضى .. على ما يبدو، وببساطة لا تحمل فكرة التجديد ، سوى اقالة الأمين العام الثمانيني ، وتنصيب اخر سبعيني .. ولا جديد . 

      ومع ان دورها الافتراضي .. تقريب وجهات النظر بين الاشقاء وتوحيد صفوفهم واستيعاب خلافاتهم .. لم يحدث ان خرجت باجماع توافقي دون انحياز لطرف .. مع ان دستورها التصويت بالاجماع .. وكان يمكن لها ان تحدو حدو بسمارك موحد ألمانيا ، أو ان تعتبر بتجارب اخرى كالوحدة الايطالية .. لكنها لم تكن يوما جامعة عربية ، بقدر ما كانت مكتب جانبي لقسم العلاقات بوزارة الخارجية المصرية . 

    تأسست الجامعة عام 1945 بالقاهرة عندما كانت مصر منارة للعلم والمعرفة .. وفي هذه الأيام فإنه بالكاد تجمع الطاقات للتوافق حول اختيار رئيس جديد .. وفي وقت سابق من هذا العام ، أصرت مصر على ترشيح آخر وزير خارجية لديها .. متقاعد وعاطل عن العمل ، أحمد أبو الغيط ، وفي العادة تجاري الدول العربية الأخرى المطالب المصرية بالابقاء على المقر والرئيس ادراكا منها بأن لا دور لهذه المؤسسة يزيد عن لقاءات وحفلات مجاملات .. مع ان قطر قدمت التماسا تطلب فيه تجديد دماء الجامعة وتقديم الشباب بدل الكهول المتقاعدين من بقايا عهد مبارك المتصلب .

     المشاحنات العربية العربية والتوترات فيما بين رؤساء الدول العروبية .. ليس شيئا جديدا. والفجوة بين الخطاب والواقع لازمت معارك الجامعة منذ البدايات الاولى .. اغتصاب فلسطين عام 1948، كان بفعل غياب التنسيق الذي هو دور الجامعة .. بل انها فشلت في كل المحاولات الساعية الى توحيد أعضاء الجامعة ضد اسرائيل .

       لكن الآن يبدو ان شيئا فاسدا ليس فقط في المؤسسة ، ولكن في الفكرة التي بنيت اطنابها عليها .. وبمعنى ما ” الدور الذي انيط بها عفا عليه الزمن ” ، فكرة القومية العربية قد ماتت .. وفاحت منها مع مرور الزمن روائح العنصرية النتنة .. بعدما افقدت العرب اقوام ناصروا قضاياهم ، وجمعهم تاريخ وعيش مشترك .. وهم شركاء لهم في الاوطان .. كالامازيغ مثلا . 

      اقتصاديا ، رغم كل الوعود والاجتماعات والقرارات بتحقيق منطقة للتجارة الحرة العربية ، إلا انه لم يتحقق شيء أبدا .. وحجم التجارة وتداول راس المال بين الدول العربية اليوم .. أقل من 10٪ . 

     سياسيا، إسرائيل ، العدو المغتصب اللدود .. صار شريكا في السلام ثم اضحى حليفا .. وصارت الدول العربية اكثر قبولا لاسرائيل ، والسعي للتطبيع من تحت الستار بالامس ، بات جهارا نهارا وفي العلن ، وسقطت شعارات مقاطعة الكيان الصهيوني ، ليحل بدلا عنها التطبيع ، والسلام الابدي ، وابناء العم سام .. مع محاصرة الجيوب التي لا تزال يرهقها التعنت ، بل وصار من اليسير للاسرائليين الدخول الى بعض الدول العربية ، ومن الصعب على الفلسطينيين .. والسفارات الاسرائيلية ومكاتب التبادل التجاري وافواج السواح .. حدث بلا حرج .. ولعل من بين الاوصاف الصائبة للمشهد المترهل ما قاله احد القادة في القمة الأخيرة للجامعة الغروبية .. ” أن اللغة العربية هي الشيء الوحيد الذي لا يزال القاسم المشترك بين العرب “.. واضمر التسابق على الارتماء في احضان اسرائيل طلبا لحماية العروش .

     بعد ستة عقود من التهريج وشعارات الوحدة وبرامج التعريب ، تعود المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال أفريقيا لتتخلى عن الخطوة نهائيا .. اللغة العربية لم تطور نفسها كما العبرية ، ولغة تدريس العلوم والتقنية تجاوزت الكائن الحي الميت بقرون .. واكثر من أي وقت مضى .. البعض يرمي بالاعباء على الحكام ، واخر على دور الجامعة التي هي ليست سوى غرفة للقاء الحكام ذاتهم .. ويبدو أن المستعمرات البريطانية السابقة في الشرق الأوسط تفعل الشيء نفسه مع اللغة الإنجليزية .. فالشباب العرب في الخليج اليوم .. يؤثرون استخدام اللغة الإنجليزية أكثر من العربية .

      الجامعة العربية خسرت الرهان في حلبة المصارعة مع نهاية عصر الأبطال ، وتآكل الأيديولوجيات المتعددة .. القومية منها بالذات .. وفشلت في إيجاد آلية لإدارة التنافس .. نخرها السوس .. واصابها الشلل .. بسبب الخلافات الطائفية والإقليمية ، واصبحت اليوم مكتوفة الايدي تقف على مدرجات المتفرجين .. تتحسر على الدول العربية تحترق في صمت .. والقنابل تنهمر امطار تقصف المأذن وتطمر الاطفال والنساء تحت الانقاض .. بل ووقع اعضائها صكوك الغفران مسبقا لتبرير كل التدخلات الاجنبية .. ولعل افضل وصف يليق بالجامعة العربية اليوم .. دار العجزة والمسنين لايواء الدبلوماسيين المصريين المتقاعدين والعاطلين عن العمل .

    وثمة راي اخر يزفه مغردون في مناسبة اعلان جامعة الدول العربية أن أمينها العام الجديد، أحمد أبو الغيط ، سيدأ مهام عمله رسمياً ، الأحد المقبل ..  : (  أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يواصل إعادة رجال النظام السابق و”أعداء” ثورة 25 يناير إلى الساحة السياسية بقوة، وأن أبو الغيط عيّن “مندوبا لإسرائيل وممثلا لها” في الجامعة العربية..   تذكيربالمؤتمر الصحفي الذي عُقد في القاهرة بين أبو الغيط وتسيفي ليفني ، الذي أعلنت فيه الأخيرة بدء الحرب على غزة، بينما وقف الوزير المصري صامتا )

    المغرب اختصر المسافة .. رفض  استضافة مؤتمرالقمة السنوية لجامعة الدول العربية .. بسبب عدم وجود فائدة حقيقية لأنشطة الجامعة.

عابد

علاء الأسواني: هل ينفصل الأدب عن معركة الحرية..؟!

Kolumnisten Al-Aswani

في شتاء عام 2010، قبيل الثورة المصرية. قابلت بالصدفة  أحد أشهر الروائيين المصريين ..أثنى على أعمالي الأدبية فشكرته ثم قال:

ــ أنصحك بالتركيز في الأدب والبعد عن السياسة لأنها مضيعة للوقت والجهد.

قلت له:                                                                     

ــ  السياسة مصطلح لايستعمل الا في النظام الديمقراطي حيث يجتهد رجال السياسة حتى يفوزوا في الانتخابات ويصلوا إلى السلطة. الوضع في مصر مختلف. هناك نظام فاسد ينهب المصريين ويقمعهم وأنا أشارك الناس في معركتهم  من أجل الحرية.

ابتسم الروائي الشهير وكأنه يشفق علي من سذاجتى وقال:

ــــ لن يحدث أي تغيير في مصر. المصريون يعشقون الفرعون وهم الشعب الوحيد الذى مارس عبادة الحاكم. لو أسقطتم مبارك سيبحث المصريون عن طاغية آخر لأنهم لايستطيعون العيش الا في ظل ديكتاتور.

استفزني رأيه بشدة وقدمت له أدلة عديدة من تاريخ مصر على أن المصريين – مثل كل شعوب الأرض –  لم يتوقف نضالهم من أجل الحرية يوما واحدا. احتدم بيننا النقاش وذكرته بمقالاته المشينة التى  كتبها في نفاق مبارك فقال بوقاحة:

ـــ لاتحاسبني على مقالات كتبتها في ظروف معينة. أنا مسؤول فقط عن رواياتي.

كثيرا ما أتذكر حواري مع هذا الروائي لأن ما قاله يشكل نموذجا يتبعه أدباء مصريون وعرب كثيرون في التعامل مع السلطة. في الدنيا كلها يدافع الادباء عن العدل والحرية ويدفعون ثمنا باهظا لمواقفهم. هكذا فعل ارنست همنغواي وجورج برنارد شو و وول سونيكا  وجون بول سارتر الذى أيد المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي وكان يوزع بنفسه منشورات الطلبة عام 1968في شوارع باريس وقد جاوز الستين و غابرييل غارثيا ماركيز الذى أصدر بيانا ووقع عليه وحده لادانة الاعتداءات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. هكذا يفعل الأدباء في العالم كله أما عندنا في العالم العربي فان أدباء كثيرين يتجاهلون القمع الواقع على مواطنيهم ويندفعون إلى نفاق الديكتاتور حتى ينعموا برضاه ويغرقهم في الامتيازات والعطايا، وبين الحين والآخر ينتقي الأديب المنافق معركة ثقافية لا تغضب السلطة فيصنع حولها ضجيجا كبيرا وكأنه يناضل بجد.

لدينا أدباء يسكتون على الظلم ولا يغضبهم تزوير الانتخابات ولا التعذيب ولا اعتقال آلاف الابرياء، لكنهم اذا منعت قصيدة من النشر في مجلة مجهولة نظموا وقفات احتجاجية ودبجوا بيانات غاضبة دفاعا عن حرية التعبير. الدفاع عن حرية التعبير واجب بالطبع لكن من يدافع عنها ويسكت عن انتهاك انسانية شعب بأسره يكون منافقا.

منذ أعوام أنشأ العقيد معمر القذافي جائزة أدبية  بمبلغ كبير من أجل تحسين صورته في العالم وعرض الجائزة على أكثر من أديب عالمي فرفضوا جميعا وأعلنوا أن مبادئهم لاتسمح بالحصول على أموال من ديكتاتور قاتل، في النهاية عرضوا الجائزة على ناقد مصري فقبلها شاكرا سعيدا وسافر لاستلامها مع بعض الأدباء المصريين الذين تباروا في مديح القذافي.

لماذا يعيش كثير من الأدباء المصريين راضين في كنف الاستبداد: هناك من يرى أن هذا السلوك يعود إلى القرن التاسع عشر عندما أرسل حاكم مصر محمد علي المبعوثين إلى أوروبا وعندما عادوا منحهم مناصب في الدولة فنشأت عندئذ الرابطة القوية بين المثقفين والسلطة. هناك رأي آخر يعزو تملق  كثير من الأدباء للحاكم إلى التقليد العربي القديم حين كان شعراء البلاط يتبارون في مديح الملك العربي مقابل العطايا التى يغدقها عليهم.

أيا كان السبب فالواقع ان لدينا أدباء كثيرين ينافقون الديكتاتور ويبررون ظلمه ثم يطلبون منا أن نحاسبهم فقط على أعمالهم الادبية وليس مواقفهم السياسية..هذه مغالطة كبرى:

أولا لأن الدفاع عن حقوق الناس وكرامتهم ليس عملا سياسيا وانما واجب انساني وثانيا لأن الأدب ليس مجرد حرفة وانما رسالة. من المفهوم أن  يقول النجار أو المهندس: “سأزاول حرفتي ولا شأن لي بما يحدث في بلادي”، لكن الأديب لايمكن أن يتجاهل المظالم التى تقع على مواطنيه لأن الكتابة في جوهرها دفاع عن الحرية والحق والعدل. الكتابة شكل ومضمون. الشكل يمكن لأي شخص أن يتعلمه أما المضمون فلا يتحقق الا بالموهبة التي ينشأ عنها ضمير نقي فائق الحساسية يتأثر بشدة من أقل انتهاك للانسانية. اذا فسد ضمير الكاتب لن يكون قادرا الا على انتاج الشكل فارغا من المضمون..  نحن نكتب أساسا دفاعا عن حقوق الانسان وكرامته فما معنى ان يشارك الأديب في تدعيم الطاغية ويسكت عن الظلم والقمع ثم يكتب رواية. ماذا سيقول في هذه الرواية ومن سيصدقه.؟!

الأديب الموهوب يمتلك عادة نفسا نقية نظيفة تتأثر من القبح والظلم فينفعل فورا ويبدع دفاعا عن المعاني الانسانية، فاذا اصبح الأديب مشاركا في القبح والظلم فلن يكون لديه ما يكتبه. اذا تلوث الأديب بالنفاق فان روح الفن تهرب منه فلا يتبقى له عندئذ الا الصنعة. هناك أسماء كثيرة في الأدب العربي بدأت الكتابة وهي مخلصة في الدفاع عن الحرية فلما فسدت وباعت أقلامها للديكتاتور لم تعد تنتج الا أعمالا أنيقة مزخرفة لكنها ميتة بلاروح. لعلنا نذكر كيف عاش عميد الرواية العربية نجيب محفوظ في خضم الدولة البوليسية الناصرية، لم يعلن معارضته للنظام لكنه أيضا لم يكتب حرفا في نفاق الديكتاتور بل وأصدر روايات تنتقد النظام مثل ميرامار وثرثرة فوق النيل.ان واجب الأديب الدفاع عن حقوق الناس وليس تدعيم  السلطة القمعية واذا تخلى عن هذا الواجب سيفقد احترامه وفنه معا..

الديمقراطية هي الحل

draswany57@yahoo.com

” مجينوف ” لم يأت ليلعب الشطرنج مع القذافي

 

" مجينوف " لم يأت ليلعب الشطرنج مع القذافي

بقلم : عبدالواحد حركات

الجبرية – هذا ديدننا ونغمنا الشجي منذ سنوات ..

نتغنى ونتباكى بألفاظ الجبرية وخضوعنا القسري لقوى مسيطرة خارجية تجبرنا على اقتراف ما نقترف من شناعات اسطورية، وتوسوس لنا بايدلوجيات التفرقة وتحملنا على صناعة الموت وتعاطيه وتداوله بيننا كنارجيلة بانجو “كنشة”.. ونتاسي عامدين أن الوجه الاخر للجبرية هو العجر أو البلاهة التي نتصف بها منطقيا، اذا سلمنا باننا ضحايا لاملاءات غيرنا وأننا ابرياء مما نقترف بحق بلادنا واهلنا.

لا اعتقد أن سهام القدر غرست بخاصرتنا دون أن ندري .. أو لعلنا لم نكن ندري أن خاصرة الوطن كانت عارية ومكشوفة وهدف متاح بشكل مجاني لمن يشاء .

السؤال المهم اليوم .. من اتاح لغير الليبيين فرصة التغلغل في ليبيا .. ؟ .. لا تنكروا أن القذافي فعل ذلك بإرادته وجشعه ونرجسيته – بداية بوضع توني بلير مستشاراً له، إلي علاقته بساركوزي وزوجته إلي الحقائب السوداء المتبادلة مع برلسكوني إلي العبث الخفي في أمن السودان ومصر إلي الجفاء والمباغضة التي وجهت لروسيا وقضية منصات صواريخ الدفاع الجوي والطائرات الفرنسية العاطلة .. إلي دهاليز لوكربي وأطفال الإيدز وقضية رهائن أبوسياف وقضية المسماري وبيع بواخر النقل الليبية، وظهور شكري غانم على ركح السلطة وتبعية شركة حسابات المؤسسة العامة للنفط، وأخيراً مراجعات الإسلاميين والافراج عنهم وخفايا مشروع ليبيا الغد .. وما أدراك ما ليبيا الغد.

لم يأت “كيرسان إيليو مجينوف “– رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج ورئيس جمهورية كالميكيا الروسية سابقاً – ليلعب الشطرنج مع القذافي بل ليساومه، بعضنا كان ساذجاً ولم يلاحظ البساط يحترق تحت اقدام القذافي حينها..!

ثورة فبراير- ليست قدر أحمق الخطى داس القذافي خطأً – بل قدر أراده القذافي لنفسه، وتفنن في اختيار اكسسواراته وتجهيزه بما يلزم منذ عام 2006 م، والمقربون منه يعرفون هذا جيداً، كما يعلم جميع الليبيين أنه كان يعتزم أو يتجهز للخروج في مظاهرة شعبية أمام قاعة الشعب بطرابلس للتنديد بسياسات وقرارات “البغداي المحمودي ” يوم “17 فبراير 2011 م”، وظن أن ما حدث في 1969م واستباقه ورفاقه لآل الشلحي سيتكرر ثانية، وغفل عن حقيقة أن رجال نظامه مخترقون ومنحازون لغيره، وليست لديهم الرغبة في التضحية إلا ما نذر- والحقيقة ماثلة أمامنا اليوم فلازالوا يأكلون ويشربون ويرقصون ويتاجرون ويشاهدون معاناة الليبيين عن بُعد وهم يرفلون بنعم ما نهبوا بزمن القذافي – كما تغافل عن هشاشة نظامه وسوء ادارته وفقدان الليبيين للثقة في وعوده واقواله..!

حقيقة .. للقذافي كم كبير من الأخطاء والسيئات وله حسنات أيضاً.. وعجلة التغيير التي وافق طائعاً على دورانها باتجاه أوروبا وأميركا, عبر كيمياء وصال مربكة وملوثة مع الجميع وعبر دهاليز لا يعرفها غيره – ربما كان قتله أفضل الخيارات للشركائه بالسوء فضمان صمته مطلوب مطلوب مطلوب- لم يسمح له بايقافها ولم تكن له القدرة على توجيهها بعدما عاد لسيرته الأولى ومزق علناً ميثاق الأمم المتحدة، وأعاد لأوروبا وأميركا مفاهيم وقناعات زمن “تاتشر وريغان” عنه، وكان لابد له من الموت، فلم يعد العالم والليبيين يطيقون بقاء ليبيا في عزلتها بعدما تغير كل شيئ وتحول العالم بإسره إلي غرفة جماعية أوجبت المساكنة..!

القذافي مات – انتهى ويجب أن نتجاوزه، ولم ولن يكون ليبيا كما لن يكونها سواه، يجب أن نسلم بهذا ونلتزم النقاء ونتآخى في ليبيتنا طائعين لا مكرهين..!